جوته وشيللر خمس قصائد قصصية

بقلم :   عبدالغفار مكاوي
1-9-2005
التقييم 3.0 بواسطة (1) قارئ 17 قراءة

يزهو الأدب الألماني الحديث, منذ ثلاثة قرون على أقل تقدير, بروائع ساحرة من (البالادات), أو القصائد القصصية, التي يتشابك في نسيجها السرد القصصي, والصراع المسرحي, والغناء الشعري, والشعبي الشجيّ. تأثرت هذه القصائد في بداياتها الأولى - عند شعراء مثل بيرجَرْ وجلايم وهولتي - تأثرًا شديدًا بمجموعتين من الأغاني الشعبية الإنجليزية والاسكتلندية, نشرهما مكفرسون وبيرسي في النصف الثاني من القرن الثامن عشر - ثم بلغت - أي القصائد القصصية - ذروتها الرفيعة الناضجة عند الشاعرين الكبيرين جوته (1749-1832) وشيللر (1759-1805), حتى أطلق على عام 1797 على وجه التحديد اسم (عام البالاد) الذي تألقت فيه صفوة أغانيهما القصصية البديعة. وفي هذه القصائد المختارة نقدم - مع شيء من التصرف! - ثلاثًا لشاعر الألمان الأكبر, واثنين للشاعر المثالي والمسرحي الشهير.


ملك العفاريت


مَن هذا الذي يسري في الليل والبرد والريح?
إنه الأب مع ولده المسكين.
بالأمس اشتعلت نار الحمى في الجسد الصغير. لمسته كف الأم ومرّت على الصدر والوجه والجبين.
صرخت من لسع الجمر المتقد وصاحت: ولدي! يا ولداه!
خذه إلى المستشفى القريب. لا تنتظر الصبح لكي لا تندم, لا تبطئ حتى لا يذهب منا ويضيع!
لفته في حزام من الصوف وغطته بالملاءة البيضاء.
ركب الأب حماره وحمل معه الولد العليل. احتضنه وضمّه إلى صدره وعلى الكتف أراح الرأس المحموم.
- ولدي! لِمَ تخفي وجهك, مم تخاف?
- أبي يا أبي! ألا تراه يا أبي هناك?
- من يا صغيري? من هذا الذي تراه?
- إنه يا أبي ملك العفاريت, يشير إليّ ويدعوني. على رأسه التاج المرصّع بالذهب والياقوت - ومن ظهره يتدلى الذيل الأسود الطويل.
- لا تخف يا ولدي. ما الشبح الذي تتخيله إلا غيمة من غيوم الضباب.
- أبي. إنه يقول لي: تعال - تعال معي يا ولدي الحبيب! سوف نلعب معًا أجمل الألعاب. وسنجري معًا على الشط وحولنا الورد وأمي العجوز ستهديك الثوب الذهبي الذي أعدّته لهذا اللقاء.
- اهدأ يا ولدي! اهدأ!
- ألا تسمعه يا أبي? ألا تسمع همسه في أذني بالكلام الحلو والوعود?
- قلت اهدأ يا ولدي! اهدأ فالمستشفى يقترب. المستشفى غير بعيد.
- مازال يلح يا أبي ويقول: ألا تريد أن تأتي معي يا ولدي الصغير? إن بناتي اللطيفات ينتظرنك يا ولدي من زمن طويل. سوف يرحبن بك ويستقبلنك كالأمير. وسيرقصن على شرفك, ثم يهدهدنك ويضعنك وسط الحلقة, ويهللن ويهتفن باسمك وبأعذب لحن سيغنين.
- اهدأ يا حبة عيني. ليس ما تسمعه سوى أصوات الريح ترفرف في أوراق الشجر الذابلة الصفراء.
- كيف لا تراهن يا أبي? بنات ملك العفاريت هناك في الأيك البعيد. في ذلك المكان الساكن المعتم الكئيب?
- ليس ما تراه يا ولدي سوى أغصان الصفصاف, تترنح في البرد والليل والريح.
- اسمع يا أبي! اسمع ما يقوله ملك العفاريت:
أحبك! أحبك ويسحرني وجهك الفاتن وشكلك البديع - تعال معي تعال معي تعال ولا تكن الولد العنيد! وإذا لم تطعني فسوف أستخدم معك قوتي وبأسي الشديد - آه!
إنه يمد يده إلي ويمسك بخناقي بيد من حديد. آه! أنقذني يا أبي! أحسّ في صدري وجنبي بالألم الشديد.
والأب أيضًا أحس بالألم الشديد وداهمه الرعب المخيف. ضرب بعصاه الحمار العجوز, الذي لم يكف عن لكزه طوال الطريق. لف ذراعه حول الجسد الواهن المحترق وشده إلى صدره ليحميه من البرد والضباب والريح. ما هي إلا خطوات حتى لاح المبنى الأبيض كالوجه الطيب من بعيد.وعندما وصل إلى البوابة الضخمة نزل من على الحمار الذي ربطه إلى حديد السور, وانطلق يجري إلى الداخل ليسلم الولد للطبيب.
قلّب هذا في جسد الو لد, تحسس جبينه, مال بجذعه وأحنى رأسه ووضع أذنه على صدره, ثم رفع قامته ووضع يده على كتف الأب الفقير وهو يقول: مات الولد. الولد مات.
* ملك العفاريت: بشيء من التصرف عن جوته.


صبي الساحر


أخيرًا غادر المعلم والساحر الخطير. صرت وحدي وخلا عليّ البيت الكبير. سأجعل أرواحه وعفاريته طوع إرادتي, وآمرها بأن تتصرف كما أحب وأشاء. حقًا أنا صبيه الذي يتعلم على يديه, لكنني سمعت كلماته وراقبت حركاته وسكناته وعاداته, وبقوتي وعزمي سأفعل الآن ما أريد, وأحقق مثله العجائب والمعجزات.
- أيتها المياه! أيتها المياه! تدفقي تدفقي!/وانطلقي وأغرقي!/البيت والفناء/والبهو والحديقة/وليهدر الطوفان/من داخل الحمام/وينتهي إليه/ولتغمر الدلاء/الزرع والبناء/بالماء ثم الماء/تصبه عليه./والويل كل الويل/حين يفيض السيل/لمن يسد طريقه, أو ينكر الحقيقة/تدفقي وفوري/وانطلقي وثوري/أيتها المياه!/أيتها المياه!/.
- وأنت يا أيتها المكنسة القديمة! هيا تعالي والعبي لعبتك الحميمة! - هيا ارتدي أسمالك البالية السقيمة, قد كنت دائمًا خادمة مطيعة, فامتثلي لأمري الآن, حققي إرادتي ورغبتي الفظيعة, قفي على رجليك, وارفعي الرأس لأعلى, واحملي الوعاء فوقه ممتلئًا بالماء! هيا اذهبي وعودي, عودي واذهبي دون تلكؤ ولا إبطاء! تحركي! تحركي أيتها المكنسة القديمة الحمقاء/تدفقي تدفقي/انطلقي وأغرقي/البيت والفناء/والبهو والحديقة/تدفقي وفوري/وانطلقي وثوري/أيتها المياه!أيتها المياه.
هاهي المكنسة تنحدر هابطة إلى شاطئ النهر, حقا! بل هاهي تملأ الوعاء وترجع مسرعة كالبرق, ثم تصل إلى هنا وتصب سيول الماء مرة بعد مرة بعد مرة, حتى يفيض الحوض وتمتلئ الجرار والقدور, والأوعية والأطباق والصحون, وتدفق من أفواهها الماء بعد الماء بعد الماء.
- كفي! كفي!/توقفي! توقفي! أيتها المكنسة المجنونة!/أيتها المكنسة الملعونة!/
لقد فعلت ما استطعت/أعطيت فوق ما انتظرت منك/شكرًا ثم شكرًا لك/لكن توقفي الآن توقفي توقفي! أوشكت المياه أن تسيل كالطوفان,/وتغرق النبات والجماد والإنسان,/ قلت توقفي/ لماذا تمعنين في العصيان? يا أنت يا نسل الجحيم أقلعي من غيك الشنيع, عودي كما كنت وأعطني الأمان/أواه ما الذي فعلته وما الذي مازلت تفعلين/ وكيف أوقف المياه عند حدها واتقي أذى السيل اللعين.
- ويلي! يا ويلي نسيت الكلمة! الكلمة التي ستوقف المكنسة الملعونة/الكلمة التي توقفها فورًا, إذا أخرجها من فمه المعلم الحكيم/ويلي أنا الغبي والملعون ياويلي نسيت الكلمة! الكلمة التي ترجعها كما كانت وتمنع المصيبة/توقفي! قلت توقفي أيتها المكنسة الرهيبة!
- لا لن أطيق هذا! لن أطيق أن يغمرني التيار/ويغمر السلم والحجرة والبهو وكل ما في الدار/لن أطيق هذه الكارثة الفظيعة/لابد أن أمسكها المكنسة المجنونة الخليعة/ويلي يا ويلي ماذا قد جرى?/قد غمر السيل المكان واستبد وطغى, هل أترك البيت يضيع كالفريسة?/لهذه المكنسة الخسيسة?/ قفي قفي, توقفي أيتها الدسيسة! هيا ارجعي كما كنت وأوقفي لعبتك الحقيرة/الماء فاض, أغرق الأعتاب, حطم الدولاب, جرف الأبواب, هدد السقوف والرفوف والحظيرة/
- مازلت لا تريدين أن تقفي عند حدك, إذا فلابد من الإمساك بك مهما كان الثمن. سألقي بنفسي عليك وأشطرك نصفين. هاهي البلطة في يدي ولن تهربي من مصير المارقين. هاهي ذي تعود وفوقها الوعاء يترنح ويدلق الماء. انتظري أيتها الروح الجاحدة فسوف تركعين الآن وتندمين. هاهي ذي الضربة تقصم ظهرك الملعون, تقطع خشبتك المهترئة بحدها المسنون - انشطرت إلى نصفين, وأستطيع الآن أن أتنفس وأستريح من القلق والجنون -.
- ويلي, ويلي/ الشطران يقومان الآن من الأرض/ يسابق أحدهما الآخر/ويحث الخطو إلى النهر ويمضي بالقدر الملآن! آه أيتها الأرواح العلوية! كوني في عوني, لا تذريني وحدي/لا تدعيني أهلك وأموت وأغرق كالفأر السكران/ويهلك معي البيت مع الأغنام مع الجيران.
وتواصل المكنسة - التي أصبحت مكنستين - لعبتها السخيفة. ويبتل كل شيء وتطمره المياه: القاعة والأعمدة والسلالم والحجرات والشرفات.
آه ويلي من هذا السيل المرعب!/ تعب القلب فأقبل, أقبل يا سيدي الساحر والراعي والأب!/اسمع صوتي, أدركني, سامحني واغفر لي هذا الذنب! - المحنة - يا من علمت صبيك - قاسية مرة/أنقذني وأنا أعدك ألا أفعلها أبدا, أعدك هذي آخر مرة/زين لي الطيش الأحمق أن أدعو الأرواح فلبت, وإذا البيت يصير بحيرة, لكني حين رأيت الخطر الداهم حاولت وحاولت لكي أصرفها/واستعصى الأمر علي ولم أعرف سره, ونسيت الكلمة وانقلب السحر على الساحر كاد يكلفه عمره/أدركني يا سيدي ومولاي/ أقر بجهلي ورعونتي, وهذي هي آخر مرة/
- وجاء المعلم الساحر العجوز فهتف على الفور:
أيتها المكنسة اللطيفة, هيا إلى الزاوية الأليفة,/ عودي إلى الركن الحبيب عودي/وعندما يدعوك صوت غير صوت الساحر العجوز فاصمتي لا تسمعي للوعد والوعيد/قولي له: السر لا يعرفه الصبيُّ/بل يعلمه المعلم الذي علمني, الذي ألزمني حدودي.
* صبي الساحر: بتصرف عن جوته.


ملك من تولا


- عاش في جزيرة تولا من قديم الزمان, ملك صان عهد الوفاء حتى الرمق الأخير. كانت زوجته قد أهدته وهي في غيبوبة الاحتضار, كأسًا ذهبية رائعة الحسن والجمال.
- لم يكن يفوق حبه لهذه الكأس شيء في الوجود, فهو يفرغها في جوفه مع كل طعام أو شراب. وكلما ارتشف منها ولو قطرة واحدة, طفرت إلى عينيه الدموع الغزار.
- عندما كبر في السن وشعر أن أجله قد حان, أحصى المدن والقلاع والأصقاع في المملكة. ثم قام بتوزيعها على ورثته من الأمراء, وتخلى عن كل شيء ولم يحتفظ لنفسه إلا بالكأس.
- جلس إلى المأدبة الملكية للمرة الأخيرة, ومن حوله جموع الفرسان والنبلاء والأمراء, هناك في البهو الفخم العالي بهو الآباء, في قصره الشامخ المطل على البحر الكبير.
- ونهض العجوز ووقف أمام النافذة, وراح يرتشف آخر جمرات الحياة, ثم انحنى ورمى الكأس المقدسة من يده في ماء البحر الجياش بالرياح والأمواج.
- أخذ يراقبها وهي تصطدم وترتطم بدوامات المياه, ثم تسقط وتغيب على مهل في الأعماق. هنالك أغمض عينيه وانسدلت فوقهما الجفون, ثم لم يذق بعد ذلك قطرة واحدة....
* ملك من تولا: عن جوته ويرجح أن تكون تولا هي جزيرة أيسلندا, وكان المؤرخون والجغرافيون الإغريق, يعتقدون أنها تقع عند آخر حدود العالم المعروف لهم في ذلك الحين.


صياد بجبال الألب


- (ألا تريد يا ولدي أن ترعى الأغنام? الأغنام الهادئة الطيبة التي تعيش على الأعشاب, وتمرح لاعبة على شط الغدير?).
- (أمي, أمي, دعيني أمضي يا أمي للصيد, هنالك فوق أعالي جبل الألب).
- ألا تحب يا ولدي أن تجذب القطيع الصغير, ليسير وراءك على أنغام البوق المرح وألحان النفير? فترن الأجراس بصوتها المحبوب, وتندمج مع غناء الغابة العجيب?
- أمي, أمي, قلت لك دعيني أسرح وأهيم, فوق أعالي الجبل الموحشة هناك.
- ألا يعجبك يا ولدي أن تتعهد الأزهار اللطيفة التي تنمو وتزدهر في أحواض الزهور? هناك لن تجد البستان ولا الحديقة التي ترحب بك وتدعوك, فما أفظع الوحشة في الأعالي المقفرة الجدباء.
- اتركي الزهور في حالها لتنمو وتزدهر في سكون, ودعيني يا أمي أذهب إلى قمة الجبل المكين.
- وانطلق الصبي في رحلة الصيد كما أراد, وقلبه يجيش بالرغبة والقلق والاندفاع الجسور, نحو البقعة المقفرة التي يرتفع فيها الجبل الموحش المهول. مرت أمامه بسرعة أشد من سرعة الريح, غزالة تعدو هاربة مرتعشة بعد أن لمحت ظله النحيل. راحت تتسلق أضلاع الصخر العارية كأنها تسبح أو تطير, وما إن لمحت شقا في الحجر المتصدع حتى قفزت تختبئ فيه. لكن الصبي النزق الجريء كان يتبعها وفي يده قوس الموت الوشيك. هاهي ذي فوق الحافة تتعلق بنتوء في أقصى الطرف الحاد, تتلفت حولها وتحتها, فلا ترى من درب أو سبيل, بل صخور منحدرة في عمق الهاوية السحيق, وتنظر خلفها ولا تلمح سوى العدو المتربص بها من قريب. إنها ترسل نظرات الرعب الخرساء, وتبتهل وتتوسل لصبي قاسي الفؤاد, لكن تتوسل عبثا إذ هاهو يضع يديه على القوس ويدخل فيه النبل الفتاك.
وفجأة ينشق الصدع الأسود في الجبل الأجرد عن روح طيب, وتتقدم منه عجوز الجبل ليهدئ من روعها, ويمر بيده الإلهية على ظهر الحيوان المعذب ثم ينادي وبأعلى صوت:
- أحتم عليك أن تجلب الموت والرعب إلى هذا المرتفع الذي أعيش فيه? إن الأرض تتسع للجميع, فلماذا تصر على مطاردة الغزال البريء وملاحقة قطيعي?!.
* صياد بجبال الألب: بتصرف عن فريدريش شيللر.


العهد


إلى مقر الطاغية ديونيس تسلل دامون, وكان يخفي خنجرًا في ثوبه. قبض عليه الحجَّاب وقيدوه في الأغلال, وقال له المستبد العابس المخيف: (ماذا كنت تريد بهذا الخنجر? تكلم!).
- (أردت أن أحرر المدينة من الطاغية!).
- (وسوف تندم على هذا عندما ترفع على الصليب).
قال دامون: (أنا على استعداد للموت, ولا أتوسل إليك لتبقي على حياتي, ومع ذلك فإن شئت أن تتعطف وتتكرّم علي, فإني أستسمحك في مهلة لمدة ثلاثة أيام, حتى أزوّج أختي لعريسها المنتظر, سوف أترك لك الصديق كضمان, ويمكنك أن تقتله إذا لم أوف بعهدي).
ابتسم الملك ابتسامة ماكرة وقال بعد أن فكر في الأمر قليلاً:
- (سأمنحك من عندي ثلاثة أيام, لكن بشرط أن تعلم: إذا انقضت المهلة قبل أن تسلم نفسك فسوف ينتهي أجل صديقك بدلا منك, كما ستعفى أنت من العقاب).
ثم التفت للصديق وقال:
- (أمر الملك أن أموت على الصليب, تكفيرًا عن ذنبي وجريرتي, وقد قبل أن يمهلني ثلاثة أيام, حتى أنتهي من تزويج شقيقتي, فابق أنت هنا لدى الملك وكن الضامن لعهدي, إلى أن أعود وأفك عنك الأغلال).
احتضنه الصديق الوفي في صمت وسكون, ثم سلم نفسه للطاغية, وذهب الآخر لحال سبيله. وقبل أن يشرق فجر اليوم الثالث كان قد جمع شمل شقيقته مع زوجها, وأسرع راجعًا إلى موطنه بقلب مهموم خشية أن تنقضي المهلة ويتأخر عن الموعد المرسوم.
وتصادف أن انهمرت الأمطار بغزارة, واندفعت السيول من أعالي الجبال, وجاشت الجداول والأنهار بالموج الصخاب. لم يكد يبلغ الشاطئ ويلقي عصا الترحال, حتى أطاحت الدوامة بالجسر وشدته للأعماق, وأخذت الأمواج التي تقصف كالرعد في هدم أعمدته وتحطيم أقواسه.
راح يذهب ويجيء على حافة الشاطئ, لم يجده أن يرسل البصر ويستطلع الآفاق, ولا أن يبعث بصوت ندائه في كل اتجاه, فلم يتحرك قارب واحد ليغادر الشط وينقله إلى بلده الحبيب, ولم يحرّك نوتي شراعه صوب المكان الذي يقف فيه, وتدافعت الأمطار فحوّلت النهر الوحشي إلى بحر.
جلس على الشاطئ وراح يبكي ويبتهل لزيوس بيدين مرفعوتين للسماء:
(أوقف يا إلهي غضب النهر! إن الساعات تمر والشمس الآن في الظهيرة, وإذا غابت قبل أن أصل إلى المدينة, فسوف يضيع مني الصديق بلا مراء.
لكن النهر تزايد غضبه باستمرار, وتكسّرت الأمواج على الأمواج, وانصرمت الساعات واحدة بعد الأخرى, عندئذ حفزه القلق المخيف فواتته الشجاعة, وألقي بنفسه وسط الطوفان الهدار, وراح يشق النهر بذراعيه القويتين, بينما الإله يباركه ويرأف بحاله.
وأخيرًا بلغ الشاطئ وأسرع خطواته وهو يشكر للإله الذي أنقذه. وفاجأه ظهور عصبة من قطاع الطرق انشقت عنها ظلمات الغابة المعتمة, سدوا عليه الطريق وراحوا يشهقون ويزفرون بأنفاس قاتلة, لم يكتفوا بإيقافه عن السير, بل أخذوا يهددونه بالهراوات.
هتف ووجهه شاحب من الرعب والذهول:
- (ماذا تريدون مني? أنا لا أملك غير حياتي, وحياتي سأسلمها حتمًا للملك!).
وفجأة انتزع الهراوة من أقربهم منه وهتف:
- (بحق السماء! أليس في قلوبكم رحمة!).
وبضربات عاجلة جندل ثلاثة من الأشقياء فلاذ الآخرون بالفرار.
والشمس ترسل حممها الحارقة, ويسقط على ركبتيه, وقد أضناه الجهد والعناء:
- (لقد أنقذتني من أيدي قطاع الطرق, وترفقت بي وأعنتني على عبور النهر إلى بلدي المقدس, فهل قضيت على بأن أهلك في هذا المكان بينما الصديق, صديقي الحبيب, يموت هناك?).
أنصت وإذا به يسمع صوت خرير ناعم, يتدفق ويتألق بالقرب منه, وإذا بنبع يتفجّر من قلب الصخر ويتمتم ويثرثر, ويركع على ركبتيه, وقد غلبته الفرحة, ويطفئ ظمأه وينعش أعضاءه الملتهبة.
وتطل الشمس من خلال الغصون والأوراق, وترسم ظلالا هائلة على الأشجار وخضرتها الناصعة. رأى اثنين يعبران الطريق من بعيد, وخطر له أن يهرب منهما, بسرعة, وإذا به يسمع أحدهما يقول: (إنهم يضعونه الآن على الصليب).زوّد القلق قدميه المسرعتين بجناحين, وطاردته أشباح الهم والعذاب, وومضت من بعيد على ضوء أشعة الأصيل أسوار (سيراقوزة), وقمم أبراجها, وأقبل نحوه راعي بيته الأمين فيلوستراتوس بعد أن تعرف - وهو مفزوع - على سيده:
- (ارجع يا سيدي! لن تستطيع أن تنقذ الصديق! أسرع أنت بإنقاذ حياتك! إنه يعاني الموت الآن, وقد راح ينتظر ساعة بعد ساعة, يحدوه الأمل في عودتك في الميعاد, ولم تستطع سخرية الطاغية أن تسلب الإيمان الراسخ الشجاع).
- (حتى لو كان الوقت تأخر ولم يعد في إمكاني أن أنقذه فعلى الموت أن يوحد بيننا, بحيث لا يزهو الطاغية الدموي بأن الصديق قد خان عهد صديقه, وبذلك يذبح ضحيتين لا ضحية واحدة, ويؤمن في المستقبل بوجود الحب والوفاء). وتميل الشمس للمغيب, ويقف على الباب الكبير ويرى الصليب الذي رفعوه من بعيد والجماهير المحتشدة حوله تبحلق فيه, ولم يكد الجلادون يرفعون الصديق بالحبال حتى شق صفوف الجوقة الكثيفة المتزاحمة وهتف بصوت عال: (اقتلني أنا أيها الجلاد! ها أنا ذا الذي ضمنه الصديق!).
وتستولي الدهشة على جماهير الشعب الحاشدة, ويتعانق الصديقان, ومن الألم والفرح يبكيان, هناك لم تر عين خالية من الدموع, ويبلغ الملك بالخبر العجيب, فيرق قلبه لأول مرة, ويأمر بمثولهما أمام العرش.
ويطيل النظر إليهما وهو في عجب شديد, ثم يقول: (لقد نجحتما أيّما نجاح واستطعتما التأثير على فؤادي, حتى اقتنعت بأن الوفاء ليس كلمة جوفاء! ضماني إذن إلى صفكما, واعتبراني نعم الرفيق: ولأكن - إذا تعطفتما علي - ثالث اثنين معكما على الطريق
* العهد: العنوان الأصلي لهذه الحكاية الشعرية هو (الضمان), عن فريدريش شيللر - ويُحْتمل أن يكون الشاعر قد اطلع بشكل من الأشكال على الحكاية الشهيرة التي تروى عن الملك النعمان بن المنذر, ولعله أن يكون قد نسي أصلها العربي فصاغها في ثوب يوناني.

مقالات شبيهة

أرق الأطفال ..إقرأ
مساحة ود ..إقرأ
العالم يتمرد على العولمة.. د. أحمد أبوزيد ..إقرأ

مشاركات القراء حول الكتاب
لكي تعم الفائدة , أي تعليق مفيد حول الكتاب او الرواية مرحب به , شارك برأيك او تجربتك , هل كانت القراءة ممتعة ؟

القائمة البريدية