صحراء تونس أغنية للناس والنخيل والرمال

بقلم :   محمد المنسي قنديل
1-7-2005
التقييم 3.0 بواسطة (2) قارئ 67 قراءة

رحلة بين تمثالين, يفصل بينهما عمر وزمن ومسافة, وتجمعهما أرض واحدة. أولهما يقف بعباءته وعمامته متحملاً الحمائم التي تحط على قمة رأسه في صبر, يحمل في يمينه كتاب (المقدمة) الشهير, ويتأمل في استغراب المباني ذات الطراز الفرنسي التي تحاصره, كان هذا هو تمثال العلاّمة ابن خلدون, في بداية الشارع الرئيسي من مدينة تونس العاصمة. أما ثانيهما فقد كان بعيدًا وسط الصحراء, يقف فوق تل صغير يراقب هامات النخيل التي تغطي (توزر) موطن صباه, كان شاعرا, امتلأت روحه بموهبة فيّاضة لم يستطع جسده الضئيل أن يتحملها, فمات في شرخ الصبا عن خمسة وعشرين عامًا فقط, كانت هي كل سنوات عمر الشاعر أبي القاسم الشابي.
كان سفير تونس في الكويت محمد الحصايري قد قال لنا: (سوف تكون رحلتكم إلى صحراء تونس مدهشة, ستعيشون وسط تجربة مختلفة, كأنها المطهر الذي يزيل ما في النفس من شوائب), كانت ذراع السفير مكسورة, ملفوفة بالضمادات ومشدودة إلى عنقه, إلا أنه أصر على الحضور إلى المجلة خصيصا من أجل وضع الترتيبات لبرنامج هذه الرحلة, الأمر الذي سهل لنا ومنحنا جولة واسعة لم نكن نحلم بها.
بدأت رحلتنا إلى الجنوب مع امتداد الساحل, وخلال الرحلة كانت الطبيعة تتبدّل من مكان لآخر. في البداية, كانت الخضرة تكسو الأرض وتعلو لسفوح التلال, وتمتد حقول من الزهر الأصفر إلى مدى البصر, مشاهد تذكرك بالجنوب الأوربي, وكلما سرت جنوبًا تبدأ الخضرة في التراجع, ولا يبقى صامدًا إلا أشجار الزيتون, ثم تفرض الصحراء سطوتها ولا يبقى إلا هضاب الرمال, ثم تنشق الصحراء فجأة عن واحة من النخيل, كأنها سراب متوهج, تبدو تونس وسط الخريطة العربية مثل تويّج زهرة, تغسل هامتها في زرقة المتوسط, وتمد جذورها إلى صفرة الصحراء, يتصارع على شواطئها أميرات صور وبحارة الإغريق وملوك قرطاجة, بينما يموج داخلها بحركة القبائل العربية وهي تواجه شظف الرمال, تمتزج فيها أعراق البربر والعرب, وترتفع رايات بني هلال وهي تحلم بأرض خصبة تكفيها مسغبة الجوع, تونس, هذه البقعة الصغيرة من الأرض, جمعت أحداث التاريخ بعد أن ركزتها وصفتها من الشوائب.
جزيرة الأساطير
بعد رحلة طويلة نصل في الليل إلى الجرف الذي يفصلنا عن جزيرة (جربة), نتأمل أضواءها من بعيد, ونحن ننتظر (البطحة) أو العبّارة التي سوف تحملنا إليها, ماذا بقي من سحرها القديم?
جربة ليست لؤلؤة الساحل التونسي فقط, ولكنها أيضًا جزء من أساطير البحر المتوسط, تحدث عنها اثنان من أعظم الشعراء, هوميروس في الأوديسة, وفرجيل في الإنيادة, وكتب عنها الروائي الشهير جوستاف فلوبير مؤلف (مدام بوفاري) في روايته التاريخية (سلامبو) عندما شهدت ازدهار قرطاج.
في ملحمة الأوديسة, تحل اللعنة على أوليس, كان خدع أهل طروادة واستولى على مدينتهم بواسطة حصان خشبي معبأ بالجنود. وحين حاول العودة إلى وطنه مع مجموعة من بحارته ضل الطريق, ظلت أمواج المتوسط تتقاذفه حتى وصل إلى (جربة), كانت تسكنها قبيلة آكلي اللوتس, ولا يبدو اللوتس هنا كالزهور التي تعوّدنا عليها في الرسوم المصرية القديمة, ولكنها حسب وصف هيرودوت كانت ثمرة لها شكل (التمر) ومذاقه, مازالت الجزيرة تشتهر به حتى الآن.
لم يجرؤ (أوليس) على النزول إلى الجزيرة, ولكنه أرسل إليها اثنين من بحارته, فأحسن أهل الجزيرة استقبالهما, وقدموا لهما الطعام والشراب, وخاصة (اللوتس), وعلى الفور انتابت البحارين حالة من النشوة الغامرة, فنسيا السفينة والوطن وفضلا البقاء على الجزيرة, ولم يكن هناك بد أمام (أوليس) من أن يعيدهما بالقوة, وأن يقيدهما إلى الصواري حتى لا يلقيا بأنفسهما في البحر, ورحلت السفينة وهما يبكيان وينوحان.
في الصباح تأخذنا الجزيرة في جولة طويلة, إلى الفنار القديم, وحومة السوق, قلب الجزيرة, وأماكن صنع الفخار الذي تتميز به, إلى أسواق المدينة والأزقة الضيقة, نتوقف قليلا في سوق السمك لنشاهد المساومات اليومية, ونشاهد صفوف السياح الذين ينتشرون داخل كل الأزقة. تغيرت الجزيرة كثيرا بعد أن أنشئ بها مطار دولي, وبدأ السياح من أوربا يتدفقون عليها باحثين عن الاسترخاء فوق رمال الشواطئ الناعمة. وامتلأ الشاطئ الشمالي منها بالعشرات من الفنادق والمنتجعات الفخمة, ولكن هذا ليس كل شيء, فما زال في (جربة) المدينة نوع من السحر والتفرّد, من النادر أن تجده في مكان آخر. إن شخصيتها هي نتاج ذلك التمازج الثقافي الذي شمل عناصر البربر في شمال إفريقيا, مع بقية أجناس البحر المتوسط, وأعطاها تاريخها المختلف أحيانا عن الأرض الأم, فمزيج النخيل وأشجار الزيتون وبقايا القلاع القديمة والمساجد, وحتى المعابد اليهودية, وبقايا الآثار الرومانية, تبين لنا طبقات الحضارات المختلفة, التي تراكمت على أرضها.
كان الفينيقيون هم أول من استقرّوا على أرضها, وأطلقوا عليها اسم (مينكس), أي الأرض القليلة المياه, ولكنها كانت مرفأ آمنا لسفنهم, وسرعان ما أخذت الجزيرة شهرتها في العالم القديم كمركز للتجارة البحرية. استولى عليها الرومان, وانشأوا (الطريق الروماني) الذي مازال يوصلها بالأرض الأم حتى الآن, وتخصصت الجزيرة في صباغة الثياب باللون الأحمر, وكانت تصدرها لبقية الإمبراطورية. بعد الفتح الإسلامي, احتضنت كل حركات التمرّد, خاصة أتباع المذهب الإباضي, وقاومت كل حركات الإخضاع, وحتى بعد أن جاء العثمانيون, ثم الفرنسيون, بقيت الجزيرة مثل بقعة ساخنة من الأرض لا تهدأ بالرغم من أن البر يحيط بها من كل جانب.
ولكننا لا نستطيع البقاء طويلا في (جربة) فقد كانت مجرد استراحة في طريقنا إلى الجنوب, وكان علينا أن نواصل السير حتى نصل إلى قلب الصحراء.
عالم تحت الأرض
الدهشة هي (مطماطة), عندما تصل إليها لا تواجهك إلا التلال الجرداء التي تشبه تضاريس وجه القمر, لا أثر للحياة, ثم نكتشف أن كل شيء موجود في حفر غائرة تحت الأرض, قرية كاملة تعيش في باطن الصخور الرملية, كل حفرة أو منزل مكون من باحة منزل رئيسية تزينها الرسوم, وتتفرع منها حفر أخرى هي بقية غرف المنزل, نهبط على منحدر ضيق يقودنا إلى باب المنزل, أو بالأحرى الحفرة, تستقبلنا امرأة عجوز بالترحاب, وتعطينا قطعة من الخبز الذي صنعته بيدها. تعود أهالي القرية على فضول الغرباء وأصبح هذا مصدر رزق لهم, معظمهم غادر هذه الحفر ولجأ إلى بيوت الإسمنت في مطماطة الجديدة, ولكن مازال هناك حوالي خمسمائة منهم تحت الأرض, يتحملون غزوات السياح اليومية, ووقوفهم عند حافة الحفر, وهم يصوّرون دقائق حياتهم.
و(مطماطة) قبيلة بربرية قديمة, لم تستطع أن تقاوم جحافل بني هلال, ولم تستطع التأقلم معهم, هاجر أهلها إلى هذه المنطقة الوعرة, وحفروا بيوتهم في باطنها حتى لا يراهم أحد, وحتى يتأقلموا مع المناخ, فباطن هذه الحفر كان دوما رطبا في الصيف, ودافئا في الشتاء, ومن المؤكد أنه كان رحيمًا بهم أكثر من الآخرين. وقد اكتسبت (مطماطة) شهرتها العالمية من خلال فيلم (حرب النجوم), الذي صوّر في بيوتها الغريبة عام 1970, وبدت بيوتها على الشاشة مثل أصداء كوكب خيالي لم يوجد أبدا.
وهي ليست القرية البربرية الوحيدة, فهناك العديد منها, ولكن في أعالي التلال, تحيط بها المنحدرات الصخرية والأخاديد الغائرة, قرى من أمثال زادرة وتمزرت وتاوجوت, تمتد مثل هلال صخري, معظمها أصبح الآن خاليا من السكان, ولكنها دليل على صلابة البربر الذين رفضوا التطويع, وفضلوا الجوع على الخضوع, فهم لم يقبلوا بهيمنة قرطاج, ولا بحكم الرومان, وأخذوا عن العرب الإسلام, ولكنهم لم يحبوا جحافل بني هلال الجائعة, والكثير من قرى البربر الموجودة الآن لا يسكنها سوى النساء والأطفال, أما معظم الرجال, فقد هاجروا بعيدًا بحثًا عن لقمة العيش, وتجلس المرأة في تلك القرى النائية مثل (بنيلوبي) تغزل خيوط الصوف الأحمر والأزرق, تنسج البرانس والأبسطة, وتوشحها بنمنمات ونقوش ساحرة وهي تغني: (بخنوق بنت المحاميد ياعيشة, ريشة بريشة), انتظارا لتلك اللحظة التي يعود فيها الرجال.
بحر الملح
بعد أن نعبر جبال (مطماطة) الوعرة, تنشق الصحراء فجأة عن سراب لامع, بحر وسط الصحراء, مساحة شاسعة من البحيرات تمتد حتى حافة الحدود الجزائرية, طولها حوالي 250 كيلومترًا, وعرضها 20 كيلومترا, (شط الجريد) واحدة من أغرب الظواهر الصحراوية, بقايا البحار التي كانت تغمر هذه المنطقة, قبل أن تنحسر وتسود الرمال, من باطن (شط الجريد) تتفجر المياه في الشتاء, وفي الصيف تكسو وجهه طبقة من الملح, نتوقف بالسيارة قليلاً لنتأمل المياه التي تمتد حتى حافة الأفق, تتخللها جزر من الملح, كانت يد الإنسان قد تدخلت لتصنع أشكالاً من الملح, جمالا ومعيزًا وطيورًا صغيرة, تماثيل ملحية تتألق تحت ضوء الشمس, بجانبها قارب مستعد للإبحار, أليس هذا مدهشًا?! قارب وسط الرمال?!
لم يكن حلم رؤية السفن وهي تبحر في عرض الصحراء غريبًا, فقد فكر فيها مهندس فرنسي هو الكابتن رودير أحد مساعدي وزير الدفاع الفرنسي عام 1876, حين وضع مشروعا من أجل فتح قناة تصل بين خليج قابس وشط الجريد, وكان حفر خيط رفيع من الأرض كافيا ـ على حد تصوره ـ لخلق بحر داخلي كبير, كان المشروع برمته أسطوريا, يعتمد على ما كتبه المؤرخ (هيرودوت), من أن (شط الجريد) هو بحيرة (تريتون) الخرافية التي وُلد فيها (بوسيدون) إله البحار.
وعندما احتلت فرنسا تونس, وجد الكابتن فرصته للقيام بهذا المشروع, وسانده في ذلك المهندس الشهير (فرديناند ديليسبس), الذي حفر قناة السويس, ولكن (شط الجريد) نفسه لم يكن بالعمق الكافي, فقد كان مستواه أعلى بكثير من مستوى مياه البحر, وبالرغم من سخافة المشروع الفرنسي, فقد وجد صداه عند الأمريكيين بعد ذلك بسنوات طويلة, ففي عام 1962, وضعت مؤسسة الطاقة النووية مشروعًا باسم (بلوشر), يهدف إلى تجربة انفجار سلمي وآمن للطاقة النووية, وأكّد مهندس المشروع أنه يمكن أن يكون الإشعاع الصادر عن هذا الانفجار آمنا, ويمكن التحكم فيه, ولسبب غير معروف, لم يجد هذا المشروع مكانًا مناسبًا في كل الولايات المتحدة الأمريكية, إلا في بحيرة (تريتون), وسط صحراء تونس باعتبارها المكان المثالي, فبواسطة هذا الانفجار, يمكن للجنوب كله أن يتحول إلى بحيرة هائلة مفتوحة على العالم, ومتاحة لكل السياح, ولحسن الحظ, وحمدًا لله, فإن المشروع لم ينفذ. ومازال شاطئ الجريد بحرًا داخليًا ومعزولاً وغير ملوث.
بوابة الصحراء
يقودنا شط الجريد إلى بحار أخرى من الرمال الناعمة, إلى (دوز) بوابة الصحراء, حيث يصل ارتفاع التلال الرملية على مداخلها إلى مئات الأمتار, وتحيط بالمدينة الصغيرة أشجار النخيل, التي تتغذى على عيون المياه الخفية. ولا يوجد مكان مثل (دوز) يعطيك الإحساس بسكون الصحراء ولانهائيتها, ويبعث داخلك بذلك التوق الروحي للتوحد وتأمل الحياة والمصير.
وسكان دوز, هم قبيلة المرازيق, أكبر قبائل الصحراء التونسية, وأشدهم بأسًا, وهم يتحدرون من جدهم الأكبر سيدي مرزوق, الذي عاش في القرن السابع عشر, ويبلغ عددهم حوالي 45 ألف نسمة مقسمين إلى أفرع وبطون, وبالرغم من أن مظاهر الحياة الحديثة تسود (دوز), الكهرباء تمتد إلى كل المنازل, والمياه العذبة في المدارس التي تمتلئ بالأطفال الصغار, فإن ملامح البداوة مازالت تطبعها, فبعض بطون المزاريق يمتلكون بجانب الماشية والمعيز قطعة من أرض الصحراء, تقام عليها الخيام, خاصة في وقت إجازات المدارس. والعديد منهم يقومون برحلاتهم البدوية القديمة, يتحركون للجنوب في وقت الربيع عندما تجعل الأمطار الأرض صالحة للرعي, وتقوم النساء بغزل الصوف وصنع الأبسطة, التي تباع في المدن الكبرى, وبعد شهرين, يعاودون الرحيل شمالاً نحو قابس أو جفصة ولا يعودون إلى دوز إلا مع بداية فصل الشتاء ليقوموا بجني ثمار التمر والزيتون.
كانت الصحراء التونسية أيام الاحتلال الفرنسي منطقة مغلقة, معزولة عن بقية البلاد, لا يصل إليها إلا المنفيون والمغضوب عليهم. ولم تكن تضم من السكان إلا مجموعات من القبائل الرحل, ونصف الرحل, وقد حاولت السلطات الفرنسية أن تغري هذه القبائل بالاستقرار, فحفرت لها أول بئر ارتوازية عند (دوز) عام 1119, إلا أنها رفضت الإقامة في أول الأمر, وظلت تواصل تنقلاتها الشاقة داخل الصحراء.
ولا تعني عزلة المنطقة أن أهلها لم يشاركوا في تاريخها, خاصة في فترة الجهاد ضد الاستعمار الفرنسي, فقد حدثت واقعة شهيرة في شهر مايو عام 1943, عندما قامت مجموعة من قبائل المرازيق, كانوا مجندين في الجيش الفرنسي, بعد هزيمة هذا الجيش ودخول الألمان إلى تونس, انقلب هؤلاء الجنود على ضباطهم الفرنسيين وأوثقوهم, وأخذوا الأسلحة التي كانت موجودة في برج الحراسة, وفرّوا هاربين. وعندما انتهت الحرب وانهزم الألمان, بدأت السلطات الفرنسية بحثها عنهم, ولكنها لم تستطع اقتناصهم في الصحراء الواسعة, فألقت القبض على أطفالهم ونسائهم وحبستهم في البرج, ولم يكن هناك بد أمام الذين تمرّدوا إلا أن يجمعوا صفوفهم ويهاجموا البرج, ودارت بينهم وبين الجنود الفرنسيين معركة ضارية, تمكنوا بعدها من تحرير نسائهم وأطفالهم, وواصلوا الفرار بعد ذلك حتى انضموا إلى حركة المقاومة, التي كانت تمارس نضالها من جبال الجنوب التونسي.
عندما توقفت سيارتنا وسط بيوت (الصابرية) القريبة من (دوز), تذكرت كلمات (عامر قريعة), الذي عمل معتمدًا على بلدة (دوز) في أوائل السبعينيات كانت الصابرية وقتها بلدة معزولة, تحيط بها تلال الرمال الناعمة من كل جانب تغوص فيها حتى الحصاة, وحدث أن أقبل لزيارتهم أحد المسئولين بعد عناء شديد فتأملهم قليلا ثم قال: بالله عليكم, كيف جئتم إلى هذا المكان, هل تم جلبكم هنا بالقوة? أم أنكم اخترتم العيش هنا بإرادتكم?!
ويصف (عمر قريعة) اللحظة التي وصل فيها إلى القرية للمرة الأولى, وكيف بدت غارقة في سبات تاريخي عميق, تغطي الرمال بيوتها, وترقد أسراب الذباب على العين الوحيدة الضحلة التي يعيشون عليها. كانت أمنيتهم أن يكون لهم بئر ارتوازية عميقة يشربون منها ماء عذبًا, لم تكن المشكلة في ارتفاع التكلفة وقلة الميزانيات المرصودة فقط, ولكن من المستحيل إدخال آلات الحفر الثقيلة وسط هذا البحر من الرمال الناعمة, وعندما عرض عليهم المعتمد أن يتركوا هذا المكان الموحش, ويقتربوا قليلاً من الطريق الذي يربط الواحات بعضها بعضًا, رفضوا, وأصروا على البقاء في المكان الذي ولدوا وتربوا فيه مهما كان موحشًا.
وهكذا بدأت واحدة من أجمل قصص الكفاح الإنساني ضد الطبيعة القاسية, فقد جمع الأهالي كل ما يملكون وكل ما لديهم من مدخرات من أجل المساهمة في حفر هذه البئر, وأخذوا يزيلون الرمال من مدخل القرية, ووضعوا حواجز من سعف النخل وأوراقه حتى يمكن أن يحجزوا خلفها أمواج الرمل المترصدة ويثبتوها, واستمروا يواصلون تنظيف الطريق بدأب لمدة ستة أشهر كاملة قبل أن تتوجه إليهم آليات الحفر, وقد تعطلت هذه الآليات أكثر من مرة. وعادت من موقعها وسط خيبة أهل القرية, ولكن الإصرار جعل آلات الحفر هذه تواصل سيرها, حتى استطاعت أن تعاند الطبيعة, وأن تدخل القرية, وتحفر البئر ليتذوق الأهالي لأول مرة في تاريخهم طعم المياه العذبة.
روح الصحراء
الجِمال هي أرواح الصحراء, تمشي الهوينا وسط القفاري التي لا يسكنها أحد, تمتلك هدوء الفلاسفة وبصيرتهم, وهي تبحث وسط أعشاب الصحراء الشحيحة, عشبة للطعام, وأخرى للدواء, وثالثة لإطفاء الظمأ. إنها الحيوان الكامل, كما يطلق عليه شاعر الصحراء (أبو القاسم المرزوقي), وهو يسير معنا داخل متحف الصحراء في مدينة دوز, يقول: (إنها عطية خالصة من الله لكل الذين يسكنون الصحارى, أهداها لهم حتى تكون الحياة أكثر احتمالاً), وفي واحة ميداس يؤكد الدليل الذي كان يقودنا عبر شوارع الواحة المهجورة على ذلك قائلا: (قارن بين الجمل والخنزير البري, وسوف تجد الفرق بين هدية الله وهدية الاستعمار), أقول له مدهوشا: أيّ خنزير بري هذا وسط الصحراء? يقول: (الأمر يبدو غريبًا. ولكن الاستعمار الفرنسي هو الذي جاء بهذه الخنازير, وهو يحاول أن يزرع مستوطنيه على أرضنا, وعندما اضطر للرحيل ترك الخنازير خلفه, ولأن المسلمين لا يأكلون هذه الحيوانات, فقد تناسلت وتكاثرت وانطلقت إلى الصحراء, تحولت إلى حيوانات برية شرسة, أخذت تهاجم القرى والمزروعات, وتتلف كل شيء في طريقها, إنها العدو الجديد الآن).
ويبقى الجمل, عطية الله, دون تغيير, عاش الصحراء على مدى أربعة آلاف عام, وتعوّد أن يتأقلم مع رياحها الرملية بواسطة جفونه المزدوجة التي يحمي بها عينيه, ومنخاره الذي يغلقه وقت الضرورة, وأخفافه التي يسير بها فوق أكثر الرمال نعومة, يأكل ما يجده أمامه في الصحراء, وهي لا تهب الكثير, الأشواك, العشب الجاف, نوى التمر, الصبار, ويروي عطشه من أشد المياه ملوحة وضحالة, ومهما بلغت درجة جوعه, فهو لا يأكل من النبات إلا جزءا يسيرا, إنه يترك البقية دائما لتنمو من جديد, وحتى تجد بقية حيوانات الصحراء مثل الأغنام والمعيز طعامًا لها, والجمل يقضي أيامًا طويلة دون ماء, أسبوعا في الصيف, وأسبوعين خلال الشتاء, يساعده على ذلك جلده السميك الذي يحتفظ بحرارة جسمه, دون أن يضطر للعرق, ويخزن في سنمه كمية كبيرة من الدهون تتحول إلى طاقة عندما يجوع, أما ما في هذه الدهون من هيدروجين فيتأكسد داخل جسده مكوّنًا الماء. ونتيجة لتحمله العطش الطويل يمكن أن ينحف الجمل وينخفض إلى 40% من وزنه الأصلي, ولكنه سرعان ما يستعيد هذا الوزن عندما يشرب أطنانًا من المياه.
يسير الجمل في اليوم الواحد من 160 إلى 200 كيلو متر, لذا فإنه كان الوسيلة المثلى لرحلات الحج وتجارة القوافل, وركوبه سهل حتى بالنسبة للأطفال, فهو يحرّك قدمه اليمنى ثم اليسرى, وليس كالحصان الذي يحرّك رجله الأمامية ثم رجله الخلفية, وهو دليل ثراء, ليس فقط لفوائده العملية, ولكن لأنه مصدر اللبن واللحم, وفي كل ربيع يتم قص شعر الجمل, ومن خلال هذا الشعر الهش والناعم يتم غزل النسيج, وهو مناسب لأن يُلبس في الطقس الحار والبارد أيضًا. وفي تونس, فإن أجود أنواع (البرانس) هي التي تصنع من وبر الجمل, وليس من القطن أو الصوف.
يقول أبو القاسم المرزوقي: (للجمل أسماء كثيرة, اعتمادًا على سنه وجنسه ولونه, فهناك الجمل الأبيض أو المهري, أسرع أنواع الجمال, وبطل سباقات الهجن والمقاتل الشرس, والجمل الأحمر هو أكثرها احتمالاً, لذلك يستخدم في نقل البضائع, والأصفر هو الوسيم والمفضل عند الإخصاب. والأزرق ليس أزرق, ولكنه أسود اللون. ولكن البدو يتشاءمون من اللون الأسود. فيطلقون عليه لقب الأكحل, وهو يستخدم في عمليات التهريب فلا يوجد أفضل منه للتسلل تحت جنح الظلام, وأخيرا يأتي الجمل الخليط من كل هذه الأنواع وهو الأطيب طعمًا)..
واحة الشعر
(توزر) واحة النخيل والشعر. نهاية السفر الطويل لكل الرحل وسر حروف العشق والجمال. أخرجت لنا أصغر شعراء العربية وأفصحهم لسانًا وأكثرهم فجيعة. أبو القاسم الشابي الذي صرخ في العرب النيام:


إذا الشعب يومًا أراد الحياة
فلابد أن يستجيب القدر
ولابد لليل أن ينجلي
ولابد للقيد أن ينكسر


ومات قبل أن يكمل الخامسة والعشرين ولم ينجل الليل, ولم ينكسر القيد. نتوقف أمام تمثاله الذي يتوسط أهم شوارع المدينة. وهو يرتدي البرنس التونسي الأبيض. حالما ومعذبًا. فتشعر أنه وهب هذه الواحة نفحة من روحه فإذا هي مليئة بالفنانين والشعراء والحالمين مثله بعالم لا تحاصره كل هذه الرمال.
كانت دوما هي المركز التجاري والسياسي لمنطقة الجريد, وكان لإنتاجها الضخم من التمور وغيرها من الفواكه والمحاصيل أثر كبير في جذب القوافل إليها وجعل منها السوق الرئيسية في الصحراء. وتشكل الواحة الخصبة المليئة بهامات النخيل أهم ملامحها. ولقد تحولت توزر في السنوات الأخيرة مثل بقية المدن الصحراوية إلى مركز مهم في السياحة, فهي تتمتع بمزية لا تضاهيها منطقة أخرى. وعلى حد تعبير مدير السياحة في توزر أنور الشتوي: (إنه في الوقت الذي تتساقط فيه الثلوج في وسط أوربا, تكفي رحلة بالطائرة لمدة ساعتين حتى تكون وسط الدفء والشمس الساطعة). وبالفعل فزائر توزر لا يمل, فسوف يجد نفسه وسط طراز جميل ومتفرد من العمارة المبنية من الآجر الأصفر. وفي وسط مجموعة من الواحات والمدن البربرية القديمة مثل ميداس وتمغرة وثلجة لا يستطيع أن ينساها, وتوزر لاتجذب السياح القادمين من الغرب فقط, ولكن عرب الخليج من هواة صيد الصقور أيضا, فالصحراء الممتدة خير ميدان لممارسة هذه الرياضة. وسماء تونس غنية بأنواع الطيور المختلفة خاصة في وقت الربيع عندما تمتلئ بالطيور المهاجرة من الشمال الأوربي وبعضها يأتي خصيصًا للتكاثر في الصحارى الدافئة, ويقبل على توزر مجموعات كبيرة من أثرياء العرب فينصبون خيامهم خارج الواحة ويمثل وصولهم حدثًا مهمًا بالنسبة لسكان الواحة حين يشاهدون جزءًا من أقاربهم من الشطر الآخر من العالم العربي.
شهدت توزر بداية الفتوحات الإسلامية لتونس, والتحم سكانها من البربر بالعرب وتعاونوا معًا في فتح بقية بلاد المغرب. ثم أصبحت موطن الخوارج الذين كانوا يقاومون الشيعة الفاطميين, وقد تمكن أحد قواد توزر الأسطوريين ويدعى أبو حميرة من السير بجيش ضخم من توزر ومحاصرة المهدية عاصمة الفاطميين. وقد فشل هذا التمرد وقتل أبو حميرة ولكن توزر بقيت مركزًا للثورة وللتجارة. وشهد الذين زاروها أن قوافل التجارة كانت تأتيها من تمبكتو عبر الصحراء.
وأشد مشاهد توزر إبهارًا هي الواحة أو الغابة كما يطلقون عليها, فهي تغطي حوالي عشرة كيلومترات من الأرض. مليئة بحوالي 200 ألف نخلة تغذيها 20 عينا من الماء, وينظم الري في هذه الواحة قوانين صارمة وضعها مهندس الواحة وفقيهها (ابن شباط) في القرن الحادي عشرة وحدد لكل مزرعة حصتها من المياه التي يجب ألا تتجاوزها, ووضع بذلك حدًا للنزاعات والخلافات بين سكان الواحة. وقد حدث أن نسي (ابن شباط) إحدى الواحات فلم يعطها نصيبها في الماء, وأطلق على الواحة اسم (المنسية), واضطروا لحفر قناة ليمر فيها الماء خاصة بها ولكن الاسم مازال ملتصقا بها حتى الآن.
العطية الثانية
ونخيل توزر باهر, ولابد أن مشهد هاماتها الخضراء كان يأسر قلب أبي القاسم الشابي وهو يجلس فوق الربوة العالية المطلة عليها, لقد حملت الصخرة التي كان يجلس عليها تمثالا ضخما لوجهه, كأنما أريد أن يشاهد غابات النخيل إلى الأبد, والنخلة هي العطية الثانية التي أعطاها الله لأهل الصحراء بعد الجمل, وقد وصفها الأديب التونسي البشير خريف قائلا: (لا فرع لها ولا أغصان, تنطلق من الأرض, مستقيمة جبارة. فتفتح في السماء والنور, ويتفرع جريدها من القلب منقوشًا متناظرًا, أخضر باسقًا في دائرة كأنها نافورة خضراء. يلين سعفه ويرق حتى ليكاد أن يكون في نعومة الريشة. ويشتد عند اقترابه من الثمرة ويتصلب حتى يصير أسود الذبابة مسددًا).
من بين 120 نوعًا من التمور ينتجها نخيل تونس فإن (دقلة النور) هي أجود أنواع التمور في العالم كله, ويدل معنى الاسم (أصابع النور), على شكل الثمرة التي تشف حتى تستطيع أن ترى النواة بداخلها, كما أن هناك حكاية شعبية تتدولها الالسن تدل على هذا المعنى, فيروى - على حد زعم الراوي - ان امرأة فقيرة كانت أمنية عمرها أن تذهب إلى الحج وأن تزور قبر الرسول الكريم. ولكنها ماتت قبل أن تحقق هذا الحلم. ودفنت معها مسبحتها المتواضعة التي كانت مصنوعة من نوى التمر, ورق الرسول الكريم لحالها, فهبطت دموعه على المسبحة, فلم يتحول النوى الجاف إلى واحة مليئة بالنخيل فقط, ولكنه أنتج نوعا من التمور لم يكن موجودًا من قبل هو دقلة النور.
وتصدير التمر صناعة كبيرة تدر على تونس عائدًا يصل إلى 52 مليون دينار سنويًا. ولكن مزارعي النخل من أهل الواحات لا يرون في التمر مجرد مادة للتصدير, إنه يمثل لهم المصدر الأساس للغذاء والطاقة, فهو غني بالطاقة والبوتاسيوم والفوسفور والعديد من العناصر الغذائية. و إذا تم تخزينه بشكل جيد يمكن أن يبقى محفوظًا لعام وأكثر. وأثناء الرحلات الطويلة عندما يكون الطعام شحيحًا يمكن الاعتماد على التمر وحده, كما أن النوى يصلح غذاءً جيدًا للجمل, وأخشابه مادة أساسية في البناء وصنع الأثاث.
الصحراء الجافة المكان هي الموطن الطبيعي لدقلة النور, وقد لوحظ أن النخلة كلما اقتربت من البحر قلت جودتها وانقلبت إلى نوع آخر. وبالرغم من أن الأراضي الليبية هي امتداد طبيعي لتونس فإنها عندما اشترت مئات الآلاف من شتلات هذه النخلة لم تستطع أن تنتج (دقلة النور), ولكنها أنتجت أنواعا أخرى, وأثناء الحرب العالمية الثانية عندما جاء الجنود الأمريكيون إلى منطقة شط الجريد, وأعجبتهم تلك التمور قاموا بنقلها إلى الولايات المتحدة, وحاولوا زرعها في كاليفورنيا في مناخ قريب من الصحراء التونسية. وعالجوها وتعاملوا معها بأسلوب علمي, ولكن ثمارها بالرغم من جمالها وحجمها الكبير كانت مختلفة.
وقد أعاد الأمريكيون الكرة مرة أخرى, ولم يأخذوا عددًا كبيرًا من الشتلات فقط ولكنهم اصطحبوا معها العديد من العمال من دوز وتوزر قاموا على رعاية النخيل وطوروا زراعته ولكن دقلة النور لم تغادر موطنها.
الأحجار تبتهل للسماء
نبدأ رحلة العودة, ولكن الطرق كلها تقودنا إلى مدينة (القيروان), بقايا نفحات الفاتح الأعظم (عقبة بن نافع), يجذبنا إليها سحرها الروحي, وموقعها الذي يتوسط كل الطرق بين الساحل والصحراء. من هذه البقعة انتشر الإسلام في إفريقيا, ومنها تجهزت الجيوش لتركب السفائن وتقوم بغزو جزيرة صقلية وتضعها تحت سيطرتها.
نعبر إليها وسط غابات من أشجار الزيتون, حتى نقف أمام بوابتها الحجرية, يقال إن الرومان زرعوا في هذه المنطقة أكثر من مليون شجرة. كما أن عقبة بن نافع عندما وضع حجر تأسيسها أقبل يدعو قائلا: (اللهم املأها علمًا وفقهًا), وتحقق الدعاء وأصبحت القيروان منارة لعلوم الدين تمتد بإشعاعاتها حتى روابي الأندلس.
القيروان القديمة لها طعم مختلف, إنها تجسيد لروح العمارة الإسلامية دون مؤثرات خارجية, العمارة الفرنسية التي استحدثت بقيت خارج الأسوار. لم تغادر القيروان بصمات دولة الأغالبة التي نهضت فيها وسادت المنطقة. ورغم صغر مدينة القيروان فقد وصفها الرسام بول كيلي الذي زارها عام 1914 بأنها تحمل الروح الحقيقية لقصص ألف ليلة وليلة, ومعظم أحداثها دارت فيها, وقد تسببت هذه المدينة في أن يقطع علاقته مع عالمه القديم ويخصص ريشته فقط من أجلها.
أسوارها صامدة منذ عام 761, تحملت كل عوادي الزمن من زلازل وحرائق, وتحملت هجمات قبائل بني هلال. ولكن الدمار الأكبر الذي لحق بها كان أثناء الحرب العالمية الثانية حين حاول الألمان أن يهدموها حتى يبنوا مطارًا سريعًا, وما بقي من الأسوار يجعلنا نقف أمامها مدهوشين, فالمهندس المسلم هنا قد أحسن استخدم قوالب الآجر الصغيرة ليصنع منها هذا البناء العالي والصلد.
ومثل كل المدن القديمة, تختلط في تاريخ القيروان الأسطورة بالحقيقة, وتبقى الأسطورة هي الأجمل والأكثر عذوبة, كان الشيخ (حسين بكار) مؤذن مسجد عقبة يقودنا عبر الأروقة الطويلة وهو لا يكف عن الكلام بصوته المرتعد, فعندما اختار عقبة بن نافع هذه البقعة من الأرض لينشئ فيها مدينته, لم يشأ أن يجور على سكانها الأصليين, فقد كانت هذه المنطقة مليئة بالغابات الكثيفة التي تسكنها أنواع مختلفة من الحيوانات, ولكن عقبة وقف على إحدى الهضاب وهو يصيح فيهم: يا أهل الوادي ارحلوا.. فإنا نازلون.. وإن ما وجدناه قتلناه.
وظل يصيح بهذا القول لمدة ثلاثة أيام كاملة, حتى بدأت الحيوانات في الرحيل, غادرت السباع عرينها وهي تحمل صغارها, وابتعدت الضباع عن أوكارها, وحتى الثعابين زحفت مبتعدة, وما إن تأكد عقبة من خلو المنطقة تمامًا حتى حمل رمحه ووقف في منتصف الفراغ. كان يريد أن يعرف إلى أين يتجه محراب المسجد, وصوت الأذان يتردد في أذنيه في تكبيرات لا يسمعها أحد غيره, وظل يسير بخطوات متصلة حتى توقف الأذان فأدرك أنه قد وصل إلى المكان الذي اختارته السماء فغرس رمحه وقال لمن حوله: هذا هو محرابكم.
وهكذا ارتفع تحت سماء إفريقيا بنيان واحد من أكبر وأعظم المساجد في العالم, ليمثل القلب بالنسبة لمدينة تحولت لتصبح هي مدينة الفتوحات لبقية أقطار المغرب. وعلى حد تعبير الأديب والمؤرخ التونسي د.أحمد الطويلي: (لقد هدى عقبة عقله الجبار إلى هذا المكان الاستراتيجي. وبقيت مدينته عاصمة لإفريقيا طيلة خمسة قرون كانت خلالها مركز إشعاع علمي وثقافي وأدبي, وقاعدة عسكرية منها تنطلق الجيوش لفتح جزر البحر المتوسط والمغربين الأوسط والأقصى وبلاد الأندلس ويقصدها طلاب المعرفة لأخذ العلوم والآداب والمعارف عن شيوخها وأساتذتها).
حانت لحظة الراحة أخيرا, ونحن نجلس فوق أبسطة مسجد عقبة, نتأمل أعمدته ذات الطراز الروماني, بقايا آثار قديمة, وعددها 561 عمودا, قواعدها مصنوعة من الرصاص حتى تقي المسجد خطر الزلازل, والأبواب المصنوعة من خشب الأرز التي جيء بها خصيصا من لبنان, والفسيفساء التي تغطي محرابه, هدية من هارون الرشيد للمسجد, والمنبر المصنوع من خشب الهند, , والمقصورة الخشبية التي كان الأمراء يصلون داخلها خوفا على أنفسهم من الاغتيال. تجمع تاريخ الإسلام في هذا المسجد, مثلما تراكمت طبقات الحضارات على أرض تونس, التاريخ.. إلا قليلا, لقد انتهت رحلة المطهر بالنسبة لنا, وغسلت الصحراء أرواحنا من جديد ووهبتنا هذه اللحظات النادرة من السكينة والسلام.


أفلام عالمية في صحراء تونس


اكتسبت صحراء تونس شهرة عالمية كمكان لتصوير الأفلام. وأصبح كثير من السياح يتوجهون خصيصا لمشاهدة أماكن تصوير هذه الأفلام, خاصة في مدينة تطاوين. وأشهر هذه الأفلام هي:
مسيح الناصرة. وهو واحد من الأفلام التي أخرجها الإيطالي المشهور فرانكو زفاريللي عام 1977, ويتعرض لحياة المسيح في ست ساعات.
حرب النجوم. وهو الفيلم الشهير الذي قام بإخراجه جورج لوكاس عام 1970, في واحة مطماطة ومدينة تطاوين. بل إنه أطلق على الصحراء في هذا الفيلم اسم تاتون.. نسبة إلى المدينة التونسية.
البحث عن الكنز المفقود, بطولة هاريسون فورد الذي يبحث عن تابوت مفقود ضمن سلسلة الأفلام التي أخرجها ستيفن سبيلبرج عام 1981.
المريض الإنجليزي. وقد أخذت الصحراء التونسية مكان الصحراء المصرية في أحداث الرواية التي كتبها مايكل أوندايجي. وقد قام بإخراج الفيلم أنتوني مانجيلا عام 1996, وقد صورت الأحداث في صحراء عين الجمال. وفي سوق الحدادين بمدينة صفاقس وكذلك في السفارة الإنجليزية في تونس وفي مدينة المهدية.


كتّاب عالميون كتبوا عن تونس


* نورمان دوجلاس (نوافير الرمال): نموذج للتعصب الأوربي. زار شاطئ الجريد, وقال عنه إنه نموذج للجدب الموجود في الروح العربية. وقد تجلت روحه المتعصبة في كل جولته لمنطقة الجريد. فقد كان دومًا ساخطًا وغير محبّ.
* كاتي هونسل روبرت (كاتي في تونس): كاتبة إنجليزية, مرحة ولطيفة. أحبّت الصحراء, واستأنست بأهلها, وكتبت عنهم بودّ كتابًا ليس مليئًا بالمعلومات, ولكنك من خلاله تستطيع أن تتعرف على كل الأماكن فور أن تراها.
* الدوق هكسلي (في واحات تونس): الأديب الإنجليزي الكبير, كتب واحدًا من أفضل كتب الرحلات في اللغة الإنجليزية. وبالرغم من نبرة التعالي والعنصرية التي تبدو أحيانًا في بعض الجمل, فإنه قضى وقتًا طويلاً في واحة (نفطة) وكتب عن أهلها.

في الكتب

كتاب English conversation.pdf ..إقرأ
كتاب اِسْـتـمـتِـعْ بـِحـَيـاتـِك ..إقرأ
كتاب إمرأة من طراز خاص - العادات الخمس للمرأة الناجحة ..إقرأ

مقالات شبيهة

التعاون من أجل التنمية.. الصندوق الكويتي في العالم النامي ..إقرأ
الشرط ..إقرأ
شعاع من التاريخ ..إقرأ

مشاركات القراء حول الكتاب
لكي تعم الفائدة , أي تعليق مفيد حول الكتاب او الرواية مرحب به , شارك برأيك او تجربتك , هل كانت القراءة ممتعة ؟

القائمة البريدية