كوستاريكا قصيدة الفردوس والبركان أشرف أبواليزيد

بقلم :   أشرف أبواليزيد
1-9-2010
التقييم 3.0 بواسطة (3) قارئ 38 قراءة


كوستاريكا قصيدة الفردوس والبركان!.. أشرف أبواليزيد


أين يمكن أن توقظكَ طيورُ الطوقان؛ فتفطر معك السناجب، وترقص أمامك الفراشات العملاقة ذات الأجنحة الزرقاء المضيئة؟ وأين تلهو لمرآك قردة ضئيلة الحجم، واسعة القفزات؟ وأين تمطر الليل كله فكأنك تحت شلال أبدي، ثم يشرق النهار بشمس ربيعية لا تكاد توحي بأنها ستغيب أبدًا؟ وأين يمكن لك أن تضع قدما في قارة وأخرى في سواها؟ وأين يمكن أن تجد البركان والفردوس متلازمين؟ إنها كوستاريكا!

كانت نشراتُ الأخبار تظهر رماد بركان أيسلندا العملاق مثل حارس أعمى يحمل هراوة يطوِّح بها في الهواء، بدا الرمادُ مثل «كنج كونج» أسطوري يخرج من تحت عباءة الجليد فيجعل الطيور الحديدية تكف عن الطيران. قلتُ وأنا أتابع الأخبار إن رحلة عبور الأطلنطي لن تتم، وأنى لها ذلك والبركان يتمرَّدُ كقاطع طريق لي، يجب أن يمر بأوروبا. ثم هدأت السحابة الداكنة، وببصيص نور انطلقنا من مطار القاهرة إلى مدريد، وكأن الرحلة إلى وسط الأمريكتين يجب أن تمر بأرض الأسلاف التي يسكن أحفادهم اليوم في بلدانها؛ مستعمراتها السابقة.

المحيط الأزرق الذي امتد، بين العالم القديم بخلقه والعالم الحديث باكتشافه، كان يشبه بساطا سرمديا. تخفيه عن العيون بين حين وآخر سحابات بيضاء وكأنها ندف قطن تطرز ذلك البساط أو تحاول. أين يمكن أن تضع الساعة بعيدًا عن البصر حتى لا تقتفي آثار العقارب وهي تتخطى مؤشر الساعة 11 مرة؟!

في مطار العاصمة الكوستاريكية كانت الإجراءات أبسط مما تصورتها، طبقا لصعوبة إجراءات المغادرة من القاهرة. فلم تكن هناك على جواز السفر تأشيرة من سفارة كوستاريكية، فليست هناك أية سفارة كوستاريكية في أية دولة عربية، كان كل ما لدي هو ذلك الخطاب الذي أصدرته وزارة الخارجية بالعاصمة سان خوسيه بناء على طلب جامعة كوستاريكا، التي دعت ضيوفا من 13 دولة ليحلوا مكرمين ببيت الشعر الكوستاريكي، لكن تلك الرسالة الموثقة التي وصلت بالبريد الإلكتروني كانت كافية لعبوري إلى أراضي كوستاريكا بخاتم حجمه كطابع بريد.

ما أن خرجت من المطار حتى وجدت لافتة تحمل اسمي بخط عربي مكتوب على عجل، يحمل اللافتة الشاعر نوربرتو ساليناس؛ رئيس بيت الشعر، ورئيس مهرجان كوستاريكا العالمي للشعر. تخفيفا عن تعب السفر الذي كان قد استمر يومًا كاملا وجدته يحمل النسخة الأولى لديواني الصادر بالإسبانية، ضمن 18 ديوانا آخر صدرت هذا العام لشعراء المهرجان من كوستاريكا والعالم، من بينها خمسة لشعراء عرب، هم خلود المعلا (الإمارات العربية المتحدة)، وفخري رطروط (شاعر فلسطيني مقيم في نيكاراجوا)، وطه عدنان (المملكة المغربية)، وطلعت شاهين (مترجم مصري متخصص في الأدب المكتوب بالإسبانية)، مع كاتب هذه السطور.

كان المطار عنوانا للعمارة التي ستستقبلني بها العاصمة سان خوسيه: البساطة والنظافة. لم يكن مبنى عملاقا، ولم تكن هناك طائرات أكثر مما في أية مدينة صغيرة بأي مطار إقليمي. لكن الدقة والهدوء كانا مؤشرين على سلاسة الإجراءات.

في الطريق إلى قلب العاصمة سان خوسيه، التي وصلناها بسيارة نوربرتو بعد نصف ساعة، كان مؤشر اللون الأخضر لا يهبط أبدًا، يملأ الأفق على امتداد البصر، إنه الملمح الأول الذي لا تخطئه العين في هذه البلاد، وكأن على الزائر أن يأخذ معه رئات إضافية ليتنفس هذا الهواء النقي، إنها الدولة الأكثر خضرة فى العالم، كما أنها تحتل المرتبة الأولى فى مؤشر الكوكب السعيد وفق مؤسسة الاقتصادات الجديدة، التي تقوم بحساب كم الموارد الذى تستخدمه الشعوب على كوكب الأرض، بالإضافة إلى عمر المواطنين ونسبة سعادتهم فى حياتهم نتيجة لذلك.

في أرض التيكوس!

مساحة البلاد الصغيرة (51 ألف كيلومتر مربع)، لم تمنعها من أن تحظى بموقع جغرافي استثنائي، فهي تسكن قلب دول أمريكا الوسطى، وتحديدًا بين نيكاراجوا في الشمال، وبنما في الجنوب. لا يزيد خط المسافة بين أقصى الشمال والجنوب عن 484 كيلومترًا، إلا أن تلك المسافة تضيق إذا أخذناها من الشرق حيث شاطئها على البحر الكاريبي إلى الغرب حيث تطل على المحيط الهادي ليكون 119 كيلومتراً فقط. وعلى الرغم من أنها تقع على مسافة عشر درجات فقط شمال خط الاستواء فإن درجات الحرارة فيها تتباين بشكل هائل، بسبب جغرافيا ثرية، تشكل جبالا ومرتفعات وبراكين، فضلا عن تباين مستويات الرطوبة فيها وشدة سقوط الأمطار. في معظم مناطق كوستاريكا هناك موسمان وحسب، هما إنفيرنو، وفيرانو، أي الشتاء والصيف، وهي ترجمة خادعة! فالمطر حاضر في الفصلين، والرطوبة ماثلة فيهما، والشمس تجدد العهد كل صباح على مدار العام!

كان نوربرتو، وكتب التاريخ، يعرفونني بكوستاريكا للمرة الأولى عن كثب: بلد له مذاق خاص، وتاريخ أكثر خصوصية. يفخر أهلوه بأنهم منذ العام 1949 أصبحوا أبناء أول قطر في الأمريكتين من دون جيش نظامي. كثيرون من الـ«تيكوس» كما يسمي الكوستاريكيون أنفسهم، يتذكرون بكبرياء أنهم حتى أثناء وجود الجيش كان لديهم مدرسون أكثر من الجنود. ولهذا بلغت نسبة التعليم 93 في المائة. ساعدت الحكومات المتعاقبة، التي استفادت من ميزانية كانت تضيع على الجيش، في تطهير أنابيب مياه الشرب، وتطعيم الأطفال، وتطوير الخدمات الصحية، ليكون الشعب بين أكثر أبناء أمريكا اللاتينية عمرًا. لأكثر من ستة عقود، ورؤساء كوستاريكا يدافعون عن القيم التي أخمدت حربها الأهلية: إشاعة السلام، وإتاحة الاستقرار، وتعميم التعليم.

أرض السلام

عشية الانتخابات الرئاسية الكوستاريكية للعام 1948، قاد خوسيه فيغيريس فيريرا انتفاضة مسلحة انتهت بحرب أهلية دامت 44 يوما، خلفت وراءها مئات القتلى في واحدة من أكثر الأحداث دموية في تاريخ كوستاريكا في القرن العشرين، وسيطر خوسيه فيغيريس على الحكومة الجديدة وألغى الجيش، ليتنحى في نوفمبر 1949ميلادية النظام الذي يسيطر عليه الجيش عن الحكم فتأخذ حكومة مدنية بزمام السلطة، ويتحول فيغيريس إلى بطل وطني، ويصبح رئيسا للبلاد في العام 1953 بعد فوزه في أول انتخابات ديمقراطية تجرى في ظل الدستور الجديد.

وقبل ثلاثين عامًا (ديسمبر 1980) تنشيء الأمم المتحدة في كوستاريكا جامعة السلام، بهدف توفير مؤسسة راقية للتعليم العالي، لتعزيز روح التفاهم والتسامح والتعايش السلمي بين كل البشر، يدرس بها 170 طالبة وطالبا ينتمون إلى 50 دولة، لنيل درجة الماجستير في مجال السلام. يقع الحرم الجامعي في قلب محمية لغابة خضراء تسكنها القردة، والغزلان، والزواحف، مع أكثر من 300 نوع من الطيور، ونحو مائة نوع من النباتات. ويتم تمويل برامج الجامعة من خلال تبرعات ودعم عدد من الحكومات والمؤسسات والمعاهد التي تؤمن برسالة هذه الجامعة.

وفي العام 1987 يفوز الرئيس الكوستاريكي أوسكار آرياس سانشيز بجائزة نوبل للسلام تكليلا لجهوده في إنهاء الحرب الأهلية في أميركا الوسطى، بمعاهدة وقع عليها خمس من رؤساء أمريكا الوسطى.

خلال إقامتنا في سان خوسيه، كنا نرى لافتات تعلن عن انتخابات رئاسية جديدة، جعلت من السيدة لورا شنشيلا، الاشتراكية المحافظة والنائبة السابقة لرئيس كوستاريكا أوسكار آرياس، تحقق فوزا ساحقا في الانتخابات لتصبح أول امرأة تتولى الرئاسة في البلاد، لتنضم لعدد من الزعيمات في أمريكا اللاتينية بينهن ميشيل باشيليت رئيسة تشيلي، وكريستينا فرنانديز رئيسة الأرجنتين.

أين ذلك المشهد الحاضر المتوج بالسلام من التاريخ الغابر المكبل بالأغلال؟ فى العام 1719 ميلادية، وبعد قرنين وأكثر من وصول كرستوفر كولومبس إليها حين وطأت قدماه في العام 1502ميلادية شاطيء كارياري الأطلنطي، وصف أحد الحكام الإسبان مستعمرة كوستاريكا بأنها الأكثر فقراً وبؤسًا على مستوى الأمريكتين! على عكس ما دار في البيرو والمكسيك من معارك دامية، كانت كوستاريكا أقل مقاومة لجيوش الاحتلال القادم من أعالي البحار. وبالرغم من ذلك أصبح بُعد كوستاريكا الجغرافي مع صعوبة إنشاء طرق للتجارة، أحد أسباب عزلة الكوستاريكيين النسبية، فضلا عن أن رقابة التاج الإسباني لم تكن قوية، كما تبخر حلم العثور على الذهب بها، وربما هذا ما دعا إلى إطلاق ذلك الحكم «التجاري» بسبب عدم قدرة كوستاريكا على المشاركة فى تحقيق رخاء المستعمرات، بالرغم من أن اسمها Costa Rica يعني بالإسبانية: الشاطيء الثري (بالإنجليزية Rich Coast)!

الكوستاريكيون

يبلغ عدد سكان كوستاريكا أكثر بقليل من أربعة ملايين ونصف المليون نسمة، يشكِّل البيض والمهجنون نسبة غالبة (94 %) من عدد السكان، أما السود المنحدرون من منطقة البحر الكاريبي فلا يتجاوزون نسبة 3%، فيما تعد نسبة الهنود الأمريكيين الأصليين 1 %، ويعيش معظم هؤلاء بمنازل للهنود في كورديليرا دي تالامانكا أو جواناكاستي، ومثلهم نسبة الصينيين، وتتركز النسبة الباقية بين ذي الأصول الإفريقية السوداء الذين يقتربون من نسبة 3%، وهم ينحدرون من سلالة مهاجري جامايكا من العمال السود في القرن التاسع عشر، والعبيد الذين أُحضروا خلال تجارة الرقيق عبر الأطلنطي.

سكان كوستاريكا البيض هم أسلاف الإسبان الأوائل الذين استقروا خلال القرون الخمسة الماضية، بالإضافة إلى ذوي الأصول الإيطالية، والألمانية، والإنجليزية، والشهولندية، والفرنسية،والأيرلندية، والبرتغالية، واللبنانية، والبولندية، وهناك جاليات أمريكية، وكندية، وأوربية ويهودية. وأنا أعدُّ النقطة السوداء في تاريخ كوستاريكا المعاصر هو تصويتها لمصلحة قيام دولة الاحتلال الإسرائيلي في العام 1948، وهو الأمر الذي اعتذر عنه في أكثر من مناسبة، خلال مهرجان كوستاريكا العالمي للشعر، شعراء كثيرون من كوستاريكا، وهم يعلنون أن تلك الحادثة إرث تاريخي ينوء بكاهلهم، يودون لو غيروه، وأقاموا علاقات طيبة مع العرب. وأنا أعتقد صعوبة ذلك، فلاتزال كوستاريكا تقيم سفارتها لدى الصهاينة في القدس عاصمة فلسطين السليبة.

جنان أم سجون؟

الأمن الذي تنعم به كوستاريكا اليوم يستقطب الكثير من اللاجئين، معظمهم من كولومبيا ونيكاراجوا (يمثلون نحو 10% من إجمالي عدد السكان)، فضلا عما استوعبتهم البلاد من الفارين من أتون الحروب الأهلية والنظم الديكتاتورية للجيران خلال سبعينينات وثمانينيات القرن العشرين، وخاصة من تشيلي والأرجنتين، والسلفادور، وحسب إحصاءات البنك الدولي يقطن البلاد حوالي 441 ألف مهاجر غير شرعي، بينما يعيش 127 ألف كوستاريكي شرعيا خارج بلادهم.

كنتُ أتصور، وأنا أقرأ تلك الإحصاءات الفردوسية، أنني أتجول في يوتوبيا منسية بين الأمريكتين. بلاد بلا جيش، وتكادُ تكون بلا أمية، ومناخ تطيب لك الإقامة به، وطبيعة لو وزعت على الصحراء العربية لكفتها خضرة، لكن القلق بدأ يساورني وهناك تحذيرات وتوصيات: «لا تمش وأنت تحمل الكاميرا.. ضع حقيبتك على صدرك وامسكها بكلتا يديك.. اترك أغراضك المهمة في الفندق.. لا تسر وحيدًا بعد الغروب.. لا تخرج يدك من نافذة السيارة.. احذر.. احرص.. احترس» ماذا يحدث أيها الأصدقاء الكوستاريكيون؟

نظرة فاحصة، إلى عمارة البيوت الكوستاريكية تكشف لك ذلك الهاجس الخفي. البيوت في معظمها - وقد انطلقنا في طول البلاد وعرضها لنحو أسبوعين - هي من طابق وحيد، مادته الخشب، أو الحجر، أو المعدن، المهم أنها أكواخ أو فيلات أو بيوت وحيدة الطابق، كأنها جزرٌ منعزلة. ستدهشك بالداخل الستائر المطرزة، واللوحات ذات الحس الشعبي، والصور الملونة، والمقتنيات لرموز البلاد مثل العربة الخشبية التي يجرها المزارع أو ثوره، والكرسيان اللذان يوضعان في الشرفة أو مدخل البيت للجلوس لاحتساء الشراب والكلام، والمزروعات الكثيفة داخل البيت وحوله وأمامه وعلى شرفته ونوافذه، ولكن ستدهشك بالمثل تلك الحصون الكثيرة التي تدجج نسبة كبيرة من بيوت شاهدناها: أبواب معدنية، أسوار حديدية، حتى أن هناك أسلاكًا شائكة تطوق البيوت أحيانا! يكثر ذلك في المدن، ويقل ونحن على الطريق بين مدينة وأخرى، ويندر في المساحات الخضراء الشاسعة، حيث تكون الجغرافية الصعبة بانحداراتها هي الجدران الحامية.

يعزو الكثيرون قلة الإحساس بالأمان إلى وجود فقراء معوزين ومتشردين في أطراف المدن، جُلهم من المهاجرين، كما تدل عليهم السحنات، يأتون بمشكلاتهم، التي تضج بها بلادهم، وفي ظل ظروف حياة تقتر في إتاحة العمل، وتسرف في معدلات الغلاء، يكون ذلك مناخًا لهؤلاء في سلوك إجرامي يسد جوعهم. على أطراف سان خوسيه، وفي حي يطلقون عليه تسمية شعبية بأنه حي المشردين يمكن أن تشاهد هؤلاء يبحثون في القمامة عن شيء ما، كما يمكنك في قلب المدينة أن ترى كثيرًا من الباعة الجائلين يفرشون ملاءات عليها البضائع الصينية التي تغرق الأسواق, طمعًا في حفنة دولارات. (العملة في كوستاريكا هي الكولون، والدولار الأمريكي يساوي 500 كولون، ويمكن أن تتعامل به وباليورو في معظم المتاجر، جنبًا إلى جنب مع العملة المحلية للبلاد). حين تقترب الشرطة يهرب الباعة الجائلون بعد أن يجمعوا بضاعتهم في صرة قماشية، بانتظار خلاء الساحة مرة أخرى.

داخل سجن حقيقي

إذا كنتُ أقارن في السطور السابقة بين جنان الطبيعة وسجون سكانها، فإن الرحلة امتدت بنا للدخول إلى سجن حقيقي، في مدينة سان كارلوس، شمال العاصمة سان خوسيه.

كان هناك اتفاق بين بيت الشعر وجامعة كوستاريكا مع وزارة العدل الكوستاريكية بأن زائرًا سيأتي لقراءة الشعر العربي في مسرح السجن، وأن ترجمة بالإسبانية ستصاحبه، وأن مغنيا إكوادوريا سيعزف للمساجين بصحبة جيتاره، وأن موظفة بمنظمة للعمل الخيري ستوزع بعض الملصقات والمطبوعات الإرشادية عن حماية البيئة على النزلاء. عند البوابة مددتُ ظهر يدي مثلما فعل المترجم أوجستو سيزار والفنان إلباتو توريس للحارس، كان علينا أن نقبل بطباعة ختم السجن على ظهر اليد، حتى نخرج نحن ولا يحدث استبدال بنا وراء القضبان!

كانت التعليمات تقضي بألا نستخدم الفيديو، وألا نصور وجوه السجناء، فبعضهم ينتظر الحكم. عبرنا مدخل السجن، ومررنا بمجموعة من المشغولات الخشبية، قال لي المترجم شارحًا: «هذه العربات والطيور الخشبية يصنعها المسجونون كجزء من إعادة تأهليهم، والسجن يعرضها للبيع لمصلحتهم». في الطريق إلى حيث المسرح، أدهشني نحات يحفر على الخشب أسدًا، كان المسجون يفجر طاقة الحرية المسلوبة منه في جسد الأسد الرابض. لم أتمالك من الوقوف أمامه، واستأذنته في التقاط صورة. وكان لي ما أردتُ. بعد أن انتهينا من ندوتنا الشعرية والغنائية، وفي طريق العودة، طلب نزلاء لم يحظوا بحضور الندوة من «إلباتو توريس» أن يعزف لهم. في حديقة السجن جلس المغني الإكوادوري يغني وهو يداعب جيتاره، بينما سيزار يترجم لهم قصيدتي: «قالَ المسجون الحالمُ/ للسجان الظالم/ من يُدْريكَ أنَّك لستّ سجيني؟!/ هل تفصِلُنا/ إلا ذات القضبان»؟

جولات الشعراء

لم تكن جولات الشعر في سان كارلوس مقصورة على السجن، فخلال ثلاثة أيام كنا نقيم ثلاث أو أربع فعاليات يوميا، في مدارس، ومعاهد، وجامعات، ونواد، ومتنزهات. ولم يكن هذا الأمر مخططا لي وحدي، فبعد الافتتاح الذي أقيم بمسرح العاصمة انطلق ضيوف مهرجان كوستاريكا العالمي للشعر إلى مقاطعات البلاد المختلفة، فقرأ د. طلعت شاهين أشعاره في بيريس زيليدون مع الشاعر جوان بيرنال (كوستاريكا) وفخري رطروط (المقيم في نيكاراجوا)، بينما ألقت خلود المعلا أشعارها في آلاخويلا مع شاعرة نيكاراجوا مارتا لينور، وكانت مقاطعة جاكو في استقبال قصائد ديوان طه عدنان لديوانه (أكره الحب).

في المدن الكوستاريكية الأخرى قرأ الكوري آن دو- هن أشعاره مع الكوستاريكية ديانا آفييلا في مونتي فيردي، بينما استقبلت مقاطعة ليمون أبيات الإسبانية آتيانا ألبرتي، ابنة الشاعر الإسباني الكبير رافائيل ألبرتي، واحتشد جمهور هيرديا للقاء زوجها الشاعر الكوبي أليكس باوسيدس، وسافرت المكسيكية بيانكا لوس بوليدو إلى بيلين، واحتفت سانتا آنا بالإسبانية بياتريس روسو، واستعرض الإيطالي كلاوديو بوتساني بأدائه التمثيلي قصائده في توريالبا، بينما همس شاعر بنما هيكتور كولادو بقصائده في هاتيلييو، أما الأميركي جان اوترستروم فكان مسرحه الشعري مدينة سان رامون، وكانت خواناكاست مدينة لقصائد آدلي ريفييورو الفنزويلية، فيما بقي ألفريدو تريخوس في عاصمة بلاده سان خوسيه.

كان نوربرتو ساليناس، مؤسس المهرجان ورئيسه، يريد أن تتاح لخمسين ألف كوستاريكي الفرصة ليكونوا شهودًا على فعاليات مهرجان كوستاريكا العالمي للشعر هذا العام في ندوات الشعر المختلفة، وألا تستحوذ العاصمة على الشعراء والشعر. يلقي الشعراء ضيوف المهرجان قصائدهم بلغاتهم الأم، فيما يقوم مترجمون من كوستاريكا (وأحيانا من إسبانيا والمكسيك) بقراءة القصائد المتضمنة في دواوينهم المنشورة بالإسبانية، والتي ترجمها مترجمون أكفاء ومستعربون (ترجمت ديواني الدكتورة نادية جمال الدين رئيس قسم اللغة الإسبانية بكلية الألسن، جامعة القاهرة)، بينما يقوم الشعراء لاحقا بتوقيع الدواوين التي يشتريها جمهورهم، حيث بلغ سعر النسخة ألفي كولون (ما يعادل 4 دولارات أمريكية)، مع صور تذكارية.

صدرت دواوين الشعراء باللغة الرسمية الوحيدة للبلاد: الإسبانية؛ اللغة الأم لنحو 97% من سكان البلاد. الباقون يتحدثون لغات الهنود الحمر والإنجليزية، كما أن هناك لهجتين رئيسيتين لمتحدثي الكوستاريكية من السكان الأصليين، وهما الكوستاريكية، والنيكويانية التي تشبه اللهجة النيكويانية السائدة فى نيكاراجوا. الإسبانية التي يتحدث بها مواطنو كوستاريكا تُرشِّد استخدام الضمير (t?) العائد على صيغة المخاطب، والذى يعتبره أهل كوستاريكا عاميا، فيستخدمون عوضا عنه صيغة الجمع. عدا عن ذلك الاختلاف اللغوي، هناك اختلاف طريف، ففي حين تتبادل النسوة التحية بقبلتين في إسبانيا، فإن الكوستاريكيات يكتفين بقبلة واحدة!

المدارس: مسرح وحديقة ومكتبة!

بنسبة المتعلمين التي تصل إلى 97% في كوستاريكا (حسب إحصاء يناير 2009)، تعد البلاد واحدة من أعلى المعدلات في أمريكا اللاتينية، والعالم. تنتشر المدارس الابتدائية والثانوية في جميع الأنحاء، ويضمن الدستور للفرد حقه فى التعليم الجامعى العام، أما التعليم الابتدائي فإلزامي، وفي مرحلتي ما قبل المدرسة تكون مجانية. قلة من المدارس في كوستاريكا تتجاوز الدراسة بها الصف الثانى عشر، إذ إنه حين يجتاز التلاميذ الصف الحادى عشر، يحصلون على دبلومة البكالوريوس الكوستاريكية المعتمدة من قبل وزارة التربية والتعليم الكوستاريكية. كما توجد في كوستاريكا جامعات خاصة وعامة، وتعد جامعة كوستاريكا من أفضل المؤسسات التعليمية في وسط الأمريكتين قاطبة.

إحدى الفعاليات التي كنا شهودًا عليها كانت حفل افتتاح مكتبة بإحدى مدارس سان كارلوس، بمناسبة اليوم العالمي للكتاب. بدأ الحفل بتحية الضيوف، ثم عرض الطلاب والطالبات مسرحية متعددة المشاهد مستمدة من الأدب الإسباني، عن الثواب والعقاب، في الدنيا والآخرة، وسط تصفيق الزملاء والأساتذة، وبعد مشاركتنا الشعرية والغنائية، تقدم القس لافتتاح المكتبة وأداء بعض الصلوات، ورش الماء المقدس. وسط دعاء الجميع بأن تكون المكتبة مساحة جديدة للأدب والفن والحياة. في كل مدرسة زرناها كان هناك مسرح، وحديقة ومكتبة. إنها إشارة إلى أن التعليم عبر المناهج الدراسية وحدها ليس كافيا، لا بد أن تدعمها الفنون، وأن يكون ذلك كله وسط احتفاء بالطبيعة وحرص عليها، وأنه إذا بدأ الحرص في المدرسة، سيمتد لباقي أنحاء البلاد.

بلد صغير .. متنزه كبير

المتنزهات العامة لا تخطئها العين أنى تولي البصر في كوستاريكا، وقد أمضى كوستاريكي اسمه ألفارو أوغالدي أربعين عامًا يطور المتنزهات القومية في بلاده. وطبقا له فإن تاريخ كوستاريكا ينقسم إلى حقبتين منفصلتين: حقبة ما قبل التزام الشعب المحافظة على التنوع البيولوجي الفريد في البلاد لفائدة الأجيال القادمة، والحقبة التي تلت الالتزام بذلك.

أسس ألفارو أوغالدي مع زملائه ومنهم ماريو بوزا نظام المتنزهات في كوستاريكا، وشغل هو نفسه منصب المدير القومي لذلك النظام مرتين، وعمل كشخصية قيادية في منظمات أخرى مهمة للمحافظة على الطبيعة. وفي العام 1999 أطلقت عليه مجلة تايم لقب «قائد في مجال البيئة» للقرن العشرين. كان ألفارو وماريو، وهما عالما أحياء، يدركان أن حماية التنوع البيولوجي في كوستاريكا هو الهدف، لبلد صغير تبلغ مساحته ثلث الواحد في المائة من الكتلة الأرضية للعالم فقط، إلا أنه موطن خمسة بالمئة من جميع الأنواع الحياتية على هذا الكوكب. لم يكن هناك من يستخدم تعبير (تنوع بيولوجي) آنذاك، ولكن شكل الحياة الاستوائية بالبلاد كان موضع دراسة طوال عقود، لأساتذة في جامعة كوستاريكا آمنوا بالنظام الإيكولوجي ونظرية التطور والارتقاء، وكان ذلك ما ألهم العالمين الشابين بضرورة إقناع شعب كوستاريكا بما ينبغي عمله لإنشاء هذه المتنزهات والمحافظة على ما هو فريد.

كان إنشاء متنزهات ومحميات طبيعية هو المهمة التي تُعنى بالمستقبل، ولم تكن السياحة سوى فائدة لاحقة لهذا الجهد، فلم تكن سوى سبب ثانوي في ذلك الوقت. تبدّلت البلاد بالكامل خلال سنوات قليلة من بدء إنشاء المنتزهات. ولا يوجد اليوم مواطن من كوستاريكا يجهل ما ينص عليه نظام المحافظة على الطبيعة، أو لا يعرف الأمور المتعلقة بالثروة الطبيعية للبلاد. لم يكن في كوستاريكا، قبل عام 1970، أي مناطق طبيعية محمية، وكانت معظم الأماكن الطبيعية تتعرض لضغوط من صناعات التعدين وصيد الطيور وقطع الأشجار، وعلى وجه الخصوص في أماكن مثل شبه جزيرة أوسا (Osa Peninsula)، المتنوعة بيولوجيًّا، مما لفت انتباه العالم ليأتيها زوارها لمجرد مشاهدة كائناتها، ولم يعد اقتصادها مرتبطا بالتعدين أو بقطع الأشجار للمتاجرة بخشبها، بل أصبح اقتصادًا يقوم بالكامل على الطبيعة.

لا تزال كوستاريكا تعاني من مشكلات بيئية بسبب البشر، ففي داخل المتنزهات، هناك مشكلة صيد الطيور، كما أن هناك مشكلة الحرائق الطبيعية، لكن التطور العمراني غير المخطط يؤثر سلبا، مما يؤدي إلى تلوث المياه وانعدام معالجة مياه شبكات الصرف الصحي، التي قد تضر بما يجاورها من متنزهات. أما الخطر الحقيقي الذي يحيق بكوستاريكا والعالم فلا يزال يربض على مرمى حجر، إنها التأثيرات السلبية للتغير المناخي، وثقب الأوزون وتردي حالة المحيط الجوي، وتزايد الأنواع الحياتية المنقرضة أو المعرضة لخطره، وذوبان القطبين الجليديين، والثلوج التي تذوب من أعالي الجبال، وما أكثرها في كوستاريكا، تسبب الفيضانات بشكل أخذ يتواتر في السنوات القليلة الماضية.

زيارة لبركان عجوز

شمال مدينة سان كارلوس قادتنا الناشطة الاجتماعية فاني فوجلسونج بسيارتها ذات الدفع الرباعي إلى إحدى القمم الجبلية لواحد من خمسة براكين لاتزال نشطة في كوستاريكا، من بين نحو160 بركانا كانت موجودة بها.

كانت الشمس قد اختفت ولم تترك للسماء سوى ألوان قوس قزح، والمطر الخفيف يدق على النوافذ المغلقة. كل ربع ساعة أو أكثر تتوقف السيارة، ونهبط ونتطلع للسماء. كانت صحبتنا المكونة من فانيا والشاعرين الكوستاريكيين فيفيان وسيزار والفنان إلباتو ترفع الأعناق نحو قمة داكنة في سماء أظلمها المطر وسحبه، تأملتهم وهم يشبهون عبادًا وثنيين يتضرعون لآلهتهم على جدارية متحفية.

يكرر سيزار كل وقفة جملة واحدة ترجمتها لي فانية: «سيكون المشهد أفضل بعد 500 متر». صرنا نتقدم خمسمائة فأخرى، ونحن نرصد حركة ما عند فوهة البركان. تأملت المكان الذي يمتليء بفنادق ومطاعم. كانت الساحات والحدائق خالية بسبب لجوء النزلاء والزبائن إلى داخل المباني هربا من المطر الذي اشتد. المكان يستفيد من قربه من البركان ليقدم العصائر الباردة أمام مشهد الحمم الساخنة.

لم يطل الانتظار طويلا. بدأ شرر يتسلل مثل برق يوحي بأن سحابة تصعد من قلب البركان، ولا تنزل من غيم السماء. كان البركان يسعل، قبل أن تنفجر النيران لتؤجج الليل بضوئها، وفلاشات تصدح وهي تحاول التقاط صور لتثاؤب ذلك الكائن الهاجع. تعجبت، كنتُ قبل الرحلة، قبل أسبوع واحد أتمنى لبركان أيسلندا أن يخمد، وهنا، نرجو لبركان آرينا في شمال كوستاريكا أن يشتعل. ما أقصى الانسان في تطرفه بين النقيضين!

بلاد القديسين

يعجب الناظر لخريطة كوستاريكا التفصيلية من أسماء المدن، التي تبدأ باسم (سان)، وتعني القديس: سان كارلوس، سان رامون، سان جيراردو دي ريفاس، سانت كروز، سان إيزيدورا الجنرال، سان فيتو .. وبالطبع سان خوسيه! تشعر أيضا بأنه في كل سوق محلية هناك متجر أو أكثر لبيع الأيقونات الدينية للمسيح عليه السلام، والسيدة العذراء، والصلبان. تشعر باهتمام كبير في تشييد الكنائس، التي تتعملق أمام عمارة البيوت، تحس أن الدين يمثل عنصرًا أساسياً في الحراك الاجتماعي، بالرغم مما تبدو عليه مظاهر التحرر الشكلي. تذكرت اختيار القس ليفتتح مكتبة مدرسة.

تقول دراسة استقصائية وطنية عن العقيدة، أجرتها جامعة كوستاريكا عام 2007، إن الرومان الكاثوليك يمثلون سبعين ونصف في المائة من الكوستاريكيين، كما يمارس الطقوس الكاثوليكية 44.9% من السكان ويعتنق 13.8 % مذهب الإنجيليين البروتستانت، وبينما ينتمي 4.3 % إلى ديانات كالبوذية (أغلبهم صينيون الذين بلغ عددهم 40 ألفا) واليهودية، والإسلام، والهندوسية، فإن 11.3 % قالوا في تلك الدراسة إنهم لا يعتنقون أية ديانة!

صباح الخير بالأرز والفول!

في كل مدينة سوق رئيسية تتركز بها المطاعم والمحال التجارية. يأتي الجميع ليبدأ نهارهم هنا. سواء كانوا يقصدونها للتبضع أم الفطور أو لشراء وردتهم القومية: البنفسج. الكل يطالع الصحف كل صباح. الصحف الرياضية هي السائدة. صحف الفضائح والتابلويد هي الأكثر رواجًا. وضعت مراسلون بلا حدود كوستاريكا في المرتبة الأولى بأمريكا اللاتينية في حرية الصحافة، وفي المرتبة 21 على مستوى العالم.

نمر بمدخل السوق فتصافح العيون جدارية ضخمة. الجداريات الملونة هي شاهد حاضر في كثير من الشوارع والبيوت، سواء كانت للتجميل، أو الإعلان، أو التعبير الغاضب. نأخذ أماكننا في مطعم ونطلب لائحة الوجبات. كلمة السر في المطعم الكوستاريكي هي الجالو بنتو، خليط الأرز مع الفول، فهما حاضران في الوجبات الثلاث. يأتي الأرز عادة مخلوطا باللحم أو الدجاج أو الفول، حين عرفوا في أحد المطاعم المحلية أنني لا آكل لحم الخنزير الذي خلطوه بالأرز، جاءوا لي بأرز، لكنهم خلطوه بالتونة! وكأن على الأرز ألا يأتي بمفرده. أما الفول فهم يصنعون منه حينا عجينة تشبه الزبدة، تدهن مع الخبز، الذي يمكن أن يكون مصنوعًا من المانجو المجففة. الفاكهة هنا تحضر بالزيت لتكون طعامًا شعبيا. أما الأجبان، فبفضل الثروة الحيوانية التي لا تخطئها العين في مراعي البلاد، فهي أكثر من رائعة. وهم يبيعونها طازجة تعلق كالثمار في أبواب المتاجر بالقرى.

لا بد من تورتوجويرو!

من زار كوستاريكا ولم يزر البحر الكاريبي فكأنه لم يزرها. مثل صُغته على وزن أمثال كلاشيهية كثيرة تعج بالكتابات التي نقرأها عن بلدان أمريكا اللاتينية. كانت وجهتنا الأخيرة، انطلاقا من العاصمة وعودة إليها، هي رحلتنا إلى تورتوجويرو، أو بيت السلاحف، كما يعني اسمها. في الطريق إلى تورتوجويرو وكنا نعبر وادي كارتاجو، قال لنا دليلنا المبتسم دائما كارلوس:

«في العام 1559 ميلادية قررت إسبانيا إحكام قبضتها على كوستاريكا، فأرسلت خوان فاسكيز دي كورونادو ليؤسس عاصمة للمستعمرة في وادي كارتاجو. وقد استمرت العاصمة هنا حتى ثار بركان إرازو ليدمر المدينة الصغيرة في العام 1723 ميلادية».

كان كارلوس مثل مُسجِّلة تترجم عباراتِها ذاتيا. يقول جملة باللغة الإسبانية ويتبعها بأخرى باللغة الإنجليزية. قال لنا، وهو يطلب من قائد الحافلة أن يتمهل: «لعله من حسن حظكم أننا نأخذ هذه الطريق غير الرسمية للرحلة بين سان خوسيه ومحمية تورتوجويرو، فالطريق الرسمية عطلتها السيول، ولذلك ستتعرفون عبر هذه الطريق الأطول والأكثر وعورة على نكهة البلاد المحلية، فترون مدنا لا يراها السياح، والأكثر دهشة أنكم سترون بعد قليل النقطة التي تفصل القارتين، أمريكا الشمالية وأمريكا الجنوبية، عن بعضهما البعض».

جهز الجميع آلات التصوير، قليلة هي البلدان التي تفصل قارتين، أو تجمع بينهما. هي الحال في سيناء المصرية واستانبول التركية وها هي مرة أخرى في كارتاجو الكوستاريكية. التقطت صورة لجسر قديم يحدد النقطة الفاصلة، يعبر جدولا صغيرًا لا تكاد المياه فيه تصل إلى المنتصف.

على مساحة أكثر من 126 ألف هكتار تعيش كائنات ونباتات تبلغ 1500 نوع، مما يجعل من تورتوجويرو محمية نادرة. يستقبلنا رودولفو دادا في منتجعه، وهو يفخر بأنه سليل أسرة فلسطينية جاءت قبل نحو القرن إلى كوستاريكا. فقدت الأسرة بيتها في فلسطين فأقامت وطنا جديدًا لها في كوستاريكا. لم يبق من الوطن الأم سوى كلمات عربية تعد على الأصابع وصور على جدران الذاكرة لعائلة عربية. في مساء الختام دعوني لأضيء شمعة على روح شاعر عراقي راحل كان يُدرِّس في جامعة كوستاريكا هو أنور الغساني الذي توفي هذا العام، بعد أن ساهم في توسعة آفاق المهرجان الشعري باستضافة العرب، وكان الشاعر أحمد الشهاوي أول عربي يدعى إليه، جاءت بعده الشاعرة المغربية عائشة البصري، ثم حللنا نحن خمسة عرب معًا وكأننا ملكنا المهرجان.

كان الغساني من بين جماعة كركوك الأدبية مع فاضل العزاوي وجان دمو والأب يوسف سعيد، التي تشكلت في ستينيات القرن الماضي، وقد انتقل في العام 1962 إلى بغداد قبل أن يسافر في العام 1968 إلى ألمانيا فيحصل على الدكتوراه في الصحافة من جامعة لايبزك في 1979، ويقوم بالتدريس في ألمانيا والجزائر، ثم يرحل ليقيم في سان خوسيه أستاذا للصحافة والإعلام في جامعة كوستاريكا.

على ضوء الشمعتين اللتين أضاءتا روح الغساني الراحل كان الشاعر الكوستاريكي نوربرتو ساليناس يقرأ كلمات محبة وتقدير ووداع، وكان المغني الإكوادوري إلباتو توريس يعزف على جيتاره مقطوعة جعل عنوانها «ألف ليلة وليلة» ينشد فيها: «ها هي «شهرزاد» تفتحُ كلَّ الأبواب/ تريدُ أن يناديها أحدٌ من قصور الحمراء/ تريد أن ينقذها كما يأخذ المد بيد الجزر/ لن تنتهي القصة عند الفجر/ لن تكون هناك نهاية/ ستكون القصة مثل وشم/ يدوم وسط حرائق الرقص/ على أنغام الرومبا/ بانتظار شروق الشمس»، وكنا جميعًا بعد أن امتد بنا الليل نتداول الشعر بكل اللغات في بلاد الفردوس والبركان ننتظر شمس قصيدة جديدة.




أشرف أبواليزيد 

صورة الغلاف

في الطريق بين مدينتي سان خوسيه (العاصمة) وتورتوجويرو على البحر الكاريبي، وبعد عبور العاصمة القديمة كارتاجو، كان المشهدُ من علٍ يلخص جغرافية كوستاريكا الخضراء

بمدخل سوق مدينة سان كارلوس تصافح العيون جدارية ضخمة. والجداريات الملونة شاهد حاضر في كثير من الشوارع والبيوت، سواء كانت للتجميل، أو الإعلان، أو التعبير الغاضب

المنتزهات العامة لا تخطئها العين أنى تولي البصر في كوستاريكا، وقد أمضى كوستاريكي اسمه ألفارو أوغالدي أربعين عامًا يطور المنتزهات القومية في بلاده

لا يوجد اليوم مواطن من كوستاريكا يجهل ما ينص عليه نظام المحافظة على الطبيعة

بفضل الثروة الحيوانية التي لا تخطئها العين في المراعي تباع الأجبان طازجة وتعلق كالثمار في أبواب المتاجر بالقرى

البيوت الكوستاريكية، في معظمها، تتكون من طابق وحيد، مادته الخشب، أو الحجر، أو المعدن، إنها أكواخ أو فيلات أو بيوت وحيدة الطابق، كأنها جزرٌ منعزلة

ستدهشك داخل البيوت الستائر المطرزة، واللوحات ذات الحس الشعبي، والصور الملونة، والمقتنيات لرموز البلاد مثل العربة الخشبية التي يجرها المزارع أو ثوره، والكرسيان اللذان يوضعان في الشرفة أو مدخل البيت للجلوس لاحتساء الشراب والكلام

ستدهشك داخل البيوت الستائر المطرزة، واللوحات ذات الحس الشعبي، والصور الملونة، والمقتنيات لرموز البلاد مثل العربة الخشبية التي يجرها المزارع أو ثوره، والكرسيان اللذان يوضعان في الشرفة أو مدخل البيت للجلوس لاحتساء الشراب والكلام

ستدهشك داخل البيوت الستائر المطرزة، واللوحات ذات الحس الشعبي، والصور الملونة، والمقتنيات لرموز البلاد مثل العربة الخشبية التي يجرها المزارع أو ثوره، والكرسيان اللذان يوضعان في الشرفة أو مدخل البيت للجلوس لاحتساء الشراب والكلام

كلمة السر في المطعم الكوستاريكي هي الجالو بنتو، خليط الأرز مع الفول، فهما حاضران في الوجبات الثلاث. يأتي الأرز عادة مخلوطا باللحم أو الدجاج أو الفول!

بائع مسن يتأمل الشارع، بينما معظم منتجاته من الأطعمة هي صناعة منزلية، تُطهى الفاكهة هنا بالزيت لتكون طعامًا شعبيا

تزدهر الفنون الشعبية مثل الرسوم التقليدية وفي كل سوق محلية هناك متجر أو أكثر لبيع الأيقونات الدينية

تزدهر الفنون الشعبية مثل الرسوم التقليدية وفي كل سوق محلية هناك متجر أو أكثر لبيع الأيقونات الدينية

شمال مدينة سان كارلوس وبإحدى القمم الجبلية رأينا بركان أرينا أحد خمسة براكين لا تزال نشطة في كوستاريكا، لم يطل الانتظار طويلا، بدأ شرر يتسلل مثل برق يوحي بأن سحابة تصعد من قلب البركان

تسكن كوستاريكا قلب دول أمريكا الوسطى، وتحديدًا بين نيكاراجوا في الشمال، وبنما في الجنوب، ولا يزيد خط المسافة بين أقصى الشمال والجنوب عن 484 كيلومترًا، إلا أن تلك المسافة تضيق إذ أخذناها من الشرق حيث شاطئها على البحر الكاريبي

عند بوابة السجن مددتُ ظهر يدي مثلما فعل زميلاي للحارس، كان علينا أن نقبل بطباعة ختم السجن على ظهر اليد، حتى نخرج نحن ولا يحدث استبدال بنا وراء القضبان

في الطريق إلى حيث مسرح سجن المدينة، أدهشتني براعة سجين نحات يحفر على الخشب أسدًا، كان المسجون يفجر طاقة الحرية المسلوبة منه في جسد الأسد الرابض

بمناسبة اليوم العالمي للكتاب، عرض ممثلون وممثلات من الطلاب والطالبات مسرحية مستمدة من الأدب الإسباني، عن الثواب والعقاب، في الدنيا والآخرة، وسط تصفيق الزملاء والأساتذة

أطفال يرسمون داخل حدود أكفهم شعارات تضامنية مع حياة آمنة لكوكب الأرض

مراسم حفل افتتاح مكتبة مدرسية

مشاهد متنوعة لحفلات إلقاء الشعر

أشرف أبواليزيد أمام طلاب مدرسة بسان كارلوس، وأوجستو سيزار في قاعة محاضرات بجامعة كوستاريكا

خلود المعلا على مسرح المدينة بالعاصمة مع مترجمتها باولا الشاعرة الكوستاريكية

الشاعر الكوبي أليكس باوسيدس

الشاعر الكوستاريكي نوربرتو ساليناس

الناشطة الاجتماعية فانيا فوجلسونج

الفنانة إلزا ساليناس التي رسمت عددًا من أغلفة إصدارات بيت الشعر

على مساحة أكثر من 126 ألف هكتار تعيش كائنات ونباتات تبلغ 1500 نوع، مما يجعل من تورتوجويرو محمية نادرة. حماية التنوع البيولوجي في كوستاريكا هو الهدف، لبلد صغير تبلغ مساحته ثلث الواحد بالمئة من الكتلة الأرضية للعالم

موطن خمسة بالمئة من جميع الأنواع الحياتية على هذا الكوكب. الصور لسلاحف وقردة وفراشات زرقاء مضيئة وطائر الطوقان الشهير رمز البلاد

موطن خمسة بالمئة من جميع الأنواع الحياتية على هذا الكوكب. الصور لسلاحف وقردة وفراشات زرقاء مضيئة وطائر الطوقان الشهير رمز البلاد

موطن خمسة بالمئة من جميع الأنواع الحياتية على هذا الكوكب. الصور لسلاحف وقردة وفراشات زرقاء مضيئة وطائر الطوقان الشهير رمز البلاد

نزهة الشعراء في قارب بالبحر الكاريبي، قرب فوهة المحيط الأطلنطي

دليلنا في تورتوجويرو كارلوس الذي كان يتحدث مثل مُسجِّلة تترجم عباراتِها ذاتيا؛ فيقول جملة باللغة الإسبانية ويتبعها بأخرى باللغة الإنجليزية

الشاعر رودولفو دادا، كوستا ديكي من أصل عائلة فلسطينية هاجرت قبل قرن كامل

صورة تذكارية للشعراء والشاعرات في حرم جامعة كوستاريكا

على ضوء الشمعتين اللتين أضاءتا الروح الراحلة للشاعر أنور الغساني (أستاذ الأدب في جامعة كوستاريكا)، راح المغني الإكوادوري إلباتو توريس يعزف على جيتاره، مقطوعة جعل عنوانها «ألف ليلة وليلة»



مقالات شبيهة

ماذا يقول الشاعر لنا؟ ..إقرأ
حوارات إحسان عباس ..إقرأ
جمال العربية ..إقرأ

مشاركات القراء حول الكتاب
لكي تعم الفائدة , أي تعليق مفيد حول الكتاب او الرواية مرحب به , شارك برأيك او تجربتك , هل كانت القراءة ممتعة ؟

القائمة البريدية