صدى العرب والعروبة في شعر أحمد شوقي

بقلم :   رياض زكي قاسم
1-10-2012
التقييم 3.0 بواسطة (8) قارئ 394 قراءة

من المسلمات الشائعة في مفاهيمنا النقدية والأدبية، أن أحمد شوقي جاء متأخرًا في إطلالته الشعرية على دنيا العرب، وأنه كان ينأى بنفسه وبشعره، أحيانًا كثيرة، عن التعبير عن أحداث عربية، بعينها، أو ما يعيشه المجتمع العربي، في مرحلة، ما، من مراحل ثورته على الاستبداد، ورفض الاحتلال.
وليس من طموح هذا المقال، أن يقدم دفاعًا، أو تجنيًا على شوقي. لكننا نعتقد أن قراءة شعر شوقي، في بعده العربي، يكون مجديًا، كما جاء في «الشوقيات» أولاً، وفي مناخات ثقافية وسياسية صدرت عن شوقي نفسه، بعيدًا عن أي إسقاط تنظيري لمدرسة نقدية ما، أو محاكمة شوقي من خلال رأي ناقد بعينه.
ومسوّغ هذا، أن قراءة المتغيرات السياسية والثقافية بتفاصيلها، كانت تشهد في كل بلد عربي تمايزًا، يتمثل في تفسيرات وتناقضات حكمت الاتجاهات الفكرية، ما جعل المواقف من المفاهيم حافلة بالتأويل والتعليل.
ثم، كان شوقي. واحدًا من مثقفي عصره، يقرأ ويعيش المشهد السياسي، في نموّه، وتحوّله، وأحيانًا في تناقضه، كما كان يعيش واقع وطنه (مصر) في ذلك الارتباط السيادي بالخلافة العثمانية، وفي ذاك التوجه إلى الاستقلال اللامركزي، وما التصق بهما من صراعات داخلية، وضغوطات خارجية، تمثل أبرزها الاحتلال الإنجليزي، الذي عمل مع عملائه تفكيكًا في بنية العمل السياسي، وأنهك الاقتصاد نهبًا وابتزازًا، وهو ما ينسحب، من حيث المحتل الأجنبي والعملاء، على كل بلد عربي.
وصواب أن نقول إن أحوال البلدان العربية، وقتذاك، كانت متشابهة من حيث الاحتلال والتخلف، لكن من الخطأ القول إن البلدان العربية كانت من خلال مثقفيها وأحزابها تنظر إلى المفاهيم السياسية نظرة متطابقة، ولاسيما مفاهيم الاستقلال عن الدولة العثمانية، أو التخلي عن الدولة الدينية، أو العلمانية، أو العروبة..إلخ، وهذا ما يعني أن المجتمع العربي لم يكن ذا بنية فكرية متحدة، أو ناضجة إلى حد يكفل للباحث المتتبع أن يقطع بالرأي.
لذا، نُعنى بالمؤثرات الفكرية التي سادت حياة شوقي (1868 - 1932) باعتبارها نسيجًا ثقافيًا فاعلاً في تشكيل الوعي الفردي والجماعي، وهي، لاريب، تترك فعلها المتنامي، عبر السنين، في شخصية المثقف، بانتظار جلاء الموقف الذي يراه مناسبًا.
بقول آخر، لن نطلب من شوقي أن يعبّر عن المجتمع العربي باعتباره متحدًا متماسكًا، أو وطنًا واحدًا، أو اتجاهًا فكريًا وحدًا، أو يقول قولاً واحدًا، جامعًا، بكل أحواله ومتغيراته، بل نحاول أن نقرأ في تجربته الأدبية ما رآه هو نفسه تعبيرًا مناسبًا عن فهمه للمجتمع العربي وواقعه وانعكاس هذا الفهم في عمله الشعري، وتحديدًا في العقدين الثاني والثالث من مطلع القرن العشرين.

مؤثرات في تكوين ثقافة شوقي

وكانت أدبيات الثقافة العربية في أواخر القرن التاسع عشر والعقود الثلاثة الأولى من القرن العشرين، قد عكست انشغال المجتمع العربي بقضايا إحياء الإسلام وإصلاح المؤسسات والتحرر والاستقلال. وعاش مثقفو ذلك الوقت، زمن التحولات الفكرية، وطروحات المتنورين والجمعيات والأحزاب الناشئة في كنف مواجهة التخلف والركود والتجزئة، والسؤال عن المستقبل. لكن الوعي الثقافي، زمن شوقي، لم يكن وليد ذاك الزمن في منطلقاته التأسيسية بل هو وعي موصول، ينمو في سببية، تتصل بمقدماتها التي أرست الشروط المادية الضرورية لحركة فكرية، كانت تتلمّس غاياتها، ولاسيما الحرية والاستقلال، وتحديد الذات، أو الهوية، فلقد نادى رفاعة رافع الطهطاوي (1801 - 1873) وخير الدين التونسي (1810 - 1897) وجمال الدين الأفغاني (1839 - 1897)، كل بأسلوبه، بفكرة التحديث عبر إحياء الإسلام من خلال استعادة ماضي السلف الصالح. وإبان الأفغاني، أكثر من سواه، ضرورة اقتباس المفاهيم والمؤسسات التحديثية، واعتماد العقل والتضامن بين الطوائف، والاختيار الإنساني الحر كبديل للجبرية. ثم تبسّط الشيخ محمد عبده (1848 - 1905) في تحديد مفهوم «الوطن»، معتبرًا إياه «مكان الحقوق والواجبات التي هي مدار الحياة السياسية، وموضع النسبة التي يعلو بها الإنسان»، لكن ذلك كله لا يجوز النسيج الذي يخرج من معطف الرابطة العثمانية.
بالمقابل كانت أفكار ناصيف اليازجي (1800 - 1871) وبطرس البستاني (1819 - 1893) تروّج الدعوة إلى العلمانية كبديل للدمج بين الدين والدولة، ثم أردف ذلك بإعلاء قيمة التحرر الاجتماعي والثقافي، واقترن هذا الوعي برؤى الاتجاه الإنساني - العقلاني، في صيغ أكثر تحديدًا، بتأثير من فكر النهضة الأوربية في كتابات جبرائيل الحلبي (1836 - 1892) وفرنسيس المرّاش (1835 - 1874) ثم شبلي شميل (1850 - 1916).
أما ما تجدر الإشارة إليه، هنا، فهو ظهور الوعي العربي، باكرًا، في مسألتين، ستؤسسان لاتجاه فكري، في الثقافة لاحقًا، عنيت مسألة «الأمة العربية» و«عروبة اللغة». يقول الأفغاني «إنه لا سبيل إلى تمييز أمة من أخرى إلا بلغتها (...) فالأمة العربية هي «عرب» قبل كل دين ومذهب..»، ويقول في معرض مقارنته بين العرب والأتراك: «أما العرب ففي كل ما فتحوه من البلاد، حربًا كان أو صلحًا، قد تركوا الآثار الأدبية والمادية..، فالمسلم أو المسيحي، واليهودي، في مصر والشام والعراق، يحافظ كل منهم قبل كل شيء على نسبته العربية، فيقول «عربي» ثم يذكر جامعته الدينية».
هذا المنحى «العربي» أمة ولغة وتاريخًا، سرعان ما تعمّق في كتابات عبدالرحمن الكواكبي (1854 - 1902)، الذي ذكّر بمجد العرب، ورأى أنهم أحقّ بالخلافة، فـ«العرب» هم الوسيلة الوحيدة لجمع الكلمة الدينية». وفي المتجه ذاته، نتلمس، أيضًا، في مجلة «المنار» لمحمد رشيد رضا (1865 - 1935) تشديدًا، ملحوظًا على الربط بين الجنسية واللغة، فـ«الأثر المادي لتكافل العرب واللغة العربية هو المدنية العربية التي أبدعها العرب والمسلمون».
ثم أخذت الفكرة العربية صورتها الواضحة في أدبيات عبدالحميد الزهراوي (1855 - 1916) الذي رأى أن اللغة هي الرابطة الأساسية بين العرب. وهو لا يرى الجامعة الإسلامية مقبولة كنظام سياسي أو قابلة للتحقيق، ولكن الفكرة العربية/القومية هي الإطار الصحيح، وهي ما يجب الأخذ به. وبوضوح أكثر كتب عبدالغني العريسي (1850 - 1916) في «المفيد» (جريدة «العربية الفتاة»)، مؤكدًا فكرة الأمة العربية، وأن اللغة قاعدة العروبة، وهو يرى أن العرب يرتبطون بروابط الجنس واللغة والوطنية.

صدى العرب والعروبة في «الشوقيات»

شكّلت تلك المفاهيم عن الأمة العربية، وأهمية اللغة العربية رابطة أساسية، واشتراط قيام روح عام يتكون في التاريخ، أرضًا خصبة في تكوين ثقافة أحمد شوقي، الذي سجّل مكانة مرموقة في التجربة الشعرية، ولاسيما عقب عودته من منفاه في إسبانيا (1920)، وكان قد أتيح له التفرغ في قراءة تاريخ المسلمين والعرب في الأندلس، مستخلصًا من مراحل هذا الوعي الموصول، وما أنتجه المتنورون في البلدان العربية الكثير من العبر والعظات، مما أرسى في رصيده الثقافي تحولاً في الرؤية ونضجا في الموقف، فقد أصبح، بعد الحرب العالمية الأولى، أكثر حساسية وانفعالًا بمطالب العرب في الحرية والاستقلال والتطلع إلى المستقبل، كما غدا أكثر قدرة على استعادة تركيب ظواهر الأعراض الفكرية مما كان عليه في القصر، بحيث غدت قضايا العرب ونضالاتهم ملتحمة في وجدانه بنزعات مصر وهمومها وسعيها إلى الاستقلال والترقي، فالروح الوطنية المصرية التي أعطاها شاعرنا حبّه وتأييده لم تعد، وحدها، لحن قصائده، بل تعددت أوتار قيثارته بجمالاتها، فصدحت قوافيه في التعبير عن الروابط المشتركة، والإحساس بالأفراح والأحزان، التي تعيشها الأقطار العربية:


كان شعري الغناء في فرح الشر
قِ، وكان العزاء في أحزانِه
قد قضى الله أن يؤلّفنا الجُرْ
حُ، وأن نلتقي على أشجانِهِ
كلّما أنّ بالعراق جريحٌ
لمسَ الشرقُ جَنْبه في عُمانِه
نحنُ في الفقْهِ بالديارِ سواءٌ
كلُّنا مُشْفقٌ على أوطانِه


هذه الواشجة عرفت جواءها، في قصائد ذات مقاصد عربية، في الحدث السياسي، والتغني بجمال دمشق ولبنان ودجلة، لتتسق مع النيل والأهرام في لوحات شعرية، زهت ألوانها التعبيرية، وتألّقت صورها واغتنت بمضامينها، مستحوذة على ما يجوز الخمسمائة بيت شعري، من «شوقيات» جازت الستة عشر ألفًا.

تقنية التعبير عن الحدث السياسي العربي في الشوقيات

ومَن يقرأ ذاك الشعر في بعده العربي يلقَ الحدث السياسي الذي صوّر رمز البطولة في النضال الوطني ركنًا محوريًا في مرحلة التجربة الأدبية التي أعلت من رصيد شوقي، وعكست نضجه الفني وارتكاز موقفه من القضايا العربية على ثبات ما استخلصه من التيارات الفكرية المتصارعة في عهده، فقد هدف إلى إعلاء شأن الاندماج الاجتماعي تعزيزًا للتماسك المجتمعي، من خلال التشديد على ما يجسّد الثقافة العربية المشتركة، المستمدة، أساسًا، من الدين واللغة والتاريخ، وهذا المثلث، كثيرًا ما أعاد ظهور الإحساس المشترك بالمسئولية الأخلاقية، ولاسيما في مراحل التصدي للتحدي الخارجي. أما من الوجهة الفنية، فقد تعامل مع الحدث تعاملاً رباعي التشكيل: (1) التدقيق بتقريرية الخبر الذي تناقلته الصحافة والمجلات والمعلومات الدبلوماسية، ثم (2) قراءة الخبر المحقق في إطار الرؤية السياسية، التي ينتجها، إرادة الصدور عن توازن لا يخل بالمعادلة التي ارتضاها في ارتباطه السياسي، لينتقل إلى (3) المعالجة من زاويتين اثنتين: الزاوية التفسيرية المقتضبة، التي يمنحها عبر بسط سببي يظهر الدافع، كي يتوسل ذلك في تقديم مادة تحريضية على المسبب، ثم يصوغ النصح في موقفه من المعتدي في رؤية تنظيرية مقرونة - غالبًا - بالحكمة التي تستقر في ذهن السامع، كي ينطلق إلى (4) بيان أسلوب المقاومة ونصح الثوار. وهو، في ذلك كله، يبقى مؤثرًا التعامل مع الحدث السياسي، بحذر جنبه التحزّب. لكن ذلك لم يثنه عن بيان موقفه من التحرر والاستقلال، فقد كان يُعنى بالتشديد على مسألة الحرية، باعتبارها أساس المسئولية، ويراها حقًا مقدسًا للفرد والشعب، وسبيلاً إلى الاستقلال، وكان في هذا الشعر السياسي يصدر عن مسئولية أخلاقية، تتمثل باستخدام أسلوب النصح، الذي عبّر عنه بالدعوة إلى التعاضد، والتحاب، والتلاقي على أهداف وطنية جامعة، مشددا على الأخوّة في الوطن، وما يندرج في هذه السياقات الدلالية التصالحية، ففي قصيدته «نكبة دمشق» (التي ألقاها بتياترو الأزبكية، في القاهرة، في يناير 1926، لإعانة منكوبي سورية، إثر قصف الفرنسيين مدينة دمشق بالمدفعية) يتوزع الحدث في تدرّج، يحدد الخبر وزواياه في تقريرية، عرف كيف ينقلها من واقعها الصحفي إلى رحابة شعرية، خلّصت الحدث من مستلزماته الإعلامية، إذ اندغمت التقريرية بالوجدانية، في آن:


وبي ممّا رمتكِ به الليالي
جِراحاتٌ لها في القلبِ عُمْقُ
ثم قوله:
وقيل: معالمُ التاريخ دُكَّتْ
وقيلَ: أصابها تَلَفٌ وحَرْقُ
ويزيد في التفسير:
بلَيلٍ للقذائفِ والمنايا
وراء سمائِهِ خَطْفٌ، وَصعْقُ
رماكِ بطيشِهِ، ورمى فرنسا
أخو حربٍ، به صَلَفٌ وحُمْقُ
إذا ما جاءه طُلاَّبُ حقٍّ
يقول: عِصابةٌ خرجوا وشَقُّوا
ثم يبلغ مراده التنظيري، الذي عرف كيف يوظّفه في معادلة الربط بين الحدث والموقف:
دمُ الثوارِ تعرِفُه فرنسا
وتعلَمُ أنّه نُورٌ وحَقُّ
(...)
وحُرِّرتِ الشعوبُ على قناها
فكيفَ على قناها تُسْتَرَقُّ؟


هذا الاستفهام الاستنكاري أعلى من سياقية الخبر ليندرج في حكمة، تنطوي على مقارنة بين حالين، تجعل فرنسا الحدث مُدّانة تجاه تاريخها نفسه، وتطلق يد الشاعر في الحكم على منْ تلطّخت يداها بالدماء.
ثم إن التوزيع لزوايا الحدث سرعان ما تمّ توظيفه في بيان الموقف المشفوع بنصح الثوار، في ثنائية طالما أتقنها شاعرنا: تأكيد النصح، وتنويع أوجه الحكمة:


وقفتم بين موتٍ أو حياةٍ
فإن رُمْتُم نَعيمَ الدَّهْرِ فاشْقُوا
وللحريّةِ الحمراءِ بابٌ
بكلِّ يَدٍ مضرَّجةٍ يُدَقُّ
وقد يسوق هذه التعابير النصحيّة بأسلوب تقريري مباشر. نحو مخاطبة ثوار الشام، بقوله:
المُلْكُ أن تتلاقوا في هوى وطن
تفرَّقتْ فيه أجناسٌ وأديانُ
نصيحةٌ مِلْؤُها الإخلاصُ، صادقة
والنُّصْحُ خالِصُه ديْنٌ وإيمانُ
ونحنُ في الشرق والفُصْحى بنو رحِمٍ
ونحن في الجُرحِ والآلامِ إخوانُ
وهو يشفعها بأسلوب الرجاء الديني، نحو قوله لثوار سورية:
مَنْ مُبْلِغٌ عنّي شُبولةَ جِلَّقٍ
قولاً يَبرُّ على الزمان ويصْدقُ؟
بالله جلَّ جلالُه، بمحمدٍ
بيسوعَ، بالغَزِّيِّ، لا تتفرّقوا
هذا النهج نلقاه واحدًا، لكن شاعرنا يعمد أحيانًا إلى تكثيف تفاصيل الحدث التاريخي، مراعاة لتقنيات الشعر الفنية:
سأذكرُ ما حييتُ جدارَ قبْرٍ
بمظاهِرِ جِلَّقَ رَكِبَ الرِّمالا
مُقِيْمٌ ما أقامتْ (ميسلونٌ)
يذكرُ مَصْرَعَ الأسَدِ الشِّبالا
تَغيَّبَ عَظْمَةُ العَظَماتِ فيه
وأوَّلُ سَيِّدٍ لَقِيَ النِّبالا
مشى ومَشَتْ فيالقُ من فرنسا
تجرُّ مطارِفَ الظَّفرِ اختيالا
مَلأن الجوَّ أسلحةً خِفاقًا
ووجه الأرضِ أسلحةً ثِقالا
فالحدث الجلل، كما صاغه شوقي، يختصر تاريخًا من المقاومة توجّه يوسف العظمة وهو القائد الذي أبى، مع قلّة من جنوده أن يذكر التاريخ دخول المحتل دمشق، بلا مقاومة، فأضحى رمزا:
إذا مرَّتْ بِهِ الأجيالُ تَتْرى
سَمِعْتَ لها أزيزًا وابتهالاً
تعلَّقَ في ضمائرِهم صَليبا
وحَلَّق في سرائرِهم هِلالا


وفي تكوين فني أخّاذ للحدث الليبي المتمثّل بشهيد المسلمين والعرب، بطل طرابلس الرمزعمر المختار، (قاتل الإيطاليين الغزاة في سبيل الذود عن وطنه وشعبه، حتى قبض عليه، وأعدموه بعد محاكمة صورية، شنقًا، سنة 1931، وكان له من العمر ما يزيد على التسعين) قدّم شوقي قصيدته الهمزية في أربعين بيتًا، خلَّد فيها الواقعة، شهيدًا ومقاومةً وشعبًا، مستثمرًا قدرته في تأريخ الحدث، الذي بدا لوحة كبرى، اعتنى برسم تفاصيلها، وجعل مكوّناتها في أحادية، من حيث ارتكازها على خبر الشهادة، مجرّدًا من أي روافد إخبارية، فالمطلع المؤثر يستبق بداية الحدث، ثم يقرنه بالمشهد الثاني ليكون لوحةً:


رَكَزوا رُفاتَكَ في الرِّمالِ لواء
يَستنهضُ الوادي صباحَ مساءَ
يا وَيْحَهُم! نصبوا منارًا مِنْ دَمٍ
تُوحِي إلى جِيل الغَدِ البغضاءَ
جُرْحٌ يصيحُ على المدى، وَضحِيّةٌ
تتلَمَّسُ الحريَّةَ الحمراءَ
ويدفع الشاعر بمستلزمات التفسير، ليزيد من زرع روح المقاومة، ثم يخلص إلى رؤية حكمية:
عَضَّتْ بِسَاقَيْهِ القُيودُ فلم يَنُؤُ
وَمَشَتْ بِهَيْكَلِهِ السّنونُ فناءَ
تِسعونَ لو رَكِبَتْ مَناكِبَ شاهقٍ
لَتَرجَّلَتْ هَضبَاتُه إعياءَ
وتَخيّروا الحَبْلَ المَهينَ مَنِيّةُ
لِلَّيْثِ يلفِظُ حَوْلَهُ الحَوْباءَ
أمّا إعادةُ المشهد فكان في رؤية - خاطرة، تقارب حدود الحكمة التي تحيل الشهادة مَعْلمًا:
خُيِّرْتَ فاخْتَرْتَ المبيتَ على الطَّوَى
لم تَبْنِ جاهًا، أو تلُمَّ ثراءَ
إنَّ البطولةَ أنْ تموتَ مِنَ الظَّما
ليس البطولةُ أن تَعُبَّ الماءَ


الحدث العربي مشفوعًا بالتراث

أدرك شوقي ما لوقع الحدث السياسي من تأثير بالغ في توجّه الرأي العام، ولاسيما في مرحلة الحراك الثوري والتصدي للمحتل الأجنبي. وكان في إعادة تشكيل الحدث فنيًا يصدر عن ثقافة مركّبة، تجمع بين فاعلين مؤثرين: ما أخذه عن مطالعاته في الفكر الفرنسي، مقرونًا بثقافة إسلامية عربية، تتمثل في إعلاء مفاهيم الوطنية والحرية والاستقلال، وإدراك عميق لمفهوم المجتمع الموحّد لغة وثقافة وتاريخًا. وكان هذا المنحى يتعمّق تدريجياً في وجدانه، فهو يستحضر التراث متمثلاً في الدين واللغة والإحساس بوحدة الهوية الثقافية، وهي وحدة يمتزج فيها الوجدان القطري بالوجدان العروبي، وبالوجدان الروحي والديني. تلك هي الأدوات والوسائل التي استثمرها شوقي، فأتاحت له أن يكون حاضرًا في قلب الحدث، وأن يكفل لأدبه الانتشار والذيوع في الأقطار العربية. فها هو الماضي المجيد سيعود حاضرًا، ليكون ملهمًا للثوار، وشاهدًا على تشابه الزمن في مشهد العزّة، وحاضنًا للشعوب العربية في وحدة الإحساس والمصير. وهاهي مرثية عمر المختار تتحول من جرح وضحية تتلمس الحرية الحمراء إلى سيف مجرّد بالفلا، يكسو السيوف على الزمان مضاء، وتغدو الصحراء التي ضمّت رفاته هي الصحراء التي ضمت رفات شهداء شباب أمية وكهولهم «لم يبرحوا أحياء»، فقد «فتحوا الشمال: سهوله وجباله».


وبَنَوْا حضارتَهم، فطَاوَلَ ركنُها
(دارَ السلامِ)، و(جِلَّقَ) الشَّمَّاءَ


وإذ يستحضر شوقي التاريخ في قصيدة «نكبة دمشق»، في أبيات جازت ثلث ما نظمه في هذا الحدث الذي أراد له أن ينعقد في الزمان، بلا حدود آسرة، يستذكر مجد بني أمية، وحضارة طليطلة، وحضارة بني العبّاس، مما أطلق المشهد من عقال الحاضر إلى أجواء موصولة، من وحدة التاريخ، فدمشق - اليوم - غدت (جِلّق)، وحاضرها أصبح إحدى صحائف يتجلّى فيها: «الدين والوحي والأخلاق»، وأبناء دمشق، لا يثنيهم عن تحرير الأوطان محتل، فهم:


بنو أُمَيَّةَ للأنباءِ ما فتحوا
وللأحاديثِ ما سادوا وما دانوا
كانوا مُلوكًا، سَرِيْرُ الشرقِ تحتَهُمُ
فهل سألتَ سريرَ الغربِ: ما كانوا؟
(...)
لولا دِمَشْقُ لما كانت (طُلَيْطِلةٌ)
ولا زَهَتْ ببني العبّاسِ بَغْدانُ
ثم يوظّف شوقي هذا الربط الملهم، ليقيم بين زمان طال عزّه، وحاضر منكوب بالغاصب، تضادًا، يدفع إلى التماسك والتناصر، ليس بين أبناء الشعب السوري، بل بين الشعوب العربية قاطبة:
مررتُ بالمسجدِ المحْزونِ أَسْألُهُ
هل في المُصَلّى أو المحرابِ (مَرْوَانُ)؟
تغيَّرَ المسجدُ المحزونُ، واختلفَتْ
على المنابِرِ أحرارٌ وعِبدانُ
فلا الأذانُ أَذانٌ في منارتِهِ
إذا تعالى، ولا الآذانُ آذانُ


ما انعقد حضوره في ما نُسب إلى الماضي ليدخل ضمن مؤثرات الحاضر أرسى استمرارية، أضفت على معيار الزمن معيارًا قيميًا، سوّغ هذا الاستحضار، ووظف ما تحلم به الجماهير في حاضرها ومستقبلها، فهو في هذا المتجه يستنبت أصول الهوية والرابطة، لذا، سيقرن رابطة اللغة العربية بالتاريخ ليستنهض الحس العربي المشترك، فـ«ما العربية إلا وطن» (الشوقيات: 3/169)، ويخاطب إخوانه عرب سورية، أحفاد أمية، ناصحًا لهم أن يتلاقوا «في هوى وطن»، و«النصح خالصُه دينٌ وإيمانٌ».


ونحنُ في الشَّرْقِ والفُصْحَى بنو رَحِمٍ
ونحنُ في الجُّرْحِ والآلامِ إخوانُ


هذا الإدراك لرابطة اللغة والتاريخ عكس وعيًا ثقافيًا، كان ينمو سريعًا في مصر، تمثّل في إحياء التراث الفكري، وفي العناية بالعربية وتجديدها. وبدأ اهتمام شوقي بالقنوات الموصولة بين العروبة والإسلام، ما جعله يؤكد لغة القرآن جامعًا إحيائيًا، وهو منحى فكري يتلاقى فيه شاعرنا، في هذا الخصوص، مع أفكار محمد عبده ورشيد رضا وعبدالرحمن الكواكبي، فهاهي مصر في حقل افتتاح مؤتمر العرب التكريمي الذي انعقد لإمارة شوقي، بدت عكاظًا «تألفَ الشرق فيه من فلسطينه إلى بغدانه»، فـ:


حملَتْ مصرُ دونَه هيكلَ الدِّ
يْنِ، وروحَ البيانِ من فُرْقانِهْ
وُطِّدَتْ فيك مِنْ دعائِمِها الفُصـ
حى، وَشُدَّ البيانُ مِنْ أركانِهْ


الحدث السياسي العربي بين الحذر والاعتراف

أما ذاك الحذر في التعامل مع الحدث السياسي العربي، البالغ حدّ النأي عن طرقه، أو التغافل عنه، وتحديدًا إذا ما ارتبط أو مسّ «الخلافة الإسلامية» أو «الباب العالي» في الآستانة، أو «القصر»، فقد تجلّى ذلك جليًا في إغفال شوقي ذكر ثورة الشريف حسين في الحجاز ضد الأتراك (في يونيو 1915) على ما حملت تلك الثورة من دلالات سياسية وتحالفات أثّرت في مجرى الأحداث السياسية عمومًا، ولاسيما المشرق العربي. غير أن مناسبة وفاة الشريف (يونيو 1931) سرعان ما استدعت اهتمام شوقي، وغدت مرثية في تسعة وأربعين بيتًا (الشوقيات: 3 / 150 - 153)، فقد بدا فيها شاعرنا متحررًا من قيود وموافقات، طالما أثقلت كاهله النفسي والفني.
ومن المفيد القول، هنا، إن هذه «الشوقية» في فلسفة غرضها تقوم على «التعريض»، فطائر الشعر طفق يحلّق - بعد العودة من المنفى 1920 - في فضائه العربي الرحب، وغدا شوقي يشارك العرب، في أوطانهم المتعددة، نضالهم، ويبكي زعماءهم وعلماءهم:


وما الشرقُ إلا أسرةٌ أو عشيرةٌ
تَلُمُّ بنيها عند كلِّ مُصابٍ
أمّا بنية هذه المرثية فتحمل ميزتين اثنتين، الأولى، ما شاب النص من غلول في معجم المفردات والصور.. ولعل ذلك يُعزى إلى ما حمله «التعويض» من تداعيات ألقت بثقلها على النص:
لكَ في الأرض والسماء مآتم
قام فيها أبو الملائك هاشم
قعد الآل للعزاء، وقامت
باكيات على الحسين الفواطم
ويغلو شوقي كثيرًا إذ يُشير إلى مكان مثوى «الشريف حسين» إذ يجعله بين الأنبياء (!):
وادفنوه في القُدس بين سليما
نَ وداودَ والملوكِ الأكارم
إنما القدس منزل الوَحي، مَغْنَى
كُلِّ حَبْرٍ من الأوائلِ عالم
والثانية، الاعتراف الذي قدّمه شوقي بثورة الشريف، ومُلكه موصولا بولدَيه (فيصل وعبدالله):
قُمْ تأمل بِنَيكَ في الشرق زَينُ التا
جِ، مِلءُ السرير، نورُ العواصم
دبّروا المُلْكَ في العراقِ وفي الشا
مِ، فَسَنّوا الهدى، وردّوا المظالم
ويتبدّى الاعتراف بـ«الشريف»، ولو جاء متأخرًا ست عشرة سنة، في إطار المآثر الباقية:
قد بعثتَ القضيةَ اليومَ ميتًا
ربَّ عظمٍ أتى الأمور العظائم
أنت كالحقّ، ألّف الناس يقظا
نَ، وزاد ائتلافَهم وهو نائم
إنّما الهمّةُ البعيدةُ غَرْسٌ
مُتأنٍّي الجَنَى، بَطيءُ الكمائم
حَبّذا عن ممالكٍ وشعوبٍ
نُقلَت في الأكُفّ نَقْلَ الدراهم


بلدان العرب، في الشوقيات

وبقدر ما انشغل شوقي بأحداث الثورات في البلدان العربية، وبقدر ما احتفى بأدباء العروبة وعلمائها، فأقام لذلك كلّه، معالم شعرية مضيئة، نراه، في الوقت نفسه، يعيد رسم جمالات الطبيعة في البلدان والمدن العربية التي زيّنت قصائده الوصفية، وجسّدت الجمال الفني الخالص، في أيقونات من الصور لدمشق ولبنان وزحلة ودجلة.
لقد برع شاعرنا إذ زاوج بين الوصفين الحسي والوجداني، في قدرة على استيلاد صور مبتكرة، كان قد انتزعها ببصيرته من الطبيعة، وأعاد تخيلها في ذائقته حتى تشخّصت في شعره لوحات أخّاذة بفعل مهارة استخدام المجازات والاستعارات والكنايات، وبراعة الانتقال من أسلوب المباشرة في الخطاب، إلى أسلوب الإيحاء والبوح بقول ضمير الغائب، جامعًا بين صوتين يجتمعان على إنجاح إيقاعات القصيدة، بعيدًا عن الوقوع في رتابة الوصف، فهاهو لبنانُ:


السلْسبيلُ من الجداولِ ورْدُه
والآسُ مِنْ خُضْرِ الخمائلِ قُوتُهْ
إنْ قُلتُ تمثالَ الجمال مُنَصَّبًا
قالَ الجمالُ براحَتَيَّ مَثلُتُهْ
لبنانُ والخُلْدُ، اختراعُ اللهِ لم
يُوْسَم بِأزْيَنَ منهما مَلَكُوتُهْ
أما زحلة (مدينة، في بقاع لبنان) فلها من شوقي القِدْحُ المُعَلَّى، فقد عشقها فوهبها أجمل ما لديه من صور الإبداع، فكان أن ذاع صيتها لحنًا وغناءً في ما شداه محمد عبدالوهاب، ثم فيروز:
يا جارةَ الوادي طَرِبْتُ وعادني
ما يُشبهُ الأحلامَ مِنْ ذِكْراكِ
مَثَّلْتُ في الذكرى هواكِ وفي الكرى
والذِّكْرياتُ صَدَى السّنينَ الحاكي
ولقد مَررْتُ على الرياضِ بَرْبْوَةٍ
غَنَّاءَ، كنتُ حِيَالَها ألقاكِ
ضَحِكتْ إليَّ وجوهها وعُيونُها
ووَجَدْتُ في أنفاسِها ريّاكِ
(...)
ودخلْتُ في لَيْلَيْنِ: فَرْعِك والدُّجى
ولَثَمْتُ كالصُّبْحِ المُنَوَّرِ فاكِ
لا أَمْسِ مِنْ عمرِ الزمانِ ولا غَدٌ
جُمِعَ الزمانُ فكان يومَ رِضاكِ
وهاهي دمشق، أيقونة شوقي، تستأثر، وحدَها، بلوحات تشهد لها في الماضي والحاضر، أنها الجنّة على الأرض وريحانها:
آمنتُ باللهِ، واستثنيتُ جنَّتهُ
دِمشْقُ رَوْحٌ. وجنّاتٌ، ورَيْحانُ
جرى وَصَفَّقَ يلقانا بها (بَرَدى)
كما تلقَّاكَ دونَ الخُلْدِ رضوانُ



شوقي وجمهوره العربي: وسائط التواصل

غذت الصحافة، وهي كثيرة، متنوعة المقاصد، في عهد شوقي، قصائد الأحداث العربية، وأسهمت إسهامًا كبيرًا في الذيوع والتواصل بين منبر الاحتفال وجمهور القرّاء العرب، كما سجلت دورًا يذكر في إبلاغية الحدث وصنع اهتمامات صانعي القرار، ولاسيما الأحزاب في البلدان العربية، فهي في ما تنشره من معلومات عن الحراك الجماهيري المطالب بالاستقلال والحرية، مصدر أساسي للخبر والأفكار، وإن كان للصحف الجريئة والناشطة خارج النظام السياسي الدور المميز والمرتجى في تقديم الحقائق وتصوير الواقع. وقد توسع هذا الدور الاتصالي في عملية التعميم، مما هيّأ المناخ لإعادة إنتاج الواقع السياسي، تحديدًا، عن طريق طرحه على الرأي العام، وتوضيحه، وتفسيره، وتأكيد ما يتضمن من قيم وطنية، ومفاهيم تحررية، وكان شوقي خبيرًا بوظائف الصحافة، وما تفعله المنابر، في المناسبات الاحتفالية، مما جعله حريصًا على تقديم نصّ شعري قادر على سلوك طريق تهيئة الرأي العام، فآثر أن يودع قصيدته من البثّ التعبيري، ما يحفّز أو يحثّ على الرفض الذي ينمّي مشاعر التجرّؤ على الغاصب، ويُبلغ المتلقي من المعاني والصور ما يحرّك فيه منازع استرجاع الحق المسلوب.
ولعل ما ساعد هذا التواصل في بلوغ مراده أن المناخات السياسية والاجتماعية والثقافية، عقب الحرب العالمية الأولى أضعفت كثيرًا من الطابع التسلطي للحكم المركزي، فالشعور بالإخفاق جرّاء نكث حلفاء الحرب (الفرنسيين والإنجليز والإيطاليين) بالوعود، هيّأ تربة صالحة لاستنبات مزيد من الرفض للاستكانة. وفق ذا غدت الصحافة كالدورة الدموية، التي تتعاون وظائفها الانتشارية في الجسد الحي، ولقد أصاب شوقي إذ لفت إلى أهمية الصحافة:


لكُلِّ زمانٍ مضى آيةٌ
وآيةُ هذا الزمانِ الصُّحف
وهي «لسان البلاد ونبض العباد»
وهي «تسير مسير الضحى في البلاد»


فكلُّ شيء في ذيوع القصيدة، اتصال، وبالتالي قناة تدفق الكلم من الشاعر إلى الجمهور، وأيضاً نقل الاحتفال حبيس المكان واللحظة إلى فضاءات الجمهور، في كل زمان، فيغدو الشاعر والناس، حيثما كانوا جماعة متفاعلة في التفكير معًا، وربما العلم معًا، وهو عين التماسك الاجتماعي في المشاعر والأحاسيس. لذا، من الخطأ القول إن شوقي كثيرًا ما كان ينأى بنفسه عن العامة، بل الصواب أنه كان في شعره الوطني، المصري، والعربي عمومًا، غيريًًا، على تماس وجمهوره، متوسلاً في ذلك إتقان ما تستوجبه عملية الاتصال عبر الصحافة، فهو يدرك الربط بين وظيفة المعلومة عن العالم الخارجي والمعلومة التاريخية عن الماضي، إذ يقرن بينهما في حذق، مستولدًا المعنى المؤثّر، والصورة المعبّرة، جامعًا إذ ذاك بين راهنية ما يحدث وعمق العبرة في استحياء الشبيه المنتزع من التراث، فتغدو اللوحة صلبة الأركان، فاعلة فعل الحياة النازعة إلى التغيير. تلك هي تمثّلات الحاضر بالذاكرة، أو لنقل جمال الربط بين الحاضر والماضي، مما يعطي الشاعر مساحة في إيجاد علاقة بين المعلومة الراهنة وخبراته الثقافية، وهو ما يهيئ الشعر الوطني لدخول مرحلة تشكيل القرار.

تنوّع أفق التواصل مع العرب

وبقدر ما قدّمت الصحافة من واسطة تبادلية، بين الشاعر وجمهوره، وأذاعت شعره في البلدان العربية، كانت القصيدة الشوقية المغناة بصوت محمد عبدالوهاب، بالمقابل، تعزّز حضور شاعرنا في قلوب العرب، فكان أن اكتملت أسباب واسطة الذيوع ثانية حين تكامل الصوت الجميل بالكلمة العذبة، واللحن المونّق، وكأنما شوقي يسرّ إلى عبدالوهاب جرس ألفاظه بالنغمة الحلوة التي يريدها منه، ومازال يسنده ويحوطه حتى يتألف اللحن الساحر.
أما الأفق العربي الآخر الذي عرفه شعر شوقي، فقد تمثّل في مسرحيتين اثنتين، «عنترة»، و«قيس وليلى»، في الأولى أعاد إلى الفكر الحديث سيرة كفاح عنترة من أجل التحرر من عبودية الرق، في مجتمع طبقي ظالم، وهو اختيار ذكي للموضوع، رمز من خلاله إلى إضاءة المشهد المقارن بين استعباد رجل واحد (عنترة) من قبل مجتمع ذي تقاليد واستعباد أمة من محتلين غربيين.
وقد أجاد شاعرنا في تجسيد صور البطولة والغوث وإنكار الذات والترفّع عن الدنايا، ونبل المشاعر التي تميز بها عنترة. ثم نراه في المسرحية يُعلي التيار الخُلقي، وهو ما تمثل في عنترة الذي تجلّى مثلاً من أمثلة الخلق الرفيع عند البدو سواء في شجاعته ومروءته، أو في كرمه، أو في عفافه.. ولكم تردّدت هذه السجايا العربية في المسرحية، بل هي، كما يقول شوقي ضيف، «عمادها وركنها الذي لا يميل»، أما عبلة فمثال للوفاء والإيمان بالفضائل المعنوية الخفية لا الفضائل الجسدية الظاهرة.
لقد استهدف شوقي بذلك ثنائية الغرض، العمل الفني الخالص، وبعث صورة العربي، في ماضيها المشرق، فتغدو في إطار التذكرة والإحياء عنصر استرجاع للعزيمة وإعادة تشكيل لثقافة هوية، طالما حاول المحتل إقصاءها.
أما مسرحية «قيس وليلى» فرسالة ثقافية، ثانية، إلى القرّاء العرب، والعامة، فهي تعرّف بالحب العذري، وعفّة اللقاء، وعادات العرب وتقاليدهم البدوية، بالرغم من حضورهم في الزمن الأموي الإسلامي، فالحب، حتى لو سما وعفّ، والعهد بين العاشقين (قيس وليلى) مهما نبُل لا مكان لهما، ماداما خارج الأعراف القبلية، حتى لو بلغت تباريح الجوى في ذلك كلّه مبلغ العذاب والضنى. ولا يخفى ما في هذا المقصد من إحياء لخُلُق عربيّ مثالي، جاء شعرًا موحيًا على لسان ليلى:


يعلم الله وحدَه ما لِقَيْسٍ
من هوىً في جوانحي مستكِنّ
إنني في الهوى وقَيسًا سواءٌ
دَنُّ قَيْسٍ مِن الصبابة دَنِّي
أنا بين اثنتين كلتاهما النا
ر، فلا تَلْحني، ولكن أَعِنِّي
بين حِرْصي على قداسة عِرْضي
واحتفاظي بمن أُحِبُّ وَضَنِّي


ثم، إن ما أعطى هذه المسرحية ذيوعًا ما لم تنله سابقتها، هو انتقالها إلى «فيلم» سينمائي، تخللته مقاطع حوار غنائي بصوت محمد عبدالوهاب وأسمهان، مما صار لحنًا محبّبًا، ذائعًا على كلّ شفة ولسان.

في الكتب

كتاب العدد الثاني من مجلة لينكس العرب ..إقرأ
كتاب قصص العرب ..إقرأ
كتاب اكواد فجول دوت نت ..إقرأ

مقالات شبيهة

أخبار ثقافية ..إقرأ
بَرقٌ في ثيابِ الشَّجرة ..إقرأ
مختارات ..إقرأ

مشاركات القراء حول الكتاب
لكي تعم الفائدة , أي تعليق مفيد حول الكتاب او الرواية مرحب به , شارك برأيك او تجربتك , هل كانت القراءة ممتعة ؟

القائمة البريدية