رحيل الباحث الكبير طه محمود طه

بقلم :   حسين عيد
1-9-2002
التقييم 3.0 بواسطة (1) قارئ 20 قراءة


رحيل الباحث الكبير طه محمود طه




مترجم مسكون بعالم جيمس
جويس


مات الدكتور طه محمود طه المترجم (المسكون) بعالم جيمس
جويس, والذي أفنى حياته (راهباً) في محراب فنّه, فأصبح (ظاهرة) متفرّدة, و (أسطورة)
في العشق, تستحق أن تُفرد لها الصفحات بالدراسة والتحليل والتفسير!

هو من مواليد عام 1929, ولعله وقع في هوى (الأدب) عامة,
و(القصة) بشكل خاص, وذلك منذ يفاعة صباه ومطلع شبابه. ولأنه اعــــــتاد أن يأخذ
الأمور بجديّة, فقد اختار بعد أن أنهى دراسته الثانوية أن يلتحق بكلية (الآداب)
جامعة عـــين شمس, فوجد في مناخها ما يروي ظمأه, فأقبل على علومها يدرسها باجتهاد,
فكان مآله أن يتخرّج متفوّقا, ليحــــصل على ليسانس الآداب, وسرعان ما أنهى رسالة
الماجســـــتير, ثم نال منـحة عام 1957 بجامعـــة دبلن بإيرلندا, للحصــــول على
درجة الدكتوراه, التي دارت حول الأديب المفكر ألدوس هكسلي, الذي كان يراسله منذ عام
1955, وبعـــــد أن حصل على درجة الدكــتوراه, عاد إلى القاهرة في فبراير 1961,
وانضم إلى هيئـــــة التدريس بكلـــــية الآداب جامــعة عين شمس, وخلال الفترة من
1962إلى 1964, أنجز كتاب (القصة في الأدب الإنجلــيزي: من (بيــــــوولف) حتى
(فينيجانزويك), الذي نشرته الدار القومية للطباعة والنشر بالقاهرة, وجاء في مقدمته
(يعرض هذا الكتاب على القارئ العربي قصة القصة في الأدب الإنجليزي من (بيوولف) حتى
(فينيجانزويك), أي منذ بدايتها حتى منتصف القرن العشرين, وقد قمت بعرض سريع في نصفه
الأول - الفصول الأربعة الأولى - لخلفية القصة وتربتها وبذورها وجذورها). (وكنت في
هذه الفصول أقوم أحيانا بتلخيص الحبكة القصصية لروائع كل عصر حتى أضع القارئ في
الصورة العامة, وأجعله يستجيب للعرض السريع, ولكنني تجنبت هذه الطريقة في
معالجــــة القصــــة الحديثة في الفصل الخامس, وأفسحت في المجال للاتجاهات الفنية
والفكرية المختلــــفة لمادة القصة وشكلها بدلا من التعرّض لكل قصصي على حدة
بالتعليق والنقد). وقد أرجع د. طه محمود طه اختلاف (أسلوب المعالجة) بين جزأي
الكتاب إلى أن (القصة الحديثة أكثر تعقيدا من أن يلم بها كتاب عن القصة في الأدب
الإنجليزي بوجه عام), وربما من أجل ذلك, أضاف مستطرداً في ذات المقدمة (سوف أتعرّض
لأعلام القصة في الأدب الإنجليزي الحديث في كتاب آخر يصدر قريباً بإذن الله). وهو
ما حدث فعلاَ بعد ذلك, حين فرغ عام 1966 من كتاب (أعلام الرواية في القرن العشرين),
الذي اختار فيه للدراسة خمسة من أعلامها, وهم: إدوار مورجان فورستر, فرجينيا وولف,
ديفيد هوبرت لورنس, جوزيف كونراد, وألدوس هكسلي.

نحن, هنا أمام محبّ للأدب (اختار) دراسة تروي ظمأه في
كلية الآداب بجامعة عين شمس, فنبغ فيها وحصل على رسالة الماجستير من كليته وعلى
الدكتوراه من جامعة إنجليزية, وعاد لينضم إلى ركب هيئة التــــــدريس, ليــــدرّس
للطلاب القصة الإنجــــليزية وأهم أعلامها, لذلك (خطط) لتدعيم مسيرته (العلمية),
فألّف كــــتابين في هذا السياق!

كان ذلك هو تيّار حركته (الظاهر), لكن (القدر) كان يعمل -
من ناحية أخرى - في (الخفاء) لتحويل ذلك المسار, ففي عام 1953 بعد أن تخرّج طه
محمود طه وانفتح أمامه باب الدراسات العليا, إذا (بالقدر) يضع في طريقه أستاذاَ
إنجليزياً زائراً يثير اهتمامه بعالم جيمس جويس, ويساعده على الدخول إليه وارتياد
آفاقه, وهو ما أوضحه طه محمود طه - في مقدمة كتاب (موسوعة جيمس جويس) (1974) - حين
قال (بدأ اهتمامي بجيمس جويس وبأعماله منذ عام 1953 وشجعني على قراءته والتخفيف من
حدّة استغلاقه الأستاذ الزائر ديفيد بيتر إدجل بكلية الآداب جامعة عين شمس),
واعترافاً بفضل ذلك الأستاذ, وضعه - بعد ذلك بعشرين عاماً - في مقدمة من أهداهم
(موسوعة جيمس جويس) مقرّآً بفضله, وذلك حين قال (إلى مَن علّمني قراءة جيمس جويس:
الأستاذ ديفيد بيتر إدجل).

وانظر إلى القدر وهو يتدخل ثانية, فإذا منحته للحصول على
درجة الدكتوراه تكون من جامعة دبلن, مسقط رأس جويس, التي التحق بها عام 1957, ورغم
أن دراسته فيها دارت (حول الأديب المفكر ألدوس هكسلي), فإن وجوده في دبلن ضاعف من
اهتمامه بجيمس جويس, وهو ما عبّر عنه - في ذات مقدمة (موسوعة جيمس جويس) - حين قال
(ومع ذلك لم ينقطع اهتمامي بجيمس جويس طوال السنوات الثلاث التي قضيتها في دبلن. لم
أترك مكاناً في المدينة أو في ضواحيها يذكره جويس في أعماله إلا وقمت بزيارته
والتعرّف على معالمه), فكان منطقياً بعد ذلك أن يتصاعد اهتمامه بعالم جويس, وهو ما
أوضحه - في المقدمة ذاتها السابق الإشارة إليها - حين استطرد (وعدت إلى القاهرة في
فبراير 1961. وقد حرصت منذ ذلك الحين على جمع كل ما ينشر عنه, وعاونني في ذلك صديق
إيرلندي - السيد إيريك جيري - صاحب مكتبة جرين بدبلن. ويزودني إلى الآن (1974) بكل
جديد ينشر عن جويس في إنجلترا وأمريكا).

هنا نلاحظ أنه بدءاً من عام 1953, ربّما تسلل (حبّ) عالم
جيمس جويس إلى وجدان وفكر طه محمود طه, ولعلّه بدأ واهنا أول الأمر حتى يسّر أستاذ
إنجليزي زائر له السبيل - بالتشجيع على قراءته وتفسير ما غمض منه - كي يتمكن منه.
وحين سافر للحصول على درجة الدكتوراه, إذا بالدراسة تجري في مدينة دبلن (موطن)
المحبوب. حيث عايش عن قرب ذات الأماكن التي جاء ذكرها في أعمال جويس, وهو ما أرسى
لذلك الحب جذورا في كيانه وعمّقه. وحين رجع إلى القاهرة في فبراير 1961, استمرّ دفق
هذا الحب قويّاً, لكن الظروف لم تكن تسمح له بأن يسفر عن وجوده, فعاش موزّعاً بين
حياتين: الأولى حياة (ظاهرة) كعضو في هيئة تدريس كلية آداب (خطط) لكتب تدعّم مساره
العلمي أنجز منها كتابين, وحياة أخرى (خفية) يحرّكها (حبّ) عالم جيمس جويس ساعدت
ظروف (قدرية) على أن يتمكن منه, واستقبله هو بامتنان العارف بقدر تلك النعمة,
محافظا (بوعي) على ذلك الحب, وإن أراد أن يمنحه بعضاً من حقه في الحياة, إلى جوار
عمله الظاهر, ولو كان ذلك على شكل جرعتي ترجمة صغيرتين, وهو ما عبّر عنه - في مقدمة
الطبعة الأولى لترجمة رواية (عوليس) (1982) حين قال (لقد بدأت ترجمة عوليس عام 1964
ونشر الفصل الرابع في مجلة الكاتب مايو 1964 تحت عنوان (45 دقيقة في حياة مستر
بلوم) مع مقدمة وشرح للنص. ثم أتبعته بنشر ترجمة للفصل العاشر (المتاهة الصغرى في
عوليس) في مجلة المجلة نوفمبر 1965. وبعدها توقفت. كيف الانتقال من المتاهة الصغرى
إلى المتاهة الكبرى: عوليس?), لعلّ (التوقّف) هنا يعني أن طه محمود طه قد أيقن أن
محاولة ترضية حبّه بهذين الفصلين قد باءت بالفشل, وأن التجرؤ على ترجمة (عوليس) تحت
هذه الظروف, محاولة محفوفة بالخطر, لأن العمل (متاهة كبرى), كما أيقن أيضا أن حبّه
الكبير يطالب بحقّه كاملاً في الحياة, وأن ينفرد وحده بساحة العمل!

التفرّغ للترجمة

ولم يكن لهذا الصراع أن يستمر طويلاً, ففي عام 1966 (حسم)
طه محمود طه الأمر, و(اختار) طريقه متفرّغاً لهذا الحب, فهو مشروع حياته (الوحيد),
وربّما بدا له في تلك اللحظة أنه قد خلق من أجل ذلك الحب, وحتى عمله السابق الظاهر,
كان - دون أن يعي - (مدخلا) ضرورياً لعالمه الحبيب!

هنا, كان طه محمود طه صادقا مع نفسه, مخلصا لحبه, وإذا
(بالقدر) يتدخل مرة ثالثة, حين أتاح له أن يتعاقد مع جامعة الكويت أستاذاً مساعداً
للأدب الإنجليزي الحديث, وهو ما سمح له بالعكوف على مشروعه الكبير, وأن يضع (أساسه)
الضروري موضع التنفيذ, وهو ما أوضحه قائلا (ولإدراكي التام بصعوبة العمل - عوليس -
آثرت أن أبدأ بالمدخل لجــيمس جــــويس (موسوعة جيمس جــــويس), وهكذا بدأ
يجـــــمع مادة الكتاب, الذي استغرق العمل فيه سبع سنوات لينـــــتهي منه في صيف
1973. وقد شكّل ذلك الكتاب (تحدّيا) استنفر له كل قدراته, متخذا من تكريس جويس نفسه
لعمله (نموذجا) له, وهو ما عبّر عنه - في مقدمة الموسوعة - حين قال (وقد أعددت نفسي
للتصدي لهذا العمل الذي يعتبر الأول من نوعه في العالم العربي, فليس الكتابة عن
جويس بالشيء الذي يستهان به, فلايزال جويس من الكتّاب المستغلقين, لا يبوح بسرّه
كله, لقد كرّس جويس حياته لفنه فكتب (صورة للفنان) في عشر سنوات و(عوليس) في سبع
سنوات و(فينيجانزويك) في سبعة عشر عاماً. أي أنه أمضى أكثر من نصف عمره في كتابة
ثلاث قصص), كما أوجز ما احتوته الموسوعة - في مقال له بعنوان (فن الترجمة وعدّة
الأسطى) بمجلة (الألسن للترجمة) بالعدد الثاني يناير 2002 - قائلا (في هذه الموسوعة
درست حياة جيمس جويس وفنه الروائي وترجمت أجزاء طويلة من روايته (صورة للفنان في
شبابه), وقصتين من المجموعة القصصية (إيرلنديون من دبلن) وأجزاء من روايتيه (عوليس)
و (فينيجانزويك). وحين انتهى من الكتاب ساندت جامعة الكويت جهوده, حين ساهمت في
طباعة الموسوعة, حتى خرجت بشكل طباعي فاخر على ورق مصقول يليق بعالم جويس وجهد د.
طه!

لسان عربي / إنجليزي

هكذا انفتح الطريق أمامه إلى رواية (عوليس) وهو ما أوضحه
- في مقاله (فن الترجمة وعدة الأسطى) - حين قال (أصبحت حصيلتي من مفردات اللغتين
العربية والإنجليزية لا بأس بها, ووجدت نفسي صاحب لسان عربي ولسان إنجليزي ونصف
لسان فرنسي ونصف لسان لاتيني) فأقبل على ترجمة (عوليس) حتى أنجزها, وإذا بجامعة
الكويت تقف إلى جواره مرّة أخرى مساندة, حين يسّرت له إجراء مراجعة للكتـــاب مع
قمم المتخصـــصــين في عالم جويــــــس. وهو ما عبّر عنه - في مقدمة الطبعة الأولى
من (عوليس) (1982) - حين قال (وبعد أن انتهيت من الترجمــــة في عام 1978 منحتني
جامعة الكويت إجازة تفرّغ علمي لمدة فصل دراسي قضيته بجامعة تولسا أوكلاهوما بكلية
الدراسات العليا راجعت فيها النص المترجم مع عميدها الأستاذ توماس ستيلي رئيس تحرير
مجلة جيمس جويس الفصلية وغيره من الأساتذة المتخصصين في جويس والأدب الحديث). وقد
صدرت رواية (عوليس) عن المركز العربي للبحث والنشر, مشاركاً بها في مناسبة مهمة,
أوضح - في مقاله (فن الترجمة وعدة الأسطى) - أنها كانت (احتفالاً بمرور مائة عام
على مولد جيـــــــمس جـــويس. وفي مدينة دبلن - مسقط رأسه - تقدمت للمؤتمر الدولي
الثامن بترجمتي الكاملة لروايته (عوليس) التي نُشرت في القاهرة في طبعتها الأولى
1982). ثم نشرت طبعة ثانية منقحة عن الدار العربية عام 1994.

وأكمل د. طه محمود طه مهمته, حين ترجم آخر أعمال جويس
وأكثرها صعوبة, وهي رواية (فينيجانزويك). وكان يفترض أن تصدر عن الدار العربية
للنشر بالقاهرة, لكن (القدر) الذي سبق أن يسّر له سبيل حب عالم جيمس جويس خلال
مراحل مختلفة من حياته, لم يسعفه هذه المرّة حين فاضت روحه في يوم الثلاثاء 16
أبريل 2002, دون أن يتيح له قدراً آخر من الزمن, حتى تكتحل عيناه برؤيتها
مطبوعة!.





حسين عيد

 




مقالات شبيهة

قالوا.... ..إقرأ
القنديل.. والجندول ..إقرأ
مساحة ود ..إقرأ

مشاركات القراء حول الكتاب
لكي تعم الفائدة , أي تعليق مفيد حول الكتاب او الرواية مرحب به , شارك برأيك او تجربتك , هل كانت القراءة ممتعة ؟

القائمة البريدية