ندوة العربي
الثقافة العلمية واستشراف المستقبل العربي
كلمة الضيوف يلقيها
أ. د. حامد عمار - كلية التربية - جامعة عين شمس
بداية، مع شعور بعظيم الاعتزاز، ووعي بعبء المسئولية.
أتوجه إلى حضراتكم بكلمة في هذه الجلسة الافتتاحية، باسمي وباسم ضيوف هذه الندوة والمشاركين فيها من مختلف أقطار أمتنا العربية، وإني لأعلم حق العلم - دون تواضع - أنني لست بخيرهم، وإن كنت بالقطع شيخهم بحساب الأيام والأعوام، ولعلي أخفَّهم وزنًا بحساب الكيلوجرامات والأرطال، ويسعدني باسمهم، الإعرابَ عن سعادتنا الغامرة للتداعي إلى هذا اللقاء من قبل العربي، لقد احتضنت المجلة موضوعًا خطيرًا، وأعدت له تنظيمًا سديدًا وضيافة سخية، من أجل معالجة قضايا الثقافة العلمية، واستشراف المستقبل العربي. وتجيء ندوتنا هذه في لحظة تاريخية مفصلية، يحدونا الأمل في تلمس طاقات النور، ونحن نجتاز نفقًا معتمًا مضطربًا في مسيرة شعوب هذا الوطن.
وأعتقد أن المجلة قد اهتدت إلى موقع الضوء الذي يقودنا إلى سواء السبيل في مساعينا ونضالنا، وصولا إلى نهاية ذلك النفق، جاهدين إلى الانطلاق نحو غد أفضل وأكمل وأعلم. وينعقد طموحنا متمسكًا بزاد العلم وثقافته، في سبيل توليد الطاقات الجديدة والمتجددة، والتي تمكن الإنسان العربي - كل إنسان - من المشاركة في صناعة المستقبل، وفي توشيج العرى الوثقى لتماسك الأمة العربية، وفي مواجهة تحديات الداخل والخارج، مهتدية بالعقل ومنهج العلم والبصيرة والمصالح المشتركة المرسلة، وذلك في مسيرة طويلة مفعمة بالثقة والمثابرة والحكمة والأمل.
وفي هذا السياق، نشكر لمجلة (العربي) سعيها المحمود، مقرونًا بالتقدير كله لتشريف معالي الوزير للجلسة الافتتاحية لندوتنا، وللصديق الفاضل والمثقف المهموم بقضايا أمته رئيس تحرير (العربي) د. سليمان العسكري، ولكوكبة الزملاء المحررين والعاملين معه، ولكل من أسهم في إعداد هذا الملتقى.
الجمع الكريم...
يطيب لي من هذا الموقع أن أعرض على حضراتكم بعض الخواطر العامة التي أثارها لدي موضوع الندوة، والتي تمثل بعضًا من همومنا العالقة.
وفي البداية، أتوجه بكل الاحترام إلى أولئك الذين يقعون على الشاطئ الآخر من موقعنا، مفتتحا خواطري بقول الحق تبارك وتعالى (ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين). أذكر هذه الآية الكريمة بالذات، وفي خلفية تفكيري، ما قد يراه بعض أولئك المواطنين على ذلك الشاطئ من أن ثمة تعارضًا بين العلم وثقافته، وبين الدين وشريعته، وهم في تصورهم الخاطئ هذا، يظنون أن المشتغلين بالثقافة العلمية والمتمسكين بقيمها ودورها المهم علمانيون أو ماديون أو مغتربون، أو غير ذلك من المسمّيات المتحيزة المألوفة. والواقع أننا نؤمن بأن رسالات السماء جميعًا، تدعو إلى إعمال العقل، وهداياته ومنجزاته، باعتباره مناط الاختيار والمسئولية والإرادة. والإسلام خاتم الرسالات يحث في عشرات من آياته البينات، على توظيف العقل والسعي في هديه، واعتبر ذلك فريضة، كما تجلت في كتاب عباس العقاد بعنوان (إعمال العقل فريضة في الإسلام).
ثم يأتي إلى خاطري كذلك، ذلك التشوّه الفكري الناجم عن الخلط بين المصدر والمنهج في فهم حقيقة كل من خطابيّ العلم والدين.
فالدين الإسلامي الخاتم مصدره الوحي الإلهي وسنة نبيه الصحيحة، ونصوص القرآن المجيد ثابتة مقدسة، منهجها إيماني، وهي مناط التأويل والاجتهاد الفقهي والدنيوي. أما العلم، فهو نشاط عقلي تجريبي استدلالي استقرائي تاريخي من نتاج فكر البشر وخبراتهم. وهو مفتوح قابل للتغيير والتفنيد والتعديل بصورة مستمرة. بيد أنه من الملاحظ أن بعض أصحاب النيات الحسنة يقومون - تعسفًا - بالخلط بين كل من المصدرين والمنهجين. ومن ثم نعثر بين الحين والآخر على كتابات تستخلص من القرآن الكريم آيات لقوانين علمية، وذلك في محاولة لإثبات الإعجاز العلمي في القرآن، كما لو كان هذا الكتاب المقدس من بين كتب الفيزياء أو الكيمياء أو الأحياء، أو الفلك. حاشا لله.
إنه في المقام الأول والأخير كتاب هداية للبشر داعيًا إلى التفكير والتأمل في خلق الله وسننه الكونية، ومرشدًا إلى جادة الصواب في معاد البشر ومعاشهم، وأن ليس لهم إلا بقدر ما يسعون إليه، بنص القرآن المجيد (وأن ليس للإنسان إلا ما سعى) كما أنهم بنص الحديث الشريف (أعلم بأمور دنياهم).
وهذا بطبيعة الحال لا يحول دون أن يتطابق النص الديني مع بعض ما تنتهي إليه الاكتشافات العلمية، لكن الخطأ والخطر يتمثلان في الخلط بين المصدرين والمنهجين المقدسِ والبشريِ في فضاء المعرفة، وقد يؤدي هذا - كما يقول د. يحيى الرخاوي - في إحدى كتاباته إلى >خلخلة مفهوم العلم وطمس معالمه، فضلاً عن الاستهانة بحقيقة الدين ودوره الإيجابي، وتُظهره بمظهر الذي يعاني الشعور بالنقص، كما لو كان يحاول أن يكمل نقصه بما ليس فيه، وما ليس له، حاشا لله مرة أخرى.
وعلى الطرف الآخر من التشوهات الثقافية في مجتمعنا، وجود نفر لايزالون منكرين بعض الحقائق العلمية مثل كروية الأرض ودوارنها، أو نسبة ما تُحدثه الطبيعة وتحركاتها التكتونية كالزلازل والبراكين والفيضانات، معتبرا إياها من دلائل غضب الله على سيئات القوم. وأقتبس هنا نصًا لأحد أقطاب هذا التأويل، إذ يقرر (إن الكوارث الطبيعية غضب على العاصين، وابتلاء للصالحين، وعبرة للناجين). ومن هؤلاء أيضا من يقدم لنا تنبؤات يتعسفون في ربطها بآيات قرآنية ليشطح بهم الخيال إلى تهويمات ودلالات خرافية على اقتراب الساعة، وتاريخ نهاية الوجود بظهور السيد المسيخ ليملأ الدنيا نورًا كما ملئت جورًا.
وفي مجال التعليم، هناك من المدارس والمعلمين من ينكر المنطق الصوري في فهم طبيعة الرياضيات ليفرض على التلاميذ في مدارسهم مثلاً أن تحديد الناتج من 5+5=10 بمشيئة الله مع ضرورة ذكر تلك المشيئة.
كما ينكرون خواص النمو الطبيعي في الكائنات الحية، أو الاعتراف بأن هناك أسبابًا موضوعية كامنة في طبيعة تلك الكائنات يعزى إليها ظواهر نموها، كما ينكرون حتى فيما تجري به أحداث في هذا الكون من أسباب ومسببات ونتائج. وقد انعكس هذا التوجه والافتراض في قول الشاعر:
ومن يقل بالطبع أو بالعلة
|
|
فذاك كفرٌ عند أهل الملة
|
ورحم الله الإمام أبا حنيفة النعمان القائل (لا يُكَفَّر أحد من أهل الملة إلا بالشرك).
ثم إن تدريس العلوم الطبيعية والحيوية يُعنى في مدارسنا بحشد الكتب والعقول بكم هائل من المعلومات، وحتى في تحديث مناهجها يتم التركيز على الكم إضافة أو حذفًا بمسائل الطول أو العرض في المناهج دون الالتفات إلى العمق، وما يترتب على ذلك من الاهتمام بالتلقين والحفظ للمعلومات في عقل المتعلم، كما لو كان >بنكا< تودع فيه وتسترد منه عند الامتحان، مع تدهور في قيمها، مع أن الأهم من ذلك حتى مع قلة المعلومات هو بيان وتدريس المنهج العلمي وطريقة التفكير والجهد المعرفي الذي أدى إلى نتائج التراث العلمي، ونموه عبر العصور. وبذلك يصبح ماذا نعلم مقترنًا بالسؤال: كيف نعلم، أي تكوين الذهنية العلمية.
وفي جميع الأحوال، فإن بذور المنهج العلمي، إنما تبذر منذ مرحلة الطفولة المبكرة حين يُشجَّع ويُحَفَّز الطفل على تنمية ويقظة حواسه في التفاعل مع عالم الأشياء والناس، والتساؤل حولها وما يقتضيه ذلك من احترام تساؤلاته والإجابة عنها من قبل الكبار.
ومن هنا يبدأ الشوق إلى المعرفة وإلى ملكة التساؤل، وإلى التفكير والخيال والإبداع، أساسًا للمعرفة العلمية وإنتاجها.
السيدات والسادة...
إن استشراف المستقبل العربي مرهون بتنمية موارده المادية والبشرية هدفًا ووسيلة، وهذه مشروطة في عالم اليوم بنمو الثروة العلمية بمختلف ذخائرها ومناهجها ومقارباتها. ومن هنا تجيء ضرورة مواجهة أنواع التفكير وأنماطه مما لا تنتمي إلى المصادر العلمية وأساليب تفكيره، وتغدو ضرورة من ضرورات إشاعة الثقافة العلمية، وسداد مسيرة التنمية، والخروج من النفق المعتم. وأحسب أننا في اقتحامنا للمسيرة المتكاملة للتنمية بالثقافة العلمية نشرًا واستيعابًا وإنتاجًا وتوزيعًا، لا ننسى دور العلوم الاجتماعية والآداب والفنون في صناعة الحاضر والغد وما بعد الغد، وربما كان لهذه المجالات ندوة أو ندوات أخرى تنظمها مجلة (العربي) استكمالاً للمطالب المعرفية في استشراف المستقبل، ومغالبة تحدياته.
معالي الوزير... رئيس تحرير (العربي)...
الجمع الكريم...
وأخيرًا...لا ينبغي أن نكل أو نمل من التأكيد على أن الثقافة العلمية مورد لا غناء عنه، بل هي شرط لازم لتشكيل حياة ديمقراطية في مستقبل يستحق بذل أقصى الجهد، نصنعه بأنفسنا، ودون أن نستحي من الإفادة مما لدى الغير من حق، على حد تعبير ابن رشد، وعلينا أن نُقبل على المستقبل مقتحمين ميادينه قبل أن ننتظره ليجيء إلينا، أو أن نتركه ليصنعه لنا غيرنا، تلك مسئوليتنا أولا ومسئولية الأجيال من بعدنا.
ولقد أصاب ذلك الصوفي القائل (إن لله عبادًا إذا أرادوا أراد).