افتتاح الندوة
اليوم الأول
اليوم الثاني
اليوم الثالث

لقطات حفل الافتتاح
لقطات المعرض




كلمة الدكتور/ سليمان إبراهيم العسكري
رئيس تحرير (العربي)

بسم الله الرحمن الرحيم
أيها الأخوة الأعزاء

ضيوف الكويت... وضيوف مجلة (العربي) الذين نعتز بهم أخوة أحبّاء، وأهلاً أعزّاء

         أرحب بكم في ندوة مجلة (العربي) التي خصصتها هذا العام لموضوع نراه في غاية الأهمية، فهو من صميم حاضر الإنسان العربي، وراسم مستقبله، أعني به موقفنا من العلم الحديث وموقفنا من التعامل معه، فتعبير الثقافة العلمية الذي اخترناه كعنوان لندوتنا هو دلالة على موقف (العربي) كمجلة ثقافية رائدة في وطننا العربي. وهي أن العلم قد أصبح جزءًا ومكونًا أساسيًا من حياتنا الثقافية المعاصرة. فهو اللغة المعتمدة - ولا أريد أن أقول إنها الوحيدة - التي يمكن أن نفهم بها تعقيدات عالمنا المعاصر. وهو الوسيلة التي يمكن أن تبقينا في خضم حركة التقدم، أو تدفعنا إلى هامشها.

         لقد كان حلم التقدم العلمي والتنمية مرادفًا لحلم الاستقلال العربي، وعندما بزغ نجم الدولة العربية الحديثة سارعت في إنشاء الأكاديميات ومراكز البحث العلمي، وأعطت دفعة كبيرة للعملية التعليمية من محو الأمية إلى التعليم العالي. ولكن بعد مرور سنوات قليلة من الزمن، اكتشفنا أن هذه المؤسسات بعيدة كل البعد عن خطط التنمية وتحول أغلبها إلى وحدات مكملة لشكل الدولة الوطنية، وأننا مازلنا نواصل استيراد الآلات والأسلحة بمعدل أكثر تسارعًا. ومع مرور الوقت، ازدادت الهوّة اتساعًا وأصبحت مزدوجة، وبدلاً من الإنفاق على البحث العلمي، أصبحت الدول العربية تتنافس في التقتير عليه وعزله وتهميشه، في الوقت الذي تنفق فيه الأموال الطائلة على السلاح والفضائيات التلفزيونية ذات الهدف الترفيهي السطحي، وكانت النتيجة أن العقول العلمية العربية ـ على ندرتها ـ قد انعزلت أو هاجرت إلى دول أخرى تعترف بقيمتها وأهميتها.

         لقد أهملنا كعرب هذا الجانب الحيوي من جوانب عالمنا، وكلما اتسعت الهوّة بيننا وبين النشاط العلمي، ازددنا عزلة وخوفًا وإحساسًا بالتخلف، فظواهر مثل الجري وراء الخرافات والانشغال بالشعوذة ومطاردة الجن والأرواح، تلك الظواهر الغريبة التي نمت في عالمنا العربي في العقود الأخيرة، هي أبلغ تعبير عن محاولة الإنسان العربي للهروب من مواجهة ذاته، وعن عجزه عن المشاركة في معركة الحداثة. فصوت الفكر العلمي لم يخفت فقط، ولكن النهج العشوائي فرض نفسه علينا كأفراد وكدول، فقد دبت بيننا النزاعات غير المبررة، واشتعلت الحروب الأهلية المدمرة، وأصبح عالمنا العربي مرتعًا لقوى الغوغائية والدمار. والعشوائية هي نقيض العلم، لأن العلم نشاط إنساني عقلاني يبذله الإنسان، ليفهم نفسه، ويتعرف على الكون والعالم من حوله في إطار من الأسباب والنتائج، وقد فقدنا هذا المنطق تمامًا.

         وقد شهد تراثنا العربي القديم نخبة من العلماء الأفذاذ، شملت عقولهم الموسوعية أطراف العلم، فقد حاولوا فهم العالم في إطار من العلوم الطبيعية، وحاولوا فهم الذات البشرية من خلال علوم النفس والروح. ولكن عصر العالم الفرد قد انتهى، ودخلت البشرية عصر (العلم الكبير) عصر المعامل الكبرى والتخصصات الدقيقة، وفرق البحث التي لا تكفّ عن العمل، فالاكتشافات الكبرى لم تعد نتيجة لعبقرية فردية بقدر ما هي نتاج عمل منظم لفرق متكاملة من الباحثين. وفي هذا أمل كبير لنا، في أن نستعيد قدرتنا على العمل الجماعي، وتتضافر العقول، من أجل نهضة علمية عربية، و إشاعة مناخ من الثقافة العلمية هو الكفيل بهذا الأمر.

         وعلى الرغم من كل شيء فمازلنا متفائلين، وكانت فكرة إصدار (الملحق العلمي) لمجلة (العربي) أولى نتائج هذا التفاؤل، فعندما صدر العدد الأول منه في شهر يونيو الماضي، كانت (العربي) تدرك أنها تحمّل نفسها عبئًا لا مفر منه، وتسعى إلى غاية لابد من السعي إليها، وهي محاولة ربط القارئ العربي بشكل عام، وشريحة الشباب منه بشكل خاص بكل ما يدور في دنيا العلوم من اكتشافات وإنجازات. وأن عليها أن تفعل ذلك من خلال الصورة الجذّابة والكلمة الدقيقة. وكان الهدف ومازال، أن يكون هذا الملحق بداية متواضعة لمجلة أشمل وأكثر تخصصًا، وأن ندفع الجميع إلى حب العلم حتى الذين لا يمارسونه. وأن نجعلهم يتشاركون مع العلماء تلك اللحظات من لذة الفكر الخارقة التي يعيشونها داخل معاملهم.

         وكانت إقامة هذه الندوة هي ثاني نتائج هذا التفاؤل، فنحن نؤمن بأن الإنسان العربي صالح، بل وقادر تمامًا، على العطاء العلمي، والشاهد على ذلك التراث المشرّف الذي حمل فيه العرب مهمة تطوير البحث العلمي، وقطعوا فيه أشواطًا طويلة. وما يعوزنا حاليًا، هو كسر قشرة التخلف التي تحيط بنا، وتهيئة المناخ المناسب، أو النهضة الضرورية ليتحقق هذا العطاء، ولكن الصروح العلمية والأجهزة الحديثة ومراكز المعلومات وحدها لن تصنع هذا العطاء. ولكن الإنسان بقدراته الذهنية وخبراته المكتسبة هو القادر على ذلك. فكل فكرة يمكن أن تستمر أو تصير عدمًا، ولا يتوقف هذا إلا على الموهبة التي تدفعها.

         إننا الآن في مواجهة جيل جديد من التكنولوجيات الحديثة، وكلها تبشر بحضارة علمية جديدة لا ندري عنها شيئًا. لقد فاتتنا كشوفات عصر طاقة البخار، ولم تنر عقولنا قوة الكهرباء، وتحولت الطاقة النووية من قوة مؤازرة إلى قوة رادعة لنا، خاصة أن إسرائيل - عدونا الرئيسي - هي التي تمتلكها، ومر علينا عصر الترانزستور ونحن منشغلون بألعابه الترفيهية، ولم يبق لنا ونحن في المحطة الأخيرة إلا أن نتمسك بآخر أهداب الثورات العلمية التي تهز عالمنا المعاصر. وأعني بها ثورة المعلومات والهندسة الوراثية والطاقة البديلة، إن علينا أن نبادر بالمعرفة وبالفهم، فالإنسان عدو لما يجهله، ونحن لم ندر ظهورنا للتفكير العلمي فقط، ولكننا استعضنا عنه بمنظومة من الخرافات والبدع كفيلة بإهدار كل ما أنجزناه من تقدم.

         إن نشر الثقافة العلمية هو السبيل (لترميم العقل العربي). على حد تعبير عالمنا العربي حامل نوبل في العلوم الدكتور أحمد زويل، وإطلاق حريته في التفكير والإبداع، وهي السبيل أيضا إلى إطلاق النهضة العلمية التي مازلنا نتطلع إليها ولم نيأس بعد من الوصول إليها.

الأخوة ضيوف الندوة..

         أشكركم جميعا، وأشكر تفضلكم بالحضور، فقد أسعدنا وجودكم بيننا كما سوف تسعدنا مواصلة الحوار معكم.

         وأتمنى ألا يكون موضوع ندوتنا فيه شيء من العناء، لأنه بعيد عما تعودنا عليه من حوارات ونقاشات سياسية وفكرية تثير الحماس والحمية أحيانًا.

         لكم كل الشكر على حسن استماعكم.

         والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

بداية الصفحة