أبحاث الفترة المسائية الثانية ليوم الإثنين
رئيس الجلسة: أ.د. سمير سرحان رئيس الهيئة العامة للكتاب ـ مصر
تجربتي الشخصية في الغرب
صلاح نيازي
قبل كتابة هذه المداخلة، بيومٍ واحد، مرّتْ مصادفتان قد تكونان ذواتيْ دلالتين على ما نحن في صدده. الأولى: نقاش دار في إحدى الفضائيّات
العربية بين شخصين عربييْن. أحدهما محليّ يتنفّط بلاغةً وسجعاً. الآخر أستاذ جامعيّ ببلدٍ اوروبي يُعنى بالنشرات العلمية وإحصاءاتها. يحكم على
الأمور بنتائجها وهي الحكم الفصْل في نظره، أي لا دخل للعاطفة فيما يستنبط.
إذا أردنا أن نقارن بين الشخصين، وليس المقصود المفاضلة هنا، فالأوّل ربّما ينتمي إلى سوق عكاظ، وسجع الكهان، والخطب ( الشقشقية). الثاني
ينتمي إلى أنابيق مختبريّة، وجداول، وخطوط بيانية. الشخصان المشار إليهما أعلاه فلسطينيان.
المناقش الانفعالي، يتقن اللغة نحواً وصرفاً، ولا تخلو قفلات جمله من إيقاعٍ ديني، يجعلها أقرب ما تكون إلى التمسرح. ياسر عرفات في رأي هذا
المناقش، رمز، لذا فهو كالسرّ المقدّس لا يجوز المساس به، حتى لو انقلبت فلسطين عاليها سافلها. أو كالعَلمَ الوطني لا يجوز تغيير فصاله أو ألوانه. المناقش الثاني كطبيب يقرأ نتائجَ الأشعةِ السينية وفي ضوء ما يرى يشخّص العلل.
من تلك التشخيصات التي ذكرها، أنْ ليس لياسر عرفات من رؤية سياسيةٍ مدروسة، وإنما هي ارتجال فتخبّط، فارتجال فتخبّط. يوافق ثمّ ينسحب،
وينسحب ثمّ يعود ويوافق. كانت أطروحات هذا المناقش، موثّقة بالأسانيد والتواريخ.
مع ذلك لا أدري ما الذي عناه الأستاذ الجامعي، على وجه الدقّة، حين ذكر بانّ ياسر عرفات عقلية ارتجالية؟ هل قصد عقليةً شفاهيّة؟
هذا بالضبط ما أريد التوقف عنده وعند المصطلح الثاني النقيض له: العقليّة التدوينية.
أيْ هل نحن أمّة شفاهية؟ هل الغرب أمة تدوينية؟ ولكنْ قبل ذلك، لنذكر المصادفةَ الثانية التي مرّتْ قبل كتابة هذه المداخلة، وفيها قرأتُ مقالةً في
الإنترنت منقولةً عن صحيفة خليجية وفيها يدحض كاتبُها العفيف الأخضر بعض إطروحات محمّد عابد الجابري، واصفاً إيّاه بأنّه (يكتب عن العقل
ولا يكتب به). ما يهمّنا في هذا المقال، نقطتان. الأولى: أنّ الإنسانَ العربي إذا زار الغرب سينظر إليه) على أنّه شئ مخالف له، ولما ألفه وما
يشبهه.. .سيستغرب عندما يرى الأوروبيين يجاهرون بالمعاصي) يذكر كاتب المقال كذلك، (أنّ هذا الإنسان العربي لو كان سليم العقل وذا فضول
معرفي فسيزور المؤسسات العلمية والثقافية والصناعية وهناك سيلتقي بعقلٍ كوني يتعرف فيه عقله على نفسه وسيشعر أنّ هذا العقل النظري لا
يختلف عن العقل النظري في بلده إلاّ في درجة التطوّر......)
النقطة الثانية التي تستحقّ التنويه بها في هذا المقال، هي أن الإنسان قد يكون عقلانيا مرة ولا عقلانياً مرة أخرى. يقول صاحب المقال : الغزالي
الذي كتب مقاصدَ الفلاسفة عقلاني، والغزالي الذي كتب التهافت لا عقلاني. والغزالي الذي قال ما يلي هاذٍ: ( ويجوز للجبل أن ينقلب حصاناً بإذن
الله تعالى) القسطاط ( وقد أعود إلى بيتي وأجد أن كتاباً من كتبي قد تحول إلى حصان فأكل وراث وبال) ( المنقذ ) وتوضأت للظهر ببغداد
وصليت العصر بمكة ( الإحياء ).
على أيّة حال، لا يحتاج المرء إلى العيش في الغرب، أو الاطلاع على الأدب الغربي، حتى يعرف أنّ الغزالي كان يهرف حين جاز عنده أن ينقلب
الجبل حصاناً، أو )يعود إلى بيته فيجد أحد كتبه وقد تحوّل إلى حصان فأكل وراث وبال).
لا ندري، ( أو في الأقل كاتب هذه المقالة لا يدري) تحت أيّة ظروف نفسية أو صحية كتب الغزالي هذا الأدب اللامعقول حقّاً، وما سياقه العام. لا
تعدل هذه اللامعقولية إلاّ لامعقولية مَنْ يأخذ عيّنةً كهذه فيتهم عقليّةَ أمّةٍ بكاملها بالتخلف والغيبية.
بالإضافة إلى ذلك، لنتمعّنْ بكلمة (المعاصي)التي ذكرها الكاتب في بداية المقالة: (إنّ الزائر العربي حينما يزور أوربا سيستغرب عندما يرى
الأوربيين يجاهرون بالمعاصي) عن أية معاصٍ يتحدث الكاتب؟ المعصية - قبل كلّ شئ - كلمةٌ دينيّةٌ تحريمية من وجهةِ نظرٍ شرقية، أمّا من
وجهةِ نظرٍ غربية فلم يعُدْ لها ولا للكلمات الدينية الأخرى أيّ زخمٍ في التعاملات اليومية. بطل سحرُها منذ عهود وحلّتْ محلّها اللغةُ العلميةُ أو
كادت. أكثر من ذلك كيف تكون معاصي وهي إمّا مجازة بالقانون نصّاً، أو أنّ تحريمَها غيرُ منصوصٍ عليه. على هذا فما اعتبره الكاتب معاصي،
يعتبره القانون الغربي (حرية فردية). الشئ بالشئ يُذكر، يشيع الآن أن مردّ التصرفات وحتى الشاذة منها إنما يعود إلى الصفات الجينية في الإنسان،
وليس إلى رغباته أو ميوله. هذا بحدّ ذاته برهانٌ آخر على ما للعلم من هيمنة على عقول الناس بأوربا.
كتبتُ مرّةً مقالةً عن صورة أحد العسكريين العراقيين وسط جثثِ قتلى. كان واضعاً بسطاله العسكري على صدر جثة مدمّاة، وهو في نفس الوقت
يكرع قنينة شراب كإشارةٍ على ما يشعر به من أمان.
فوجئتُ بعد مدّة، برسالة من أستاذ جامعي كان أستاذاً لي، ومثقفاً ثقافة أوربية كانت موضع إعجابنا. لم نلتقِ منذ سنين طويلة. لامني على المقالة
لأنها حسب قناعته تعرّض حياتي للخطر، مضيفاً استغرابه من شجاعتي، ربّما لأنّه لم يعهدْ بي إلاّ الجبن.
حين أنهيتُ الرسالة شعرت بغربة حقيقية بيننا. حتى اللغة الواحدة التي تجمعنا، باتت تفرقنا الآن. رسالة مشحونة بالتلغيز ومعنية بالتعمية، فلا يقول
مثلاً : ألا تخاف من السلطة ببغداد، وإنما يلفّ ويدور ثمّ يذكر النشامى بدلاً عن ذلك.
لم أكنْ شجاعاً قطّ حين وصفت ذلك العسكري بأنه متوحش. ولكن ربّما نتيجة العيش بعيداً عن الأجواء البوليسية، نسيتُ مفهوميْ الشجاعة والجبن بمواضعاتهما المحلية. فاستبدلتهما بمفهومي: الصواب والخطأ. بكلماتٍ أخرى، علّمتني البيئة الجديدة أن أزِنَ الأفكار بمقدار صوابها أو خطئها. لذا لا وجود للشجاعة في حالة كهذه. ولكن بعد سنين في الغربة امتحنتُ من جديد مفهومي الصواب والخطأ. أدركت أنّ المصطلحين نسبيّان أوّلاً، وأنْ
ليس هناك من صواب 100% ولا خطأ100% ثانياً. بناء على ذلك ابتدأتْ في حياتي مرحلة جديدة. أي: هل ما أقوله مقنع أم لا؟ إذن هل وصفي
لتلك الشخصية العسكرية ووصمي إياها بالتوحّش وصفٌ مقنعٌ أم لا؟
هذا كلّ ما في الأمر. لم أنطلقْ من موقفٍ سياسي، لاسيّما أنّ نفرتي من ذلك المشهد تنطبق على كل عسكري بتلك الوضعية وفي كل زمان
ومكان.
ألا يمكن اعتبار هذا العسكري وقيمِهِ من مخلّفات سيادة العضلة والمخلب والناب؟
* * *
(للحيوان مساحة أوسع في قاموسنا المتداول، مما فيه من الألفاظ النباتية والبحرية والحرفية مجتمعة). حاول العبّاسيون ترويض الحيوان اللغوي
وعاداته الوحشية. زادوا من تآلفهم مع النباتات والفلسفة والفقه والأسفار. حاولوا أكثر من ذلك. غلّبوا العقل في الحَيَوان نفسه على طبيعته الخام.
فظهر كليلة ودمنة كأذكى وعاء للتصرّف الإنساني في الحيوان. مملكة تسودها الفطنة والعظة ولا ينتصر فيها إلاّ الدهاء والتجربة. لكن كيف ولماذا
عاد الحَيَوان إلى قاموسنا العصري؟ لدرجة أصبح معها الإنسان امتداداً للحَيَوانات المفترسة. يقال بالعراق: (لا تتحرش به لأنه سيأكلك) ، أو يهددك
فيقول: (والله آكلك) أو (أشرب دمك). يتضمن الأكل هنا، حقداً افتراسياً، وأدهى من ذلك غياباً للقانون، وتعطيلاً كليّاً للعقل، أي غلبة العضلة.
... بالمقابل صناعة الشجرة تحضّر إذ هي امتداد لشرايين الإنسان. ولأنها استقرار وتجذّر فهي تتطلب معارف جمّة في الفصول والتربة - رطوبة
وماء - تحتّم سنّ القوانين في الجيرة والمقايضة والتعايش بين فئات المجتمع... فقط حينما يرعى الإنسان الشجرة قوتاً، ويتظللها معرفة، تمتدّ
جذورُه هو. وهل جذور الإنسان إلاّ : ترقيم البيوت وأسماء الشوارع والمعابد والمستشفيات والمعاهد ودور اللهو والنوادي الرياضيّة). (الاغتراب
والبطل القومي- ص44)
* * *
في حالة استقرارٍ كهذه تنشأ تدريجيّاً، العقلية التدوينية حيث يصبح القانون مرجعاً، يمكن مناقشته، وبالتالي تطويره. عندها ينحسر العرف الذي يمثل
العقلية الشفاهية في البلدان المتخلفة. بمعنى آخر ليس للأعراف من مرجع سوى الذاكرة وكبار السنّ في المجتمع. أما القانون فيحتاج إلى قاضٍ
متخصص ومحكمة وشهود، وبالإمكان تمييز الحكم.
على هذا، ما من اختلافٍ أكثرَ وضوحاً وأشدّ خطورة، كالاختلاف بين العقلية التدوينية والعقلية الشفاهية. ليس المعنيّ بالتدوين، القراءة والكتابة،
وليس المعني بالشفاهية : الأميّة.
يمكن القول، وبلا تردد، إنني حينما انتقلت عام 1963 من بغداد إلى لندن إنّما انتقلتُ من مدينةٍ شفاهيةٍ إلى مدينة تدوينيةٍ بكلّ ما في الكلمة من
معنى. وما التصادم الحضاري في هذه الحالة، إلاّ تصادم هاتين العقليتين. مازالت أعاني من التوفيق بينهما حتى بعد أربعين عاماً.
لا ريب ، ثمة أسباب عديدة تعاورت فيما بينها، منذ العصور الوسطى فجعلت العقليةَ الإنجليزيةَ تدوينية، حتى لو كان حديثاً بين أفراد عائلة واحدة.
يتحدثون بمحبة ولكن كغرباء لا يتجاوزون حدّاً لقانون، ولا يتساهلون به، بسبب طول العشرة، أو صلة الرحم. باختصار، يتحدثون وكأنهم يدوّنون
عقداً مُلْزِماً، لذا يحسبون كلّ حساب لأيّ تمادٍ خوفاً من الزلل. المفردات القانونية منتشرة حتى في الأحاديث اليومية على حساب الألفاظ الدينية. حلّ
مثَلاً مصطلح : (المخالفة القانونية) محل مصطلح: (الخطيئة) في المفاهيم الدينية السابقة.
أجّرتُ في بداية حياتي بلندن غرفة في بيت عائلة إنجليزية. سيّدةُ البيت وسيّدُه، فوق السبعين. يجهلان الثقافة بوصفها أسماءَ كتبٍ وشعراء
وموسيقيين، ورسامين، إلاّ أنّهما شديدا الدقّة حينما يتعلّق الأمر بالنظام والقانون. البيت كلّه قائم على النظام والقانون والاحترام. يتخاطبان بـ (من
فضلك) و(شكراً)، وفي الخارج يطيعان القانون وإن تأفّفا منه. تصرّفهما بأجمعه خاضع إلى النظام والقانون، ويتحاججان به. لم أسمعْ منهما ما
نردده دائماً: حلال أو حرام، حقّ أو باطل.
أصبح القانون في هذا البلد، ضميراً يحتكمون إليه... رحتُ أتصيّد العبارات القانونية في أفواه الناس.) (غصن مطعّم في شجرة غريبة،ص -76
-77 )
أردت أن أعرفَ من صديقٍ إنجليزي لي، عمّا يجده فيّ من عاداتٍ أو عيوبٍ لافتةٍ للنظر.
- عيوب، يا لله ، يمكنك أن تقول: اختلاف البيئتيْن. أنتَ منحدر من بيئة وأنا منحدر من بيئة أخرى. هذا كلُّ ما في الأمر. لقد نشأنا منذ عصر
النهضة على التدوين. أصبحت عقلياتنا تدوينية. جاءت الثورةُ الصناعية إلى بريطانيا في القرن التاسعَ عشرَ، فترسّخ التدوين أكثر.
- هل تعني أنّ عقلياتنا شفاهية؟
- يمكن لك أن تقول إنها غير تدوينية، كما يجب. شهدتِ الفترةُ العباسية أكبرَ العقول التدوينية في تأريخكم العربي. لا أعني بالتدوين، الكتابة طبعاً.
لكنها لم تستمرّ مع الأسف، نتيجة الحروب والاضطرابات الداخلية.
* * *
الأوروبيون منذ عصر النهضة اكتشفوا أهمية تفاصيل الأشياء. شعراؤنا يتغنون بالغابة والبستان، ولايعنون بتفاصيل حديقة البيت، وهم يفحصون كل
نبتة على حدة: طولها، عرضها، خلاياها، أنساغها، لحاءها، استنباتها، تطويرها، أفضل بيئة لها. نحن نتحدث عن الصحراء، وهم يضعون قبصة
تحت المجهر، يفحصون عناصرها وصفاتها. نحن نتحدث عن البحار، ونتلذذ بأشرعتنا الضائعة استدراراً للعطف، وهم يطوّرون البوصلة ويرسمون
جغرافية البحر. يدرسون الرياح ويتنبأون بهبوبها. كان بعض العلماء في العصر العباسي أوّل مَنْ دشّن التفاصيل، في تحليل الشعر والنثر، في ضبط
معاني الكلمات، في تمحيص التراث، في دراسة الأمراض الحيوانية والنباتية، وكانوا السباقين في دراسة الإنسان تشريحاً، وفي كتابة النوتة
الموسيقية. لكنّهم واجهوا عنتاً وصلفاً من قبل العلماء من ذوي العقليات الشفاهية... إلاّ أنّ الاضطرابات بين المتنافسين على السلطة، مهّد لدخول
المغول، فقضوا في الواقع على الأخضر واليابس. وما الأخضر إلاّ العقلية التدوينية) (غصن مطعم في شجرة غريبة، ص85 )
* * *
كما تجتمع الأحجام الكبيرة، والمسافات البعيدة، في بؤرةٍ داخل المجهر، كذلك أصبح الشاعر الأوربي، يحوم داخل رقعةٍ معينة. يكاد ما يسمعه، يراه
ويلمسه ويشمّه. عوّض عن المسافات البعيدة الامتدادية، بالنفاذ في الأعماق، يكثّف صوره بخلفيات ثقافية أو دينية أو فلسفية. أليوت مثلاً يسمع
صوت المفتاح في الباب، ويتساءل عن الشخص الثالث الذي يسير إلى جانبك، وكوب الشاي أمام العاشق بروفروك. السياب لا يسمع نخيل العراق
وهويشرب المطر، إلاّ إذا كان بعيداً بالكويت.، ولا يكتب عن أطفاله إلاّ إذا تحركت الطائرة.
* * *
مدينة لندن، كأية مدينةٍ أوروبيةٍ راقيةٍ، تُدِلّكَ على نفسِها. تكاد تقرأها كما تقرأ كتاباً. تجنّبك:(ذلّ السؤال ولو من أين الطريق) لأنها مدوّنة أمام
ناظريك وبوضوح.
أسماء الشوارع تدوين. أرقام البيوت تدوين. إشارات المرور تدوين. وكذلك أرقام الحافلات والمناطق التي تمرّ بها، وعناوين المكاتب والمحال
التجارية والتواليتات العامة، كلّها تدوين. اختلاف السيارة الخصوصية عن سيارة الأجرة عن الحافلة عن سيارة الشرطة عن سيارة الإسعاف تدوين.
تصعد إلى الحافلة وثمّة لوحة تنبئك عن عدد الركاب جلوساً، وعدد الركاب وقوفاً، وأين تضع حقيبتك وعلى أيٍّ تقع المسؤولية في حالة فقدانها، أيُّ
المقاعد مخصصة لكبار السنّ. هذه كلها بمنزلة عقد بينك وبين سائق الحافلة. إذا زاد عدد الركّاب واحداً على العدد المسموح به، فسائق الحافلة لا
يتحرّك قانوناً. ثمة قطعة تحذِّرك من الغرامة في حالة عدم شراء التذكرة، وما مقدار الغرامة، وثانية تنبهك ماذا تفعل في حالة الطوارئ. كلّ وصلٍ
تتسلّمه مع كل سلعة تشتريها عقد، وبالتالي فهو تدوين.
كان المسلمون الأوائل، ولا سيّما الأصوليون منهم، يسخرون من التدوين، ويعتبرون الأحاديث النبويّة المدوّنة تصحيفاً. الأفضل بنظرهم، ما رُوِيَ
مشافهة.
لم تظهر العقلية التدوينية لدى العرب والمسلمين، إلاّ في العصر العبّاسي ولأسبابٍ موضوعية كما ذكرنا أعلاه.
تمتّعت بغداد حينها بالمقومات الملازمة تقريباً لكل حاضرة متمدنةً. كان لا بدّ من تنظيم العلاقات الاجتماعية والمعيشية بين الفرد والفرد، وبين الجار
والجار، والمحلة والمحلة. لا بدّ من تنظيم علاقة السلطة بالأفراد وبالعكس. القانون وحدَهُ قادر على ذلك. لذا بلغ الفقه الإسلامي أوجَهُ في هذه
المرحلة. أصبح أقوى من الأعراف المتوارثة. بكلماتٍ أخرى تغلّبتِ العقليةُ التدوينية على العقلية الشفاهيّة، ربّما لأوّل مرّة. لا عجب أنْ ظهر مؤلفون
تجريبيون في شتّى فنون القول، كالبيروني والجاحظ والطبيب الرازي،وأبي حيّان التوحيدي وابن الدبيثي..كانوا، في الجملة يتحدثون عن تجربة
فيبتكرون، يسعوْن إلى التثبّت من الحقائق بأنفسهم. وفي ضوء ما يتوصلون إليه يمتحنون ما انحدر إليهم من معلومات.
غير أن التدوين، كما عرفه العصر العباسي انتهى مع سقوط بغداد على أيدي جحافل المغول. عادت العقليةُ الشفاهيةُ من جديد، مع هيمنة
الإمبراطورية العثمانية، واستمرّت حتى مجئ الاستعمار البريطاني.
كان الاستعمار البريطاني منشغلاً، كل الانشغال، بجني الأرباح وخلق الطبقة المتوسطة حتى تكون له في المستقبل، قاعدةً استهلاكيةً أوسع. وحينما
كانوا يتدبرون الأمريْن معاً، كانت إدارتهم المدنية وكذلك العسكرية، تسيّر أمور البلد، بعقلياتٍ تدوينية لأنهم لم يعرفوا غيرها. أي لم يكنْ من بنود
هيمنة الإنجليز على العراق مثلاً نقله من العقلية الشفاهية إلى العقلية التدوينية، وإنما جاء ذلك عرضاً.
هكذا بفضل الدستور، رغم تعطيله بأحكام عرفيةٍ أحياناً أو خرقه، أحياناً أخرى، وبفضل البرلمان رغم تزويره العلني، وبفضل الجامعات والمطابع
والبعثات كان العراق يسعى حثيثاً لاستكمال عقليته التدوينية، والتخلص في الوقت نفسه من العقلية الشفاهية.
حين وقعت ثورة 1958 بالعراق تفجّرتْ شتى الصراعات بين فئات المجتمع، بلغتْ درجاتٍ بعيدةً في الاحتراب والقتل، كما تفعل الوحوش ببعضها
البعض. يذهب السياسيون مذاهب شتى في تعليل ذلك. للاقتصاديين أسباب أخرى غير تلك. وقد يجد علماء النفس خللاً ما، أو مسّاً من الجنون مؤقتاً
تتعرض له معظم شعوب الأرض بين فترة وثانية. قد يكونون على صواب وإنْ جزئياً. إلاّ أنّ تلك الصراعات، تحت أيّ لبوس ظهرتْ، إنما كانتْ
صراعاً بين جبهتيْن، بين العقلية التدوينية والعقلية الشفاهية، أو هكذا استقطبتا.
حُسِمتْ المعركة بانتصار العقلية الشفاهية، لا سيّما بعد اندحار رئيس الوزراء عبد الرحمن البزّاز وهو أستاذٌ للقانون أصلاً. تجسدت العقلية
الشفاهية آنذاك بالقوة العسكرية الانقلاباتية. بهذا الأسلوب عاد من جديد مجدُ العضلة، وأشعارها الحماسية، وشرعت البيانات والافتتاحيات تُكتَبُ بقبضةٍ من حديد.
قال طاهر يحيى التكريتي، مرّة، وكان رئيساً للوزراء، لوفدٍ زاره لحثّه على إجراء بعض الإصلاحات : (إسمعوا جئت إلى هنا بدبابة، ولا أخرج إلاّ
بدبّابة) لم تبلغ العقلية الشفاهية أعلى أوجٍ لها في تاريخ العراق، إلاّ حين استولى صدام حسين على الحكم. أشار في إحدى المرّات إلى فمه متسائلاً
باستنكار: ما هو القانون؟ ما يخرج من فمي هو القانون.
الغريب إنّ الملك (لير) قال نفسَ المعنى بكلماتٍ مختلفة قليلاً، ولكن بعد أن بلغ به الجنون مبلغاً عظيماً. على أية حال لا تدري كيف تتصرف مع
عقليةٍ شفويةٍ كعقلية صدام، لأنه من ناحية كعيدي أمين، الذائع الصيت تسيرّه احلامه، ولأنه من ناحية ثانية، كعيون (ميدوزا) ما إن يحدِّج في العيون
حتى يسمّر المتآمرين في أماكنهم. بات القتل بالشبهة عنده قانوناً غير قابل للنقض أو الاستئناف. يمكن القول إنّ صدّام ورث عن الصحراء شفويتها،
وهي طبيعة فيها. فظروف الأعراب تقتضي التنقّل الدائم فلا تسمح لأية عقلية تدوينية بالترعرع.
لكن لماذا كلّ هذا التوكيد على الصحراء العربية، دون سواها من الصحارى؟ سؤال لا شكّ وجيه، وفي محلّه. أوّلاً؛ الصحراء العربية ليست امتداداً
ميتاً أو خالياً أو عقيماً كبقية الصحارى أو معظمها.
إنها مأهولة منذ قديم الزمان ولا تزال. وهي ليست خاملة، كما تبدو لأوّل وهلة. فقد كانت ولا تزال ذات قوّةٍ سياسيةٍ وعسكريةٍ يُعتدّ بها، ولطالما
أسقطتْ أو ساهمت في إسقاط دول وحضارات كالحضارة السومرية . ثمّ إنها كانت قوة اقتصادية، بفضل طرقها التجارية التي تربط شماليّ الجزيرة
العربية بجنوبيّها، والخليج العربي بالبحر الأحمر. كانت ولا تزال غنية بمواردها الطبيعية. غنية كذلك بشِعْرها على وجه التحديد. ازدادت أهمية
شعرها القديم مرتيْن. الأولى في العصر العباسي، لأهميته الفنية والمعجمية، ولأن اللغويين ومؤرخي الأدب اتخذوه معياراً أكيداً لنحوهم، ولما يجب أن
يكون عليه الشعر الجيّد الأصيل. الثانية في عصر نهضتنا الحديثة حينما جهد محمود سامي البارودي لربط الماضي بالحاضر.
ولأنّ الصحراء معنية بالكر والفرّ، وبالتحايل الشديد للنجاة من الغوائل والبشر على حدّ سواء، فقد شاعت العضلة في أشعارها، والمآثر البطولية
الدموية في أخبارها. فرغم أنّ عنترة بن شدّاد، احتار في مطلع معلّقته: (هل غادر الشعراء من متردمِ)، في الإتيان بشئ جديد ذلك أنّ الشعراء
الذين سبقوه طرقوا كلّ فكرة، إلاّ أنه لم يحترْ، أولم يشكَّ في قوّته القتالية التي تفوق طاقة هزابر.
ولأنّ عنترة ابنَ الصحراء، فإنه لم يقرنْ طاقته الذهنية بقدرته الجسمانية. يبدو أنّ المتنبي من الأوائل الذين افتخروا بهما معاً:
| الليل والخيل والبيداء تعرفني
|
والرمح والسيف والقرطاس والقلم
|
أكثر من ذلك، ربما كان المتنبي أوّل من بشّر بمرحلةٍ جديدة ينتصر فيها العقل على العضلة:
| الرأيُ قبل شجاعة الشجعانِ
|
هو أوّلٌ وهي المحلّ الثاني
|
على الرغم من أنّ الشجاعة العضلية انحسرت إلى المقام الثاني بتقدم التحضّر إلاّ أنّ قاموسها لا يزال متفشياً حتى في أدبنا المعاصر وبنفس صُوَرِهِ
وخيالاته السابقة كما سنرى. وهذه إحدى نكباتنا الأدبية.
المسألة أخطر من ذلك بكثير. فالشجاعة العضليّة تحتاج وبالضرورة إلى درجة عالية جدّاً من الاعتداد بالنفس تؤدي بدورها إلى أعلى درجات الثقة
بالقدرات الجسمانية الخارقة على حساب الضعف الإنساني النبيل الذي لا يظهر لدى الشاعر الصحراوي ومقلديه إلاّ أمام النساء (وهنّ أضعف خلق
الله إنسانا). بكلمات أخرى لا بدّ للمحارب الصحراوي من تحميس نفسه واستنفار عضلاته من جهة، وإدخال الذعر في نفوس أعدائه. من حيث
التحميس يصف تحمّله الذي يفوق تحمّل أيّ حَيَوان في قطع الفيافي والتنوفات. أمّا من حيث إخافة الأعداء فيبدأ بحربٍ نفسيةٍ شعواء حتى قبل بدء
المعركة. فبالإضافة إلى المشرفيات والقواضب والسيوف الهندية واليمانية
وتكسير الجماجم، وذبح الأوردة فإنه يستخدم أصلب الكلمات تدميريّة، ويتبنى أكثر الكلمات إتلافاً. وهي الكلمات نفسها التي ما زلنا نستعملها تقريباً
في بياناتنا العسكرية وتعليقاتنا السياسية وبعض نقاشاتنا السخيفة في الفضائيّات.
قلنا إنّ العضلة شرعت منذ عصر النهضة بالضمور تقريباً، أيْ منذ تماسّنا بالعقلية التدوينية الأوربية، إلاّ أنّ مدلولاتها وصفاتها لم تضمر. وجدتْ
لها موصوفات جديدة فالتصقت بها. أي أنّ الثقة بالعضلة، انتقلتْ إلى الثقة بطاقة الفرد الذهنية حتى في الحالات التجريدية. وهذا عين ما فعله بعض
المتصوفة من قبل، حينما صوّروا فِكَرَهم الذهنية بأكثر الكلمات ماديّة ومحسوسية.
صحيح أنّ الافتخار بالقبيلة تحوَّلَ بكل موروثاته اللامحمودة إلى الافتخار بالمذهب الطائفي أو الحزب، إلاّ أنّ ما يدعو إلى الحزن حقّاً، هو أن يتحوّل
الاعتداد بالقدرة الجسمانية، وهو ما اقتضته أخلاق الصحراء، إلى الاعتداد المشين بالنفس. إنّ الغرور والاستعلاء، كما هو معروف، إذا اجتمعا، بلغا
أعلى درجات التأفّف والامتلاء بالذات. قال المتنبي:
| سيعلم الجمع ممن ضمّ مجلسُنا
|
بأنني خير مَنْ تسعى به قدمُ
|
وقال الجواهري:
| أقول لنفسـي إذا ضمّـها
|
وأترابهـا محفل يُزدهى
|
| تساميْ فإنّكِ خير النفوس
|
إذا قيس كلٌ على ما انطوى
|
اختلف الأسلوب وتوحدت الفكرة.
الثقة بالموهبة التي نسلتها بالأصل الثقة بالعضلة، ولّدتْ هي بدورها داءيْن هما شرُّ آفتين في أدبنا العربي، وهل هما إلاّ الغرور واليقينية. يبدو ما من
أمةٍ ابتلت كأمّتنا بغرورِ شعرائها. القصيدة خريدة، والشاعر نفسه فلتة. انتقلت العدوى إلى كتّاب النثر، ولِمَ لا؟ قال أبو عليّ القالي في مقدمة كتابه
(الأمالي)، بعد أن رأى (العلم أنفس بضاعة:
وشغلت نفسي بحفظه، حتى حويتُ خطيره، وأحرزتُ رفيعه، ورويتُ جليله، وعرفت دقيقه، وعقلت شارده، ورويت نادره، وعلمت غامضه إلخ
(الأمالي-ص21).
لا نعدم أنْ نرى مثل هذه الازدهاءات، في مساجلات عباس العقاد وعبد الرحمن الرافعي وطه حسين ومارون عبّود وإيليا ابي ماضي والبياتي.
الشئ الآخر الذي ورثناه عن الصحراء: اليقينية وهي داء لا يقلّ خطورة عن الغرور، لأنها تجرّ إلى المهالك. تتجسّد اليقينية لدى السياسي بالتفاؤل
التام بالغد. يرى في كلّ إحباط بداية نعيم عميم. وتتمظهر في الأسلوب الأدبي، بصيغ قاطعة جازمة. من ذلك مثلاً، صيغ القسم، لا لإثبات حق، أو
إزهاق باطل، أو إثبات براءة وإنّما للتهديد والوعيد. ثُمّ هل هناك دليلٌ أكثرُ يقينيةً من استهلال الجمل بحرف التوكيد: إنّ، وإلصاق نون التوكيد
بالفعل، ولام التوكيد. هذه الصيغ اليقينية من مخلفات مراحل سحيقة مرّت بها اللغة العربية، شأنها شان كلّ لغة قبل أن تتطوّر إلى لغة علمية
متواضعة.. للعلم فقط، يبدو أن (الفعل المطلق) أخذ يلفظ أنفاسه ولم يَعُدْ يُرى إلاّ نادراً.
ربما مرّت اللغة في بداية نشوئها، بمرحلة التسليع والعقود والمقايضة وهي لغة خالية من الاستعارات والمجازات، ثمّ المرحلة الدينية حيث
المصطلحات الفقهية، والتصورات الدنيوية والأخروية، فتصطبغ الكلمات اليومية بصباغاتها. ثم المرحلة الأدبية، حيث تشيع هذه المرّة مدلولات
اجتماعية وفلسفية جديدة، ومفهومات سياسية بمعزل عن معانيها الدينية السابقة. هذه اللغة تتذرع عادةً بالمجاز، لتحقيق غاياتها.
يبدو أنّ الغلبة الآن للغة العلمية، لغة البساطة والتواضع.
مما يبعث على الأمل، ظهور قواميس مترجمة إلى اللغة العربية مخصصة للمصطلحات الطبية والعلمية والفنية والهندسية ، وثمة قاموس تجاري
وقاموس عسكري وقاموس قانوني وكلّها تدلل على تدشينِ عهدٍ لغويٍّ جديد، أي تسرّب فشيوع العقلية التدوينية.
من نافلة القول، إنّ كلّ سلعة وافدة إلينا، تأتي بقيمها المعرفية،ولكنّ الأهم قيمها الحضارية. لا بدّ لكلّ قيمةٍ، سواء أكانت معرفية أم حضارية، من
لغة خاصّة وأي تلكؤ بالأخذ بها يعطل عملية تطور العقلية التدوينية.
ما أهمية أن تكون ساعة يدك غالية الثمن، إذا كنت لا تلتزم بموعد؟ مع ذلك فربّما الأهم هو فحص القيم الحضارية للتوقيت في النصوص الأدبية
والموسيقية. في مسرح بيكت أو في موسيقى بيتهوفن. بكلمات أخرى، التعرف على تقنيات التزمين التي يستخدمها الأديب الأوربي. ربما يتفوق
الأدب الأوربي بتقنياته، إذا افترضنا تساوي الموهبة والثقافة لدى الأديب العربي والأديب الغربي.
من أغرب ما قرأت، ما رواه محمد حسين الأعرجي في كتابه عن الجواهري. قرأ (الجواهري) ذات يوم بعضاً من مسرحيات شيكسبير (طبعة
جامعة الدول العربية) فداخ إلى الدرجة التي رأيته يسألني مُتعجباً:
يعني أبو هاشم صدق أنا شاعر العرب الأكبر؟ لعد هذي الأمة شكد متخلفة؟ هو هذا أدب واللي نكتبه أدب، صدك ولك؟ كأنّه يقول: أصحيح أنني أنا
شاعر العرب الأكبر؟ إذاً كم متخلفة هذه الأمّة التي تسميني كذلك؟ أهذا الذي كتبه شيكسبير أدب، وما أكتبه أنا أدب أيضاً؟
فقلت له:
- أبا فرات أنت شاعر وجداني، وشيكسبير شاعر مسرحي، ولا مجال للمقارنة. فوالله ما زاد على أن قال: - أقْنِعْ نفسك يا أبا هاشم.
* * *
قد يكون من المفيد حقّاً أخْذُ عيّناتٍ من افتتاحيات بعض الصحف العربية وتعليقاتها السياسية، ومقارنتها بعيّنات مماثلة من الصحف الأنجليزية،
عندئذٍ تسهل قراءة الاختلاف بين العقليتين، أوّلاً من حيثُ طريقة معالجة الموضوع، وثانياً من حيث عدد الكلمات العضلية، وثالثاً من حيث الصيغ
اليقينية التي تشيع في الكتابات العربية لدرجة لا شبيه لها في نظيرتها الإنجليزية.
كاتب الافتتاحية في الصحف الإنجليزية يجهد لأن تكون كتابته قانونية بالدرجة الأولى ولتحقيق ذلك يلجأ إلى ثلاثة أساليب، وهمّه الأوّل والأخير عدم
فقدان ثقة القارئ :
1 - خلوّ التعابير من العاطفة أو الميوعة أوكل ما يوحي بأيّة ميول شخصية.
2 - يجب أن تكون المعلومات الواردة في الافتتاحية موثّقة، حتى لا تكون هدفاً للطعن. قد يجرّ الخطأ في بعض الأحيان رئيس التحرير إلى المحاكم.
3 - استعمال الجمل الاعتراضية clause Parenthetical وهي ماتتميز بها الكتابة الإنجليزية عموماً، وبها تتميّز عن الكتابة العربية.
دخلت الجمل الاعتراضية حتى في الكتابات الإبداعية، وهذا ما فعله هنري جيمس، وجيمس جويس، وسي. بي. سنو. وهي تقوم مقام الكوابح للحدّ
من الاندفاع من أيّ نوعٍ كان. بكلمات أخرى تبطئة الانسياق غير المتروّى فيه وراء التلذذ بتدفق الأفكار. أكثر من ذلك تشير الجمل الاعتراضية إلى
المراحل التي تمرّ بها التجربة أو الفكرة. أيْ أن الكاتب لا يعطيك النتيجة التي توصّل إليها، دفعة واحدة، وإنما يقودك خطوة خطوة لتتعرف معه على
كيفية نضج الفكرة واكتمالها.
الجمل الاعتراضية تواضع جمّ، ومنطق علمي.
بالمقابل تخلو افتتاحيات الصحف العربية من الجمل الاعتراضية، ربما لأنّ كاتبَها متيقنٌ مما يطرح من آراء. ولكنْ كثيراً ما نجد، بدلاً عن ذلك،
صوراً مستلفة من الصحراء، وألفاظاً عضلية. ونظراً لضيق الوقت سنكتفي بمثالين أدبيين معاصرين ونرى كيف شاعت الصحراء فيهما.
قال محمد مهدي الجواهري في قصيدة (بائعة السمك في براغ):
| فلاحتْ لنا حلوةُ المجتلى
|
تَلفّتُ كالرشأ النافرِ
|
| تشدُّ الحزام على بانةٍ
|
وتفترُّ عن قمرٍ زاهرِ
|
| من( الجيك) حسبكَ من فتنةٍ
|
تضيق بها رقية الساحرِ
|
هل هذه أوصاف لبائعة سمك (جيكية) أم أنها تصوّرات ذهنية جمعها الجواهري فسيفسائياً من بطون الكتب؟ هل يصوّر علاقةً بين بائع وزبون، أمْ
بين غزالةٍ نافرةٍ وصيّاد؟ هل يصوّر حانوتاً أمْ صحراء؟ يقول راوية القصيدة: (دلفنا لحانوت سمّاكةٍ)، غير أنّ المسافات التي توحي بها الأبيات
أعلاه، شاسعة وفارغة، شساعة وفراغ الصحراء. كلمة (لاحتْ) تدلّ بلاغياً على ظهور شئ بعيد ينتظره الراوية بترقّب. وكلمتا : (تلفّت) و (النافر)
تدلاّن على الخوف والحذر، وهما صفتان أساسيتان، في كلّ غزالة بريّة لا تستطيع الدفاع عن نفسها إلا بسرعتها وهروبها. كيف نبرر إسقاط صبيةٍ
نافرةٍ بدوية، على بائعةِ سمكٍ جيكية، خاضعة لشروطِ عملٍ وعلاقات مهنية محض؟
الجواهري، بلا شكّ، مكتبة شعرية، ولكنّ حفظَ الشعر لمجرّد الحفظ، له مخاطره، أقلُّها يجعل عملية الإبداع مقننة تتناده فيها الصور ذهنياً، كما يجعل
تدفّق الكلمات عادة اتوماتيكية، وبذلك تصبح الذاكرة أهمَّ من التجربة، والقاموس أهمَّ من الحوار والمعايشة. العادات ألدُّ أعداء الموهبة. أخطر من ذلك
إن تحوّل الشاعر من دودةِ قزّ إلى بائعِ قماش). (الغتراب والطل القومي-ص12-13)
المثال الآخر عن شيوع المفردات الصحراوية في الشعر الحديث بلا مبرّر، نأخذه من أحد شعراء التفعيلة المعاصرين، وفيه يصف رحلته من بغداد
إلى بيروت. عنوان القصيدة: (الطريق إلى بيروت):
مشينا إليكِ مسافة أجيال
ويوم وصلناك كنتِ بعيدهْ
وكان بأعيننا لا يزال اشتياق إليك
وكنّا
هرمنا
فأرجلنا المتعبات تساقطن جزءاً فجزءا
وأنّ غبار الطريق أضلّ سرانا سنينا
وأنّ دُمِينا
وجال بنا ألفُ دربٍ ودرب ...
(بلند الحيدري - الأعمال الكاملة - ص 599)
المقطع أعلاه على هلهلته، يفيدنا فقط في إثبات ما ذهبنا إليه من شيوع القاموس الصحراوي حتى في شعرنا الحديث.
(مسافة أجيال) أعطبتْ عروض بحر المتقارب المتهادي، وأصابته بما يُشبه مرض الربو. وجملة: (لا أزال) في الشطر الثالث يمكن الاستغناء عنها
وزناً أوّلاً، ثمّ إنّها توحي بانقطاع الاشتياق.
على أية حال من استقراء مصطلحات القصيدة نفهم أنّ الرحلة التي قام بها راوية القصيدة ليست جويّة وليستْ بواسطة سيّارة ولا حتى بواسطة ناقة
أو حمار وحشي. إذنْ نحن من البداية أمام افتعال ظاهر.
أراد راوية القصيدة أن يوحي بقوله: (مسافة أجيال)، ببعد المسافة بين بغداد وبيروت، ولكنها ليست بعيدة إلا إذا قُطِعتْ مشياً على الأقدام. وحين ذكر
في الشطر الذي يليه: (ويوم وصلناك كنتِ بعيدة) إنّما عامل بيروت معاملة سراب، إذ إنك ما إنْ تقترب منه حتى يبتعد. أمّا قوله: (الأرجل
المتعبات) فتوحي فعلاً أنّ راوية القصيدة إنّما قطع المسافة مشياً على الأقدام. بالإضافة إلى ذلك تدلّ (غبار الطريق) على أنّ تلك المسافة كانت
صحراويّة. ثمّ ألا تدلّ: (وانّا دُمِينا) على أنّهم كانوا حفاة، وأنّ قوله: يجول بنا ألف دربٍ ودرب)، يشبه ضياع بني إسرائيل في التيه؟
إذا قرأنا في المثل أعلاه قصوراً في قول الشعر، فإنّه يكشف في الوقت نفسه عن لا مكنة الشاعر من طرائق إحياء المشاهد التاريخية القديمة في
مواقعها الجغرافية الأولى، وهذا لا يتسنّى إلاّ إذا كان الشاعر مثقفاً، اطلاعاً وهضماً واستنتاجاً.
لِنقارنْ، تعميماً للفائدة، النصّ أعلاه، بقصيدة رحلة المجوس Journey of the Magi a :تي. أس. إليوت وهما، مع الفارق، متماثلان من حيث
توظيف التاريخ في الحلّ والترحال.
حتى بمرورٍ عابرٍ - كما يبدو - على قصيدة إليوت، يتكشف لنا ما معنى الغنى والفقر في النظم، وما أهمية التقنية في صناعته وما أهية أن يكون
الشاعر مثقفاً. يزداد ثراء قصيدة (رحلة المجوس) مع كلّ قراءة جديدة. ومع كلّ قراءة جديدة تتشكّل القصيدة بأبعادٍ أعمق، وتتنغّم بإيقاعاتٍ محكمةِ
الدوزنة والعزف.
حشد إليوت لقصيدته، فصول السنة، وضاعفها بفصولٍ روحية، مما زاد في كثافتها وعمقها، لأنها، في هذه الحالة، يمكن قراءتها على
مستويين.وأغنى الشعر ما بُنيَ على مستوييْن فأكثر.
تبدأ القصيدة بفصل الشتاء. وحتى يعمّق الشاعر الشتاءَ الزمني ويعطيه بعداً روحيّاً، أضاف إليه مضموناً فلسفيّاً. حتى لتكاد تشعر بعد قراءة المقطع
الأوّل، أنّ الشتاء يعني كذلك برودة الموت التي شرعتْ تدبّ في أوصال الإمبراطورية الرومانية، من جراء مولد ذلك الطفل الموعود الذي سيقضي
عليها. ومن تحصيل الحاصل سيقضي على الإمبراطور نفسه. من هنا هلعُ الإمبراطور وتطيّرُهُ من هذا المولد المشئوم. لا بدّ له من قتله. هكذا بات
الشتاء وهو نذير الموت، يدب في كينونة الإمبراطور من الداخل.لا ننسى أن الأبصال تسبتُ في الشتاء لتولدَ في الفصل التالي. الشتاء، بهذا
المنظور، موتٌ وحياة في آن واحد.
وحتى تكون هذه الرحلة المبطنة بالدين والفلسفة، مُرّةً وممضّة، جعلها الشاعر طويلة و>في أسوأ أوقات السنة). ربّما يرمز الشتاء هنا كذلك، إلى
الشيخوخة التي تعانيها الامبراطورية.
يحشد إليوت بعد ذلك الجِمال المتقرّحة الأخفاف، والباركة في الثلج الذائب، يحشد الفتيات الحريريات اللواتي يجلبن (الشربت)، يحشد المدن
العدوانية والقرى القذرة التي تطلب أجوراً فاحشة، لذا لا بدّ من السفر ليلاً. النوم متقطع. (سيوظف الشاعر تقطّع النوم لأغراضٍ فنية، بعد قليل)
وحتى تكون ثمّة أهمية استثنائية لما سيقوله الشاعر عن عبثية الرحلة حين يقول:
وأصوات تنشد في آذاننا قائلة
كلّ هذا حماقة
مهّد إليوت، لتلك الأهمية أوّلاً بتعتيم حاسة البصر بانتشار الليل، فنابت حاسة السمع عنها، و لأنّ النوم متقطع، فإن الخدر يُضخِّم الأصوات.
قصيدة (رحلة المجوس) تُقرأ على عدة وجوه. تشاهدها مرّة كفيلم سينمائي ذي لقطات محكمة التوقيت ومرة تتمعن بها كأنها لوحةُ رسمٍ، متشبعة
ألوانها بحالات نفسية متباينة، ومرة تستمع إليها كحركات موسيقية. مرّة تراها مقبرة وأخرى تراها حديقة، وفي نهاية المطاف تتيقن أنها حديقة في
مقبرة. أليستْ الحياة كذلك؟
على أية حال، إن مولد ذلك الطفل (وهو رمزُ مولدِ كلّ عهدٍ جديد)، هو موت للإمبراطور(الذي هو رمزٌ لكلّ عهدٍ قديمٍ شاخ)، وهكذا نجد أنفسنا أمام
أغربِ معادلةٍ حيث المولد موت والموت مولد. أول مَنْ أدرك هذه المعادلة هو الإمبراطور نفسه، حيث قال في آخر القصيدة:
(سأكون سعيداً لموتٍ آخر)
وما الموت الآخر إلاّ قتل الطفل - المسيح. بهذا القتل فقط يتمكن الإمبراطور من دحر تلك المعادلة الرياضية.
نستطيع أن نقرأ مأساة الإمبراطور كذلك في تعبيره : (سأكون سعيداً) بدلاً من صيغة الجمع المعتادة :(سنكون سعداء) التي هي خاصّة بالملوك، وهي
نفس الصيغة المفردة التي لجأ إليها مكبث حينما أحدقت به الأخطار)
الصفحة الرئيسية للجلسة