أبحاث الفترة المسائية الثانية ليوم الإثنين
رئيس الجلسة: أ.د. سمير سرحان رئيس الهيئة العامة للكتاب ـ مصر
الرحلة العربية الفاشلة باتجاه الغرب
حسونة المصباحي
في أذهان العرب القدماء، كان الغرب يرمز إلى ذلك المكان القصيّ الكثيف العتمة. لذا هم جعلوه في لغتهم مرادفا للوحشة والمنفى في درجاته القصوى والذي بدّدته (الغربة) وهي حالة الإنسان الذي يجبر على مغادرة وطنه ليعيش في مكان ناءٍ، تنكره نفسه، وفيه لا يعرف لا للطمأنينة ولا للسعادة سبيلا. لكأنه لم ينف فقط من وطنه، وإنما من الحياة أيضا فإذا به قاب قوسين أو أدنى من ظهر القمر.
وربما لهذا السبب أظهر العرب منذ قديم الزّمان نفورًا من الغرب، وخلال الفتوحات الإسلامية الكبرى، أوغل المسلمون شرقا، غير أنهم كرهوا أن يتوجّهوا غربا. وعندما فعلوا ذلك، توقفوا في الأندلس وفي صقلية اللتين تتبعان بلادهم في الطبيعة والمناخ. ولم يكن سبب ذلك عائدا فقط إلى عدم توفّر القدرة العسكرية لمثل تلك المغامرة، وإنما لأنهم ربما كانوا يخشون أن تبتلعهم عتمة الغرب التي تبتلع الشمس كل يوم وحتى عندما استقر أمر المسلمين وعظم نفوذهم وأحكموا سيطرتهم على مساحات هائلة في الأرض، فإن النفور من الاتجاه غربا ظل قائم الذات. حتّى الرحالة والمغامرون الكبار الذين وصلوا إلى تخوم الصين ومجاهل إفريقيا السوداء، لم يجرأوا على ذلك. وعند أهل العلم والفلسفة والتصوف، كان الغرب في أذهانهم على الصورة التي ذكرنا. فها هو ابن عربي يترك بلاد الأندلس إلى مراكش. وهناك يرى في المنام عرش الله، ويسمع صوتا يأمره بالاتجاه نحو الشرق حيث )النور والحكمة(. وها هو يمضي فلا يعود إلى موطنه بعد ذلك أبدا. وعندما شعر ابن خلدون الذي أمضى جزءا كبيرا من حياته بين المغرب والأندلس، أن الانهيار وشيك، اتجه شرقا باحثا عمّا يمكن أن يصلح ما فسد من أمر المسلمين، ويعيد لهم هيبتهم وعزّهم. وكان لا يزال يبحث عن ذلك حين باغته الموت عام 1406 وهو في القاهرة. وفي كتب الرحلات نحن لا نظفر إلا بكتاب واحد يتحدث عن رحلة إلى الغرب، وتحديدا إلى روسيا تمت عام 921. مؤلف هذا الكتاب الصغير هو ابن فضلان وهو قاض من بغداد أرسله أمير المؤمنين المقتدر بالله ضمن وفد إلى ملك بلاد الروس يدعى المش بن يلطوار طلب أن يتعرف على شرائع الإسلام. ويصور لنا ابن فضلان أطوار الرحلة الشاقة الطويلة بدقة متناهية راسما صورة مرعبة عن الأقاليم التي مرّ بها وعن الأقوام الذين اعترضوا سبيل قافلته.فالعتمة دائمة، والبرد شديد حتى أنه إذا خرج من الحمّام إلى البيت، جمدت لحيته فأصبحت قطعة واحدة من الثلج. وكلما أوغل غربا، ازداد إحساسه بأنه أشرف على التلف فيمن معه، وهو حريص كل الحرص على أن يذكّرنا دائما بأنه في (بلاد الكفار)، وأنه ظل رغم كل الأحوال التي واجهها، متمسكا بتعاليم دينه آمرًا بالمعروف ناهيًا عن المنكر، متبرما من شرور الناس الذين يراهم في طريقهم داعيا أن ينقذهم الإسلام ذات يوم من الشقاء الذي هم فيه.
في كتب الرحالة العرب الآخرين، وجميعهم اتجهوا شرقا، نحن نشعر أن صاحب الرحلة يحاول دائما، حتى وهو يواجه أعتى المخاطر، وأشرس المصاعب كي يمتحننا. وما يصوره من بشر ووقائع وأحداث ومخاطر طبيعية هو بمنزلة (الدعوة) لأن نرحل معه على حدّ تعبير بودلير. أما عند ابن فضلان فإن الأمر يختلف اختلافا كليا، إنه يدقق في الوصف، ويحرص على الوقوف حتى على التفاصيل الصغيرة فقط لكي يقنعنا بعدم ضرورة الذهاب إلى هناك. وإلحاحه على تذكيرنا دائما بأنه ظل متمسّكا بالدين حتى وهو يرى النساء يسبحن في النهر عاريات هو إشارة واضحة على أنه لم يقبل الذهاب إلى هناك إلا لغرض واحد ألا وهو نشر تعاليم دينه والتأكد من صحة إيمانه وهو يقطع تلك المسائل الضخمة.
بعد أن دمّر المغول بغداد ذلك عام 1258، وأحرقوا مكتباتها الثمينة وقصورها الفاخرة، وحدائقها الجميلة، عاش العرب مشرقا ومغربا قرونا من الانحطاط والجهالة والعزلة كانوا خلالها منقطعين انقطاعا كليا عما يحدث في العالم ولم يستيقظوا إلا على دويّ مدافع نابليون بونابرت أثناء غزوه لعصر عام 1798، والبعثات العلمية والطلابية التي لحقت ذلك بعد عقدين تقريبا، ثم تكاثفت خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر والتي أفضت إلى ما يسمّيه العرب حتى اليوم بـ (عصر النهضة) لم تثمر عن أي عمل إبداعيّ متمحور حول (الرحلة الغربية) وكتاب (تخليص الإبريز) لرفاعة الطهطاوي والذي كتب في عصر فلوبير وبودلير يبدو لنا في أسلوبه ولغته قريبا من مقامات عصور الانحطاط، وعليه يطغى ذلك الانبهار الذي يفقد الإنسان قدرته على أن يكون دقيقا وموضوعيا ومفيدا. إن باريس في هذا الكتاب تتجلّى لنا كما لو أنها مدينة خيالية في القصص الشرقية الخارقة وليست تلك التي كشف لنا بودلير وبلزاك وآخرون شرورها وقسوتها وعهرها وتفسّخها. وسوف يمرّ وقت طويل على صدور (تخليص الإبريز) لكي تظهر أول أعمال إبداعية تروي الجانب المأساوي في الرحلة العربية باتجاه الغرب. من بين هذه الأعمال يمكن أن نذكر (عصفور من الشرق) لتوفيق الحكيم و(أديب) لطه حسين و(الحيّ اللاتيني) لسهيل إدريس و(موسم الهجرة للشمال) للطيب صالح في هذه الأعمال الأربعة نحن نتحسس ذلك النفور من الغرب الذي كان سائدا لدى العرب القدماء.
فبعد الانبهار الأول كما هو الحال عند الطهطاوي يعود الغرب في ذهن المثقف العربي إلى صورته الأولى فإذا به من جديد مرادف للعتمة والوحشية والعنف في درجاته القصوى. وإذا به قلعة باردة مخيفة فيها يفقد الإنسان الشرقي توازنه وصوابه وإنسانيته أيضا. وهذا ما يبرز بالخصوص في (أديب) لطه حسين و(موسم الهجرة للشمال) للطيب صالح.
ثمة سمات مشتركة بين (أديب) بطل رواية طه حسين، و(مصطفى سعيد) بطل رواية الطيب صالح. فالإثنان يبديان مبكرًا الرغبة في السفر إلى الغرب قصد طلب العلم. والإثنان يتمتعان بذكاء مفرط وقدرات هائلة على الاستيعاب والفهم. والإثنان يتمكنان بسرعة فائقة من التماهي مع الغرب ومع ثقافته حتى أنهما يصبحان غربيين تقريبا. والاثنان ينغمسان في حياة اللهو والملذات ويُسْرفان فيها إلى أن يفضي بهما ذلك إلى نهاية فاجعة: يغرق أديب في الجنون. أما مصطفى سعيد فيموت منتحرا في النيل أثناء فيضانه، ومع ذلك ثمة فروقات بين البطلين سوف تتجلى لنا أثناء استعراضنا لمسيرة كل واحد منهما.
منذ البداية يبرز لنا أديب شخصية ثائرة على التقاليد وعلى جامعة الأزهر حيث كان يدرس، وهو دائم السخرية من شيوخها المعمّمين ومن أساليبها الدراسية، لذا هو يبذل كل الجهودات الممكنة لكي يغادر إلى أوربا، وها هو سيسافر إلى فرنسا بعد أن يطلق زوجته ليس كرها لها وضجرا من الحياة معها وإنما لأنه يعلم جيّدا من خلال ما قرأ من كتب ومن قصص عن أوربا أنه (لا يستطيع أن يقاوم الحياة هناك وآثارها في نفسه كما ينبغي للرجل الوفيّ لزوجته أن يقاومها). ولأنه سوف (ينغمس في الإثم) فهو يريد أن يتحمل وحده وزر هذا الإثم.
في السفينة التي تحمله إلى مرسيليا، تنتاب أديب الهواجس والمخاوف، ويستبد به حنين جارف إلى ماضيه ووطنه وزوجته حتى نخال أنه سيقطع رحلته ويعود إلى القاهرة. فهو يحاول أن يتصور هذا البلد الذي هو مقبل عليه فلا يرى غير البلد الذي هو منصرف عنه. وهو يسعى إلى أن يتمثل جامعة السربون فلا يرى إلا الجامعة العصري، وهو يجهد نفسه لكي يجسّد في ذهنه صورة للمرأة الباريسية غير أن صورة حميدة زوجته تظل قائمة أمامه كهيئتها يوم غادرها تاركا إياها منخرطة في بكاء متصل عميق.
وبينما كانت الباخرة تقترب من ميناء مرسيليا، تتراءى له الحياة الأوربية، بحراً آخر لا آخر لعمقه، مملوءا باللذة والألم، مفعما بالخير والشر، فتتضاعف هواجسه ومخاوفه، ويشتد تشاؤمه ذلك أنه يحسّ أنه سوف يلاقي هناك (شرّا كثيرا وإخفاقا شنيعا) غير أن هذا سرعان ما يتبدّد. وها هو بعد أن يتذوق كأسا من النبيذ الفرنسي يشعر أنه أصبح (إنسانا يحسّ ويعقل ويذوق لذة الجمال ويعرف كيف يستمتع بسحر العيون). وها هو يعجب من نفسه كيف (انتقل من طور إلى طور) وكيف (تغيّر من حال إلى حال). والآن هو لا (يقدر أن يقف ولا أن يتأخر)، وإنما هو كالشيء الذي (قذفت به قوة عنيفة من قمة الجبل فهو يتدحرج عن السّفح لا يستطيع أن يمسك نفسه ولن يستطيع أن يمسك نفسه حتى يبلغ الحضيض فتمسكه الأرض السهلة المستوية).
وبعد أن يسرف في اللهو والعبث والمجون، يستعيد أديب حماسه لطلب العلم والمعرفة، فيقبل على دروسه إقبالاً نهمًا، ويتمكن في وقت قصير من إدراك ما فاته. غير أن الحنين إلى حياة اللهو والمجون يعاوده من جديد، فيهمل دروسه، وينخرط فيها غير عابئ بشيء، وفي رسالة بعث بها إلى صديق له، يكتب قائلاً: (لقد صدق موسيه حين شبه قلب الرجل النقي بالإناء العميق، إذا استقر الدنس في قاعه فليس إلى تطهيره من سبيل، ولو مر به ماء البحر كله، إن قلبي هو هذا الإناء، وقد استقر في قاعه الدنس. ولقد حاولت تطهيره ما استطعت إلى ذلك سبيلا، بالتفكّر والتدبّر، بالقراءة والدرس، بالجدّ والنشاط، بهذه المثل العليا التي كنت اتخذتها وأجدّ في السعي إليها، وأوفق أحيانًا في هذا السعي بما حاولت في إرضاء الأساتذة، وبما حاولت في إرضاء مراقب البعثة، وبما حاولت من إرضاء الجامعة، وبما بلغت في هذا كله، ولكني مع ذلك لم أستطع أن أمحو في قرارة نفسي هذا الدنس الذي استقرّ فيها فلزمها لزوما، واتصل بها اتصالاً لا انقطاع له).
ويمضي أديب في بارس شتاء 1917 المرعب والذي كابد الناس خلاله فترة البرد والجوع، وأيضا أحوال أول قصف للطيران، ويقف نصيرا للحضارة، رافضًا القوة الوحشية، عازمًا على ألا يبرح باريس (مهما تكن الظروف). وهو يكتب الى صديقه قائلا: (وتعلم أني سأفي بهذا العهد مهما يكلفني ذلك وأن أنتظر بي إلى الموت وأيّ شيء يكون الموت في سبيل باريس!). وفي هذه الأثناء يعيش أديب قصة حب فاشلة مع امرأة تدعى إلين، فتضطرب نفسه ويصاب بالبارانويا. وهاهو يحسّ (إن الصحف الفرنسية كلها مجمعة على مقته وبغضه والكيد له)، وإن كل ما تذكره هذه الصحف عن ألبانيا العدوة، (موجّه إليه ومنصبّ عليه انصبابًا). ويظل مرضه هذا يتعاظم ويشتد إلى أن يطبق عليه ليل الجنون.
وإذا ما كان أديب قد دخل أوربا وهو يتمتع بالكثير من الذكاء والخبرة، فإن مصطفى سعيد بطل (موسم الهجرة إلى الشمال)، انطلق إليها وهو دون العشرين، وعكس أديب هو لا يلتفت إلى الوراء ولا يهتم بماضيه إلا بعد فشل مغامرته الغريبة. إنه يمضي إلى الأمام كـ(السّهم) بلا أي حنين ولا أي ندم على ما فات. وكان أديب يعاني من معلومات البارانويا التي سوف تؤدي إلى الجنون المطلق حين دخل مصطفى سعيد لندن ليجدها خارجة من الحرب ومن وطأة العصر الفيكتوري).
ومنذ الأسابيع الأولى عرف حانات تشلسي وأندية هامبستد، ومنتديات بلومزبري، وفيها كان يقرأ الشعر ويتحدث في الدين والفلسفة وينقد الرسم ويقول كلاما عن روحانيات الشرق ويفعل أشياء أخرى ولا هدف له إلا إدخال امرأة في فراشه، ثم يمضي إلى صيد آخر. كل ضحاياه من النساء سوف يكونن من ذلك الصنف من النساء اللائي يمتلكن حنينًا إلى الشرق وإلى المناخات الاستوائية، والشموس القاسية أو الآفاق الأرجوانية أما مصطفى سعيد فيظل ذلك (الجنوب الذي يحن إلى الشمال والصقيع) والشرق بالنسبة له هو غرفة تفوح منها رائحة الصندل المحروق والند وسجاد سندسي دافئ وسرير رحب مخداته من ريش النعام، وأضواء كهربائية صغيرة حمراء وزرقاء وبنفسجية، موضوعة في زوايا معيّنة، وحمام به عطور شرقية نفّاذة، ومرايا كبيرة على الجدران حتى إذا ما ضاجع، بدا له وكأنه يضاجع حريمًا كاملاً، ورغم هذا الإسراف في حياة اللهو والمجون، فإن مصطفى سعيد يحرز أعلى الدرجات العلمية، ويتحول إلى شخصية من الشخصيات المرموقة التي تحظى بتقدير أسمى شخصيات المجتمع اللندني.
لأعوام عدة ظل مصطفى سعيد يعيش مع نظريات كينز وغيره بالنهار، وبالليل سيواصل الحرب بالقوس والسيف والرمح والنشاب ضد النساء إلى أن تعددت ضحاياه. فقد انتحرت ثلاث من عشيقاته بسببه. أما الرابعة جين مورس فقد ظلت تعذّبه إلى أن فقد السيطرة على نفسه، فغرس سكينا في صدرها بينما كان هي تصرخ: (أحبك يا حبيبي).
بعد سنوات أنهاها في السجن لقتله جين مورس، عاد مصطفى سعيد إلى بلاده، السودان، ليعيش في قرية صغيرة على ضفاف النيل مجهول الهوية، ولكي يدفن ماضيه، ويبعد عنه شبح مغامرته التي انتهت بفشل ذريع، لبس لباس أهل تلك القرية، وتزوج امرأة أميّة، وعاش عيشة عادية، بسيطة، ليس فيها ما يشير بأي حال من الأحوال إلى الأعوام الطويلة التي أمضاها في لندن، غير أن ذكريات تلك السنوات ظلت تعذّبه إلى أن أصبح غير قادر على احتمالها، فألقى نفسه في النيل.
ينتسب مؤلفا العملين المذكورين إلى جيلين مختلفين، فطه حسين الذي ولد عام 1889 كان أحد أقطاب النهضة الفكرية والثقافية التي عرفتها مصر والعالم العربي في النصف الأول من هذا القرن. أما الطيب صالح المولود عام 1929 فهو أحد ألمع أبناء ذلك الجيل الذي كان له طه حسين معلمًا ومرشدًا. مع ذلك توصل المؤلفان من خلال عمليهما إلى النتيجة نفسها ألا وهي فشل المثقف العربي في رحلته الغربية، وإذا ما نحن تمعّنا في مسيرة كل من طه حسين والطيب صالح، فإنه بإمكاننا أن نجازف بالقول بأن هذا الفشل ليس مقتصرًا على الشخصيتين اللتين ابتدعاها، أي (أديب) و(مصطفى سعيد) وإنما هو يخصّهما أيضا. فقد عاد طه حسين من باريس مطلع العشرينيات معجبًا ومفتونًا بالعقلانية الغربية، وبالتقدم الذي أحرزته أوربا على جميع الأصعدة والمستويات. وكان كتابه الشهير (في الأدب الجاهلي) الذي حوكم بسببه بتهمة (التعدّي على القرآن والدين) وأيضًا كتابه الآخر (مستقبل الثقافة في مصر) الذي أنكر فيه أن يكون الإسلام هو العنصر الأساسي في الثقافة المصرية، أحد نتائج هذا التأثر بالثقافة الغربية وبمكوناتها وبالجانب التنويري فيها. لكن في أواخر حياة طه حسين، بدا وكأن ذلك الحماس للعقلانية وللتنوير قد بدأ ينطفئ ويضمحل. فقد تنكّر للشعر الجديد معتبرًا إياه (بدعة) وكما لو أنه أراد أن يكفّر عن ذنب قديم، فإنه ختم حياته بكتاب عن حياة الرسول محمد ونشأة الإسلام.
ومَن يقرأ رواية (موسم الهجرة إلى الشمال) البديعة لا يمكن أن يغفل عن شيء وهو أن الطيب صالح ليس قادرًا بأي حال من الأحوال على ابتكار شخصية مصطفى سعيد لو أنه لم يعش حياة مشابهة لحياته، ومغامرات قريبة من مغامراته، ثم إن الرواية تدل دلالة قاطعة على أن الطيب صالح تمكن من أن ينفذ إلى خفايا الحياة الغربية، وأن يحصل على ثقافة فلسفية وأدبية عميقة من خلال مطالعاته للكتّاب الغربيين القدماء والمحدثين على حد السّواء. ومع ذلك نحن نعاين أن الطيب صالح قد ابتعد كليا خلال العشرين سنة الماضية عن نمط حياته القديم، وأصبح زاهدًا، ميّالاً إلى التعبّد مثل مصطفى سعيد لما عاد إلى تلك القرية السودانية على ضفاف النيل ساعيًا أن يدفن فيها مغامراته الصاخبة في بلاد الغرب. والآن يحبّ الطيب صالح أن يقول لكل من يسأله عن السبب الذي جعله ينقطع عن كتابة الرواية بأن (الكسل هو العائق الوحيد) والحقيقة أن هذا مكر من جانبه (بمفهوم جيمس جويس لكلمة مكر) ذلك أن الكسل لا يمكن أن يعطل لوحده طاقة إبداعية هائلة مثل طاقته.
ويتراءى لنا أن العلة الحقيقية الكامنة وراء كل هذا هو أن كتابة الرواية وابتكار شخصيات شيطانية مثل مصطفى سعيد ربما يكونان قد أصبحا بالنسبة للطيب صالح من الآثام التي يجب تجنّبها. لذا هو أصبح يقتصر على كتابة مقالات قصيرة منها تفوح رائحة تزهّده وتوبته.
خلال العشرين سنة الماضية، وبسبب الحروب وانعدام الديمقراطية وحرية التعبير، تكاتفت هجرة المثقفين باتجاه المغرب، غير أنه لم يظهر حتى هذه الساعة أي عمل إبداعي يمكن أن نستشف من خلاله ما يدل على أن الرحلة العربية باتجاه الغرب قد وُسمت بطابع آخر غير طابع الفشل.
الصفحة الرئيسية للجلسة