افتتاح الندوة
كلمة معالي وزير الإعلام
كلمة رئيس تحرير العربي
كلمة الضيوف
كلمة المكرَّمين
المكرَّمون

اليوم الثاني
الجلسة الصباحية الأولى
الجلسة الصباحية الثانية
الجلسة المسائية الأولى
الجلسة المسائية الثانية

اليوم الثالث
الجلسة الصباحية الأولى
الجلسة الصباحية الثانية
الجلسة المسائية الأولى
الجلسة المسائية الثانية
الختام


تغطية العربي للندوة
تغطية الـBBC


أبحاث الفترة الصباحية الثانية ليوم الإثنين
رئيس الجلسة: أ.د. منصور بو خمسين أستاذ التاريخ الأوربي الحديث ـ جامعة الكويت
مدينة في كتاب
بقلم أبو المعاطي أبو النجا

         الكتاب اسمه (باريس)، وباريس هي المدينة التي يقدمها هذا الكتاب لقارئه فيما يزيد على أربعمائة صفحة تتحدث كلها عنها، لكن من الذي يتحدث في كل هذه الصفحات؟

         هل هو أحمد الصاوي محمد الذي يوجد اسمه منفردا على غلاف الكتاب أم الكُتاّب الذين تتوزع أسماؤهم قرين كل مقال من مقالات الكتاب بداخله؟ وماذا عن المقالات التي وردت في الكتاب دون أن تقترن بأيّ اسم من الأسماء التي جاءت في الكتاب منفردة أو متكررة؟

         يقول أحمد الصاوي محمد: وهو واحد من ألمع نجوم الصحافة المصرية في النصف الأول من القرن العشرين، وصاحب أشهر عمود صحفي يومي بعنوان (ما قل ودل) ورئيس تحرير مجلة ((مجلتي)) : يقول في مقدمة هذا الكتاب: (ليس لي في هذا الكتاب فضل فلولا الذين ساهموا فيه بأقلامهم لما تم وضعه، ولولا الذين ساهموا فيه باشتراكاتهم قبل الطبع بمبلغ 15 قرشا لكل نسخة لما تم طبعه)، وقد تم طبع 3500 نسخة من هذا الكتاب في مطبعة دار الكتب المصرية عام 1352هـ - 1933م.

         إن فكرة الكتاب في حد ذاتها، والمنهج الذي وضعه أحمد الصاوي محمد لتحقيق هذه الفكرة يستحقان وقفة، قبل أن نمضي لنختار من بين مقالات هذا الكتاب ما ينسجم مع فكرة هذه الندوة حيث إنه يقدم لنا رؤية أصحاب هذه المقالات لمدينة باريس بخاصة وللحضارة الغربية بعامة. نعود مرة أخري إلى المقدمة القصيرة التي وضعها أحمد الصاوي محمد يقول: ولما أردت وضع كتاب عن باريس تأملت خريطتها (كان ذلك في العشرينيات من القرن الماضي) حائـرا بين 150 خط ترام وعشر محطـات سكة حديد، و 96 كنيسة، و 77 مسرحا إلخ كيف يمكن حصر هذه الدنيا المنيفة بين غلافي كتاب؟ ولذلك وجدت نفسي بحاجة إلى رفاق كرام يضيئون الطريق الذي لا آخر له ويروحون بأساليبهم المنوعة الجذابة عن القراء حتى لا يصيبهم الملل من مؤلف واحد، وحتى لا يقول ذوو الأهواء والأغراض: (إن هذا صوت متعصب لباريس، مفتون بها، لا تسمعوا كلامه)! ولكن دعونا نتأمل المنهج الذي وضعه أحمد الصاوي محمد لكتاب باريس لنرى هل كان فقط لدفع الملل عن القراء، ولتأكيد المصداقية أم أنه يخدم أهدافا أبعد وأعمق؟!

ملاحظـات على المنهـج

* تَنَوعُ كُتاب المقالات بين كتاب أوربيين وعرب ومصريين أتاح فرصة لتنوع مستويات الرؤية - بتنوع الخلفيـات الثقافيـة والبيئية - لمدينة واحدة يـرى فيها كل واحد بالضرورة أشياء قد لا يتوقف أمامها الآخرون.
* أظن أن بعض هذه المقالات لم يكتبها كتابها بخاصة من أجل هذا الكتاب، بل كتبوها في أوقات ومجالات تخصهم، ولكن أحمد الصاوي محمد اختار منها ما يناسب خطته في هذا الكتاب ووضعه في مكانه المناسب من الكتاب، وهذا مجرد تقدير من جانبي.
* يضم الكتاب ما يربو على العشرة فصول، وكل فصل من فصول الكتاب يضم مجموعة من المقالات التي تركز على جانب من جوانب المدينة المتعددة الجوانب، ويبدأ الكتاب بفصل خاص يضم مجموعة من المقالات التي كتبها أصحابها لتصف لحظات الوصول إلى باريس وصدمة اللقاء الأول بمدينة الأحلام وقرب نهاية الكتاب يوجد فصل عنوانه (ذكريات باريس) يضم مجموعة مقالات كتبها أناس عاشوا سنوات في باريس ثم عادوا إليها أو لم يعودا ولكنهم يتحدثون عما بقي لديهم من ذكريات لا تنسى عن هذه المدينة.
* الكتاب في إطار هذا المنهج لا يحرص فقط على تقديم رؤى متعددة ومختلفة باختلاف الشخصيات والخلفيات الثقافية بل يحرص على تقديم رؤى مختلفة باختلاف الزمن سواء زمن التـاريخ أو الزمن النفسي للكاتب، فالذي يرى باريس لأول مرة غير الذي يراها بعد عشرين سنة من سنوات دراسته بها.

         الفصل قبل الأخير في الكتاب، تتحدث مقالاته عن أعياد باريس سواء تلك الأعياد الدينية أو الوطنية أو أعياد الطبيعة المتعددة عبر فصول السنة، وإذا كانت فصول الكتاب السابقة على اختلاف موضوعاتها تحاول سبر الفرد الفرنسي والامساك بروحه المتوثبة فإن هذا الفصل عن الأعياد يبدو أنه كان يحاول سبر روح الجماعة، ففي مثل هذه الأعياد على اختلاف أنواعها تتجلي عبقرية الجماعة الفرنسية في تعبيرها عن الارتباط القوي بالعقيدة الدينية والشعور المشترك بجمال الطبيعة، والإحساس القوي بأحداث التاريخ وبالشخصيات التي قامت بها مهما تباعد الزمن!

         وسنلاحظ كيف أن الكتاب بهذا المنهج يبدو وكأنه يصعد بالقارئ عبر سلم كهربائي متحرك - وقبل اختراع السلالم المتحركة - ليرى باريس من جميع جهاتها، متجولا في الزمان والمكان، يراها بعيون مختلفة، وخلفيات ثقافية متنوعة، ثم يهبط بك لتخرج منها، وقد ألممت بأهم جوانبها في ذلك الزمان في تقدير مصمم الكتاب ومؤلف المقالات الموجودة في الكتاب وليس قرينها أي اسم على الأقل.

عرض لبعض محتويات الفصل الأول للكتاب كنموذج

         الفصل الأول عنوانه (إلى باريس) ويشترك في كتابة مقالات هذا الفصل مجموعة من الكتاب العرب والأجانب من أهمهم الشيخ رفاعة رافع الطهطاوي بمقال عنوانه (بعثتنا الأولي إلى باريس التي أرسلها الحاج محمد على باشا)، والكاتب الأمريكي الساخر (مارك توين) بمقال عنوانه (الوصول إلى باريس) وضمن كتاب هذا الفصل أيضا الدكتور محمود عزمي والدكتور محجوب ثابت والأستاذ محمد تيمور، ويشترك هؤلاء جميعا في كتابة مقالات تسجل الانطباعات الأولى التي يشعر بها من يزور باريس لأول مرة! ومع أن القارئ هنا يتوقع أن يجد في كل هذه المقالات دهشة اللقاء الأول أو صدمته، والمقارنة التي لا مفر منها بين المدينة التي جاء منها والتي جاء إليها، وبين صورة باريس كما كانت في خياله وبين الواقع الذي يجده أمامه! بالرغم من كل هذه التوقعات فقد كانت الفروق بالغة بين كل هذه المقالات بسبب اختلاف الخلفية الثقافية والطبقية بين كل هؤلاء مما يجعلنا نتذكر في النهاية تلك العبارة المأثورة التي تقول: إن ما يقوله بولس عن بطرس ينبئنا عن بولس بأكثر مما ينبئنا عن بطرس، فالشيخ رفاعة رافع الطهطاوي إمام البعثة الأولي التي أرسلها والي مصر محمد على إلى باريس من طلبة الأزهر وابن الطبقة الفقيرة كان مقاله يوضح كيف كانت صدمة لقائه بباريس تدور حول الفروق بيننا وبينهم فيما يتصل بتقاليد الطعام والشراب وغيرها يقول: (ولم نشعر في أول يوم إلا وقد حضر لنا أمور غريبة في غالبها وذلك أنهم أحضروا لنا مائة كرسي للجلوس علىها، لأن أهل هذه البلاد يستغربون جلوس الإنسـان على نحو سجادة مفروشة على الأرض ثم مدوا السفرة للفطور، ثم جاءوا بطبليات عالية، ثم رصوها من الصحون البيضاء وجعلوا قدام كل صحن قدحا من القزاز وسكينة وشوكة، فلا يأكل الإنسان بيده أصلا ولا بشوكة غيره، ويزعمون أن هذا أنظف وأسلم عاقبة) نكتفي بهذا المقتطف من مقاله الأول الذي جاء في الفصل لأنه بعد ذلك وفي فصول قادمة سوف يواصل الكتابة والمقارنة والغوص في أمور أشد خطرا، ولأن ما يهمنا الآن ونحن بصدد الحديث عن منهج هذا الكتاب أن نقارن بين ما توقف أمامه رفاعة رافع الطهطاوي في صدمة لقائه بباريس وبين ما توقف أمامه محمد تيمور المصري ابن الطبقة الارستقراطية المصرية من ذوي الأصول التركية:

         يقول محمد تيمور في مقاله بعنوان (الوصول إلى باريس) جال بخاطري وأنا جالس في السيارة مع والدي خواطر ثلاثة الأول أني رأيت في البارسيين وجوها ليست بالغريبة عن وجوه الشعوب اللاتينية التي يعيش كثير من أفرادها تحت سماء بلادنا، والثاني أني شعرت بالفرق الهائل بين الشعب الألماني والفرنسي فالأول شعب أرستقراطي ففي ألمانيا تري الخدم يلبون إشارة السيد طائعين كالعبيد، وفي فرنسا تجد الحمالين يعاملونك معاملة النظير، وما أجمل أن يشعر جميع أفراد الشعب بكرامة أنفسهم، فهذا شعب ديمقراطي، والثالث أني لم أجد باريس تستهوي الأفئدة وتأسر القلوب فأين جمالها الذي كانت تتوق نفسي لرؤيته؟ إنها بلدة من البلاد بل هي كالقاهرة إذا نظرت إليها من فوق جبل المقطم بمنظار معظم. ثم يقول في جزء تال من المقال: ولكني لا أكتم القارئ بعد أن وقفت على جمال باريس الحقيقي، وعرفت كيف تقضي الحياة فيها، أحببت تلك البلدة كثيرا وعرفت ما بينها وبين بلادنا الشرقية من الفرق الكبير.

نظرة طائر على بقية فصول الكتاب

         أظن أنه قـد حـان الوقت لننتقل إلى الفصـل الثـاني من الكتـاب وعنــوانه (سر باريـس) ويشترك أيضا في كتابة مقالاتـه كتاب أوربيون وعرب، فيكتب (هلير بيلوك) تحت عنوان (سر باريس) ويكتب طه حسين تحت عنوان (يوم في باريس) يصف فيه كيف يتصرف أهل البيت الذي كان يسكن فيه أثناء النهار وأثناء الليل وبخاصة حين كانت تحدث غارة جوية على باريس أثناء الحرب العالمية الأولي، ويكتب الدكتور حسين هيكل صاحب كتاب حياة محمد تحت عنوان (روح باريس المضنون بها على غير أصلها) ويكتب محمد تيمور تحت عنوان (في منزل عائلي حول المرأة) ويكتب بتام إدواردز تحت عنوان (مدينة كل الناس)، ويكتب رفاعة رافع الطهطاوي مرة أخري، وبعيدا عن صدمة اللقاء الأول تحت عنوان (الحياة في باريس) فيكتب عن الصحف اليومية التي كانت إحدى العجائب في ذلك الحين ويسميها الجرنالات وعن القهاوي وعن دور الكتب، موضحا بشكل موضوعي الوظائف الاجتماعية لكل منها.

         الفصل الثالث يحمل عنوان (الحياة في باريس) ويشترك كتاب هذا الفصل على اختلاف جنسياتهم في محاولة التعرف على مدينة باريس والاقتراب من جوهرها من خلال الاقتراب من أهم معالمها ومظاهر الحياة اليومية فيها فيكتب توفيق الحكيم عن حي (مونمارتر)وهو حي اللهو الذي يلجأ إليه الفقراء مع مقارنته بحي (مونبارناس) وهو حي اللهو أيضا الذي يلجـأ إليه الأغنياء من الفرنسيين ومن السائحين، وكيف يرى بعين الفنان المغترب وبقلبه وجوه الشبه ووجوه الاختلاف بين الوظيفة التي يقوم بها كلا الحيين وبين وظيفة شهرزاد في ألف ليلة وليلة، والتي كان يكتب في هذه الأثناء مسرحيتها الشهيرة يقدم كل ذلك من خلال حواره مع بارمان المقهي الذي يترددعليه، والذي تتجسد في شخصيته أحد وجوه باريس!

         ويكتب (أميل زولا)الروائي الفرنسي مشهدا بديعا يصور باريس في لحظة الصباح تحت عنوان (باريس تستيقظ من نومها) والغريب في هذا المقال أن الكاتب لا يعني بحركة خروج الناس إلى أعمالهم أو الأطفال إلى مدارسهم ولكنه يركز على مشاهد الطبيعة ذاتها ضوء الشمس وظلال الأشجار وبخار المياه المتدفقة في نهر السين والضباب الذي يغطي زجاج النوافذ ثم لا يلبث أن ينجسر عنه وكأن المدينة كلها كائن حي خرافي يصحو من نومه.

         وتكتب (أوجين سو) لقطة مركزة كأنما لتعوض خلو لوحة (أميل زولا) من البشر عن (الفتاة العاملة) في باريس، وتكاد تركز في شخصية هذه الفتاه العاملة روح المرأة الباريسية الحديثة التي خرجت من قلب الطبقة الشعبية إلى العمل في الحياة العامة.

         ويكتب طه حسين عن (باليه رويال) وهو واحد من أهم دور العرض المسرحي في باريس ويحلل بأسلوبه الساخر البديع بعض عروضه التي تكشف عما يتمتع به الشعب الفرنسي من روح النقد الساخر والمرح يقول طه حسين في مقاله (في هذا الملعب الصغير تعرض عليك الحياة الفرنسية كلها أدبها وسياستها وعلمها وتجارتها وطبقات الشعب المختلفة على ألا يظهر الممثلون من هذا كله إلا ما هو خليق بالنقد، حري أن يبعث الاستهزاء والسخرية) ويكتب (سيسلي هادلستون) عن الفنادق والمطاعم التي توشك في باريس أن تكون بديلا للبيت ليس فقط للعزاب بل ولكثير من العاملين من المتزوجين.

         كما يكتب (ماكس اورل) عن (الباريسيون على المائدة) ويكشف المقال عن معنى كل صغيرة وكبيرة مما يحدث على المائدة عندهم! كما يكتب (لورنس سترن) عن ماذا يعني (يوم الأحد) عند الفرنسيين وهو يوم العطلة الرسمية ماذا يعني عند الفقراء والأغنياء وكيف يحتفل كل واحد منهم؟ على طريقته وعلى قدر طاقته.

         كما يكتب من يسميه مؤلف الكتاب السائح العراقي (مقهى جامع باريس).

         كما يكتب (جون. ف. ماكدونالد) عن (باعة الكتب وهواتها على ضفاف نهر السين، على نحو يذكر بما كان يحدث في مدينة القاهرة من باعة الكتب على سور الأزبكية.

         ويغوص (جورج براندس) وراء المعاني الكامنة في بعض ما كتب (أنا تول فرانس) لأنه يعتقد أن روح باريـس الحقه تكمن في كتابات ذلك الروائي الساخر، ويختار لك من بعض كتاباته هذه العبارة التي تكشف لك عن روح السخرية المرة عنده وعند أهل باريس في الوقت ذاته: يقول أنا تول فرانس (إن القانون في روعته وعدالته، ينهي الغني كما ينهي الفقير عن أن ينام على قارعة الطريق أو يتسول في الشوارع أو يسرق الخبز).

         كما يكتب الدكتور أحمد ضيف عن باريس في الشتاء عندما ما ترتدي حلة بيضاء من الثلوج، كما يكتب أميل زولا عن الليل في باريس.

         وفي الفصل الرابع تدور المقالات حول (الحي اللاتيني)، وتلقي مقالاته كلها بضوء مكثف على أشهر أحياء باريس وهو حي الطلبة والجامعات والأساتذة والفنانين. يشترك في كتابة هذه المقالات كتاب شاركوا في الفصول السابقة وكتاب جدد.

         يكتب رفاعة الطهطاوي مجددا عن البعثة الأولى بباريس وقانونها.

         ويكتب الفنان المعروف (مختار) مبدع تمثال نهضة مصر الشهير، تحت عنوان (طالب الفنون الجميلة) ثم يواصل الكتابة تحت عنوان (نزل عائلي) ثلاث مقالات عن حياته وهو طالب في ذلك النزل، وعلاقاته بالطلبة المصريين والأساتذة وبعض أفراد من المجتمع الفرنسي، ويكتب الدكتور محمود عزمي عن بيئة التعليم الجامعي وطلبة باريس وأساتذتهم، خصائص الحي، مظاهرات الطلبة، بينما يركز د. مبارك عن أساتذة باريس ويكتب أحمد الصاوي عن الجو العلمي ويكتب رفاعة الطهطاوي مجددا عن البعثة الأولي لباريس ويشرح بنود القانون الذي كان ينظم عملها، وطرق تقويم أداء الطلاب سواء في مجال الدراسة أو الحياة الجامعية.

         في الفصل الخامس بعنوان (علوم وفنون) تركز المقالات على المؤسسات العلمية والفنية في باريس، فيكتب محمد حافظ رمضان المحامي عن (بلاغة الآثار)، ويكتب فيكتور هوجو عن كتدرائية نوتردام، ويكتب توماس كارليل صاحب كتاب الأبطال الشهير عن قصر التويليري 1789، ويكتب (حسن صبحي) عن (زيـارة) لملكة الجمال المصرية في جناحها الخاص بقصر (اللوفر)، ويكتب (إدوار جيبون)عن باريس في القدم، ويكتب الحاخام الأكبر للطائفة الإسرائيلية عن مركز الدراسات الإسلامية ليميط اللثام عن بدايات الجهود الاستشـراقية في باريس، ويكتب عن كنيسة (المادلين) ثاثنيل هاوثورن.

         للفصل السادس أهمية خاصة في إطار هذا المنهج الذي اختاره أحمد الصاوي محمد، فهو يأتي تحت عنوان (ذكريات) وهو يضم مجموعة من المقالات تنفرد بطابع خاص له صلة بعالم (الذكريات)، فالأديبة المعروفة الآنسة مي تقوم بزيارة لبعض المعالم الأثرية في باريس التي يحج إليها الشعب الفرنسي في أوقات معينة ليتذكر أحداثا لها في وجدانه وعقله أثارا لا تمحي، وتكشف عن اعتذاز الفرنسيين بالماضي وبالذكريات.

         والدكتور منصور فهمي يكتب عن زيارته الثانية لباريس بعد عشرين عاما من الفترة التي قضاها طالبا في باريس، جاء هذه المرة مع زوجته ليبحث عن مرغريت حبه الأول أيام أن كان طالبا.

         المقالات في هذا الفصل كله تدخل باريس في امتحان جديد وتحاول أن تراها من زاوية جديدة، هي ماذا يبقي من باريس بعد مرور الأعوام؟ قدرتها على البقاء في قلوب من عاشوا فيها!

         وبهذا الفصل تكتمل زوايا الرؤية للمدينة، فقد قدمها الكاتب مرة من خلال دهشة اللقاء الأول ثم من خلال المعايشة والتجربة والرغبة في الأمساك بروح المدينة، وتعددت محاولات الامساك بروح المدينة من خلال التجوال في شوارعها، وارتياد مسارحها وملاهيها، وتأمل متاحفها ومدارسها وجامعاتها، وكنائسها وقصورها القديمة وحدائقها الشهيرة، و قراءة أهم ما أصدرت من كتب، فمن خلال هذا كله تتجلي روح المدينة، ثم اختتم هذه الرحلة بفصل عما يبقى من هذه الروح في نفوس من عاشوا في هذه المدينة ثم رحلوا عنها. لتكتمل زوايا الرؤية من خلال حركة الرائي في الزمان والمكان.

         وإذا كانت فصول هذا الكتاب قد قدمت للقارئ روح الفرد الفرنسي فإن الفصل قبل الأخير في هذا الكتاب الذي تدور كل مقالاته عن أعياد باريس، سواء تلك الأعياد الدينية أو الوطنية أو أعياد الطبيعة المتجدده عبر فصول السنة، فإن مقالاته تحاول الامساك بروح الجماعة الفرنسية لأن الذي يتجلي في هذه الأعياد كلها هو جماعات الفرنسيين الذين تربطهم العقائد الدينية أو الشعور المشترك بجمال الطبيعة أو الانتماء القوي والارتباط الوثيق بأحداث التاريخ والشخصيات التي قامت بهذه الأحداث مثل الثورة الفرنسية في 14 يوليو

باريس بعيون عربية ( نصوص نموذجية )

         رؤى مختلفة لمدينة باريس بخاصة، وللحضارة الغربية بعامة، مختارة من بعض فصول كتاب باريس.

         من مقال بعنوان (جولات وتأملات) الفصل الثالث ص 169 بقلم شيخ الصحافة داود بركات.

         (دخلت باريس ومررت بساحة الباستيل فتساءلت أفي هذه الرقعة الصغيرة نبتت الحرية؟ ثم تساءلت عن معنى الحرية عند القوم لأني شرقي، ولم أفهمه في الشرق فقلت هل أستطيع أن أرى الحرية بين الناس وأن أفهم معناها الصحيح)؟

         وصلت إلى فندق (جراند بريتاني) بسان لازار فكان أول ما أثر بي وقوف الركاب واحدا وراء واحد، لا يتقدم واحد منهم على الآخر، فلم أتقدم عن مكاني ولم أتأخر ولم يسابقني أحد، وتعلمت ألا أزاحم أحدا، حينئذ عرفت معنى المساواة الذي لم أفهمه في الشرق حيث يقدم الكبير على الصغير.

         نزلت من غرفتي إلى قاعة الجلوس، فرأيت شابا يقبل فتاة في تلك القاعة الغاصة بالناس، فلم أر عين واحد منهم وقعت على ذلك الفتي أو تلك الفتاة، فتساءلت هل هذه هي الحرية؟ وأجبت نفسي بأنها قد تكون ذلك! انتقلت إلى الشارع فأثر بي منظر سيدة حبلى تجتاز الشارع إلى الكنيسة، وبوليس البلدية يوقف الناس، والناس يحيونها من الجانبين لأنها حبلى، ولأنهم يحيون فيها الوطني الذي سيولد غدا، هذا القول لم أستنبطه من المشاهدة بل قاله لي شيخ أعرج كان يسير وراءها، ويحييه الناس التحية نفسها، وأردفه بقوله: (وإنهم يحترمونني ويحيونني لأنني فقدت ساقي في حرب السبعين، وهذا أجل نيشان أحمله أمام أمتي).

         يقول داود بركات: فتمنيت عندئذ لو فقدت رجلي في أمة ألقى فيها مثل هذا الاحترام لمن يخدمها.

         وصلت إلى ميدان (الكونكورد) ووقع نظري على تماثيل الأقاليم الفرنسية، فوجدت في كل تمثال صفحة كبيرة يكفي أن يقع نظر الفرنسي عليها ليقرأ تاريخ بلاده، فعرفت كيف يحبون بلادهم؟ ولماذا يحبونها؟

(باريس وما تتركه في نفس زائرها)(من مقال في الفصل السادس)
بقلم إدجار جلاد صاحب جريدة الزمان

         (في مدينة باريس وحدها يتحرر الفكر الإنساني، ويتجرد عن الأشكال والصبغات التي تفرغها عليه الخصومات القومية، والعداوات الدينية، ونزعات الأثرة الشديدة. هناك يشعر المرء أنه قد تسامي عن مستوي الخلافات، فلا شيء غير أفراد من البشر قد خلقوا من طينة واحدة، ولهم عقل واحد، تجمعهم غاية واحدة قد ملكت عليهم مشاعرهم، وقامت عندهم مقام العبادة، هي الولع بالعلم والفن والآداب وخير الإنسانية وهم في انصرافهم لهذه الغاية التي تؤلف بينهم يطرحون وراء ظهورهم جميع الأوهام والأساطير، ولا يبالون الاعتبارات الشخصية أو الفوارق الجنسية!

         لقد بلغ التسامح والحرية في باريس أقصي حدودهما فترى الصيني والمراكشي والأمريكي والزنجي، يتزيا كل منهم بأزيائه الخاصة ولكن أحدا لا يدور بخلده أن يسأل ما دين هذا الرجل أو ما اسم وطنه؟ أو من أي طبقة من الطبقات الاجتماعية يكون؟

         ذلك أنه ليس ثمة غير عالم واحد، هو عالم الفكر المجرد عن القيود، فيه يلتقي الناس جميعا أصدقاء متآخين.

         من هذا الأثر الذي يبقى في النفس من باريس أدركت أننا نستطيع أن نظل كما نحن وطنا ومولدا، وأن نمضي في الاتجاه الذي رسمته لنا تقاليدنا وعاداتنا دون أن ننقطع فترة عن الارتشاف من نهال الثقافة الأوربية غير المطبوعة بطابع وطني خاص، ودون أن يحول شيء بيننا وبين أن نستفيد من الثروات العلمية والفنية التي تعيننا على أن نبلغ حد الكمال بشرقنا.

         باريس اللهو وباريس الجد من مقـال في الفصل الثالث من الكتـاب بعنوان (الحياة في باريس) بقلم صاحب السعادة طلعت حرب باشا.

         (باريس عاصمة العواصم، فهي نقطة مركزية مهمة، متصلة بأهم الطرق الدولية التي تربط العواصم الأوربية، فيها المسارح يرجع عهدها إلى ما قبل موليير، أصبح المسرح الفرنسي أكثر المسارح قدرة على تصوير الإنسانية في أسمى عواطفها، وفي تحليل عيوبها دون إيذاء للنفوس الرقيقة، وإلى جوار المسارح نشأت فنون الصور المتحركة، ولباريس فضل في نشر صناعات السينما وتحسينها في العالم، وفي باريس ملاه غير المسارح، فيها القهوات والنوادي، وفيها كباريه يغني فيها المغنون.

         هذه باريس اللهو والسرور أما باريس الجد، فهي باريس العلم وباريس العمل، وباريس العلم هي باريس السربون، وباريس من حيث كونها وسطا علميا من أمتن الأوساط العلمية، وأقدرها على تكوين الملكات العلمية، وعلى تعود الإفصاح عن الفكر بترتيب هما خاصة من خواص الجنس اللاتيني، ومن خواص اللغة الفرنسية بالذات).

         وجدير بالذكر هنا أن أوضح أن تعدد الجهات والأمم التي يقصد إليها الطلبة المصريون مرغوب فيه أكثر من توجيه أبنائنا إلى جهة أمة أو دولة واحدة، لأن ذلك من شأنه أن يجعل العقلية المصرية المتعلمة في الخارج تتأثر بطابع الدولة التي تم التعليم فيها إلا لمن استطـاع أن يخرج بعقلية مستقلة وهو ما لا يكون إلا عند جبابـرة الذكـاء ولا يخفي ما يترتب على التأثر بطـابع التهذيب ( التعليم ) في دولة واحدة من الأثر الذي قد يكون غير محمود في حياتنا القومية بخلاف تنويع البلدان والدول التي يقصد إليها أبناؤنا فإنه من شأنه أن يجعل جماعات المصريين المتعلمين تعليما عاليا موسومين بسمة التهذيبات المختلفة، التي أثرت في تكوينهم العقلي، فيحدث من احتكاكهم في العمل بعد عودتهم إلى مصر اتصال فكري وعقلي يجعلهم يتقربون بعضهم إلى بعض تقربا يساعد على إيجاد عقلية مصرية ممتازة بذاتها، مستقلة في مجموعها عن أثر الدولة التي استكمل فيها المصري علومه العالمية.

         وهذه العقلية الممتزجة المستمدة من تهذيبات الشعوب المختلفة، هذه العقلية القائمة على الملكة العلمية المشتركة بين البلاد دون أن تكون متأثرة فقط بالبلدة التي تم تكوينهـا فيها، هذه العقلية التي يجب أن تكون مشتركة في طرق العلم الثابتة مع أسمي الأمم الغربية دون أن تصبغ بمميزات هذه الأمم وخواصها!

         هذه العقلية التي نريدها في شبابنا المتعلمين سامية عالية تناطح العقليات الغربية في سمو إدراكها، هذه العقلية ينبغي أن تتكون بجهود المتعلمين أنفسهم حتى تكون مصرية لا عقلية ألمانية ولا عقلية فرنسية، ولا عقلية أجنبية أخري.

         خذوا اليابانيين مثلا تروا أنهم اقتبسوا من أمم الغرب أشهر ثمرات العلوم والفنون غير أن عقليتهم بقيت دائما عقلية يابانية مشتركة مع الأمم الغربية في الأصول الثابتة من رأس المال العقلي العام، ولكنها عقلية مستقلة، وثقافة مستقلة!

تعقيب

         من كل هذه السطور الجميلة تصلنا رسالة طلعت حرب، واضحة قوية منذ ما يقرب من مائة عام فيما مازلنا نختلف بشأنه حول ماذا نأخذ وماذا نترك من الحضارة الغربية أو غيرها من الحضارات؟

         فطلعت حرب يفرق بوضوح بين ما يسميه مرة (الملكة العلمية المشتركة بين البلاد)، (والتي يجب أن تكون مشتركة في طرق العلم الثابتة مع أسمى الأمم الغربية) وبين الثقافة التي تنشأ في كل أمة وفق ظروف البيئة والتاريخ، وثمرة لتفاعل الجماعة البشرية مع المكان وعبر الزمان، فالملكة العلمية هي التي تنتج العلم الذي ينتج الحضارة التي تشترك الدنيا كلها في الإفادة منها وفي إنتاجها، أما الثقافة فتتجلى فيها الصفات الخاصة للأمم والشعوب، لأنها تعبير ومواءمة في وقت واحد عن الاحتياجات الروحية والنفسية والمادية للأمم والشعوب والتي تتنوع وتختلف وفق البيئة والتاريخ، ومن هنا فإذا كان من الطبيعي أن نشترك مع الحضارة الغربية في كل ما هو علم فإنه من الطبيعي أيضا أن نحافظ على خصوصيتنا فيما هو ثقافة.

         ولكن أروع ما في نصيحة طلعت حرب هو التفاتته الوثابة إلى أن هذه الثقافة التي يجب أن نحافظ على خصوصيتها ليست أبدا معطى ثابتا وجاهزا يأتي من الماضي، مما نرثه عن الأجداد، ولكنه كيان حي نام ومتجدد يتكون بجهود المتعلمين أنفسهم وبخاصة أولئك الذين تلقوا تعليمهم العالي في أمم أوربية مختلفة، والذين تأثروا - على حد تعبيره - بتهذيبات مختلفة وعادوا إلى العمل في بلدهم، ومن خلال احتكاكهم في العمل بعد عودتهم يحدث بينهم اتصال فكري وعقلي يساعد على إيجاد عقلية مصرية ممتازة بذاتها، مستقة في مجموعها عن أثر الدولة التي استكمل فيها المصري علومه العالية، لأن هؤلاء المصريين يكونون أقدر من غيرهم على إدراك معنى نسبية الثقافة!

         هذه معالم الطريق إلى مفهوم عالمية العلم وخصوصية الثقافة، وإلى تكوين خصوصية ثقافة مستقلة، ونامية في الوقت ذاته، فاستقلالية العقل لا تأتي من انعزاله عن الآخر بل من خلال حواره واحتكاكه بأكثر من آخر ثم العودة إلى الوطن للمشاركة في عمل مشترك يحتاجه هذا الوطن، ويعمل فيه أبناؤه الذين نهلوا من منابع علمية وثقافية مختلفة، فيستجيب كل واحد منهم لخدمة العمل في وطنه بلمحة من أفضل ما تعلمه في الخارج!

         أليس من المدهش أن يكون أول من قدم لنا هذه الرؤية البصيرة في معنى نسبية الثقافة هو رجل الاقتصاد طلعت حرب؟!


الصفحة الرئيسية للجلسة