أبحاث الفترة الصباحية الثانية ليوم الإثنين
رئيس الجلسة: أ.د. منصور بو خمسين أستاذ التاريخ الأوربي الحديث ـ جامعة الكويت
ذكريات لم تنتهِ
للفنان: أمين الباشا
ابتدأت بالرسم منذ العاشرة من عمري، كانت الألوان والموسيقى من مكوّنات عائلتي. أبي هاو كبير للموسيقى والطرب الصحيح. خالي رسام وموسيقي. شقيقي يحب الرسم لكنّه اتجه إلى الموسيقى. أنا كنت أحب الموسيقى ومازلت، لكنّي اتجهت إلى الرسم. أول نشاط لي في الرسم هو مرافقة خالي إلى الجبال وشواطئ بيروت، أحمل له علبة الرسم الخشبية التي كان يصنعها هو بيديه. أذكر يومًا كنّا في منطقة جبلية، أعتقد أن المكان قريب من فالوجا. ولم أكن أتجاوز العاشرة من عمري، وبعدها عشرات من السنين مرّت ومازالت تمرّ، وأنا مازلت أندهش كلّما أرى نور الصباح وكأني أراه للمرة الأولى.
ابتدأت مع خالي بالموسيقى، بالتعلم على عزف الكمان، وكان عازفًا مشهورًا ومؤلفًا. لكني لم أدم طويلاً، إذ كنت أرسم في حلمي وألوّن وأنا سائر، إلى أن أتى يوم، تجرأت بالطلب إلى خالي أن يعطيني بعض الألوان والفراشي، هذا بعد أن هربت من دروسه الموسيقية، نصحني بالذهاب إلى سوق (أبي نصر) وهو سوق العطّارين في بيروت في ذلك الوقت، لشراء بعض الألوان المطحونة (البودرة)، وعلّمني كيف أمزجها بالماء أو بالزيت، وكان أول ما لوّنت هو قباقيب حديقة البيت.
في هذه المرحلة كنت أحوم حول مكتبة البيت المتواضعة وكأني سُحرت بالكتاب وصفحاته وبما يحتوي، فانكببت على قراءة ألف ليلة وليلة، ودواوين من الشعر والتاريخ، وكنت في الوقت ذاته أنقل جملاً تروق لي من هذه الكتب، ثم ابتدأت بالذهاب صباحًا إلى قرب البحر وأجلس متطلعًا سابحًا بخيالي، متصوّرًا نفسي شاعرًا وموسيقيًا ورسامًا وكل شيء، إلى أن أعود إلى البيت وتعود لي صورتي الحقيقية، الصبي الذي لا يعلم ما يحب وما يهوى.
في ذلك الوقت أرسلت أول قصة كتبتها ولم أكن أتجاوز الخامسة عشرة إلى مجلة (الأحد) التي كان صاحبها المرحوم رياض طه، وكم سعدت عندما رأيت اسمي يلمع على صفحة المجلة والقصة بعدة صفحات، تروي حياة موسيقي.
لكن الألوان كانت - ومازالت تحرّكني -، وكنت أستريح من الكتابة في الرسم، وأستريح من الرسم في الكتابة، إلى أن تغلّب الرسم على الكتابة، لكنها لم تزل حيّة فيّ.
في بيروت كان يعيش في الخمسينيات رسّامون أجانب كُثر، وكنت أفضّل منهم أعمال )ستيفان لوكوس( الرسام الهنجاري الذي تعرّفت عليه وطلبت منه أن أكون أحد تلاميذه، وهكذا كان، وكنا عشرة تلاميذ أو أقل وكلّهن من النساء ما عداي طبعًا. زوجة رئيس الجامعة الأمريكية، زوجة سفير إنجلترا وسيدة من السفارة الفرنسية وغيرهن، وكنت أنا الممثل الوحيد للبنان. كنا نخرج مع الرسام لوكوس إلى الطبيعة مرة في الأسبوع الساعة العاشرة من كل يوم أحد، وبقيت معه ستة أشهر، أي حتى تركه وعائلته بيروت مهاجرًا إلى أمريكا. بعدها دخلت إلى الأكاديمية اللبنانية، قبلها كنت أرتاد المقاهي الشعبية في ساحة البرج، وكنت أرسم فيها بالحبر وبالأقلام الملوّنة أو بالأكواريل، وأعتبر أن المقهى الشعبي البيروتي هو مدرستي الأولى، ومازالت مهمّة وضرورية لمداومة عملي الفني اليومي، فعندما سافرت إلى باريس تابعت الرسم في المقاهي وكان خروجي من مرسمي هو للدخول إلى مرسم أوسع أي المقهى...الشارع...الناس. وإن لم أكن أرسم في بعض الأوقات لكن نظري كان يرسم وحركات سرية لأصابع يديّ ترسم دون أن يشعر بها أحد سواي.
أول معرض اشتركت فيه في (صالون الربيع) السنوي في بيروت، نلت جائزة وللعرض السنوي التالي نلت جائزة السفارة الفرنسية للدراسة لمدة أربعة أشهر في باريس، وكدت أطير من الفرح ومن الخوف معًا، كنت أتخيّل نفسي في باريس ذلك الوقت، لكن تحقيق هذا لم يكن في الحسبان، وعندما تحقق اعتبرته حدثًا فيه تبدأ مغامرتي مع الفن...مع الحياة.
الأسابيع والأشهر الأولى في باريس كانت صعبة للغاية، المنحة لم تصل وحرب أهلية وقعت في لبنان عام 1958 وصار كل ما كنت أحلم به حلمًا مخيفًا جعلني أصادق وحدتي وأتدبّر في عيشٍ صعب، فكنت ألجأ إلى الرسم في الشوارع وفي بعض المقاهي والحدائق، وفكرة كانت تراودني وهي العودة إلى بيروت حالما أستطيع. بعد مضي أشهر صرت أدخل أكثر في عمق باريس إلى أن أصبحت فجأة متعلقًا بها، بعد أن اكتشفت كنوزها الفنية في المتاحف وصالات العرض ومسارحها وحفلاتها الموسيقية الكلاسيكية.
وبعد مضي الشهور الأربعة بقيت في باريس إذ شعرت أني رسام باريسي، عندما رأيت أن باريس الفنية خلقها فنانون أجانب، وأنها تفتح ذراعيها لهم وتستقبل من يعطيها نفحة جديدة منه ويزيد من غناها.
زرت مرارًا المدرسة الوطنية العليا للفنون الجميلة في باريس، وكان من شرط منحة الشهور الأربعة أن أُسجل فيها، لكن أجواءها وتعليمها لم يروقا لي، ورأيت أن ما تعلّمته في بيروت وما رسمته في المقاهي أكثر أهمية ويتخطّى ما هو حاصل في تلك المدرسة العريقة، لكني تسجّلت فيها، وتسجّلت في (الجراند – شوميار) في مونبارناس، الذي كان يرتادها موديجلياني وكثيرون فيما مضى، وبقيت فيها وقتًا غنيًا وجميلاً، إذ صادف أن سكنت في غرفة تطلّ على هذه المدرسة، وأرى من نافذتي مقهى (الدوم) المشهور، ملتقى الكتّاب والشعراء والموسيقيين ذلك الوقت والرسامين، وعلى رأسهم بيكاسو ومَن عاصره، ومن الموسيقيين أذكر المؤلف أريك ساتي، الذي كان يأتي سيرًا على قدميه من ضواحي باريس البعيدة. ومن الكتّاب أذكر همنجواي.
لقرب مرسمي من مقهى (الدوم) كنت آتي إليه مرارًا كثيرة نصف الليل وأمضي الساعات في رسم أجواء المقهى وناسه، وهكذا تلوين في الرسم ورسم في المقاهي وضياع في أحياء الحي اللاتيني و(مونبارناس) والبحث سيرًا على صالات العرض المهمة، وأكثرها كان مهمًا عكس اليوم، ثم زيارة المتاحف والتعرّف على ثقافات وفنون العالم، إلاّ أني كنت أرتاد متحف (اللوفر) يوميًا تقريبا وأكثر ما أحببت من المدرسة الفرنسية لوحات Courbet كوربيه، وشاردان Chardin وcorot وغيرهم، ثم اكتشفت أعمال ليوناردو دافنشي ورامبرانت الهولندي والمدرسة الطليانية والألمانية. ومن الصعب تعداد ما أحببت من أعمال فنية التي كنت أبقى أتفحّص اللوحة وأقترب منها لأرى لطشات الرسم وألوانه ومزيجها إلى أن يتعب نظري وأفرّ من المتحف وكأن أحدًا يلاحقني. المتاحف وصالات العرض كانت لها أهمية أولى إذ اكتشفت أن باريس الفن هي المتحف والمعارض الحديثة في الصالات. وكان اهتمامي مشتتا ما بين ما أراه في اللوفر وما أراه في متحف الفن الحديث وصالات العرض galeries، وهذه التأثيرات كانت تشدّني وتكاد تمزّقني وتمزّق أوراقي ولوحاتي المتواضعة، لكني في الوقت نفسه أحاور كل ما أراه من الأعمال الفنية المتناقضة والمختلفة في عصورها ومدارسها، والأمم التي خرج الفنانون منها، لكنها كلها كانت تنسجم في تعبيرها الجمالي وغناها الروحي.
ذات يوم قال لي معلمي الطلياني Manetti في الأكاديمية اللبنانية في بيروت وهو ينظر إلى بعض أعمالي: إنها تذكّره بأعمال راؤول Dufy لهذا عندما دخلت أول مرّة إلى متحف الفن الحديث في باريس بحثت عن Dufy الذي لم أكن أسمع به من قبل، فرأيت ما كان يقصد مانيتي، إذ هناك شبه بين أعماله وأعمالي، خاصة الأكواريل - المائيات. ثم اكتشفت أعمال بيكاكسو وماتيس وروو Rouault وأعمال الذين عاصروهم وهم كثّر، ثم دُهشت بالانطباعيين، بمونيه Monet وManet وسيسليه وغيرهما، لكن الذي استولى على كل اهتمامي هي لوحات بول سيزان Paul cezanne المعلّم الكبير الذي فتح أبواب ونوافذ واسعة للدخول في نظرة جديدة وصنع لوحة متحفية، وهو الذي أثّر بكل القرن العشرين ومازال الكثيرون يسيرون على درب عبّده هو بدراسته للنور في الطبيعة ولبنائه لوحة متينة يفوح منها عطر أنوارها وظلالها.
في الوقت نفسه، وعند زياراتي المجنونة، أو جنوني في الركض من متحف إلى متحف اكتشفت فنون الشرق الأقصى، وبقيت آتي إلى المتاحف المختصة بهذه الفنون وأمضي الساعات أتطلّع وأضيع في الضباب الملوّنة والأغصان والطيور المرسومة بواسطة الحبر الصيني أو التلوين المائي.
التأثير إذن كان كليًا لكل ما أراه وأرتاح إليه وأحسّه، من الفن الكلاسيكي إلى الرومانطيقي، إلى الحديث، فلم أرَ فرقًا في هذه الفنون وهذه العهود سوى فارق العمر، وهذا ما يذكّرني بما قاله الموسيقي الطلياني Joseppe Verdi عندما سئل: ماذا تفضل من الموسيقى الكلاسيكية أم الرومنطيقية أم الحديثة؟ فأجاب: إن هناك نوعين من الموسيقى، الموسيقى الجيدة والموسيقى غير الجيدة، أنا مع الأولى، قال Verdi.
في هذا الخضم من التأثيرات في باريس أواخر الخمسينيات، ووجودي في هذه الأجواء الفنية والثورية في الفن، والتي وبعد مرور السنوات، أشعر أني من ضمن هذه المرحلة الباريسية الثرية بأفكارها ونشاطاتها الفنية التي جعلت منها عاصمة الفن العالمي، حيث نرى فنانين متعلقين بالفنون الكلاسيكية، وآخرين متعصّبين للفن الجديد، أعني به التجريدية، وفنانين بين هذين الشكلين من الفن، أي بين التعبيرية والانطباعية، وفنانين فولكلوريين، أكثرهم من العرب الذين وقعوا في الفولكلورية عندما أرادوا العودة إلى التراث، وكأن الإنسان يستطيع أن يعود إلى الوراء، وكأن التراث ينتظر من تأخر عن قطار عصره، فركب قطار الماضي، قطار التراث وأنا حبًا للتراث واحترامًا له، أنظر إليه لأكسب من ماضٍ معبّر عن عبقرية التاريخ وغناه، وفي الوقت نفسه أسير في طريقي لعلّي أسير سويًا وأصل إلى تعبير شخصي نابع من ماضيّ تلقائيًا، ومكمّل لسلسلة تراثي الغني، وغير ناقل عاطل له، وهذا ما يذكّرني برسامين عرب، أخذوا من الحرف العربي مخرجًا سهلاً لخلق لوحة تراثية عربية، والنتيجة أنها لم تكن عربية ولا تراثية، هنا لابدّ من ذكر بول كليه Paul Klee الرسام السويسري الألماني الذي أحسّ الحرف العربي والهندسة الإسلامية، فكان الحرف في لوحته شكلاً جماليًا غربيًا بحتًا، عندما تعرّفت على رسومه ومائياته وزيتياته، أصبحت لا تفارقني ليل نهار، وقد أثّرت بي وبرسمي خاصة عندما قرأ يوميّاته التي تعدّ أجمل ما كتب في هذا المضمار، التي جمع فيها أيام طفولته، وحبه للموسيقى والرسم، ثم سفره إلى تونس، حيث تسأل عند وصوله إذا كان من أصول عربية، قائلاً: الآن أشعر أني رسام، لقد وجدت اللون، وكان كمن يودّع مرحلة من حياته ليدخل في مرحلة جديدة كان يبحث عنها، وأصبح بول كليه كأحد معارفي، فأدخلته ضمن أقربائي، إذ كان شبيهًا باثنين كانا لهما بعض الفضل عليّ، الأول خالي خليل مكنيه الذي كما قلت سابقًا، كان عازفًا للكمان ورسامًا، وستيفان لوكوس الذي كان أيضًا عازفًا للكمان ورسامًا، وبول كليه العازف الأول في أوركسترا سمفونية ورسام. تُرى هل هي الصدف، أم أن شيئًا سحريّاً أو لغزًا يقرّب ما بين أناس جمعوا النغم واللون ليكونا المعبريّن عما يجيش في نفوسهم من توق إلى الجمال السامي الحامل الحق والخير... ألا وهو الفن؟
في هذه المرحلة، كنت تحوّلت إلى التجريدية، أي الصورة التي لا تمثّل أشياء الطبيعة، وصارت لوحتي تمتزج فيها الأشكال الهندسية باللطخات الحرّة القريبة من لطخات الانطباعية، وكنت أرسم وألوّن على أحجام صغيرة خشبية أو على قماش، كذلك في الرسوم التخطيطية بالحبر أو الأقلام الملوّنة أو الأكواريل، فكانت هذه المواد تجبرني على مزج أشكال الطبيعة بالأشكال التجريدية، وهذا على ما أعتقد لمداومتي لرسم الإنسان في المقاهي وفي الشارع وعدم استغنائي عن ذلك، ولم أرَ تناقضًا في هذا، لكني كنت دائمًا في عراك مع نفسي بين ما يجب اختياره من هذين النوعين من التعبير الفني، التجريد أو عدم التجريد، على كلٍ فأنا لا أفرق بينهما، لأن النظرة الصحيحة إلى اللوحة، ليست لموضوعها وعنوانها بل لتأليفها وألوانها وما تتركه من أثر في نفس المتلقي. لهذا لم أرَ هنا سوى ترك مزاجي في حرية التعبير. لم أتّبع ما هو سائد ذلك الوقت في باريس، فكان في عملي تناقض بين طريقتين كانتا الحوارات السائدة في المقاهي والصالات والصحف: التجريد وعدم التجريد abstrait ou figuratif. وفي لوحتي كان يسود نظام يجمع كل هذه التناقضات ومنها تولد لوحة لها نوعًا ما شخصية معينة.
لم يكن التجريد في مفهومي مفهومًا غربيًا خالصًا، بل إن الأشكال الهندسية والزخرفية الإسلامية كان لها مكان في مخيلتي وإحساسي، فكنت عند رؤية هذه الأشكال التي سماها الغرب Arabesque أرابسك، أنسحر في أشكالها وتنظيمها وألوانها، وكانت ومازالت تروي لي أجمل القصص وأجمل الأنغام ولكن بواسطة العين وليس بواسطة الإذن، وهذا الفن هو الذي أثّر على فن (ماتيس) كما يقول هو، وماتيس من كبار رسامي القرن العشرين أو أكبرهم، كنت في هذه المرحلة أتنقل من التجريد الغربي إلى التجريد الهندسي الإسلامي وكأن لوحتي بنيت بفكر غربي وبروح شرقية.
بعد هذه المرحلة، أتت مرحلة لم تدم طويلاً، إلا أنها أدخلت بعض الرضا مني وبعض الفرح في نتائجها، وهي التعبير السريع بواسطة الألوان الزيتية، وعلى مساحات صغيرة ومتوسطة على أقمشة مهيأة لذلك، وهي الرسم التلقائي والسريع الذي أعبّر فيه عن فكرة أو نغمة أو صوت أو منظر أو ذكرى، ولا يدوم رسم اللوحة أكثر من دقائق، أتت هذه المرحلة ذات صباح من ربيع 1965، عندما تحوّلت ألوان باريس من الرماديات إلى ألوان زاهية، ارتسمت على وجوه الناس فأصبح الشارع وكأنه مسرح للهو والفرح، فرأيت أن لا أضيع فرصة التعبير عن هذه البهجة، ثم بعدها تتالت اللوحات، وتتالت المواضيع في رأسي التي كانت هي المحفّز لأن أعبّر بالألوان عما كان يجيش في نظري وفي إحساسي، قلت إن هذه المرحلة دامت بعض الأشهر، أشهر الربيع الذي مضى تاركًا بي أثرًا منها. ثم تمضي الأيام والسنون، وأعود إلى بيروت حاملاً معي ابنتي وبرفقة زوجتي. دخلت أستاذًا للرسم في مدرسة ثانوية في بيروت، وكنت أكاد أن أجن في الأسابيع والأشهر الأولى، لكن وجدت بعدها في تعليم الفن فائدة كبرى، إذ استفدت من ناحيتين، الناحية الأولى اكتشفت نفسي في استنباط طرق لتعليم الثانويين الذين لا صلة لهم وبتربيتهم بشيء اسمه الفن، والناحية الثانية هي تعليم الطالب أن يحترم النظام أو يتعرف عليه، وتحملت كثيرًا لهذا. عندما رأيت صعوبة قبول الطلبة بتعلّم الرسم وعدم رغبتهم بذلك، ضممت إلى ساعة الرسم الموسيقى الكلاسيكية، والسينما، فكنت أطلب من الطلاب أن يروا فيلمًا معينًا لنتكلم عنه في المرة القادمة. وكنت أحكي لهم عن حياة الموسيقيين واسمعهم بعض أعمالهم، ثم أعود إلى الرسم وأخبرهم أني لست مؤهلاً لأن أجعل منهم فنانين، وأن الفنان تولد معه موهبة الفن، ثم تصقل فيما بعد، وأخبرهم أن كل تخصص علمي يكون ضمن برامجه الرسم، ابتداءً من الطب والهندسة والتزيين، مبينًا لهم كل ما نستعمله في حياتنا اليومية من موجودات المطبخ إلى غرف النوم إلى الشارع هو من صنع رسام Designer، بعد أن أمضيت وقتًا عصيبًا مع الطلبة في الأشهر الأولى، أصبحت بعدها صديقًا لهم، ولمست فيهم تغيرًا كبيرًا، كان أثمن مما كنت أقبضه آخر الشهر من هذه المؤسسة التي تركتها بعد أن طُلبت إلى معهد الفنون وإلى الأكاديمية اللبنانية، وكانت تجربة لي جديدة فنيًا وإنسانيًا، حيث أني لم أكن أتصوّر أن أكون أستاذًا في معهد الفنون، وأن شبانًا وشابات يصغون إلى شرحي ونقدي وتفسيري لأعمالهم، ولما مضت بعض السنوات وأنا في معهد الفنون للجامعة اللبنانية، وعندما رأت الإدارة وبقية الأساتذة نجاحي في التعليم ورغبة الطلبة لأن يكونوا في مرسمي، أخذت الحزازات تحوم حولي من الإدارة ومن الأساتذة وكل فريق له غاياته من خلق هذه الحزازات، وقد أُبعدت عن التحكيم في سنوات الدبلوم لعدم انتمائي إلى الحزبية الطائفية التي أوقعت لبنان في حرب ليست كالحروب.
عند ابتداء الحرب في لبنان، دُعيت إلى إيطاليا إلى مؤسسة فنية Educavi centro maesta كانت تضم فنانين مشهورين وكنت الفنان العربي الوحيد. من فنانيها كورناي Corneille وبور غونزوني Borgonzoni ومن زوار هذه المؤسسة Cesar سيزار النحات الفرنسي، Alechinsky اليشنسكي، والجدير بالذكر أن كورناي واليشنسكي هما من مؤسسي حركة Copra كوبرا المشهور، وقد أمضيت سنين في هذه المؤسسة وكنت أعمل تسع عشرة ساعة في اليوم حسب قول كورناي، وكان الرسم ملجأ لي لإبعاد الوساوس والأرق والقلق عما كان يجري في لبنان حيث عائلتي المؤلفة من زوجتي وبناتي الثلاث تحت القنابل المنوعة وذات الجنسيات المختلفة.
أقامت لي المؤسسة الطليانية معرضًا لبعض أعمالي التي لم يكن فيها أثر للحرب، هذا ما جعل الكثيرين يستغربون لرؤية معرض يعبر عن الطمأنينة والهدوء والفرح لرسام من لبنان، ولبنان يحترق على شاشات التلفزيونات العالمية، هذا هو الموضوع الذي نوقش بعد انتهاء الافتتاح، حيث طلب الرسام الطلياني Borgonzoni من الموجودين حول طاولة عشاء ضمت أساتذة أكاديميين وفنانين ونقادا طليان وفرنسيين وهولنديين، طرح هذا السؤال عن الفن والتعبير عن الحرب. كان جوابي بعد حوار أن الحرب هي حدث مرحلي، يبدأ ثم ينتهي وأنها صورة عن الفوضى والموت، أما الحياة فتمضي وتسير سيرها، والطبيعة تكتمل فصولها بتناغم مع الإنسان وفصول عمره، والحرب تُحارب بالنظام الذي هو من أساس العمل الفني، فلا من حيث لا نظام، ثم إن بناء اللوحة هي عملية يمتزج فيها العقل بالقلب، أي الذكاء والاحساس، ولا يجتمعان إلا في نظام ووضوح، وقلت متابعًا: إذا لم أعبّر عن صور الحرب والدماء فلأني أرفض أن يكون الفن مرآة للمجتمع، بل صورة مثلى للمجتمع، والحرب بغضٌ والفن محبة. لكن هذا لم يمنعني من رسم يوميات الحرب، وكادت أن تنشر في إىطاليا، وقد دعت المؤسسة الكاتب في الفن المشهور أندريه Verdet، وقد بقينا معًا أسابيع، ورأى أن الحرب في رسومي فيها تعبير جمالي يطغى على تراجيديا الحرب، ورأى أيضًا أن يكتب عن الرسوم كما كُتب عن رسوم الأسباني (جويا)Goya وهذا ما وافقت عليه، إلا أن حادثًا فكريًا وسياسيًا حال دون طبع الكتاب.
عند عودتي النهائية من إيطاليا إلى بيروت، وإنهائي العقد مع مؤسسة Maesta واعتذاري عن تجديده، وكانت الحرب مازالت مشتعلة، انكببت على الرسم، ورأيت كأني وراء متراس مدافعًا عن مدينتي وكانت القنابل تنهال من كل صوب ليل نهار، وكان سلاحي هو الرسم والتلوين، وكنت أحاور العديد وأنا أرسم وأقول له إن قنابله النظيفة التي يسقطها من طائرته بواسطة زر لميع براق لن ينال مني لأني أعبر عن الحياة في فني، والحياة أقوى من الموت، وكثيرون مثلي كلٌ باختصاصه يدافع بواسطة السلاح الذي يحمله، بالبندقية، بالريشة، بالقلم، بالنغم، بالكلمة، وكثيرًا ما كنت أرفض ترك طاولة الرسم لألجأ إلى مكان أمين، وكنت أعجب من نفسي تلك المرحلة، إذ كنت هادئًا في رسمي، ومواضيعي مازالت تعبّر عن الفرح، ولم أقصد هذا، لكني رأيت أني أرسم ما أتمنّاه وما أصبو إليه وما أريده لبلدي أن يكون، ولبنان غارق في فوضى حرب أصبحت مملة لتكرارها وبشاعتها، لهذا فرسمي كان نقيض الفوضى ونقيض البشاعة. هذا ما كنت أتمناه.
من المحال أن يبتعد الفنان عن مجتمعه، ليس هناك فن حيث لا يوجد فنان، والفنان هو فرد من أفراد مجتمعه، وهو الأكثر إحساسًا بما يجرح الوطن وما يفرحه، العمل الفني يتأثر تلقائيًا بأجواء المجتمع، يقبل به أو يرفضه، وفي كلتا الحالتين فهو متأثر به، ولا يعني التأثر هنا أن يكون الفنان مرآة مجتمعه، الفن هو تعبير عمّا يصبو إليه الفنان من خير وحق وجمال لذلك الوقت، وأراني أكرر ذلك، لهذا فعلى العمل الفني أن يكون نقيض الواقع وأفضل حالاً منه.
لابد من قول شيء في الكتابة عن الفن، كلما أردت أن أقول شيئًا أو أكتب في الفن، أتردّد، لأني أشعر أن الكتابة في الفن تنزلق نحو الكتابة الأدبية أو الفلسفية، لهذا أرجو أني لم أخرج كثيرًا عن التكلم في الفن.
الخلاصة أني مازلت أعمل للوصول إلى مكانة فنية يثق بها إحساسي وأقبل بها علمًا أن الوصول إلى نتيجة ما في الفن كالسّراب، كلما اقتربت منه، بَعد عنك، ولعلّ هذا ما يجعل من الفن طريقة حياة، الحياة كلها دون أن يصل الفنان إلى مخرج يريحه من البحث أو يوصله إلى مكان ما.
وأنا كلما بعدت في سيري بحثًا وعملاً، تضعف ثقتي وكثيرًا ما تضيع، فأقع في حزن ووحدة، وأراني بعدها أعود إلى ألواني مبتدءًا بالرسم كأول يوم في حياتي رسمت ولوّنت فيه.
الصفحة الرئيسية للجلسة