افتتاح الندوة
كلمة معالي وزير الإعلام
كلمة رئيس تحرير العربي
كلمة الضيوف
كلمة المكرَّمين
المكرَّمون

اليوم الثاني
الجلسة الصباحية الأولى
الجلسة الصباحية الثانية
الجلسة المسائية الأولى
الجلسة المسائية الثانية

اليوم الثالث
الجلسة الصباحية الأولى
الجلسة الصباحية الثانية
الجلسة المسائية الأولى
الجلسة المسائية الثانية
الختام


تغطية العربي للندوة
تغطية الـBBC


أبحاث الفترة الصباحية الثانية ليوم الإثنين
رئيس الجلسة: أ.د. منصور بو خمسين أستاذ التاريخ الأوربي الحديث ـ جامعة الكويت
رسامو مصر
و(الرحلة الباريسية) في القرن العشرين
أشرف أبو اليزيد

         لسنا نأتي بجديد حين نرى في باريس أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين ما رآه رسامو العالم من كونها كعبة الفن وقبلة الفنانين. والأسباب أوضح من أن تُسرد: فمن كان يرد هذه المدينة صغيرًا في ميدان الفن، لا يغادرها إلا وهو من أعلامه.

         لقد كان في انتماء باريس آنذاك للعالم أكثر من كونها عاصمة فرنسية أثر كبير في جرأة من تبنتهم، فخرجوا من الاستوديوهات المغلقة إلى الفضاء المفتوح، ومن الأضواء الصناعية أو تلك التي تتسلل خائفة من زجاج النوافذ إلى الأنوار التي سكبتها الشمس في الحقول والمروج. بل وحررت باريس - لغير رجعة - شخصيات اللوحة من الإطار الديني الكنسي الساكن لتقدم راقصات الباليه، ونزلاء علب الليل، وجلوس المقاهي، ولاعبات السيرك وزائري الحدائق. وهي الموضوعات التي حررت بدورها باليته الألوان مما هو أكاديمي محفوظ إلى ما عرفناه فرديا وفريدا.

         ولم يكن الرسام الباريسي - مقيما أو زائرا - ينجو مما تثيره الأجواء الباريسية حوله، مؤلفات وبيانات وحركات نقد وثورة ومعارض فن وصالونات أدب ومتاحف كثيرة وسينما واعدة، حتى لو كانت حين يمسها الفن تصاب بالسوريالية. والخلاصة أن القضايا الفنية كانت أكثر إثارة مما هي عليه الآن، لأن الفن في باريس بشكل خاص وأوروبا بوجه عام أصبح نمط معيشة ينخرط في الحياة العامة مثلما تنخرط الآن السياسة والسينما والرياضة وسواها. أليست هذه الأمور ما يدور حولها الضجيج اليوم؟ هكذا كان الفن في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين.

         وجدنا في باريس كيف حرق الفن معطف السطوة الدينية، ومزق خيمة الحكام، وهرب من أسوار الشهادات الأكاديمية، وألقى بنفسه خارج القصور، هابطا من جنان عصور النهضة، إلى جنون العصور الحديثة. ولم يعد الفنان يسعى إلى رعاية خارج إطار عمله، فمنهم من لقي حتفه جائعا مريضا ومنهم من كان ينتظر! ولم ينجُ من هذا الأتون سوى قلة محظوظة نعمت في حياتها بما أصبح عليه الفن اليوم من ثروة مادية لم يكن ليحلم بها صانعها وتاركها قبل مائة عام.

         ولا يكاد اسم مصري في معجم الفن لم يشرب من نور باريس أو يظمأ تحت نارها. وحين أختار مجموعة قليلة منهم في هذه الورقة فإنما لأطرح النموذج، ولست أضع القاعدة. فانتهاك القواعد عمل من أعمال الفن، والدعوة إلى حرية التمرد عمل من أعمال النقد. وحين أكتب عن (الغرب بعيون عربية) عند أحمد صبري ومحمود مختار وجورج البهجوري وعدلي رزق الله في باريس فإنني أدعو زملائي للحديث عن باريس رمسيس يونان، ومحمد ناجي، وحامد عبد الله، وإيهاب شاكر، وآدم حنين، وتحية حليم، وفؤاد كامل، وسمير رافع وزكي قدري وفاروق حسني، ويوسف فرنسيس وسمير مجلي، وعمر النجدي وسيد عبده سليم وممدوح أنور وعبد الرازق عكاشة وسواهم.

         ويأتي اختياري لأسماء هذه الورقة تحت سماء أكثر من سبب، فنحن هنا لا ندرس الفن الذي تركه لنا هؤلاء قدر دراستنا للأثر الأدبي الذي رسم صورة هذه الرحلة. وهذه الورقة لا تقدم قراءة نقدية في أعمال مختار وصبري وبهجوري ورزق الله التشكيلية، وإنما هي سبر لما كتبه هؤلاء عن تلك الرحلة الباريسية. ولذلك نحن ننتقل من نقد الفن إلى علم اجتماع الفن.

         لكن ذلك ليس وحده سببا، وإنما لكون هذه الأسماء قد خبرت باريس في مرحلتين مغايرتين تماما، بينهما مسافة زمنية تبلغ أكثر من ستين عامًا، ومن هنا سيتسنى لنا التعرف على باريس خلال تلك الخريطة الزمنية، والإجابة عن سؤال التحول التشكيلي الذي مر بها أو عصف بزائريها الفنانين. رزق الله وسيرة باريس تبدو أهمية قراءة كتب السيرة الذاتية بالغة، فأدب السيرة الذاتية في عالمنا العربي شحيح في دفقه، وهو قليل في عالم الأدب إن لم يكن نادرا، وغير موجود في عالم الفن في وطننا العربي. وهنا نقصد السير الذاتية التي تستحق التدوين، على طريق أيام طه حسين، وأصداء نجيب محفوظ، ورحلة فدوى طوقان الجبلية والصعبة، ومشارف خمسين صلاح عبد الصبور، ومذكرات لويس عوض طالب البعثة، وغيرها. وما أكثر كتابنا وفنانينا الذين غافلونا ومضوا دون أن يتركوا لنا مثل هذا الكنز الأدبي الرفيع. والذي قد يعود في معظمه إلى البيئة المحافظة للفنان العربي، تلك البيئة التي تفرض الصمت عليه، وهنا تأتي هذه الاستثناءات التي أعرض لها، والتي تخرج من عباءة الصمت في أكثر من مقام.

         وما يعنينا - بداية - في هذا المقام السيرتان اللتان صدرتا للفنانين التشكيليين جورج البهجوري وعدلي رزق الله وبهما إشارات وافاضات عن رحلتهما الباريسية. وقد اتفق رزق الله والبهجوري على كون الرحلة الباريسية قد جعلت مرحلة ق. ب (قبل باريس) غير المرحلة بعدها. ومثلت باريس لكليهما بداية مختلفة، وميلادا جديدا.

         فبعد أن وصل رزق الله إلى باريس وفي حوزته عشرون فرنكا، هي كل ما تبقى لديه من المائة فرنك و33 دولارا المسموح بخروجها من مطار القاهرة (مطلع السبعينيات)، رسم الفنان 100 لوحة صغيرة، في ثلاثة أيام. ودَعت صديقته نيكول إيتير - التي نزل ضيفا عليها - الأصدقاء لمشاهدة عدلي الذي حدثتهم كثيرا عنه، وذهلوا بجمال ما رسم عدلي، وجنوا أكثر عندما عرفوا أن السعر المطلوب للوحة هو ثلاث فرنكات فقط، وكانت البداية التي قادته من نجاح فني إلى نجاح على مستوى تسويق عمله. عمِل الفنان يوميا وبشغف، وبهجة، كالمسحور المأخوذ يسأل نفسه: هل جاءني الفن أخير؟

         ولعل تلك الرحلة هي ما جعلت رزق الله يعنون سيرته (الوصول إلى البداية في الفن والحياة). يقول: كانت رحلتي الباريسية التي استمرت خلال السبعينيات كلها ذات وقع كبير على قلب وعيون فنان لم يجد طريقه بعد. شراهة في التلقي وخوف على الذات من أن تضيع وسط ذلك الزخم والثراء الذي لا حدود له. كان الخوف على الذات ضرورة لها ميزاتها وعيوبها، أما رحلتي الثانية فقد كنت فيها الفنان الذي وجد طريقه وزال عني حينئذ الخوف بعيوبه ومزاياه أيضا.

         وهو حين يتأمل أحد المتاحف الخاصة يقول: طالني الشجن بعد المتعة وسألت نفسي هل يقتحم أثرياؤنا في مصر هذا المجال بحيث نحتفظ ونوثق تاريخنا، سأهدي هؤلاء أسماء لا تقل في القيمة عن مايول، لهم كل الشكر إن فعلوا، راغب عياد، حامد عبد الله، تحية حليم، كمال خليفة، (عبد الهادي) الجزار، رمسيس يونان، فؤاد كامل وآخرين كُثر.

         إن باريس ليست عقدة نقص في مخيلته الكتابية، ولا يزال موقفه من الغرب موقفا نقديا، (فلا تتصوروا أنني أهلل أو أرغب في اتخاذ موقف رومانسي مثلما فعل المثقف الليبرالي المصري حينما اجتاحته الثقافة الفرنسية في بدايات القرن (العشرين)، لكنني أقول إن هناك الكثير من المنجزات التي يجب احتذاؤها والتمسك بها. ليس المظهر العبثي في الأعمال المجمعة أو بويز وأمثاله هو حاجتنا الفنية مثلما يحدث الترويج الفج في تظاهراتنا أو بعض العروض التي تجتاح القاهرة منذ سنوات. ما نحتاج إليه هو المشروع الثقافي المؤسسي الذي ما زال يقدم إنجازات غير متكررة في العاصمة الفرنسية.

         ويستدل رزق الله على ذلك من دعم المؤسسات للفن، حيث كانت تمول مؤسسة كهرباء الفن على مدى نصف قرن دون انقطاع.

         والواقع أن تلك نقطة بارزة في الرحلة الباريسية، تلك الرحلة التي يراها رزق الله في مجمل سيرته رحلة مؤقتة، رغم سهولة الحياة في الغرب والحرية التي يتيحها. فدور الفنان العربي هو بين أهله وشعبه رغم الاعتراف بالصعوبات. ويعمم التجربة فما ينطبق على الفنان هو بالضرورة ما ينطبق على المفكر والكاتب والصحفي وفي أي مجال آخر حتى لو كان علميا. الاتصال بالغرب ضرورة والقطيعة مرفوضة لكن الحياة الفنية أو الفكرية أو العلمية تثمر داخل الوطن للمبدع والناس وللوطن، بينما النجاح في الغربة هو محض نجاح ذاتي لا أكثر ولا أقل. لذا يتفق الفنان حامد عبد الله مع رزق الله حين ينهي رحلته الباريسية الأولى في 1980 بعد نحو عقد كامل ذاق خلاله حلاوة النجاح الفني، والأسري أيضا وكانت برفقته شريكة حياته.

         ولا ينسى رزق الله أن يسرب رسالة ناصحة للأجيال القادمة في ألا يأسرهم الغرب: أغيب لسنوات ثم أعود لكي أرى تغيرا جذريا قد حدث فيمن آثروا البقاء بالغرب، وقد ارتبطت حياتهم بالمجتمع الفرنسي وتشابكت الخيوط، , وأصبح انتزاع النفس من تلك السهولة في ذلك المجتمع أشبه بالاستحالة، تقطعت أو كادت خيوط تصور أن لهم دورا بالنسبة لمجتمعاتهم الأصلية. عيونهم حزينة شجية تثير في نفسي لوعة عليهم لأنني أرى ما يدور في الأعماق.

باريس الوهم والحقيقة

         لكننا لا نقف عند رؤية الفنان لنفسه - أمام مرآة الرحلة الباريسية - بل نراه وهو يترك الريشة ليكتب رأيه فيما فعلته باريس برسامي مصر: فأحمد صبري ويوسف كامل نقلا المخملية والانعزالية الأكاديمية والمدرسية لما أطلق عليه التأثيرية الفرنسية التي كان قد ولى زمانها بعد أن استنفدت أغراضها الفنية في بدايات القرن. أما رمسيس يونان الذي أقام بباريس، وعرض بها في جاليري دراجون عام 1948 فإنه توقف عقدًا كاملا حتى يعود بمعرض شخصي في القاهرة عام 1958. يقول رزق الله: حلم باريس المدينة الأم لكل فناني العالم ليس حقيقة. بيكاسو وخوان ميرو الأسبانيان نعم. كاندينسكي وشاجال الروسيان نعم. جياكومتي نعم. لكن رمسيس يونان فنان مصري،.. فهل صدم رمسيس يونان في أحلامه بثورة عالمية تجعل خطابهم مشاركا ومقتحما وحالما بعالم أفضل؟.. تندلع حرب 1956 وتهاجم القوات الفرنسية والإنجليزية بمشاركة القوات إسرائيل الوطن. ويرفض رمسيس يونان الثوري فيعود ويمنحه الدكتور ثروت عكاشة التفرغ الفني، مع فنانين سواه. منحته باريس حرية الدخول والخروج، وفي القاهرة يرحل رحلته الأخيرة في 1966 تاركا وهو في أزهى سنوات عطائه العالم الذي أسسه. ومن المثير للحزن والأسى أن نعرف أنه رحل وهو يقيم أوده من الترجمة بالصفحة بعد أن سحبوا منه منحة التفرغ.

         لكنني أعترض ومعي كثيرون على ضآلة تصوير التأثير المتبادل بين باريس ورمسيس يونان، الذي كان حضوره في الأربعينيات تتويجا لمرحلة بدأها في الفن وقدم خلالها (غاية الرسام المعاصر) بالعربية والفرنسية رداً على فنان التكعيبية ازاونفان. ويذكر الرسام عبد الرازق عكاشة كيف لاقى معرضه 1948 الذي قدمه جاك لاشين مدير متحف الفن بفرنسا صدى كبيرا، وظل يونان يلعب دورًا مهمًا في الحياة الثقافية الفرنسية حتى أنه قدم برامج ثقافية في الإذاعة الفرنسية، ويؤكد الدكتور لويس عوض في مقدمة كتاب (دراسات في الفن) لرمسيس يونان على فرنسية مجموعة رمسيس يونان، فؤاد كامل، وسمير رافع، ويقول إن فرنسيتهم تتجاوز حدود الأدباء، انهم شعراء لغة ومفكرو مجتمع.

         ولا ينسى رزق الله الإشارة إلى تجربة حامد عبد الله الذي عاش هو الآخر عشرين عامًا في باريس دون المشاركة في الحركة التشكيلية الفرنسية. ويرى الفنان أن اللقاء الثقافي بين مصر وفرنسا لم يبدأ مع الحملة الفرنسية، بل قبلها بقرون، حينما غزت الثقافة العربية أوروبا مجتمعة ومن بينها فرنسا. وإذا كانت فرنسا قد جاءت بجيوشها لمصر مرتين - مع نابليون ومع حرب 1956 - فإن مصر قاومت ودفعت من دم الأبناء ثمن هذه المقاومة. لكنها استقبلت بحفاوة شامبليون والأدب والشعر الفرنسي.

         وواتت الفنان الفرصة - في الرحلة الباريسية الثانية - حين عمل مديرًا للمركز الثقافي المصري بباريس، ليؤسس بعدًا جديدًا لهذا الحوار الثقافي الخلاق بين الثقافتين المصرية والفرنسية على أرض باريس، بين عروض للكتب المترجمة من الفرنسية وإليها، وإحياء نصوص فنية مجهولة منها ما كتبه الشيخ الأزهري مصطفى عبد الرازق عن الفنان هيلبيرت جارو، ضمن نصوص أخرى نشرها بدورية المركز كتبها عن باريس وفرنسا، والقاهرة ومصر: إدمون جابيس، جورج حنين، ألبير قصيري، روبير سوليه، أندريه شديد، توفيق الحكيم، طه حسين، الحسين فوزي.

         وإذا كانت باريس قد أنضجت أعمال رزق الله في مجال الرسم للأطفال، وقد زاول ذلك بها، وقبلها، إلا أنها تحتفظ له بحكاية حزينة أيضا. فليست كل حكاياته الفرنسية تثير في القلب البهجة كما يقول. فعندما طلب منه رئيس تحرير مجلة (أوكابي) رسم ملحق من 10 صفحات عن صبي مصري، رسم رزق الله صبيه في إحدى قرى الصعيد، لكن رئيس التحرير يطلب منه أن يضيف طائرة إلى سماء القرية، ويرفض الفنان. فقد أدرك أن رسالة رئيس التحرير مفادها أن تلك القرية البدائية تعيش هكذا في عصر الطائرات، كما لو كان يسمنا بالتخلف. إنها القصة المكرورة والحزينة التي يريد الغرب أن يؤطرنا بها، خلافا لما نحن عليه.

صاحب الأيقونة

         أما رحلة الفنان جورج البهجوري إلى باريس فقد كانت بدايتها مع رغبته في رؤية الأعمال الخالدة على طبيعتها بعد عمله في مجلة صباح الخير وذلك (بعد أن تعب من رؤية هذه اللوحات على صفحات الكتب التي كان يستعيرها من المكتبة ويعيدها مهلهلة فيعاقبه أمينها، كما يقول في سيرته الذاتية.

         وفي المقطع التالي نعود إلى سيرة رزق الله سريعًا لنقرأ عن لقاء باريسي خالص: كنت أسير أنا وصديقي جورج البهجوري بشارع سان جيرمان بالحي اللاتيني نتبادل الحديث، وفاجأني قائلا: أنا سعيد بك لأنك معنا الآن في باريس تبحث عن العالمية. أجبته ساخرا: صديقي جورج إن هذه الكلمة زائفة وهي لا تعنيني في قليل أو كثير. اشمأنط مني جورج قائلا: كيف لا تعنيك؟ قلت له صدقني إنها كذبة كبيرة يروج لها البعض عن عدم فهم، ويروج لها البعض الآخر عن سوء قصد. رأيت في عينيه أنني سببت له مشكلة وضيقا لم يكن يتوقعهما مني. مفاجئا قلت له: أنظر يا جورج الدم تحت قدميك، باغته كلامي فنظر تحت قدميه فلم يجد شيئا. قلت له صدقني إن دم (موديلياني) و(فان جوخ) و(سيزان) وقافلة كبيرة من الفنانين المخلصين قد أريقت على هذه الأرض ولكنها جفت الآن ولا نراها ولكنني أحسها بقلبي... باريس ستخدعك كثيرا. إنها متحف كبير نعم، نحن فيها نرى ونشاهد ونهضم ونتعلم ثم نرحل وكفى.

         عندما قرأت هذه المحاورة في سيرة رزق الله، تذكرت ما كتبه اللباد إلى جورج البهجوري مرة: كلنا نحب باريس، لكن باريس - يسأل - بتحب مين؟ لقد آمن رزق الله واللباد أن لدى العرب ما يقدمونه، وعملا على أن يكون مختلفا ومميزا. يقول رزق الله : أحببتك يا باريس لكن مصر هي القلب والنبض. فليكن ولتكن العودة واتخذت القرار.

         في الجزأين اللذين صدرا عن دار شرقيات أيقونة فلتس (230 صفحة من القطع الصغير) وأيقونة الفن 190 صفحة من القطع الصغير) قدم جورج البهجوري لنا عملا روائيا كاملا، حتى أنه كمؤلف أخفى وراء قناع البطل شخصية فلتس الأيقونة الرمز لاسمه. وقد أعطى مساحة أكبر لطفولته وصباه، ونشأته، وأقاربه، ربما لأن مساحة المتخيل الروائية ستكون أكثر رحابة مما لو بذلها لمعاصريه.

         في الطائرة المتجهة به إلى باريس ينام ويحلم أنه يطير فوق الأشجار، وتتحول ذراعاه إلى جناحين، يطير فوق الكرة الأرضي يكركر ويضحك، بجواره طيور النورس المهاجرة إلى الشمال، عندما تقترب الطائرة من مطار باريس تتلون الأيقونة وتزداد في الكف لمعانا وقوة. يعود إلى رحم جديد ويصبح مع الحنين جنينا من نوع آخر.

         وتحولت باريس لدى جورج البهجوري إلى أبجدية لا يستطيع التحدث دون استخدام حروفها ومفرداتها. فعلى مدار السيرة الروائية نلمح الاستعارة البلاغية الباريسية في فصول الكتابين. ورغم أن الأحداث لا تدور في باريس إلا أن باريس حاضرة - كمتخيل مكاني وزمني ولغوي أيضا - في صفحات الأيقونتين. فهو حين يرسم المتهمين في إحدى محاكم مصر يتخيل رسوم الفنان دومييه في المحاكم الفرنسية قبل أكثر من قرنين. وهو حين يصور نفسه حاملا سيفه يشبه الحصان أدناه بحصان سلفادور دالي الذي رآه في لوحاته الباريسية. بل ويسخر من نفسه حينا فيقول عن بطله مقارنا إياه بباريسي آخر: يقف معتدلا مشدودًا بقامته القصيرة وساقيه اللتين تكادان تشبها في قصرهما تولوز لوتريك. أو يصف فتاة بأن رأسها (قطعة من رخام رودان). أو تراه يذهب كل ليلة خلف كواليس الأوبرا لاكتشاف سيقان الفتيات الجميلات، ويتذكر لوتريك وديجا..

         لكنه لا يستعير أسماء فناني باريس وأعمالهم فقط، بل تراه يستحضر المكان أيضا: في حدائق القبة.. على طول الطريق قصور صغيرة تشبه قصور حاشية الملك لويس السادس عشر في فرساي التي توزعت على أجمل منطقة في ضواحي باريس... أو هو يصف عاشقا (كأنه أحد فرسان القرون الوسطى، هبط للتو من حصانه وأصبح يتنزه بين جذوع أشجار بولونيا - الباريسية - الفارعة). أو تراه يستدعي صورة الأثاث الفرنسي حتى وهو في القاهرة: أقدام مقاعد الصالون لها حلي ذهبية وملمس القطيفة ولونها أحمر كالنبيذ، تقليد رخيص لطراز لويس الرابع عشر.. بل وهو في زحام قطار كبري الليمون لا ينسى باريس: الطريق ينحرف إلى الشمال بعد الخروج من باب الحديد في شارع ضيق طويل، يبدو على أحد جانبيه تمثال العذراء حاملة الطفل نسخة منقولة من كاتدرائية النوتردام في باريس..

         في سبتمبر 1994 يروي البهجوري في إحدى مقالاته، عن أكثر من حدث باريسي ليس له سوى مغزى وحيد، أن باريس لم تعطه كما منحها، فتراه يسأل: لم ظلت المسافة كبيرة بيننا رغم أنني في وسطهم؟! فنان أنا حملت لوحاتي إلى كل مكان في أحياء باريس، احتفظ بها كبار أصحاب قاعات العرض.. وانتظرت بلا طائل.. لم تعد اللوحات.. ولا ثمنها... أشهر قاعة لعرض اللوحات في حي السينما هي قاعة إتيان دي كوزانس.. باع كل أعمالي، وعندما طالبت بثمنها قال لي بصريح العبارة: ماذا تريد مني وقد قدمت لك افتتاحًا رائعا سالت منه زجاجات الشمبانيا، وازدحم البار بما لذ وطاب وعزفت لك فرقة خاصة من (البلوز) أنغامًا حديثة. ولوحاتك معلقة على الجدران ليلة الافتتاح؟

         ويكتب في موضع آخر: نبقى نحن الفنانين القادمين من العالم الثالث في القاع في نظرتهم لنا مع المجتمع الذي يجنح إلى العنصرية لا يحسون بنا ولا يحتفلون بنا. لا يدعوننا إلى أجهزة الإعلام. ويبرر البهجوري دعوته وزملاء له من اليابان وتركيا ودول أخرى للمشاركة، بأنهم يفعلون ذلك: ليكتبوا على المهرجان كلمة الصالون العالمي لرسامي الضحك، كأني ألعب في أولمبياد البحر الأبيض أو مونديال إيطاليا.

         هكذا يعود جورج البهجوري إلى القاهرة ليكتب سيرته، لكنه في كل مراحلها يكتب بوعي فرنسي خالص، لقد منحته باريس لغتها وفنها ولكنها لم تخلص له وحده فتركها، رغم أنه يقول عنها: تبقى باريس رائعة كما هي.. لاتكبر في العمر.. تخلع رداءها وتخلع كل شيء بمعنى الحرية.. مثل فينوس إلهة الجمال.. تصبح عارية تماما في الفكر والحب والأزياء.

دروس مختار

         يحكي الفنان محمود مختار عن الدرس الأول للرحلة الباريسية أواخر عام 1911 ولم يكن درسًا تشكيليا! كان عمره تسعة عشر عامًا، مبعوثا على نفقة الأمير يوسف كمال لدراسة الفنون، بعد إكمال دراسته لها في القاهرة. وعلى متن الباخرة فاته طعام الظهر لظنه أن المائدة ليس بها مكان له، وكاد يفوته طعام العشاء لولا مساعدة كبير الخدم الذي قاده لمقعده. تسأله سيدة أن يقرب إليها الخبز فيمسك قطعة بيده ليعطيها إياها، فيجد الجميع يتبادل النظرات، وأدرك أنه ارتكب خطأ فاحشا، وكان يجب أن يمسك السلة ويقدمها كلها، وأن يرى كيف يفعلون ذلك ويقلدهم.

         كان وصول محمود مختار إلى باريس ليلا، شتاء وظلام وشعور سيئ ينتابه للمرة الأولى من المدينة. لكن المدينة البوهيمية سرعان ما تدجن محمود مختار فيطيعها صاغرًا. فطلاب الفن الجدد مجبولون ومجبورون على طاعة القدامى الذين اشتهر عنهم شذوذ عاداتهم. فالجدد يدفعون للقدامى ثمن الدعوات إلى مآدب الطعام والنبيذ. ورأى مختار المزاح الباريسي لطلبة الفنون الذي ينقلب إلى قسوة مميتة، قد تنتهي بالطالب مختنقا في المصرف، أو محبوسا في برميل مغلق على شاطئ السين، أو التجرد من ثيابه والبقاء عاريا تماما - كما فعلوا به - مشدود الوثاق إلى كرسي وقد علا رأسَه تاجٌ من الورق كتب عليه رمسيس الثاني، ثم يُحمل إلى عرض الطريق حتى كنيسة سان جان دي بريه، في آخر شارع بونابرت. حيث وضع الفنان الشاب بمقهى تحمل اسم الشارع، يأكلون ويطعمونه، ويرمونه بفضلات الطعام، ومن المشاركات في هذه الاحتفالية طالبات.

         يقول محمود مختار: وهذا، وغير هذا مما يشابهه ومما اشتركت فيه، قد خلق في للحال انطلاقا من قيود المحافظة وحبا في الحرية وتكسير أغلال الكلفة.. فهو يعد من الانقلابات التي طرأت على نفسي وكان لها أثر فيها طوال حياتي.

         ثم يقيم الفنان في نزل عائلي مع عائلة فرنسية بها فتاتان. ويدرس محمود مختار - كفنان - الفتاتين، وإحداهما جميلة والأخرى تنتصر بحيويتها وفطنتها رغم عدم الجمال البادي عليها بوضوح. يقول مختار: وجعلت ألاحظهما وأدرسهما كفنان، وكثيرا ما وجدت جمال النفس ينتصر على جمال الجسم: وهذا مما يثبت بداهة ما يجب على الفنان عندما يريد تصوير إنسان، أن يتغلغل في قرارة نفس الشخص الذي عليه تصويره أو تمثيله. فمن القواعد المعروفة والتي كانت تدرس لنا أن الشبه وحده لا يكفي للدلالة، بل هي الروح والخلق التي يجب نزعها وإخراجها على وجه الشخص.

         وشرع مختار في عمل تمثالين للفتاتين، مستفيدا من هذه النظرية، إلا أن عاملين كانا سببا في عدم إكمال المشروع، أولهما أنه بدأ يميل إلى غير الجميلة، والثاني قيام الحرب العالمية الأولى، مما جعل تلك العائلة تنزح من باريس إلى مسقط رأسها في الأقاليم. يقول الفنان: وربما كان الخيرة فيما وقع.. وأنا الآن وقد فاتت نزعة الشباب أدرك ذلك لأنني كنت متحمسا فعلا للنتيجة، ولكن ترى هل كان تكويني يومئذ يمكنني فعلا من الوصول إليها وهي من المشاكل العويصة في الفن؟

         ولا ننسى أثرًا باريسيا آخر في سيرة مختار، وهو التقليد الذي أدخله ذلك الفنان الذي عرف كمثال، إلا أن له رسومًا كاريكاتورية عديدة، بل وساهم في رسم شخصيات مهمة رسوما حية لتصحب الرسوم أحاديث لها إلى الصحافة المصرية مثلما فعل مع الممثلة الفرنسية الذائعة الصيت سيمون.

         لكن ذلك كله من حديث يتضاءل عندما يكتب محمود مختار عن مرقص الفنون الأربعة، وهي ليلة واحدة في العام كله يقصد إليها أهل الفنون الجميلة - وتستحيل على الغرباء إلا من استطاع إلى ذلك سبيلا - ويحظر بها التقاط الصور الفوتوغرافية أو السينمائية. وينسقها طلبة مدرسة الفنون (التصوير والنحت والهندسة المعمارية والزخرفة) ويظلون يعدونها قبل موعدها بشهور.

         الليلة التي يتجلى فيها الفن - كما يصف مختار - تميز المكان بديكورات تمثل حضارات مختلفة من العصور القديمة: مصر، روما، الإغريق، الهند، إيران أو العرب، يختار منها عصر كل عام، فتصبح الصالة خالصة لهذا العصر تماما. وإذ تغلق القاعة على من بها من الثامنة مساء وحتى ما بعد منتصف الليل بساعات حيث يندمج الجميع، وتقام مسابقات من قبيل أجمل العاريات..

         يستطرد مختار: أما ما يحدث في تلك الليلة فهو يُعجز اللسان.. إذ كل ما يمكن فعله يُفعل في تلك الليلة ولا حرج ولا غضب! وبعد تلك الليلة بقيت خمسة عشر يومًا كأنني في حلم وغباء.. لأن تلك الحرية المطلقة كان لها في نفسي أثر أبعد من كل ما كان من قبل، وخرجت أتساءل لماذا لا تبقى الناس هكذا، لماذا تلك القيود والتقاليد التي وضعها الناس لشقائهم؟! ولماذا لا يكون العالم كله على هذا النسق الذي رأيته في حفلة الفنون الأربعة؟.. وكأن الناس في عيني وكل ما حولي بعد تلك الليلة تافه، خامل، بارد، كاذب، مراء، يكاد يكون ميتا..

أحمد صبري: الجنة والجحيم

         كان الفنان أحمد صبري يستمع إلى جاريه في بيت الفن بدرب اللبانة بحي القلعة القاهري بدهشة وتلهف. فقد كان الفنان السكندري محمد ناجي وزميله الفرنسي بيبي مارتان Beppi Martin يصبان في كأس سمع صبري قطرات من إبريق الحروف الفرنسية عن الفن والفنانين في باريس. وإذ هو يسأل نفسه: متى يستطيع السفر إلى هذه المدينة الساحرة؟ وهل يقدر له أن يرى تلك البدائع الفنية التي يتحدثان عنها؟

         في 1919 يتحقق حلم صبري، وإذا به يمضي شهور إقامته الأولى بين أكاديميتي شوميير وجوليان، لا ليرسم، بل - كما يقول محمد صدقي الجباخنجي في مؤلفه (أحمد صبري - سيرة حياة فنان) ليرى ويتأمل كيف يرسم أساتذة الفن من ذوي اللحى الطويلة إلى أن استطاع أن يمد يده بالقلم في اطمئنان، وخاصة بعد حدثين مهمين: لقائه بزميله المثال محمود مختار، ثم زيارة الوفد المصري لباريس برئاسة الزعيم سعد زغلول.

         ولعلنا هنا نلتقط الخيط الأول لسيرة الفنانين الكبيرين في فرنسا، لنرى الثقة بالنفس التي كان يتمتع بها مختار، والاضطراب الذي كان يعتري صبري. كان مختار في باريس يستعد لإقامة مشروعه (نهضة مصر) وإلى مرسمه يدعو أحد أفراد الوفد، وهو ويصا واصف (بك). ويوصي مختار بأحمد صبري خيرًا، فيحصل هذا الأخير على مكافأة لقاء رسمه لصورة حمد الباسل (باشا)، وتعينه هذه المكافأة على مد فترة إقامته في باريس فترة أخرى. وحين ينفق صبري كل ما معه، وتستحيل إقامته في فرنسا، رغم مساعدة مختار المالية له، يستعد للعودة لمصر. لكن مختارا لا يتركه بل يشجعه على مواصلة سعيه بعد العودة للحصول على بعثة على نفقة الحكومة المصرية تعيده إلى باريس مرة أخرى في 1923م.

         هذه العودة رغم كل ما كان يكتنفها من قلق وضيق، إلا أنها كانت تضع قدمي صبري على الطريق الصحيح، ولنقرأ في جريدة الأهرام سنة 1929 هذا الخبر:

نجاح مصر في معرض الفن الفرنسوي

         باريس في 6 يونيو من مراسل الأهرام الخاص: أقيم في (الجران باليه) أخيرا معرض الفن الفرنسوي، وكان حظ مصر من النجاح فيه مما يدعو إلى الاغتباط والتنويه بقدرة رجال الفن المصريين. وقد ذكرنا منذ أيام أن الأستاذ محمود مختار المثال المشهور عرض تمثالا من بدائع الفن يمثل عروس النيل لفت إليه نظر كل من زاروا المعرض وكان موضع إعجاب كبار رجال الفن، حتى أن المحكمين اختاروه مع 22 تمثالا آخر ومنحوه الميدالية، وذلك من بين أكثر من ثمانمائة عارض. وكما تفوقت مصر في فن الحفر، وكما بز مختار مئات المثالين من جميع الجنسيات، تفوقت أيضا في الرسم، فقد عرض أحمد صبري لوحة (تأملات) فنالت شهادة فخرية، وهي الجائزة التي تلي الميداليات مباشرة، ولم تمنح إلا لعدد قليل أيضا من مئات العارضين.

         ومختار معروف للقراء، أما أحمد صبري الذي يسرنا نجاحه فتخرج في مدرسة الفنون الجميلة بمصر وذهب إلى فرنسا في سنة 1919 إلى سنة 1921 ثم عاد إلى مصر. وفي سنة 1923 أوفدته الحكومة المصرية للتعلم على نفقتها، وكان مما عني به دراسة رسم الأستاذ (فوجيرا) واشتغل بكل جد وهمة في (نانت) ثلاث سنوات، ثم في باريس، وسيعود إلى مصر قريبا بعد أن أتم دراسته. وقد هنأ كثيرون من المحكمين أحمد صبري على الطريقة التي اتبعها في رسمه وجمال الألوان ودقة الرسم وعنايته بالتفاصيل المختلفة مما جعله يخرج رسما متقنا متناسقا بديعا. هذا عضو من بعثة الحكومة يعود إلى مصر بفوائد قيمة ومعلومات ستجعله يصبح في القريب في الصف الأول بين الفنيين المصريين.

         كانت الرحلة إلى باريس لدى أحمد صبري هي رحلة الخطوات الأولى التي لا يكاد ما قبلها أن يكون محسوبا من طريق الفن. وإذا كان البناء المعماري هو إحدى خصال لوحاته التي ميزت مشواره الفني، فقد وصل إليه من بوابة باريس. يحكي صبري كيف فاجأه المصور بول ألبير Paul Albert في عام 1920 وهو يرى بعض لوحاته: اسمع يا بني، هل أنت مصري؟ إن مصر ينبوع الفن الخالص.. يجب أن تتعلم وتعلم أن الرسم هو أساس كل شيء. بعدها ترك صبري الألوان عامين، لم يكن يرسم إلا بالقلم. وعرض في 1921 رسومه القلمية هذه على البروفسور أدولف دوشنون Adolf Dushenon فكانت كلماته إشارة أخرى نحو الاتجاه الصحيح: أقصر جهودك على الخطوط الأساسية الضرورية.. إنك تعالج رسومك بخطوط كأنها الهمس، فزدها قوة وإحكامًا.

         ثم كانت رحلة أحمد صبري الثانية إلى فرنسا التي استمرت ست سنوات (1923 - 1929) خلالها تزوج - رغبة في الاستقرار - للمرة الأولى من الفرنسية جولييت (1924). لم يهرب صبري من الزواج في مصر إلا بعد أن رفضته إحدى قريباته لأن أسرتها لم ترض عن مهنته. كان حب صبري لجولييت جارفا، لكن الزواج لم يدم إلا شهورًا، رغم أن ولعه بها دام حتى سني عمره الأخيرة.

         ولقد سبب هذا الزواج ــ بل الأحرى نهايته ــ الصدمة الباريسية الأقسى في حياة صبري، بعد أن أجبرته على الطلاق منها، يقول: لقد زعمت لي ذات يوم أنها اتخذت عشيقا وأنه لم يبق أمامي إلا تطليقها. ولكني كنت أحبها، كنت شديد التعلق بها. ومن فرط تعلقي بها لم تكن تطاوعني نفسي على تصديقها. كان معنى صدقها عندي هو فقدها إلى الأبد.

         الزواج الثاني لصبري كان من هنرييت - محاولة ليبرأ من هوى الأولى - وهي إحدى زميلاته الفرنسيات في مدرسة الفنون الجميلة، حين بدأ صبري يهدأ ويتعلم ويحصد جوائز أولى في فن التصوير. ورافقته هنرييت بعد عودته إلى مصر، وأنجبت له ثلاثة أبناء، لكن الخلافات المتلاحقة بين الزوجين غير المتفاهمين أدت إلى الطلاق. وهكذا مثلت أنثى باريس للفنان تجربتين فاشلتين، وظل يعاني نار التجربتين طويلا بعد أن نعم بنورهما زمنا يسيرًا، حتى دخلت المرأة المصرية حياته، ليشعر للمرة الأولى بالاستقرار، وهو أمر لم يدم طويلا، بعد أن تسلل ظلام البصر إلى حياته، حتى رحل في 1955م.

         عن حصاد الرحلة الثانية يقول الفنان حسين بيكار: على الرغم من أنه عاد من باريس أكثر خبرة ونضجًا، إلا أن الكفاءة وحدها في مناخ كهذا ليست السبيل إلى الشهرة والتألق والنجاح. ويقصد بيكار إلى مناخ الفن الرفيع الذي لا يروج إلا بين الطبقة البرجوازية ويفرض على الفنان ما كان ينقص صبري: درجة كبيرة من اللباقة، والدبلوماسية، وإجادة فن التعامل مع الآخرين. وأحسب أن كلام الفنان الكبير بيكار صحيح، ولعل هذه الصفات وحدها هي ما جعلته يصطدم بالأنثى الباريسية التي تعد مرآة مدينتها. وعلينا أن نجد التماثل الشديد بين هذه السيرة وسيرة المهاجرين إلى الشمال بحثا عن الحرية، فإذا بهم يصطدمون بقيمها.

         في هذه الرحلة الباريسية يكاد جهد صبري يكون استثنائيا، وهو لا يرى سوى الاجتهاد في طريق الفن بديلا عن الحياة الاجتماعية والعاطفية البائسة التي عاشها في مدينة عشقها وآلمته. يكتب مدير بعثته الدكتور محمود الديواني في الخامس من يونيو 1925: كان اجتهاد أحمد صبري هذا العام ملحوظا، ولقد أنجز كثيرًا من اللوحات العارية والزهور. وعرض في معرض الفنانين الفرنسيين لوحة استرعت الأنظار. وأمكنه أن يحقق كثيرًا من النجاح بقوة عزيمته ورغبته في العمل، وهو يحب الرسم والتدريس. ونشهد له كما سبق أن اقترحنا أنه قادر على أن يقوم بأعباء وظيفة مفتش الرسم.

         وحين كان صبري يسر إلى محمد صدقي الجباخنجي بذكريات باريس كان يسترد روحه رغم الألم العاصف الذي أورثته إياه، يقول الجباخنجي: عندما انتهى صبري من حديثه الحماسي شعرت بأن روحه قد ردت إليه بعد أن حلق في عالم الذكريات البعيدة.. هناك في باريس حيث أمضى سنوات طويلة يكافح لإنماء مواهبه الفنية وتأكيد معالم شخصيته الفذة. ولكن تبقى كلمة أخيرة أختتم بها عن الفنان أحمد صبري، فإذا كانت باريس قد أعطته الفن، فإنها حرمته الابتسامة، وجعلته يحرم شخوص لوحاته هذه الابتسامة أيضا.

خلاصات

* أبرز القيم الباريسية هي الحرية وهي القيمة التي يحتاج إليها الفنان أكثر من أية قيمة أخرى مماثلة.
* مثلت باريس رحلة التحول الكبرى في حياة الفنانين لما امتلكته من مقومات مدينة الفن.
* أثرت باريس بكل هذه المقومات حياة الفنانين وملأتها صخبا وعملا وظلت ترقد في معاجمهم اللغوية والفكرية ومخيلتهم الإبداعية حتى بعد العودة.
* قد تقسو باريس حينا أو تلين، لكن الفنان يستطيع أن يعيش بها، يستمد القوة من الطاقة التي تمنحه إياها، فينتصر على مشكلات الحياة المادية المحطمة للبشر، كما أنه يغفر لها تلك القسوة مقابل الحرية التي تمنحها له.
* المناخ الذي تتيحه باريس يظل ملهما لأصحاب المشاريع الفنية، لأن المدينة تقدم النماذج الناجحة في دعم الفن والفنانين. وكم من دعوة لفنان أراد أن ينقل هذا النجاح إلى وطنه.
* كما أن الطقس المعرفي الباريسي الثري يعد مثاليا للفنانين بما يضم من متاحف وما يدعو إليه من فنانين، وما تكتمل به الصورة من اهتمام إعلامي وشعبي بالفنون الجميلة في كل مناحي الحياة.
* أن باريس هي مدينة الصرعات، وقد حافظت على هذا اللقب، على الأقل خلال الرحلات التي صاحبنا فيها فنانينا مختار وصبري وبهجوري ورزق الله.
* وأخيرا الإحساس المشترك بفوقية المجتمع الفني الباريسي، وإن اختلفت درجات هذه الفوقية التي لا تلغي الفكرة كما جاءت على لسان فنانينا. وهكذا كنا مع باريس، عاصمة فرنسا، وعاصمة العالم، ومسرح الفن ومسرح الحياة، وهي غابات بولونيا وهي نهر السين، مثلما هي ساحة الكونكورد وقوس النصر، واللوفر والحي اللاتيني، وصاحبة آثار لويس التاسع عشر، وذكريات نابليون، والمقاهي والطرق التي تفضي إليها، وهي المرأة الفرنسية التي تكتب تاريخ المدينة على قدم المساواة مع الرجل.

         وإذ أترك أصحاب الرحلة الباريسية، أشعر بحنين إلى إعادة الكتابة من جديد عن هؤلاء الذين رحلوا إلى عاصمة النار والنور، فتحرقوا حينا وحينا أضاءوا. أتذكر قول عميد الأدب العربي طه حسين: فليس غريبًا ألا أترك باريس إلا كارها. وكيف أتركها راضيا وأنا أعلم أني ما دمت في باريس فأنا أستطيع أن أرضي من عقلي وقلبي وشعوري أي ناحية شئت.

حاشية في تاريخ باريس:

         أسسها الغاليون كمستعمرة صغيرة على الضفة الغربية لنهر السين، ووصلها الرومان في مرحلة مبكرة، بقيادة يوليوس قيصر الذي أشار في كتابه (الحروب الغالية) إلى المدينة مرارا باسم (لوتيسيا). ونتيجة لتهديد النزوات البربرية المستمرة، نقلت المستعمرة الأصلية إلى جزيرة، بالسين هي (جزيرة المدينة) ثم بدأت اتساعها البطيء لتشمل المدينة ضفتي النهر، وتحولت باريس، من مجرد مقر بسيط لملوك الفرنجة (الميروفنجيين ثم الشارليين)، إلى عاصمة حقيقية في عام 987 عندما أسس هيو كابيه سلالة حاكمه جديدة وارتفع بالمدينة لتحافظ على مكانتها على مر تاريخ فرنسا ولتبدأ باريس في التطور لتصبح مركزا حضاريا وثقافيا. وكان تولى الملك فيليب أغسطس الثاني للحكم، وقد حكم البلاد من عام 1180 إلى عام 1223، بداية لعهد من أعظم عهود باريس : فقد بدأ بناء اللوفر وأسست الجامعة في عام 1215. ثم ازدادت الفخامة في عهد لويس الرابع عشر، الذي استمر من عام 1226 حتى 1270 وتم خلاله بناء الكنيسة المقدسة وتقدم العمل كثيرا في كنيسة نوتردام. ثم عاصرت باريس واحدة من أحلك فتراتها أثناء حكم السلالة التالية (الفالوا). وكان عام 1358 هو عام التمرد الذي قاده زعيم التجار الباريسيين إيتيان مارسيل. ثم أعاد شارل الخامس النظام إلى المدينة وبنى سجن الباستيل ولكن السلام لم يستمر فقد سمحت الحرب الأهلية التي نشبت بين طوائف الأرمانيك والبورجوندى لإنجلترا باحتلال فرنسا وتم تتويج الملك هنري الرابع ملكا على فرنسا في كنيسة نوتردام في عام 1430 وفى النهاية، استرد شارل السابع باريس ولكن الصراعات الداخلية والثورات الدموية استمرت فيها كما اجتاحت الأوبئة الرهيبة المنطقة وازدادت معاناة الشعب المتألم.

         تضاءلت أهمية باريس خلال القرن السادس عشر، واحتلت قصور اللوار المكان الأول حيث اختارها الملوك الذين تتابعوا على عرش فرنسا لتكون مقرا لهم. لكن النزاعات الداخلية في العاصمة نفسها لم تتوقف. وكان انتشار البروتستانتية وراء الصراعات الدينية الدامية التي اجتاحت باريس وفرنسا لزمن طويل، ووصلت إلى ذروتها عند مذبحة الهوجونو في 24 أغسطس عام 1572 وفى ليلة القديس بارثولوميو الشهيرة، وبعد اغتيال هنري الثالث في سانت كلود بيد الشاب جاك كليمان في عام 1589، حوصرت المدينة أربع سنوات طوال حتى فتحت أبوابها لهنري الرابع، الذي تخلى عن عقيدته الأصلية وتحول إلى الكاثوليكية. ومع ذلك وصل تعداد المدينة في أوائل القرن السابع عشر إلى 300000 نسمة.

         هكذا تتزايد أهمية المدينة كمركز ثقافي سياسي، وخاصة في ظل الكردينال ريشليو القوى، الذي أسس الأكاديمية الفرنسية في عام 1635. ثم ازداد اتساع المدينة أثناء حكم سلالة البوربون الجديدة. وفي عام 1715، أثناء حكم لويس الرابع عشر، وصل عدد سكان باريس إلى مليون نسمة. ولكن لا شك أن باريس اكتسبت مكانتها في التاريخ في عام 1789 مع بداية الثورة الفرنسية، التي كثيرا ما تعتبر بداية العالم الحديث. وفى العادة يعتبر بدء الثورة في 14 يوليو من هذا العام حين استولى الشعب على رمز الإرهاب والسلطة المطلقة وهو سجن الباستيل.

         وفى السنوات التالية، تتابعت التطورات بسرعة. فسقطت الملكية ثم بدأ حكم الإرهاب، وفى خلال مدة قصيرة للغاية اختفت الشخصيات التي سيطرت على المسرح السياسي الباريسي إلى الأبد. ثم نست المدينة ما عانته خلال هذه السنوات (فقدان الحياة الإنسانية وتحطيم الأعمال الفنية التي لا يمكن إصلاحها) مع حلول الإمبراطورية والبلاط العظيم الذي أنشأه نابليون في عام 1804 عندما قام البابا بيوس السابع بتتويجه في نوتردام. ومن عام 1804 حتى عام 1814 تم تجميل المدينة بقطعة فنية تلو الأخرى. فشيد العمود في ميدان فاندوم، وبنى قوس النصر واستمر العمل في اللوفر حيث احتفل في صالونه المربع في عام 1810 بزواج نابليون ومارى لويز أميرة النمسا.

         وفيما بعد، شهدت باريس من جديد سقوط ملكيات أخرى، ملكية شارل العاشر ولويس فيليب بوربون - أورليان، وميلاد الجمهورية الثانية باعتلاء نابليون الثالث العرش. وخلال فترة حكمه تم تكليف البارون هاوسمان بإعادة تخطيط المدينة، وبذلك أمكن حل مشكلة المرور الصعبة التي كانت تخنق المدينة الفرنسية آنذاك. ثم بنيت أسواق لى هال، وخططت غابة بولونيا، وغابة فانسان، وبنيت دار الأوبرا وأعيد تنظيم الشوارع الرئيسية. وفى عام 1870 أدت هزيمة نابليون الثالث في صيدا على أيدي البروسيين إلى ثورة الباريسيين الذين أقاموا بدورهم فترة تعيسة أخرى في تاريخ المدينة وهى فترة الكوميون (من 18 مارس إلى 22 مايو عام 1871). ومع الآسف تم تدمر الكثير من المباني الجميلة والتاريخية في فترة التمرد هذه ومنها الأوتيل دى فيل والتويلرى.

         ولكن في بداية القرن العشرين شهدت باريس نهضة جديدة لعظمتها حيث كانت المعارض الدولية تقام هناك، كما تم بناء القصر الكبير (جران باليه) والقصر الصغير (بيتي باليه) ونشأت حركات فنية جديدة في فن الرسم والأدب. ومن المؤسف أن المدينة عانت من جديد ويلات حربين طويلتين داميتين وما تبعهما من دمار وأطلال. وفى الحرب العالمية الثانية استولى الجيش الألماني على المدينة في عام 1940 ولم يتم تحريرها على يد الحلفاء إلا في عام 1944 ومع ذلك ومنذ ذلك الحين، رجعت باريس لطبيعتها كمدينة حرة تنبض بالحياة واحتفظت بمكانها المرموق في تاريخ وحضارة الإنسانية.

لقراءات مستفيضة:

* أشرف أبو اليزيد: سيرة اللون، تجارب تشكيلية معاصرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 2003م.
* جبرا إبراهيم جبرا: الفن والفنان، كتابات في النقد التشكيلي، اختارها وقدم لها إبراهيم نصرالله، دارة الفنون، مؤسسة عبد الحميد شومان، عمّان، 2000م.
* جورج البهجوري: أيقونة الفن، سيرة روائية، شرقيات، القاهرة، 2000م.
* حسين بيكار: لكل فنان قصة، مطبوعات كتابي، الطبعة الثانية، القاهرة، 1984م.
* حسين بيكار: أحمد صبري، الهيئة العامة للاستعلامات، القاهرة.
* رافع الناصري: فن الجرافيك المعاصر، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 1997م.
* عبد الرازق عكاشة، من كل قطر عربي فنان تشكيلي، بينالي في كتاب، الجزء الأول، المنتدى الثقافي العربي، باريس، 2000م.
* عدلي رزق الله: الوصول إلى البداية في الفن وفي الحياة، سيرة ذاتية، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1999م.
* عز الدين نجيب: فنانون وشهداء، الفن التشكيلي وحقوق الإنسان، مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، القاهرة، 2000م.
* عفيف بهنسي: الفن الحديث في البلاد العربية، دارالجنوب للنشر،اليونسكو، 1980م.
* لويس عوض: تحية حليم، الهيئة العامة للاستعلامات، القاهرة، 1985م.
* محمود البسيوني: الفن في القرن العشرين، مكتبة الأسرة، القاهرة، 2001م.
* محيي الدين اللباد: نظر (2)، العربي للنشر والتوزيع، القاهرة، 1991م.
* محمد صدقي الجباخنجي: أحمد صبري، القاهرة.


الصفحة الرئيسية للجلسة