أبحاث الفترة الصباحية الأولى ليوم الإثنين
رئيس الجلسة: أ.د. عبدالله الغنيم مدير مركز البحوث والدراسات الكويتية
أوضاع المسلمين في صقلية النورمانية
من خلال رحلة ابن جبير
د. نواف عبدالعزيز الجحمة
تشكل كتب الرحلات الإسلامية بصفة عامة والرحلة الحجية المغربية بصفة خاصة، باعتبارهما مصدرين أساسيين لدراسة بعض المجتمعات الإسلامية
خصوصًا من الزاويتين الاجتماعية والاقتصادية. هذا وأن روايات الحجاج المسلمين العربية أرقى في مستواها بكثير من مثيلاتها لدى المسيحيين كما أن
قيمتها العلمية أكبر(1)
وتعتبر (رسالة اعتبار الناسك في ذكر الآثار الكريمة والمناسك) لابن جبير (2) واحدة من أهم المصادر التي ألقت الضوء على بعض الصور من
علاقات المسلمين بالصليبيين تحت نفوذ الحكم الصقلي النورماني في الربع الأخير من القرن السادس الهجري، الثاني عشر الميلادي.
هذا الكتاب هو أشبه بمذكرات يومية سجل ابن جبير فيها ملاحظاته أثناء رحلته التي بدأها في شوال سنة 578هـ، وانتهى منها بعودته إلى الأندلس
22 من المحرم سنة 581هـ. وهذه المشاهدات تعد بحق وثيقة تاريخية صادقة وبالغة الأهمية تعين الباحث على تلمس الأحوال الاجتماعية
والاقتصادية في الشرق الأدنى بصفة عامة، وأحوال المسلمين لمناطق نفوذ الصليبيين في جزيرة صقلية النورمانية بصفة خاصة.
وقد أولى المستشرقون عناية خاصة بالرحلة، وتم تحقيقها لأول مرة سنة 1852 من طرف وليام رايت WILLIAM WRIGHT (3)
من هذا المنطلق سنحاول الوقوف على ذلك في هذا العرض الذي نهدف منه توضيح بعض ما جاء في الرحلة من نصوص حول أوضاع المسلمين
تحت الحكم الصقلي النورماني، وذلك على مستويين اثنين:
- في المستوى الأول سنحاول رصد وتتبع صور حالة الرضى بالعيش تحت الإدارة الصقلية (رؤية الآخر، والتعايش معه).
- بينما سنجنح في المستوى الثاني إلى مناقشة الصيغ والكيفيات التي تم بها عرض صور حالة الاضطهاد الديني وحتمية الخوف من المصير (الهجرة
والإكراه).
1 - حالة الرضى بالعيش تحت الإدارة الصقلية: (رؤية الآخر، التعايش)
يبدو أن روح التسامح الديني التي أظهرها النورمان (4) سارت جنبًا إلى جنب مع الحماس الديني والعسكري منذ البداية. فمنذ أن استقر أمر الجزيرة
لرجار الأول، جرى على سياسة التعايش بين المسلمين والصليبيين. يقول المؤرخ المعاصر (ملاترا) - من إن رجار لما فتح بلرم(1072م ) (بالرمو)
وعد المسلمين بألا يؤذيهم بشيء، وأن لا يكره أحدا على تبديل دينه (5 ).
ويقول الأدريسي عن الكونت رجار: ((ولما صار أمرها اليه.. نشر سيرة العدل في أهلها، وأقرهم على أديانهم وشرائعهم، وأمنهم على أنفسهم وأموالهم
وأهليهم وذراريهم، ثم أقام على ذلك مدة حياته..))(6).
المستفاد أن المسلمين من أهل مدن صقلية الذين استسلموا بعد القتال وقعوا مع رجار الأول اتفاقيات حددت وضعهم وضماناتهم الدينية والاقتصادية،
وبالتالي نال مسلمي مدينة بلرم شروطًا مرضية جدًا، ولكن هذه الاتفاقيات لم تنسحب على قسمي أهل البوادي والقرى في الجزيرة التي سقطت في أيدي
النورمان دون مقاومة تذكر، ولم توقع اتفاقيات من شأنها أن تضمن حقوقها. ونحن إذا أغفلنا تدني وضع مسلمي البوادي إلى مرتبة رقيق بعد أن كانوا
أحرارًا - نستطيع أن نقول إن أهل المدن كانوا أكثر حياة واستقرارا، لأن الملك كان يحميهم بنفوذه وقوانينه. وكان المسلمون من ناحيتهم يقبلون على
الملك ويظهرون له الوفاء حتى يضمنوا لأنفسهم تقدمًا في دولته، وحتى يحميهم من أحزاب معادية كانت تنظر إليهم نظرة الحقد والريبة. ومن ثم فلا
غرابة ما يصفه لنا فلقندو من أن النساء المسلمات في بلرم خرجن حين توفى غليالم الأول (وليام) يلبسن الثياب الخشنة، وقد نشرن شعورهن وملأن
الفضاء بعويلهن، ورددن المراثي الشجية على نغمات الطنبور(7).
مهما يكن. فقد استكانت النفوس في عهد غليالم الثاني (وليام) وساد عهده الهدوء والاستقرار، فقد كان محبوبًا من رعاياه النصارى، ولذلك أطلقوا عليه
لقب (الطيب) يبدو أن فترة حكمه فترة هدوء وسلام لكل الفئات المجتمعية في الداخل، وتتجلى لنا أوضاع المسلمين في صقلية في عهد وليام الثاني
واضحة والفضل عائد إلى الرحالة ابن جبير الذي قام بزيارة جزيرة صقيلة في سنة 580هـ/1185م خلال حكم وليام الثاني، وروايته تلقى ضوءًا
مهمًا على حالة رضى الجماعة الإسلامية في تلك المرحلة من تاريخ الجزيرة.
ففي وصف صورة الملك النورماني وليام الثاني يقول: وشأن هذا الملك عجيب في حسن السيرة واستعمال المسلمين واتخاذ الفتيان المجابيب، وكلهم أو
أكثرهم كما تم إيمانه متمسك بشريعة الإسلام... وله جملة من العبيد السود المسلمين وعليهم قائد منهم. ووزراؤه وحجابه الفتيان، وله منهم جملة كبيرة
من أهل دولته.
ومن عجيب شأن المتحدث به أنه يقرأ ويكتب العربية، وعلامته على ما أعلمنا به أحد خدمته المختصين به: الحمد لله حق حمده. وكانت علامته أبيه:
الحمد لله شكرًا لأنعمه (8).
قد وجد ابن جبير أن حزب القصر من المسلمين في بلرم مقربون إلى وليام الثاني، وأنه كثير الثقة، فلذلك استعملهم في كثير من الوظائف الإدارية
والمالية، وهذا إن دل فإنما يدل على العداء المستتر بين حزب القصر برعاية الملكة مارجريت النافارية وولدها الملك وليام الثاني وحزب النبلاء وهم
الأرستقراطيون المالكون للإقطاعات في بلرم وما جاورها من المدن الأخرى في الجزيرة. لذا، كان لأولئك الفتيان المسلمين الحظوة لدى الملك، إذ كانوا
عيون دولته وأهل عمالته ومحل ثقته، فهم يصومون ويتصدقون ويفتكون الأسرى ويعد ابن جبير هذا صنع من الله عز وجل لمسلمي هذه الجزيرة وسر
من أسرار اعتناء الله عز وجل بهم على حد تعبيره(9).
كما يلقي لنا ابن جبير بعض الضوء على بقاء التراث العربي الإسلامي في بلاطه وفي الحياة الصقلية عامة، فهو يذكر أن علامة وليام الثاني بالعربية
(الحمد لله حق حمده)، وأنه يتكلم بالعربية ويتشبه في الانغماس في نعيم الملك وترتيب قوانينه ووضع أساليبه وتقسيم مراتب رجاله وتفخيم أبهة الملك
وإظهار زينته بملوك المسلمين.
أما جواريه وحظاياه في قصره فمسلمات كلهن.. وأن الإفرنجية من النصرانيات تقع في قصره فتعود مسلمة، تعيدها الجواري المذكورات مسلمة، وهن
على تكتم من ملكهن في ذلك كله (10).
وحتى في خارج القصر، كانت النصرانيات في بلرم يقلدن المسلمات يقول في وصفه: وزي النصرانيات في هذه المدينة زي نساء المسلمين: فصيحات
الألسن، ملتحفات، منتقبات، خرجن في هذا العيد المذكور (عيد ميلاد المسيح) وقد لبسن ثياب الحرير المذهب، والتحفن اللحف الرائقة، وانتقبن بالنقب
الملونة... حاملات جميع زينة نساء المسلمين من التحلي والتخضب والتعطر(11).
كما يمتدح ابن جبير وليام الثاني لاستفادته من خبرات المسلمين، فقد اتخذت دولته نوعا من أنواع الدواوين الإسلامية وهو ما يعرف بـ (ديوان
الطراز) والتقى ابن جبير مع واحد من أولئك الطرازين يسمى يحيى ابن فتيان الطراز(12). وهنا نلحظ أن وليام الثاني قد تأثر بالصبغة الإسلامية في
الأبهة الملوكية للحكام المسلمين في المشرق العربي.
ولم ينس ابن جبير أن يسجل اللطف الذي قابله به النصارى ومبادرتهم له ولرفقائه بالسلام ومؤانستهم، ومحضهم النصح إذا اقتضى ذلك، وإغضائهم
على تظاهر المسلمين عند تأديتهم بعض الشعائر الدينية في شهر رمضان وعيد الفطر. حتى يتراءى لابن جبير ان من سياستهم ولين مقصدهم مع
المسلمين، ما يوقع الفتنة في نفوس أهل الجهل على حد تعبيره(13).
ويلاحظ ابن جبير في مدينة بلرم أن للمسلمين رسم باق من الإيمان، فهم يعمرون أكثر مساجدهم ويقيمون الصلاة بأذان مسموعة، ولهم أرباض (أحياء
سكنية) قد انفردوا فيها بسكناهم مع النصارى، والأسواق معمورة بهم، وهم التجار فيها... وأما المساجد فكثيرة لا تحصى، وأكثرها محاضر لمعلمي
القرآن (14).
وبالجملة، فإن عامة المسلمين كانوا ينظرون إلى إخوانهم المسلمين الموظفين في خدمة النورمان بأنهم غرباء عنهم، وأنه لا يشعرون بالاطمئنان على
أموالهم ونسائهم وأبنائهم(15) .
أما في مدينة ثرمة (Threma) فقد وجد بن جبير أن للمسلمين ربضا كبيرا، لهم فيه المساجد، وكان في قصر سعد وهو على فرسخ من مدينة بلرم
قبور كثيرة لصلحاء المسلمين من أهل الزهادة والورع، وهذا القصر موصوف بالفضل والبركة مقصود من كل مكان. ويذكر لنا ابن جبير أنه يوجد
في أعلى قصر سعد مسجد من أحسن مساجد الدنيا بها، فبتنا في هذا المسجد أحسن مبيت وأطيبه، وسمعنا الأذان وكنا قد طال عهدنا بسماعه (16).
يبدو أن أحوال المسلمين في بلرم وثرمة أثناء فترة حكم وليام الثاني التي سادها السلام والتسامح كانت مرضية ولم تكن آمنة تمامًا. ذلك إذا ضعف
الملك عن حمايتهم تتربص بهم الدوائر من غلاة النصارى، والملاك الاقطاعيين. هذا حالهم في الحواضر والمدن على حد تصورنا.
أما في البوادي والأرياف فلم يكونوا إلا أرقاء ورهائن في يد الملك يهدد بهم حكام المسلمين الموحدين نموذجا.
ويبدو، أن النورمان آمنوا بالواقع وخضعوا لاعتبارات الموقع الجغرافي، والحقائق السياسية الخارجية، والحالة الحضارية الداخلية الأمر الذي جعل
التوازن بين المصالح والفئات المتضاربة أمرًا لا غنى عنه.
إذن، يتضح مما سبق أن وصف ابن جبير كان يهم منطقة محددة هي تلك التي يتحدث عنها في زمن محدد هو الذي صور فيه ما رأى إن كان تدوينه
لما شاهد تدوينًا آنيًا(17). وأنه من غير الصحيح تعميم هذه المشاهدات على مناطق أخرى حتى في نفس الفترة.
2 - حالة الاضطهاد الديني وحتمية الخوف من المصير: (الهجرة والإكراه)
إن المتتبع للنصوص التي وردت بهذا الصدد يلاحظ أن مناطق الموانئ والقرى والمزارع تضررت أكثر من غيرها بحركة الهجرة التي حدثت إبان
الهجمة النورمانية على الجزيرة، بل لقد استمرت هذه الهجرات إلى حدود الربع الأخير من القرن السادس الهجري. وهذا ما يدعونا للتفكير مليًا في
أحوال المسلمين الاجتماعية في مناطق نفوذ الإدارة الصقلية، وفي الترقب المستمر الذي كان يشعر به هؤلاء إزاء أسيادهم حتى العقدين الأخيرين من
القرن السادس الهجري.
فعلى الرغم من حالة التعايش والتسامح المؤقت بين الطرفين، إلا أنه لا يصح تعميم ما ذكر مع الواقع التاريخي الذي يأخذ اعتبار السياق والزمان
والمكان، وفي فترة كتلك التي تغطيها أحداث الرحلة خاصة ما تعلق منها بالقرى والبوادي التي سقطت في أيدي النورمان دون مقاومة تذكر ولم توقع
اتفاقيات من شأنها أن تضمن حقوقها. من أجل ذلك تدني وضع مسلمي هذه المناطق إلى مرتبة رقيق أو أقنان أرض للسادة الإقطاعيين.
من ذلك ما أورده ابن جبير عن المسلمين في مسينة، إذ يقول إنه ليس فيها من المسلمين إلا نفر يسير من ذوي المهن، ولذلك يستوحش بها المسلم
الغريب(18).
كما يتحدث أنه لولا حضور الملك الصقلي فيها لانتهب جميع ما في المركب الذي أقله انتهابًا، وربما كان يستعبد جميع ما فيه من المسلمين، لأن العادة
جرت لهم بذلك(19).
ويتضمن مؤلفه كذلك نصًا مفيدًا يساعد المهتم على فهم الوضع القيدي للمسلمين التابعين لمناطق نفوذ البارونات النورمان واللمبارد- يقول فيه:
وضربوا عليهم إتاوة في فصلين من العام يؤدونها، وحالوا بينهم وبين سعة في الأرض كانوا يجدونها...(20)
إشارة تجسد تدني وضعية المسلمين في هذه المناطق وتضيق الكامل للممتلكات من الأراضي التي آلت ملكيتها تباعًا إلى الكنيسة ورجال الدين والنبلاء
الإقطاعيين والمزارعين النصارى، يبدو أن الفلاحين المسلمين فقدوا كل حرية وأصبحوا رقيق أرض أو عبيدًا.
هذا ويتفق المؤرخ هوجو فلقندو على ما ذكره ابن جبير، فهو يذكر أن رجال الجرائد (عبيد الأرض) في صقلية كانوا مسلمين أو يونانا يقول: وليس
في صقلية من يدفع الجزية السنوية إلا المسلمون واليونان وهم وحدهم الذين يلحقهم اسم الأرقاء (رجال الجرائد) (21).
وتثبت وثيقة عربية من القرن السادس الهجري الثاني عشر الميلادي أن العرف التجاري كان يسمح بأن يباع الحر عبدًآ، فقد أذن لجماعة من البحّارة
المسلمين أن يحملوا ذهبًا من جفلوذ إلى مسينة خاصًا بسيد اسمه وليم، ويرهنوا ممتلكاتهم ضمانًا عنه، وكان فيهم حاج يدعى عثمان رهن نفسه من
الصراف، لأنه لم يكن يملك شيئًا آخر حتى إذا استطاع أن يدفع ما عليه أصبح حرّا(22).
ومن القضايا الاضطهادية التي لفتت انتباه ابن جبير كذلك اختيار كتمان الإسلام كوسيلة للبقاء، إذ يقدم لنا في هذا الصدد ما يعكس حالة الاضطهاد
الديني، وتأتي أهمية شهادته من أنه كان شاهد عيان. ومما سجله أنه لقى من المسلمين بمسينة فتى اسمه عبدالمسيح من وجوههم وكبرائهم، فاحتفل في
كرامتنا وبرنا، وباح لنا بسرّه المكنون بعد مراقبة منه مجلسه أزال له كل من كان حوله ممن يتهمه من خدامه محافظة على نفسه... وقال لنا: أنتم
مدلون بإظهار الإسلام، ونحن كاتمون إيماننا، خائفون على أنفسنا، متمسّكون بعبادة الله وأداء فرائضه سرّا، معتقلون في مملكة كافر بالله، قد وضع في
أعناقنا ربقة الرق، فغايتنا التبرّك بلقاء أمثالكم من الحجاج.... (23).
هذا ويضيف ابن جبير أن (من عجيب شأن هؤلاء الفتيان أنهم يحضرون عند مولاهم فيحين وقت الصلاة فيخرجون أفذاذًا من مجلسه فيقضون
صلاتهم، وربما يكونون بموضع تلحقه عين ملكهم فسترهم الله، فلايزالون بأعمالهم وبنصائحهم الباطنة للمسلمين في جهاد دائم....)(24).
ولا ننسى أيضًا أنه حينما كان ابن جبير ببلرم ترك لنا وصفًا يحاكي حالة الاضطهاد والوضع النفسي للمسلمين فيها، فقد كانت صلاة الجمعة محظورة
عليهم، ويصلون الأعياد بخطبة دعاؤهم فيها للخليفة العباسي... وبالجملة فهم غرباء عن إخوانهم المسلمين تحت ذمة الكفار ولا أمن لهم في أموالهم ولا
في حريمهم ولا أبنائهم(25).
من هذا نخلص أن عقدة الاضطهاد والاكراه مستمرة حتى في الحاضرة الصقلية، فكما نلحظ بأن صلاة الجمعة محظورة عليهم، والخطبة في العيدين
في الحاضرة بلرم كانت الدعوة فيها للخليفة العباسي الناصر لدين الله وقتئذ، وكان ضعيفًا نائيًا في بغداد، ولم تكن للخليفة الموحدي أبي يوسف يعقوب
المنصور الموحدي الأقرب إليهم في المغرب، وإن دل هذا فإنما يدل على العداء والتربص الخفي بين الموحدين والصقليين، خصوصاً بعد أن بسطوا
سيطرتهم على مدن ساحل أفريقيا عام 555هـ/1160م. وكان لهذا العامل الأخير تأثير كبير على وضع المسلمين في الجزيرة، وذلك بأن جرّدوا من
السلاح في بلرم. ولما تم تجريدهم من السلاح وقعوا فريسة سهلة لسخط اليارونات النورمان واللمبارد في سنة 1161م.
ولم تكن ترتاح نفوس النصارى في اطرانبش من جزيرة صقلية من التظاهر الصاخب بالأعياد الدينية للمسلمين، فتلك الطبول والبوقات كانت تزعق في
أسماع أهل النصارى بأصوات التحدي، وتدوي بالكراهية المتبادلة التي تغطى بالاغضاء والتورية.
يقول ابن جبير: وخرج أهل البلد إلى مصلاهم مع صاحب أحكامهم وانصرفوا بالطبول والبوقات، فعجبنا من ذلك ومن إغضاء النصارى لهم
عليه(26).
ومن حسن الطالع أن طال مقام ابن جبير في اطرانبش مضطرًا، وذلك لتعذّر الابحار منها بسبب الأنواء وسوء الأحوال الطقسية، وقد مكنه ذلك أن قدم
لنا صورًا ومشاهدات بالغة الأهمية تفيد عن حالة حتمية الخوف من المصير القادم في جزيرة صقلية. يقول: وأهل النظر في العواقب منهم يخافون أن
يتفق على جميعهم ما اتفق على أهل جزيرة أقريطش (كريت) من المسلمين في المدة السابقة، فإنه لم تزل الملكة الطاغية من النصارى والاستدراج
الشيء بعد الشيء حالاً بعد حال حتى اضطروا إلى التنصّر عن آخرهم، وفر منهم من قضى الله بنجاته.... (27).
وقد ترجم هذا الوضع النفسي إلى هجرات من دار الحرب إلى دار الإسلام، إذ ارتبطت في أغلبها بالأوضاع المزرية التي كان يتخبّط فيها المسلمون في
تلك الناحية. وكانت أطرانبش (في الطرف الغربي من الجزيرة) - الميناء الرئيسي لهجرة المسلمين إلى الأندلس وشمال أفريقيا(28 ).
وبخصوص أسباب هذه الهجرات وظروفها، انفرد ابن جبير بذكر معلومات قيمة، تلقي الضوء على أحوال المسلمين في مدينة أطرانبش من جزيرة
صقلية، بل تحدثت عن هجرات فردية من مختلف الشرائح الاجتماعية في الجزيرة، فهو يتحدث عن فقيه اسمه ابن أبي زرعة، ضغطته العمال
بالمطالبة حتى فراق دين الاسلام والانغماس في دين النصرانية ومهر في حفظ الإنجيل، ومطالعه سير الروم، وحفظ قوانين شريعتهم، فعاد في جملة
القسيسين الذين يستفتون في الأحكام النصرانية، ربما طرأ حكم إسلامي فيستفتى فيه أيضًا لما سبق من معرفته بالأحكام الشرعية(29 ).ومع ذلك
فأعلمنا أنه يكتم أيمانه، فلعله داخل تحت الاستثناء في قوله: (الا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان)(30).
ويمكن القول أن من أسباب هجرة العلماء، تكمن إما في عدم رضاهم بالعيش في دار الحرب، وفي عجزهم عن إظهار دينهم (حالة ابن أبي زرعة)، أو
في عدم توافر مراكز علمية فيها مساحة من الحرية في إلقاء الدروس الدينية وإبداء الاجتهادات من فتاوي ونوازل شرعية.
كذلك يتحدث ابن جبير عن اجتماعه بزعيم مسلمي صقلية القائد أبي القاسم بن حمود، المعروف بابن الحجر، وقدم قدِم إلى أطرانبش أثناء مقام ابن
جبير فيها، وكان هذه المدة تحت هجران من هذا الطاغية (وليام الثاني) ألزمه داره بمطالبة توجهت عليه من أعدائه افتروا فيها أحاديث مزوّرة نسبوه
فيها إلى مخاطبة الموحدين... وتوالت عليه مصادرات أغرمته نيفًا على الثلاثين ألف دينار مؤمنية... فاتفق في هذه الأيام رضى الطاغية عنه، وأمره
بالنفوذ لهم أشغاله السلطانية... وصدرت عنه عند وصوله إلى هذه البلدة (أطرانبش) رغبة في الاجتماع بنا، فاجتمعنا به فأظهر لنا من باطن حاله
وبواطن أحوال هذه الجزيرة مع أعدائهم ما يبكي العيون دمًا، ويذيب القلوب ألمًا، فمن ذلك أنه قال: كنت أود لو أباع أنا وأهل بيتي، فلعل البيع يخلصنا
مما نحن فيه، ويؤدي بنا إلى الحصول في بلاد المسلمين...
(ومن عظم هذا الرجل الحمودي في نفوس النصارى أبادهم الله أنهم يزعمون أنه لو تنصّر لما بقى في الجزيرة مسلم إلا وفعل فعله اتباعًا له واقتداء
به...)(31).
مما يؤكد على ما ذكره ابن جبير أن الشاعر المصري ابن قلاقس كان قد حلّ ضيفًا على أبا القاسم بن الحجر (563هـ/1168م)، وقد امتدحه بقصائد
وألف له كتابًا (الزهر الباسم في أوصاف أبا القاسم)، وكان زعيم المسلمين حينئذ في الجزيرة، والذي يعرفه أنه كان يلقّب بالقائد، وأنه كان من الأغنياء
ذوي الاقطاعات الواسعة(32).
يبدو أن المنصب الذي يحتله أبو القاسم في الإدارة الصقلية له رونقه الخاص، فهو يخيل إلينا أنه كان صاحب ديوان الإنشاء، ولعل الأصح أنه كان
رئيسًا على كل الدوائر الإسلامية من ديوان إنشاء وطراز وسلطة إدارية وغيرها(33).
أما مسألة تهمة مخاطبة الموحدين، ففيها دراية ونظر، لأن الهروي يقول أنه اجتمع به في صقلية فأعطاه أبو القاسم كتابًا إلى السلطان الموحدي يحث
فيه على أخذ الجزيرة (34). ولعل هذا التدبير قد استغله أعداؤه فوشوا به إلى الملك فشقى بالمصادرة حتى بقى دون مال. على حد قول ابن جبير.
ولم يقتصر الأمر على التصدي لفقيه أو زعيم كما رأينا، بل تعداه إلى حد تعرض الأسر المسلمة المحافظة للتفسّخ والانحلال من جراء المغريات نحو
التنصّر، فضلاً عن الضغوط التي كان يتعرض لها المسلمون لهذا الغرض. من ذلك ما أورده ابن جبير بقوله: (ومن أعظم ما منى به أهل الجزيرة أن
الرجل ربما غضب على ابنه أو على زوجه....فتلحق المغضوب عليه آنفة تؤدية إلى التطارح في الكنيسة فيتنصّر ويتعمّد... فهم الدهر في مداراة
الأهل والولد خوف هذه الحال)(35).
كل ذلك جعل أهل النظر من المسلمين يخشون أن يحل بهم ما حل بمسلمي جزيرة أقريطش (كريت) بعد استيلاء الروم عليها من أيدي المسلمين سنة
961م(36).
ويذكر ابن جبير أن ملكة أقريطش (كريت) النصرانية لم تزل تستدرج المسلمين شيء بعد شيء حتى اضطروا إلى التنصّر عن آخرهم، وفرّ منهم من
قضى الله بنجاته على حد قوله(37).
ولا ننسى أن فئة من أعيان المسلمين في صقلية ترى أن الحل الوحيد لمشاكلها هو الهجرة إلى بلاد المسلمين، وكان يُرى أن من الأجدر تزويج الفتيات
من زائرين ومسافرين من بلدان إسلامية أخرى، وذلك بغية في أن يجنبهن ما قد يحصل من الفتن، ورغبة في التخلص إلى بلاد المسلمين بأنفسهم إذا
زالت الغمة عنهم(38).
يبدو أن الهجرة من صقلية لم تكن سهلة، ولا كانت السلطات الصقلية تسمح بها، إلا إذا كانت في ظروف طبعت بالكتمان والسرية التامة خوفًا على
أنفسهم من النصارى، فلا غرابة في أن يتطلع المستضعفون من المسلمين إلى عون ونجدة الموحدين كما تطلع مسلمو الأندلس إلى نجدة المرابطين قبل ذلك بقرن من الزمان.
ومن كل ما سبق نصل إلى النتيجة التالية وهي أن المسلمين كانوا في الجزيرة معرضين للاضطهاد والخوف من البطش في أغلب الأحايين، كما يذهب
إلى ذلك ابن جبير في مواضع عدة، وهذا ما يفسر لنا كل هذه الشكاوى والهجرات الفردية من مختلف الفئات الاجتماعية، فأيّا كانت هذه الأسباب دينية
أو سياسية، فالنتيجة هي تبدد السكان المسلمون الباقون في الجزيرة إما للهجرة إلى الخارج إلى بلاد المسلمين، وإما للتنصير، وحينئذ تكون الخريطة
العرقية والسكانية للجزيرة قد طرأ عليها تغير كبير، ولا أمل في تبديله، على حساب المسلمين(39).
وقد صدق بعيدو النظر من المسلمين في ما يخبئه المستقبل لهم، فبعد خمس سنوات من زيارة ابن جبير وقعت أعمال شغب في سنة 1189م، كان
العنصر المسلم من السكان هدفًا واضحًا، حيث كان مايزال لبعض المسلمين ممتلكات واسعة ومناصب ذات نفوذ في جهاز الدولة. يقول ماك سميث:إن
هؤلاء المواطنين المختلفين (المسلمين) عن بقية سكان الجزيرة، كان من المرجح أن يصبحوا كبش الفداء في أي لحظة تحدث فيها أزمة سياسية أو اقتصادية (40).
يبدو أن الوضع ازداد سوءًا على إثر المذابح والثورة في سنة 585هـ/89-1190م، وذلك بعد وفاة وليام الثاني الذي كانت حمايته للمسلمين تزيد من
كره الصليبيين لهم.
من أجل ذلك أصبح بقاء الإسلام في صقلية أمرًا صعبًا، لأن من تبقى أُكره على التنصر أو الرحيل عن الجزيرة فهذا حالهم في المدن في أواخر العهد
النورماني، فما بالك بالمناطق الأخرى في الجزيرة.
الخاتمة
بعد استعراضنا لعناصر ومكونات الصورة التي أنتجها ابن جبير في رحلته عن أوضاع المسلمين في صقلية النورمانية خلال الربع الأخير من القرن
السادس الهجري، والوقوف عند بعض مضامينها وأوجه مقاصدها. يجدر بنا أن نسجل الخلاصات التالية:
1 - رسم ابن جبير الخطاطة الأولى لصورة أوضاع المسلمين في جزيرة صقلية، ويمكن تقسيم هذه الصورة إلى شطرين أولهما تقريرًا إيجابيًا إلى حدّ
ما، بينما يتضمن الثاني تقريرًا سلبيًا يشبه ما تداولته أقلام المؤرخين المسلمين عن حالة الاضطهاد والبطش التي كانوا يعيشون إحدى مراحلها.
وبالاستناد إلى روايات ابن جبير، يمكن القول أن المسلمين في المدن كانوا يتمتعون بشيء من الحرية، ولا يحق لهم التوسع في ممتلكاتهم. أما فلاحي
الأرياف فقدوا كل حرية وأصبحوا رقيق أرض أو عبيدًا أو جندًا في الجيش والأسطول النورماني.
2 - إن حالة الرضا المؤقتة التي تحدّث عنها تشكّل استثناء، حيث بينت الدراسة عدم إمكان إسقاطها على حاضرة المملكة الصقلية (بلارمه) في فترات
مغايرة، فما بالك بالمناطق الأخرى لـ(مسنية وأطرابنش)، مما يجعل كل تعميم في هذا الشأن بعيد كل البعد عن الواقع التاريخي.
3 - يمكن اعتبار نصوص ابن جبير وثيقة هامة للغاية، ولكنها لا تشكّل رؤية متكاملة إلا إذا تم اعتماد الباحث كذلك على كتابات المؤرخين الافرنجة
الذين عاصروا بدورهم هذه الفترة.
4 - إن صورة أوضاع المسلمين في صقلية التي تشكلت في عقلية ابن جبير كانت محكومة في منطلقاتها من خلفية فكرية وثقافية، فهو العالم
والمحدث، وبالتالي فإن نظرته توحي للمتمعن في أن أوضاع المسلمين تحت النفوذ الإسباني النصراني كانت متردّية.
بيبلوغرافيا
(1) أحمد النفيس، الفكر الجغرافي عند المسلمين، ترجمه فتحي عثمان، دار القلم، الكويت 1978، ص39.
(2) أبو الحسن محمد بن أحمد بن جبير الكناني الأندلسي، الشاطبي البلنسي، ولد في بلنسية سنة 539هـ. وكانت وفاته بالإسكندرية، حيث أقام هنالك محدثًا، في سنة 614هـ.
(3) Wright (w.) Travels of Ibn Jobir, len 2581. سأعيد طبع الرحلة سنة 1907. وحقق المستشرق أماري Amari الجزء الخاص بصقلية من الرحلة وأفاد منها المستشرق Crolla في بحثه عن جزيرة صقلية. وقد حقق حسين نصار رحلة ابن جبير وطبعت في مصر على النسخة الأوربية سنة 1955، وأعيد طبعها في لبنان سنة 1981.
(4) النورمان كما يستدل من اسمهم (North men, Vikings) هم من أهل شمال أوربا - اسكندناوة - واستقر بعضهم في شمال فرنسا حيث استقلوا بإمارة عرفت إلى الآن باسمهم وهي نورماندي، والنورمانيون فرنسا مرتزقة عملت في صفوف الجماعات المتحاربة في جنوب إيطاليا، وقد برزوا في ميدان التنظيم العسكري، وقد نجحوا في توطيد أقدامهم في جنوب إيطاليا (بولية وقلّورية) ضد الروم البيزنطيين ومن ثم وجهوا اهتمامهم إلى صقلية، وكان قدوم النورمان منذ استيلائهم على مسينة عام 1061، بغرض الفتح والاستقرار وانتزاع السيادة على الجزيرة من أيدي المسلمين. د.أمين توفيق الطيبي، دراسات في تاريخ صقلية الإسلامية، بنغازي، ليبيا، ط.1، 1990، ص19، 20.
(5) مورينو، مارتينو ماريو، المسلمون في صقلية، بيروت، 1968، ص190.
(6) أماري، م، المكتبة العربية الصقلية، ليسبك، 1875، ص26.
(7) Amari, Michle, Storia dei Musul mani di Sicilia, 3vols. Seconda ediziene, Catania 1933 - 1939, P.502.
(8) ابن ابن جبير، الرحلة، دار الشرق العربي، بيروت، ب. ت. ، ص254.
(9) المصدر نفسه، ص255.
(10) المصدر نفسه، ص254.
(11) المصدر نفسه، ص261.
(12) المصدر نفسه، ص254.
(13) المصدر نفسه، ص257.
(14) المصدر نفسه، ص260.
(15) المصدر نفسه، ص260.
(16) المصدر نفسه، ص258.
(17) هناك من يذكر أن ابن جبير كتب أخبار الرحلة فيما يقرب من سنة 583هـ بعد أن شاع خبر فتح بيت المقدس على يد صلاح الدين. عبدالمجيد بهيني، أوضاع المسلمين تحت الإدارة الصليبية من خلال رحلة ابن جبير، أعماله ندوة المغرب - المشرق: العلاقات والصورة، جامعة القاضي عيّاض - كلية الآداب والعلوم الإنسانية بني هلال، 1999، ص175.
(18) ابن جبير، الرحلة، ص253.
(19) المصدر نفسه، ص252.
(20) المصدر نفسه، ص253.
(21) Amari, 3, P.952.
(22) إحسان عباس، العرب في صقلية، دار المعارف، مصر، 1959م، ص143.
(23) ابن جبير، الرحلة، ص255.
(24) المصدر نفسه، ص255.
(25) المصدر نفسه، ص260.
(26) المصدر نفسه، ص263.
(27) المصدر نفسه، ص268.
(28) المصدر نفسه، ص263.
(29) المصدر نفسه، ص266،267.
(30) سورة النحل، الآية 106.
(31) ابن جبير، الرحلة، ص267.
(32) ابن قلاقس، الاعز نصر الله بن فتوح، ترسل ابن قلاقس:34 من نسخة خطية رقم 17، أدب بالمكتبة التيمورية، إحسان عباس، العرب في صقلية ص 289.
(33) إحسان عباس، العرب في صقلية، ص192.
(34) الهروى، الإشارات إلى معرفة الزيارات، المكتبة الملحق الثاني، ص2.
(35) ابن جبير، الرحلة، ص268.
(36) أمين توفيق الطيبي، دراسات في تاريخ صقلية الاسلامية، اقراء للطباعة، بنغازي، 1995، ص36-37.
(37) ابن جبير، الرحلة، ص268.
(38) المصدر نفسه، ص 268-692.
(39) عزيز أحمد، تاريخ صقلية الاسلامية، نقله إلى العربية وقدم له أمين توفيق الطيبي، الدار العربية للكتاب، 1980، ص48.
(40) ماك سميث، تاريخ صقلية في القرون الوسطى (بالانجليزية)، ص 45،46، عزيز أحمد، تاريخ صقلية الاسلامية، ص85.
الصفحة الرئيسية للجلسة