أبحاث الفترة الصباحية الأولى ليوم الإثنين
رئيس الجلسة: أ.د. عبدالله الغنيم مدير مركز البحوث والدراسات الكويتية
الـيابـان بـعـيـون عـربـيـة
أ. د. مسعود ضاهر
تعريف بالدراسة والمنهج
لعب البعد الجغرافي دورا مهما في غياب الاهتمام المشترك بين العرب واليابانيين طوال قرون عدة. وفي حين ساعدت عزلة اليابان الجغرافية على حمايتها من الأطماع الخارجية، فان الموقع الاستراتيجي للعرب على مداخل ثلاث قارات كبرى وضعهم تحت رقابة استعمارية مباشرة منذ مطلع القرن التاسع عشر حتى الآن. فبات العرب في صلب الاستراتيجيات الدولية، من حيث الموقع والموارد الطبيعية والمالية. وقد نجحت اليابان في تلافي الإحتلال الأجنبي لأراضيها وكان شعبها يفتخر على الدوام بأن أقدام الغزاة الأجانب لم تطأ أرض اليابان قبل عام 1945، وبعد أن قصفها الأمريكيون بقنبلتين نوويتين ما زالت آثارهما حية في ذاكرة اليابانيين وجميع الشعوب الديموقراطية في العالم، كنموذج على العمل الإجرامي ضد الإنسانية.
بالمقابل، لم ينجح العرب في حماية نهضتهم الأولى التي بدأت في مصر إبان حكم محمد علي، ثم انتشر تأثيرها المباشر على بلاد الشام وباقي أرجاء السلطنة العثمانية. فقد سقطت الجزائر، واليمن، وتونس، ومصر وغالبية الدول العربية تحتل الإحتلال الأجنبي بأشكاله المتنوعة، البريطاني والفرنسي والإسباني والإيطالي. ورغم استعادة غالبية الدول العربية لاستقلالها السياسي، فهي ما زالت تعاني ضغوطا خارجية لا حصر لها. لذا سارت كل من اليابان والدول العربية ضمن خطين متوازيين من التحديث والتنمية البشرية المستدامة. كما أن البعد الجغرافي بينهما لعب دورا إضافيا في بقاء العلاقات بينهما ضعيفة للغاية باستثناء تبادل النفط الخام العربي بالسلع اليابانية.
تحاول هذه الدراسة لفت الإنتباه إلى أبرز التبدلات التي طرأت على صورة اليابان لدى الباحثين العرب في القرن العشرين، وذلك بالإستناد إلى نماذج من الدراسات العربية المنشورة عن اليابان (1). وقد تمحورت فرضياتها العلمية الأساسية، وسمات المنهج التحليلي المعتمد فيها على الشكل التالي:
1 - أن معرفة العرب باليابان من طريق الأبحاث والدراسات العلمية المعمقة هي حديثة العهد ولا ترقى لأكثر من عقدين من الزمن. فقد كانت المقالات العربية عن اليابان قبل 1983 مجرد إنطباعات صحفية، وأدبية، وعاطفية، وغالبا ما كتبت عن بعد.
2 - أن العلاقات بين العرب واليابانيين كانت هشة للغاية. فلم يبد اليابانيون اهتماما يذكر بالعرب قبل حرب أكتوبر 1973 حيث تعرض الإقتصاد الياباني لهزة عنيفة بسبب إرتفاع أسعار النفط العربي وعدم معاملة العرب لليابانيين كدولة صديقة.
3 - أن الصورة المتبادلة بين العرب واليابانيين كانت، في الغالب، مشوشة وسلبية لدى الجانب الآخر. مرد ذلك إلى أن وسائل التواصل المباشر بينهما كانت ضعيفة للغاية حتى أواسط القرن العشرين. وترسخت تلك الصورة من خلال ما نشرته وسائل الإعلام الغربي الذي كان يعكس صورة نمطية سلبية، ساهمت في إعاقة العلاقات الثقافية بين الجانبين طوال القرن العشرين.
4 - بذل الباحثون اليابانيون جهودا ثقافية مهمة لمعرفة العرب عن كثب، وبصورة مباشرة.
فهناك العشرات ممن تخصص منهم بدراسة الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والعسكرية والثقافية للدول العربية، ويتزايد تواجدهم باستمرار في مراكز الابحاث اليابانية المنتشرة في بعض الدول العربية، وفي مؤتمرات علمية ذات صلة بالعرب والاسلام والنفط.
في حين لم يبذل العرب جهودا تذكر لتقديم معرفة موضوعية عن اليابان، ومستندة فعلا إلى وثائق يابانية. فما زالت غالبية الدراسات العربية عن اليابان تكرر مقولات لباحثين أوروبيين وأمريكيين، نادرا ما كانت منصفة أو تقدر نهضة اليابان حق قدرها.
بقى أن نشير إلى ملاحظة منهجية. هل أن معالجة موضوع (اليابان بعيون عربية)، في ندوة بعنوان (الغرب بعيون عربية) تحمل شيئا من الإقحام غير المبرر لبلد آسيوي شرقي مع مجموعة من الدول الغربية، أو بالأصح الغربية والأمريكية معا؟ الجواب بالنفي.
فما يعبر عنه مصطلح الغرب في أبعاده السياسية، والثقافية، والحضارية لعصر العولمة هو جميع الدول المتطورة، تكنولوجيا بالدرجة الأولى، وذلك بمعزل عن موقعها الجغرافي. فالغرب، بهذا المعنى، ليس واحدا. وهناك تداخل كبير في تصنيف دول العالم تبعا لدرجة تطورها التقني، والإقتصادي، والثقافي بحيث تتجاوز الموقع الجغرافي لتضم القارات الخمس. وبهذا المعنى أيضا، تصنف اليابان في خانة الغرب لأنها دولة متطورة جدا، وقد أنجزت قفزات نوعية وثورات متواصلة على مختلف الصعد السياسية، والاقتصادية،والتكنولوجية، والثقافية، والإعلامية وغيرها. ولديها موقع ثابت ومتقدم بين الدول الأكثر تطورا في العالم والتي بدأت بخمس دول ثم تطورت إلى سبع، فثماني دول. وهي مفتوحة الآن أمام دول أخرى للحاق بها شرط أن تحقق وتيرة نمو عالية في عالم الإنتاج المكثف والتكنولوجيا المتطورة.
هكذا تم توصيف اليابان، ومنذ سنوات طويلة، في عداد دول (الغرب)، أي المتطورة جدا.
يكفي التذكير هنا بأن باحثا فرنسيا قد أصدر في العام 2003 كتابا بعنوان: (اليابان: أزمة حداثة من نوع آخر) فحمل الفصل السابع عشر منه العنوان التالي: (يابان الغرب ويابان الشرق) (2)، ناقش فيه كيف أن مناطق غرب اليابان كانت أكثر إستعدادا لتقبل الحداثة الغربية من مناطقها الشرقية. فشكلت (الباخرة) ومعها السلاح الناري تجسيدا لتوجه المناطق الغربية بحرا نحو ثقافة أوروبا وأمريكا وتقنياتهما. وشكل (الحصان) ومعه السيف، تجسيدا لقوى الساموراي التي كانت ترفض الانفتاح على الغرب وتلقب شعوبه بالبرابرة.
وقد لعب الإمبراطور المصلح (مايجي) الدور الأساسي في نقل العاصمة من المدينة التاريخية والجميلة جدا، كيوتو، إلى مدينة إدو EDO التي تقع في عمق المنطقة الشرقية. فانطلقت منها عملية تحديث واسعة كانت في بداياتها عملية تغريب واضحة المعالم. وقد أطلق عليها اسم العاصمة الشرقية، أي طوكيو، وعمل على نقل جميع مؤسسات الدولة إليها منذ عام 1868.
ويعتبر كثير من الباحثين في تاريخ النهضة اليابانية أن هذا التدبير شكل محاولة ذكية لتعميمم الإصلاحات على جميع مناطق اليابان انطلاقا من مركزية صارمة بحيث جمعت المؤسساته في العاصمة الجديدة، أي في قلب المناطق الشرقية الرافضة للتغريب. مما تطلب قسوة بالغة لفرض إصلاحات مقتبسة عن الغرب على نطاق واسع، وعدم حصرها في المناطق الغربية.
وكان لموقفه المتشدد في تعميم تلك الإصلاحات أثر كبير على قوى الساموراي المحافظة، والتي تخلت عن من مكتسباتها التقليدية السابقة وإنخرطت في عملية التحديث الجديدة. فكان لها دور ملحوظ في إنجاحها وترسيخ مقولاتها بصورة تدريجية بين جماهير الفلاحين وسكان الأرياف.
بعبارة موجزة، صنفت تجربة التحديث اليابانية في بداياتها كتجربة تحديث على النمط الغربي.
وهناك من بالغ في وصفها بأنها غربية بالكامل، من حيث المقولات الثقافية، وأدوات التحديث، واشكال المؤسسات، وطرائق التنظيم السياسي والإداري، والضبط الاجتماعي، والتنمية البشرية والإقتصادية، ومناهج التربية والتعليم وغيرها. وهناك من اعتبرها تجربة تحديث ناجحة استفادت كثيرا من تجارب الغرب الأوروبي والأمريكي دون أن تتخلى عن خصوصيتها الآسيوية. ولم ينكر الباحثون اليابانيون أنفسهم أثر الغرب في إطلاق نهضة اليابان، لكن لديهم مقولات مغايرة تماما لمقولات الباحثين الغربيين ومن سار على خطاهم، حول توصيف عملية التحديث في اليابان، وأصالة مقولاتها، وإثبات قدرتها على التجدد بعد أن أصيبت بضربة أليمة في الحرب العالمية الثانية، ثم تحولها إلى نموذج يحتذى لدى النمور الآسيوية.
يابان (الشمس المشرقة)
بدت صورة اليابان، عن بعد، جميلة جدا لدى بعض الشعراء والكتاب العرب في النصف الأول من القرن العشرين. فإبان فترة مليئة بالهزائم والإحباط من تاريخ العرب الحديث، أعجب شعراء العرب وأدباؤهم بنهضة اليابان التي نجحت في بناء جيش قوي، وإقامة دولة عصرية، وإحتكارات إقتصادية ومالية ضخمة، وإصلاحات سياسية، وتربوية، وإدارية، واجتماعية كبيرة، وإدخال العلوم العصرية والتكنولوجيا المتطورة على نطاق واسع إلى اليابان.
وخلال ربع قرن فقط، قادت تلك الإصلاحات، إلى ظهور دولة (الشمس المشرقة)، وهي دولة قوية لا تخاف الغرب بل يخاف منها. فقد تتالت الانتصارات العسكرية اليابانية طوال الفترة الممتدة ما بين 1894 - 1941. فحقق الجيش الياباني نصره الأول على الجيش الصيني عام 1894، ثم هزم الجيش الروسي عام 1905. وخرجت اليابان منتصرة في نهاية الحرب العالمية الأولى وباتت أقوى دولة إمبريالية في جنوب وشرق آسيا. ثم إحتلت مساحات شاسعة من الصين وكوريا ودول الجوار الآسيوي وبلغت أقصى مداها ما بين 1831- 1939. وأنزل سلاحها الجوي هزيمة قاسية بالأسطول البحري الأمريكي في بيرل هاربر عام 1941.
لذلك باتت اليابان محط إعجاب شعراء العرب وأدبائهم. فهي لم تنجح فقط ببناء دولة عصرية قوية تحميها من مخاطر الإحتلال الأجنبي بل تحولت هي نفسها إلى واحدة من أكثر الدول الإمبريالية شراسة في العالم، وفرضت هيمنتها على منطقة جنوب وشرق آسيا بأكملها قبيل الحرب العالمية الثانية، وهددت بإخراج جميع الدول الأوروبية والولايات المتحدة الأمريكية من تلك المنطقة لتحويلها إلى بحيرة للنفوذ الياباني بمفرده. فأبدوا إعجابهم الشديد بالمقولات السياسية، والاقتصادية، والثقافية، والتربوية التي حولت اليابان بسرعة مذهلة من دولة ضعيفة إلى دولة قوية أدخلت الرعب في قلوب الآسيويين والأوروبيين والأمريكيين معا.
ونظرا لغياب الدراسات العربية العلمية حول اليابان في تلك الفترة، تأليفا أو ترجمة، نشير هنا إلى نموذجين أدبيين عبرا بصدق عن حقيقة المشاعر العربية تجاه اليابان في مطلع القرن العشرين، وهما قصائد للشاعر حافظ إبراهيم، وكتاب للمفكر السياسي المصري مصطفى كامل.
أ - فقد نظم حافظ إبراهيم قصيدتين مطولتين بمناسبة بدء الإنتصارات الخاطفة التي حققها الجيش الياباني على الجيش الروسي. الأولى بعنوان: (غادة اليابان)، نشرها في 6 نيسان 1904، وفيها تمجيد لفلسفة القوة، وإشادة بشجاعة اليابانيين، وبتماسك الشعب الياباني وراء قيادته السياسية من أجل تحقيق مصالح اليابان العليا كدولة قوية تهابها الدول الأخرى، ومطلعها:
| لا تلم كفي إذا السيف نبا
|
صح مني العزم والدهر أبى
|
وأبرز ما جاء فيها وصفه لموقف فتاة يابانية أصرت على العودة إلى ديارها قياما بالواجب الوطني تجاه بلادها، ومشاركة شعبها في الحرب.
| أنا يابانـيـة لا أنـثـني
|
عن مرادي أو أذوق العطبا
|
| أنا إن لم أحسن الرمي ولم
|
تستطع كفاي تقليب الظبا
|
| أخدم الجرحى وأقضي حقهم
|
وأواسي في الوغى من نكبا
|
| هكذا الميكادو قد علمنا
|
أن نرى الأوطان أما وأبا.(3)
|
ثم أعقبتها قصيدة أخرى بعنوان (الحرب اليابانية – الروسية)، نشرها في 10 تشرين الثاني 1904. وقد نظمها بمناسبة انتصار الجيش الياباني على الجيش الروسي في حرب بدأت في شباط 1904 وإنتهت بهزيمة روسيا في أيلول 1905، مع اعترافها بسيطرة اليابان على كوريا، وجلاء الجيش الروسي عن منشوريا، وشروط أخرى لصالح التوسع الياباني. ومطلعها:
| أساحة للحرب أم محشر
|
ومورد الموت أم الكوثر؟
|
ولعل أجمل ما في القصيدة تذكير الشاعر بعودة الشرق بقوة إلى التاريخ العالمي.
| أتى على الشرق حين إذا
|
ما ذكر الأحياء لا يذكر
|
| ومر بالشرق زمان وما
|
يمر بالبال ولا يخطر
|
| حتى أعاد ( الصفر) أيامه
|
فانتصف الأسود والأسمر
|
| فرحمة الله على أمة
|
يروي لها التاريخ ما يؤثر(4)
|
ب - في حزيران 1904، أصدر الزعيم المصري مصطفى كامل باشا كتابا مهما بعنوان: (الشمس المشرقة)، تضمن مقدمة، ووصفا لجزر اليابان، وبعض الأحداث المنتقاة من تاريخها، والانقلاب الحديث في عهد الإمبراطور مايجي أو الميكادو. وقدم تعريفا سريعا بسيرة بعض أعوانه، وتوصيفا لولادة الدستور الياباني لعام 1889، ومجلس النواب، والأحزاب اليابانية الجديدة، ووصفا لآليات عمل الإدارة، والقضاء، والمالية، والتربية والتعليم، والصحافة، والحربية والبحرية. إلا أن المعطيات الواردة في هذا الكتاب شمولية، ويفتقر بعضها إلى الدقة في مجالات عدة لأنها مستقاة عن بعد، ومن مصادر صحفية ودعائية في الغالب. وليست للكاتب معرفة عيانية بالعلاقة المعقدة جدا بين المجتمع التقليدي والدولة العصرية في اليابان، وأواليات تنظيمهما وكيفية التداخل بينهما. كما أن شروط البحث العلمي الدقيق لم تكن ميسرة لأن التوثيق الجيد آنذاك كان صعبا للغاية. كان الهدف التثقيفي المرجو من الكتاب بارزا بصورة جلية، إذ كان مصطفى كامل، ومن موقعه كزعيم سياسي مصري، ينشد التغيير في مصر أولا، وفي الولايات العربية، والسلطنة العثمانية، وجميع شعوب الشرق. فأجرى في كتابه هذا مقارنات متكررة بين دولتي مصر واليابان اللتين تعرضتا لضغوط خارجية مشابهة، ففشلت الأولى في مواجهتها ونجحت الثانية. وقد انطلق في مقارنته من موقف تثقيفي خالص على قاعدة مأثورة لدى العرب هي: (إن التشبه بالكرام فلاح). فلخص الغاية كتابه بالقول: (ضرب الأمثال لأبنائها الأمة العربية) بأمثالهم الذين لم تقعدهم حادثة عن النهوض، ولم يملأ اليأس قلوبهم لمصاب أهلي، أو خيبة وطنية. بل اعتقدوا أن لكل شعب حقا في الاستقلال ونصيبا من السعادة. فجدوا واجتهدوا، واتحدواوعملوا حتى نالوا هذاالحق وذلك النصيب(5) وبما أن المصريين، ومعهم جميع العرب، هم شرقيون على غرار اليابانيين، فنجاح هؤلاء يبشر العرب وغيرهم من شعوب الشرق بأن طريق الخلاص من الإحتلال والتبعية مفتوح أمامهم عبر نضالاتهم، وتضحياتهم، وتوحيد صفوفهم. ورفض المقولة التي كانت سائدة بأن التخلف قدر مفروض على الشرقيين كما كانت تزعم الدراسات الإستشراقية التي جعلت من الغرب معلما للشرق. كان البعض منا، معاشر الشرقيين، يقول ويلقن هذا القول للصغار والكبار، أننا أمم إنقضى دورها، ودالت الأيام على مدنيتها، ومحا الزمان وجودها السياسي وليس في وسعها التسلح بمدنية أوروبا ومقاومتها بها. وأنه لا بد لها من الاستسلام للغرب، وقبول حكمه، وسلطانه بلا عمل للحاضر وبغير جهاد في سبيل المستقبل. فقامت أمة اليابان مكذبة لهذه الدعوى، منادية الشرقيين أجمعين بأن طريق الارتقاء ميسر لقصاده، وأن من جد وجد، وكل من سار على الدرب وصل. (6).
جاء كتاب (الشمس المشرقة) بأكمله ردا على تلك المقولة، وعلى الإحباط القاتل الذي كان سائدا آنذاك، ودعوة إلى الإستنهاض.(سمعت الناس يتساءلون عن نبأ هذه الأمة الشابة ( اليابان)، فأحببت أن اقدم لهم الجواب على ما يسألون... نعم، الموضوع يستحق المؤلفات الضخمة.
لكنني أظن أن فيما أتيت به الكفاية، وأعتقد أن تاريخ اليابان هو خير ما يلقى على أمم الشرق من الدروس النافعة....
ويضيف: (العالم كله ينظر إلى اليابانيين نظرة استغراب وإعجاب، ويعد إنتصارهم الباهر، وظفرهم العظيم... أجمل ما دونه تاريخ الحروب. وإذا إستمر اليابانيون على هذه الخطة التي أعجب بها الناس طرا، تم لهم أمام الروس ما تم لهم أمام الصينيين... والله أسأل أن ينتفع قومي بهذه الموعظة، ويحقق آمالي، ويريني من همم رجال الأعمال، ما يزيدني ثقة بأن بلادي بالغة ما ترجو من حياة عالية، ومجد واستقلال)(7).
لكن المقارنة بين اليابان ومصر تثير مرارة الكاتب حين يتذكر كيف أن انطلاقة حركة التحديث في كلا البلدين كانت متشابهة في وجوه كثيرة، فكيف انتهت إلى نتائج معكوسة؟ فوصف تلك المرارة قائلا: بأي قلم يكتب المصري عن أمة كانت في عداد الأموات يوم كان قومه في الصف الأول من الأحياء، تعجب الدنيا بهم ويتفاخر الشرقيون بأعمالهم، وترهب الأعداء جيوشهم وأساطيلهم. بل كيف يستطيع المقارنة بينهم وبيننا. كنا ندعو الشرق للإقتداء بنا فقاموا يدعونه للسخرية منا... وليس بعجب أن يقف المصري موقف الحيرة إذا أراد المقارنة بين أمتين إحداهما حليفة إنكلترا والأخرى مفترسة بين أنيابها... أنى للكاتب أن يقارن والمقارنة لا تكون بين الصاعد والنازل، والمتقدم والمتأخر، والحاكم والمحكوم، والسائد والمسود، والغالب والمغلوب، والشمس المشرقة والشمس التي غربت.. إني، كما أرى في التاريخ العبر والأمثال، والمرهم لجراح الأمم، أرى فيه شقاء الذين تولعوا بالمجد والإستقلال وقضي عليهم أن يعيشوا في زمن الإحتلال والإنحلال. وما مراجعة ذلك الماضي المجيد إلا كرد الحياة لمحمد علي الكبير ليرى بعيني رأسه في أي حال صارت مصر وأي مقام أدرك اليابانيون (8).
يحدد الكاتب افتتاح قناة السويس كنقطة زمنية مهمة لحركة التاريخ الانحداري لدى المصريين والتصاعدي لدى اليابانيين. كأن قنال السويس لم يفتح إلا ليؤذن بضياع مصر وعظمة اليابان. فقد كان عام 1869 خاتمة الحياة الكبيرة في مصر ومبدأها في بلاد الميكادو. (9).
ثم يركز كثيرا على الدور الأساسي الذي لعبته القيادة السياسية في كلا البلدين. فمواقف تلك القيادة دفعت اليابان على طريق العمران، والازدهار، والقوة، والمنعة، ودفعت مصر باتجاه الأزمات، والخراب الاقتصادي، والتبعية وصولا إلى تسهيل فرض الاحتلال الأجنبي.
لو بحثنا بحث إنصاف واعتدال في الأسباب التي قضت علينا لوجدناها في استعمال الحكام والأمراء للسلطة المطلقة، استعمال جنون واستبداد، واستخدامها لأهوائهم النفسانية ومطامعهم الشخصية وإماتتهم الشهامة في الأمة، وقتلهم لكل إرادة فيها.... فالسلطة المطلقة إذا ضلت تخرب في يوم واحد ما يعمر في قرون. وبالعكس، إذا وجهت للخير تبني في يوم ما لا تبنيه حكومات الدستور في سنين وأعوام. وكما أنها في الحالة الأولى أضاعت مصر وجرت عليها الويل فإنها نهضت باليابان في الحالة الثانية نهضة لم ير التاريخ لها مثيلا ولم تسمع الأمم بما يحاكيها من قبل. فقد وفق الله لهذه الأمة السعيدة ( اليابان) رجلا لم يعتبر حق الملك والسيادة قوة سحق وإبادة. بل نظر إليه نظرة صائبة وعرف أنه يجب أن يكون مصدر الخير والسعادة. وأن أمة كاملة وضعت ثقتها فيه، وأجمعت على محبته، والخضوع لإشارته، والامتثال لإرادته لجديرة بأن تنال منه النفع العميم والخير الوفير، والإصلاح المستمر، والحرية المنعشة للقلوب، المنمية للقوى، والدستور الذي يكفل للأمة بقاء هذه الحرية(10).
لذلك تحمس الشعب المصري، ومعه كثير من الشعوب العربية والإسلامية، لانتصار اليابان على روسيا القيصرية التي كانت تعتدي على السلطنة العثمانية، وتشجع ولاياتها على الانفصال عنها. فهناك نزوع إيجابي يظهر بصورة طبيعية لدى شعوب الشرق المسحوقة عند رؤيتها لقوة آسيوية صاعدة في أية بقعة من بقاع الشرق. فهي تتوق إلى >إيقاف الغرب عند حده مما يسر كل شرقي أصابه شيء من طوفان أوروبا....
ويضيف: (إن انتصار اليابان يحدث انقلابا عاما في الشرق الأقصى ويبعث في الأمم الصفراء روحا جديدة، ويجمع أمرها، ويوحد كلمتها ويوجهها إلى طريق الجد والعمل... إننا نبتهج لتحقيق هذه القضية لأن تقدم تلك الشعوب ينعش قلوب الأمم الإسلامية ويجدد للإسلام حياة كبرى في الشرق الأقصى. فالمنتصرون لليابان ينتصرون للحق والعدل والتقدم والوطنية. ويثبتون ارتقاء شعورهم بميلهم للدولة الشرقية التي ألقت على العالمين أفضل دروس الجد والاجتهاد والعمل والاتحاد)(11). ثم ينهي كتابه بالقول: لا يسع القاريء بعد الوقوف على عظمة هذه الأمة اليابانية إلا أن يقول إن أمة متحدة الكلمة، مجتمعة الأمر، ملتفة حول عرش إمبراطورها، متفقة الشعور نحو وطنها، متضامنة متآلفة لنصرة رايتها الشمسية، مالكة لإرادتها، لا تخيب أبدا في مطالبها، ولا تظلم أو تضطهد ولو اجتمعت دول الأرض عليها وأحاطت بها من كل جانب (12).
غاية الكتاب إذن سياسية، ثقافية، وطنية، وذات أبعاد دينية ومستقبلية معادية للاستعمار الأوروبي.
فمصطفى كامل يريد توظيف الانتصار الياباني، لخدمة الشعوب الشرقية كلها لأنها كانت تعاني من ويلات الاحتلال، والسيطرة الأوروبية المباشرة. ونظرا لبعد اليابان الشاسع عن بلاد العرب، وتحكم وسائل الإعلام الغربية بمصادر الأخبار حول ما كان يجري في منطقة جنوب وشرق آسيا، شكل كتاب(الشمس المشرقة) مدرسة تعلم فيها عدد كبير من المثقفين العرب عن أسباب نهضة اليابان من جهة، وأسباب تخلف العرب من جهة أخرى.
ورغم ما فيه من ثغرات كبيرة، يعتبر بحق أفضل ما كتب عن اليابان بعيون عربية طوال عقود عدة بقي خلالها المرجع العربي شبه الوحيد عن نهضة اليابان إلى حين ظهور الكتابات العربية العلمية عن اليابان.
... ويابان (الشمس الغاربة)
في حدود هذه المقالة، تصعب الإحاطة الكاملة بكل ما كتبه الباحثون العرب عن اليابان طوال القرن العشرين. لكن ما نود التأكيد عليه في هذا المجال أن أصداء صورة اليابان التي رسمها مصطفى كامل في(الشمس المشرقة)، وأشعار حافظ إبراهيم عن اليابان، بقيت تتردد في كثير من الأعمال الإنطباعية أو الصحفية في العالم العربي. ومع سقوط اليابان تحت الاحتلال الأمريكي في نهاية الحرب العالمية الثانية وتحويلها إلى بلد منزوع السلاح، وإلى شبه محمية سياسية وعسكرية تحت المظلة الأمريكية، اهتزت صورة اليابان الجميلة في عيون العرب في النصف الثاني من القرن العشرين. فقد كان الرأي العام العربي مشبعا بالدعوات القومية إلى الكفاح المسلح، وحرب التحرير الشعبية، ويحكمه قادة عسكريون تسلموا السلطة عبر انقلابات عسكرية وانقلابات مضادة. وكان التبادل الثقافي بين العرب واليابانيين هشا للغاية،، إذ اكتفى الجانبان بمقولة نفعية تجارية تقوم على قاعدة (النفط العربي مقابل التكنولوجيا اليابانية).
إلا أن حرب 1973 وما رافقها من حظر للنفط العربي ضد اليابان أحدثت هزة عنيفة لدى الجانب الياباني. فقد ألحق الحظر خسائر كبيرة باقتصاد اليابان الذي كان يعتمد بشكل أساسي على نفط العرب. وبدأت مرحلة جديدة تميزت بانفتاح اليابان على العالم العربي.
ووجهت دعوات كثيرة لرجال السياسة، والفكر، والإعلام العرب لزيارتها. وعقد الجانبان مؤتمرين ثقافيين في 1978 و1979، ثم ثلاثة مؤتمرات كبيرة ما بين 1990 -1992، ومؤتمرات شبه منظمة في الأعوام القليلة الماضية. فبدأت ملامح صورة اليابان على حقيقتها تنتشر بين العرب من خلال ما رسمته أقلام صحافيين، وأدباء، وشعراء من العرب زاروا اليابان لأيام محدودة وعاد معظمهم مبهورا بجمال طبيعتها، وتقدمها العلمي والتقني السريع. لا يتسع المجال هنا لذكر الكم الهائل من تلك الدراسات الانطباعية ذات الطابع الصحفي التي تحفل بها سنويا وسائل الإعلام العربية، المرئية منها والمسموعة والمكتوبة. فهي أكثر من أن تحصى، وتعكس ما شاهدته عين الزائر العربي في بلاد (الشمس المشرقة).
فهي بلاد رائعة الجمال، وتأسر الضيف العربي بكرم الضيافة، والبرامج الحافلة. فكان أن طور بعض الباحثين العرب مقولة (الشمس المشرقة) إلى (الشمس الساطعة)(13).
لكننا سنركز فقط على الجانب الثقافي، بشكليه الأكاديمي والأدبي، لرسم صورة اليابان كما تبدت في عيون بعض الباحثين والأدباء العرب الذين أتيحت لهم الفرصة لمعرفة اليابان عن كثب، والإطلاع المعمق على وثائق تجربتيها في التحديث، ومناقشة بعض مفكريها.
لعل أولى الدراسات الني حاولت الخروج من دائرة الانبهار إلى التحليل العلمي المعمق هي المقالة المكثفة جدا والبالغة الأهمية التي نشرها المؤرخ العربي المعروف شارل عيساوي، وتناول فيها تجربة التحديث اليابانية بدقة وشمولية. وقد نشرت أولا بالإنكليزية عام 1983، ثم بالعربية ضمن كتاب (تأملات في التاريخ العربي)، وما زالت تعتبر من أفضل ما قدمه الباحثون العرب في هذا المجال. فهي تظهر صورة اليابان وتجربة التحديث فيها على حقيقتها، كحركة جماعية تضافرت فيها جميع عناصر النجاح خلال فترة زمنية قصيرة. وبما أن عناصر النجاح متوفرة على أرض الواقع لدى كثير من دول العالم النامية، ومنها دول عربية، رأى عيساوي أن بإمكان العرب الاستفادة من دروس تلك التجربة المستمرة حتى الآن، لإطلاق نهضة عربية حديثة خلال فترة زمنية اقل بكثير من الفترة التي استغرقتها التجربة اليابانية.
فللعرب طاقات بشرية على درجة عالية من الكفاءة، ولديهم موارد طبيعية ومالية هائلة لم تتوفر لليابانيين مثلها عند إطلاق نهضتيهم الأولى والثانية. (14) بالمقابل، انتقد بعض المثقفين العرب تجربة اليابان بشدة، ولم يعترفوا بخصوصيتها بل وجدوا فيها مجرد تقليد سطحي لتجارب التحديث السائدة في الغرب الأوروبي والأمريكي. لذا تبدو صورة اليابان لدى هذه الفئة من الباحثين العرب مشوشة، ولا نفع منها خارج اليابان لأنها أنشئت خصيصا لاستنهاض اليابانيين فقط ولا تصلح لإستنهاض غيرهم. بعبارة أخرى، تنطلق رؤية هذه الفئة من المثقفين العرب من موقف مسبق يعتبر اليابان بلدا مقلدا لتجارب الآخرين، ولا تقدم مقولات التحديث اليابانية أي جديد تستفيد منه الشعوب الأخرى، وبشكل خاص الشعوب العربية والإسلامية. ونظرا لكثرة هذا النوع من الدراسات العربية التي تتلاقى عمليا مع ما ينشره باحثون غربيون من مقولات نقدية غير منصفة عن اليابان، كان لا بد من اختيار نماذج معبرة منها تظهر صورة سلبية لتجربة التحديث في اليابان، وتركز على تعاسة إنسانها، وتدعو العرب إلى عدم الاستفادة من دروسها.
1 - زار الباحث المصري رؤوف عباس حامد اليابان مرات عدة كأستاذ زائر للتدريس في جامعاتها. واطلع على وثائق نهضتها من مصادرها الأساسية مترجمة إلى الإنكليزية، وأقام حوارات مطولة مع باحثين يابانيين حول مشكلات التحديث في اليابان.
وقد أصدر كتابه الأول بالعربية عام 1980 في القاهرة تحت عنوان: (المجتمع الياباني في عصر مايجي). وعزا أسباب نهضة اليابان إلى عوامل موضوعية أبرزها إرتباط الأزمة الداخلية التي مر بها المجتمع الإقطاعي بالضغط الغربي على اليابان. ذلك الضغط الذي شكل تحديا خطيرا لم يكن المجتمع الإقطاعي في وضع يسمح له بمواجهته، فكان لا بد من إدخال تغييرات على البناء الأساسي لذلك المجتمع حتى يستطيع مواجهة التحدي الغربي (15).
وتوصل إلى بعض الإستنتاجات منها، أن اليابانيين إستفادوا من علوم الغرب وثقافته في صياغة سياسة كانت تهدف إلى بناء دولة حديثة على درجة من القوة تمكنها من الوقوف مع الغرب على قدم المساواة. وكان عصر مايجي تعبيرا عن الطريق الذي إختارته اليابان بفضل قيادتها السياسية التي إنتهجت سبيل الإصلاح ونجحت في تطبيقه، وإتخذته أداة لمواجهة التحدي الغربي. لذلك كانت تجربة فريدة، لم تجذب أنظار الباحثين فحسب، بل كانت موضع جدل دار بينهم حول تحديد المجتمع الياباني في ذلك العصر (16).
ثم إستعرض آراء بعض المؤرخين اليابانيين في إصلاحات الإمبراطور مايجي، ومنها أن المجتمع الياباني إنطوى على آفات أربع: الإمبراطور، والبيروقراطية، والطبقة الطفيلية من ملاك الأراضي، والبورجوازية الإحتكارية. وقد توصل إلى الإستناج التالي: لقد خلقت استجابة اليابان للضغوط العدوانية الغربية مجتمعا جديدا. لذلك استطاعت اليابان أن تتعامل مع الدول الغربية على قدم المساواة. ولعل من المنطقي أن نتساءل: كيف إستطاعت اليابان أن تعيد بناءها القومي في جيل واحد؟ لعل العوامل الجغرافية من موقع ومساحة، كانت خير عون لليابان على إنتهاج هذا السبيل. فهي أصغر مساحة من الصين، وتتمتع بسواحل طويلة جعلت الشعب الياباني يرى الخطر الغربي القادم من أعالي البحار، رأي العين، ويحس به إحساسا يفوق إحساس الشعب الصيني بالخطر. وبذلك كان من السهل حشد الجماهير اليابانية وراء الحركة السياسية التي دقت ناقوس الخطر. على حين كانت الصين متسعة الأرجاء، لا تتباين فيها طبيعة السطح فحسب بل يتباين فيها السكان: لغاتهم، وبنيتهم الاجتماعية، والمحاصيل التي ينتجونها. مما خلق عوائق كبيرة في طريق اي محاولة لفرض نظام إداري واقتصادي واحد على النطاق القومي. وهي ظروف تتشابه مع ظروف الصين، والدولة العثمانية... لذلك لم تحاول الصين أن تعيد تنظيم نفسهاكأمة فيمواجهة التحدي الغربي، على حين نجحت اليابان في تحقيق ذلك. (17).
ثم ينهي كتابه بتساؤل مهم: إلى أي مدى يمكن أن تفيد بلاد العالم الثالث بتجربة التحديث التي شهدتها اليابان في عصر مايجي وهل يمكن أن تتكرر هذه التجربة في مجتمعات شرقية أخرى؟.
فانتهز المناسبة للرد على بعض الكتاب الذين يرون إمكان استفادة بلاد العالم الثالث من تجربة التحديث اليابانية ليقف من هذه المقولة موقفا سلبيا قاطعا:لا نميل إلى مشاركة أولئك الكتاب الرأي. فقد اتخذت التجربة اليابانية مسارا فريدا يجعلها نموذجا لايمكن أن يتكرر تكرارا نمطيا لعوامل عدة، منها: تمكن اليابان من تطوير السوق الوطنية الخاصة بها بالقدر الذي جعل النمو الإقتصادي الحديث ممكنا، ويسر سبل الإنتقال إلى الراسمالية. في حين كانت بلاد العالم الثالث مستعمرة أو شبه مستعمرة. وأهم عوامل تميز تجربة التحديث اليابانية في عصر مايجي عن ظروف العالم الثالث أن اليابان استطاعت أن تتحول إلى قوة إمبريالية، ومن ثم استطاعت أن تحقق نموا إقتصاديا سريعا بفضل ما نهبته من ثروات البلاد الآسيوية التي وقعت تحت نيرها، وخاصة كوريا والصين. وبذلك كانت اليابان تعتمد في نموها على موارد الشعوب التي قهرتها.
اما بلاد العالم الثالث فكانت عرضة للنهب الإمبريالي، وكان تخلفها نتيجة طبيعية لما تعرضت له من استنزاف إقتصادي. ومن هنا لا تعد تجربة التحديث في اليابان نموذجا تفيد به شعوب العالم الثالث، وتتخذ منه مثلا يحتذى به. (18)
ثم أعد بحثا باللغة الإنكليزية، نشر في معهد دراسة لغات وثقافات آسيا وأفريقيا في جامعة طوكيو للدراسات الأجنبية عام 1990. وقد صدرت طبعته العربية عن دار ميريت بالقاهرة عام 2001، تحت عنوان: (التنوير بين مصر واليابان): دراسة مقارنة في فكر رفاعة الطهطاوي وفوكوزاوا يوكيتشي، تناول فيه مصادر الثقافة والمقولات الفكرية لهذين المصلحين. (19).
2 - في كتابه الصادر عام 2000 تحت عنوان (العرب والتجربة الآسيوية): الدروس المستفادة، عالج محمود عبد الفضيل تجارب اليابان، والصين الشعبية، وكوريا الجنوبية، وماليزيا، وتايلاند، وسنغافورة، عبر صفحات قليلة الحجم، ومحدودة التوثيق، بعد أن استعاض عنه بمقابلات شخصية. مع ذلك، أصر الباحث على إطلاق استنتاجات شمولية، وتنظيرات طوباوية منها تشبيه تجربة التحديث في اليابان بطريقة (الإوز الطائر)الذي يقود سربا بكامله، فإذا ما أضل طريقه ضل الباقون طريقهم. وإنطلاقا من فصل تعسفي بين تجربتي التحديث الأولى والثانية في اليابان توصل الباحث إلى الإستنتاج التالي: إن نهضة اليابان ذاتها كانت جزئيا نتاج الحرب الباردة.
فقد بدأت المساعدات تنهال على الابان بشكل كبير وسخي بدءا من عام 1950. وبدأ الإهتمام بتطوير اليابان لتصبح القوة الأساسية المنافسة للصين الشعبية....
وأضاف: إن نهضة النمور الأربعة القدامي كان من صنع الشركات دولية النشاط، من خلال بناء منصات تصدير في تلك البلدان.... وقد تحولت تلك النمور إلى منصات تصدير لشركات دولية، تحصل من خلالها على الخامات والمكونات الأساسية، والتقانة اللازمة، كما تضمن لها تلك الشركات تسويق منتجاتها في الأسواق الدولية.(20).
ومع أن تجربة التحديث اليابانية قد شكلت نموذجا يحتذى لجميع النمور ولدول آسيوية أخرى، وذلك بإعتراف باحثين من تلك الدول بالذات، فقد أخرج عبد الفضيل اليابان نهائيا من دائرة الدول التي يمكن للعرب أن يستفيدوا من تجربتها. إذا كنا جادين في فهم آليات ومحركات النهضة على الطريقة الآسيوية، وفي ظروف تاريخية مغايرة، علينا أن ندرس بعناية - نحن العرب - تجارب بلدان مثل: ماليزيا، والصين، والهند، وكوريا الجنوبية، فهي تجارب حقيقية وجادة في التنمية، ولم تكن محض نتاج الحرب الباردة .(21)
لكن بعض قادة الدول الآسيوية لديهم آراء معاكسة تماما حول اليابان. يكفي التذكير هنا بكلام مهاتير محمد، رائد حركة التحديث في ماليزيا التي تناولها عبد الفضيل في كتابه. فقد كتب مهاتير تحت عنوان: (اليابان معلما) ما يلي: من الحكمة أن نتعلم من الناجحين. في الماضي كنا ننظر إلى الغرب لأنه كان ناجحا أكثر من الشرق. بعد الحرب العالمية الثانية رأينا معجزة النجاح الياباني ووصلنا إلى أن اليابان تملك المعادلة للتنمية السريعة. لقد جعل نهوض اليابان السريع الغرب ينتقد التجربة اليابانية التي تعتمد على المشاركة بين القطاع العام والقطاع الخاص (اليابان المتحدة). في رأينا هذه الفكرة جيدة، وعليه، فقد جئنا بمفهوم مماثل: (ماليزيا المتحدة). إن الخطط والتنظيم والمناهج الإدارية للشركات اليابانية مثال يستحق أن يحتذى (22).
ثم يضيف في مكان آخر مقولة بالغة الأهمية موجهة إلى مثقفي الغرب لكنها تصلح لمخاطبة مثقفي العرب أيضا. إن النقطة المهمة التي تشكل تحديا بالنسبة إلينا هي أن نساعد الغرب حتى يفهم أنه يجب عليه التعلم من نجاح اليابان بدلا من التفكير في مخططات طائشة للتقليل من شأن ذلك النجاح(23).
من جانبه، وبعد أن أمضى الباحث الباكستاني، نجم الثاقب خان، سنوات طويلة سفيرا لبلاده في اليابان، أفرد فصلا كاملا في كتابه دروس مستفادة من اليابان للشرق الأوسط، حول تجربة اليابان الغنية في التحديث، وتكثيف لكثير من مقولاتها بدقة علمية، وملاحظات نقدية. (24).
3 - في كتابه: (مفاكهة الخلان في رحلة اليابان) الصادر عن دار الشروق بالقاهرة عام 2001، قدم يوسف القعيد صورة حية عن تلك البلاد كما التقطتها عين أديب مرهف في الفترة ما بين 10 - 42 نوفمبر 1993. فوصف جمالات الطبيعة الساحرة في اليابان، وأجرى حوارات عدة مع باحثين وأدباء يابانيين كانت مفيدة لتوضيح صورة اليابان الثقافية أمام العرب.
لم يقدم الكتاب وصفا محايدا لليابان، ولا صورة لمندهش بكل ما يرى أمام ناظريه. ولم ينبر للدفاع عن تلك البلاد بل حاول أن يختبر مدى مطابقة الصورة الزاهية التي رسمها بنفسه عن تلك البلاد من خلال مطالعاته السابقة مع ما شاهد بنفسه على أرض الواقع. ولم تنس ذاكرته، ولو للحظة واحدة، إجراء المقارنة بين مصر واليابان، كما فعل مصطفى كامل في (الشمس المشرقة)، مع الانتباه إلى معاناة الإنسان في كل من اليابان ومصر. فكيف تجلت صورة اليابان في عيني الأديب يوسف القعيد كما شاهدها عام 1993؟ ولماذا تولدت لديه صدمة ثقافية أوصلته إلى مقارنة مهمة بوجود نقص في التحديث قاد إلى تعاسة الإنسان في مصر واليابان معا. ومع فشل التحديث السليم عاد المصري إلى الاحتماء بما بقي لديه من موروث ريفي تقليدي مع ما فيه من سلبيات. ورغم التحديث السريع الذي أوصل المجتمع الياباني إلى مرحلة ما بعد الحداثة بقي الإنسان الياباني على قدر كبير من الحزن المقيم.
تجدر الإشارة هنا بشكل خاص إلى الفصل التاسع والعشرين الذي حمل عنوانا مثيرا (مصر التي تمشي وراء اليابان). وقد ضمنه القعيد آراء الباحث الياباني (نوتاهارا)، وهو من أكثر اليابانيين معرفة بلغة العرب، وتراثهم الروائي بعد أن ترجم الكثير منه إلى اليابانية. يتمتع نوتاهارا بمزاج خاص ومتقلب. فقد أعجب أولا بسكان المدن من العرب. ثم تحول إلى سكان القرى والأرياف، ثم إلى سكان البادية. وكان دوما مغاليا في مواقفه لدرجة الميل الشديد إلى حياة سكان الأرياف في مواجهة سكان المدن، ومن ثم إلى حياة سكان الصحراء في مواجهة سكان المدن والأرياف معا. ولديه مقولات متطرفة أحيانا حول رؤية التراث العربي الأصيل من خلال قيم البداوة والصحراء والأرياف. وقد نقل عنه القعيد قوله: إن مصير مصر هو مصير الفلاحين فيها، وهو مصيرنا نحن أيضا في اليابان. عند الفلاحين قدرة مالية هائلة. لذلك يتوجهون إلى التكنولوجيا خاصة التي ترتبط بعمليات إنتاجية ولها عائد من الربح. وهذا في نظري يؤدي إلى إنهيار للقيم ولنظام الحياة اليومي السابق. ومن المستحيل علينا هنا في اليابان العودة إلى ما كنا عليه من قبل. لذلك أنا متشائم من تطور الحياة والأمور في اليابان، ونفس التشاؤم اشعر به وربما أكثرعند النظر إلى تطور الحياة عندكم في مصر، فالتشابهات كثيرة بيننا... والمشكلة أن مصر تمشي وراء اليابان دون أن تحاول معرفة إلى أين وصلنا. أنتم في الطريق ورءانا (25 ).
هكذا إنعكست نظرة نوتاهارا التشاؤمية عبر عيون عربية كانت على استعداد مسبق لتوصيف حجم الحزن، والكآبة، والتعاسة لدى المواطن الياباني رغم التقدم التكنولوجي الهائل الذي ناله.
لكن المجتمع الياباني متنوع، لا بل شديد التنوع، ويمتلك طبقة وسطى عريضة تتجاوز 90% من سكان اليابان. وبالتالي، من الصعب تقديم صورة واحدة وموحدة عن شخصية الياباني. وهذا ما أشار إليه القعيد بدقة متناهية قبيل لقائه مع صديقه المستعرب نوتاهارا. فوصف الإنسان الياباني بقوله: إن الياباني انطوائي أو كئيب مثل شخصيات كواباتا، ولكن هناك أيضا عناصر التفاؤل الموجودة في شخصية الياباني عموما. (26). ثم وصفه بعد اللقاء بقوله:في هذه البلاد كمية من البؤس الإنساني من الصعب وصفها. ويبدو أن كاواباتا وميشيما كانا على حق في الإنتحار وإنهاء الحياة بكل هذه القسوة، مادام في هذه البلاد كل هذا الحزن المخيف (27).
وقد بلغ هذا الوصف أقصى مداه في الفصل الأخير طوكيو: وداع مؤلم وحزين... فوصف لحظات الوداع بشكل كئيب للغاية: الكمبيوتر هو سيد هذه البلاد. دخل في كل المجالات وعشش فيها. لا أتصور مصير استخدامات الذهن البشري بالنسبة لهؤلاء الناس، لا أحد يعتمد على ذهنه في هذه البلاد. بعد فترة من الوقت سيكون الكمبيوتر هو المتحكم الوحيد في مصير هذه الجزر التي اسمها اليابان. وداع مؤلم وحزين لطوكيو. الوداع لكل ما مثلته هذه البلاد من فرح وألم وحسرات. الفرح إزاء هذه التجربة النادرة في قرننا العشرين، تجربة نهوض كانت كل العوامل تقف ضدها: الطبيعة والبيئة وعدم توافر المواد الخام في الصناعة، وبعد الأسواق عنها، وابتعادها عن مراكز الانتاج والاستهلاك. الجرح الغائر والنهضة الكبرى في قرن واحد: المصانع الهائلة ومتحف هيروشيما في قرن واحد، من كان يصدق؟. والألم بسبب كل هذا البؤس الذي يعاني منه الإنسان في هذه البلاد. إن هدير المصانع، وصوت عد النقود في البنوك، والرنين العالمي للين، والتناطح رأسا برأس مع أمريكا على الجلوس فوق سقف الكون. مع كل هذا كم يبدو الإنسان في هذه البلاد تعيسا، حزينا، متعباأما الحسرات فهي ناتجة عن المقارنة الدائمة بين حالنا وحالتهم. نحن تعساء وحزانى ومتألمون ولكن بدون إنتاج يجفف لنا الدموع، لا إنجاز لدينا. نحن جيل لم ير قضية واحدة من قضايانا تحسم وتصل إلى حلها النهائي. ومما يدفع الأمر إلى شكل حد السكين أننا في مصر بدأنا مع اليابان التي انطلقت بسرعة الصاروخ بينما تعثرنا نحن. فلم اختلفت النتائج؟ لم تقدموا هم وتخلفنا نحن أو على الأقل، لم اندفعوا إلى الأمام وظللنا نحن ( محلك سر!) (28).
يبرز الكتاب هاجس القعيد في البحث عن راحة الإنسان أولا في كل من اليابان ومصر. فسعادة الإنسان هي مادة الأديب، وغيابها هو مصدر قلق دائم له في كل ايرى، ويكتب، ويحلل. وقد زادته الرحلة، على قصر عدد أيامها، قناعة بأن اليابان التي شاهدها مرارا في مخيلته قبل أن رآها بعينيه هي بلاد في غاية الجمال الطبيعي الأخاذ، والتنظيم الدقيق، والتطور التكنولوجي، إلا أن الإنسان فيها كئيب حتى التعاسة.
هكذا تبدو صورة اليابان لدى هذه الفئة من الباحثين العرب جميلة من الخارج، مشوشة لا بل كئيبة من الداخل نظرا للإنعكاسات السلبية للمجتمع التكنولوجي المتطور جدا على الإنسان الياباني. وتوصل بعضهم إلى قناعة راسخة بأن شمس اليابان متجهة بسرعة نحو الغروب أو الأفول، ومعها شموس النمور الآسيوية كلها، لأنها لم تكن سوى (محطات إرتكاز لشركات غربية)، وليست نموذجا يحتذى للعرب. ومع أن دول النمور الآسيوية استفادت كثيرا من إيجابيات حركة التحديث في اليابان، ما زال الباحثون العرب يتجاهلونها بصورة شبه تامة، ويرفضون الاستفادة منها بذريعة أنها من صنع غربي. وقد نشر بعضهم إستنتاجات منفرة وغير منصفة تقول بأن تجربة اليابان خاصة بشعب اليابان، ولا نفع منها خارج حدودها.
وقد بنيت تلك المقولة على فهم طبقي متسرع لتجربة التحديث الأولى في اليابان، مع إسقاط شبه تام للثانية وكأنها لم تحصل. وفي الحالتين، تمسك العرب بمقولات التحديث المستقاة من الغرب الذي أعاق ولادة مشروع نهضوي عربي جديد طوال القرن العشرين.
ملاحظات ختامية: اليابان: (شمس مشرقة) أم (شمس غاربة)؟
شدد كثير من الباحثين اليابانيين على ضرورة إقامة التمايز العلمي والمنهجي الدقيق بين نوعين من حركة التحديث في اليابان لم يتنبه معظم الباحثين العرب إلى مخاطر الدمج بينهما حتى الآن. الأولى (تحديث في خدمة الجيش)، وقد بنيت في النصف الثاني من القرن التاسع عشر وإنتهت بسقوط اليابان تحت الإحتلال الأمريكي عام 1945. والثانية (تحديث في خدمة المجتمع)، وبنيت في النصف الثاني من القرن العشرين وما زالت مستمرة حتى الآن في ظل دستور اليابان السلمي، ودولة يابانية منزوعة السلاح وتمتلك فقط سلحة للدفاع عن النفس. ولم يبذل الباحثون العرب جهودا تذكر لذلك النقد العلمي المنهجي الذي وجهه كثير من الباحثين اليابانيين لمقولة التحديث في خدمة الجيش. فاستمر بعضهم يظهر إعجابه الشديد بنهضة اليابان الأولى، ويتجاهل عمدا دروس نهضتها الثانية، وهي الأهم. والسبب في ذلك أن العرب كانوا وما زالوا بحاجة إلى مقولات تمجد القوة العسكرية الكبيرة لمواجهة الإحتلال الإسرائيلي لفلسطين. وزادت حاجتهم مؤخرا إلى تلك المقولات بعد بروز مخاطر النزعة الإمبراطورية الأمريكية في أعقاب أحداث 11 أيلول 2001، والتي قادت إلى احتلال أفغانستان والعراق، وتهدد الآن بتغيير عدد من الأنظمة العربية، بالقوة العسكرية. لذا لم ير بعض الباحثين العرب فائدة تذكر في تبني مقولات ثقافية تبرر خضوع العرب للأمريكيين على أمل بناء تجربة تحديث عربية ناجحة على غرار ما فعلت ألمانيا واليابان بعد الحرب العالمية الثانية.
وبالغ بعضهم في رؤية اليابان (بعيون غربية) وليس بعيون عربية منصفة أو محايدة. فنشروا دراسات مطولة تظهر أن نهضة اليابان كانت من صنع أمريكي، وأن النمور الآسيوية ليست سوى نمور مروضة وجريحة في القفص الأميريكي. ونصحوا بعدم الإستفادة من تجاربها لأنها لا تقدم لهم الدروس المفيدة لإستنهاض أمة عربية تشهد عودة الإستعمار المباشر إلى أراضيها.
نتيجة لذلك، ما زالت العلاقات الثقافية بين العرب واليابانيين غير متكافئة في جميع المجالات، وهي هشة للغاية رغم ضخامة حجم التبادل التجاري الكثيف بينهما.
فقد تجاوز عدد الباحثين اليابانيين المهتمين بتفاصيل القضايا العربية المائة باحث، منتشرين في مختلف جامعات ومعاهد اليابان. وفي عام 2003، نشر الباحث الياباني (نوتاهارا) أول كتاب أعده باحث ياباني باللغة العربية، وصدر بعنوان:
العرب: وجهة نظر يابانية (29)
بالمقابل، فان عدد الباحثين العرب الذين أتقنوا لغة اليابان، ودرسوا نهضتها بالإستناد الى وثائقها الاصلية، ما زال ضئيلا جدا. فقد استمر غالبية المثقفين العرب يرددون مقولات نظرية لباحثين أمريكيين وأوروبيين، غالبا ما تسيء إلى حركة التحديث في اليابان. فمنها مقولات غير منصفة على الإطلاق، ومنحازة سلفا ضد النهضة اليابانية، وتحاول التقليل من اهميتها كنموذج يحتذى خارج اطار نموذج التحديث الغربي المسيطر عالميا. لكن بعض الدراسات التي نشرها مؤخرا باحثون عرب عن اليابان ساهمت في توضيح حقيقة نهضتها بصورة منصفة، عبر (عيون عربية) وليس غربية (30). وبالإضافة إلى الإنطباعات والمشاهدات العيانية، بدأ مثقفون عرب ينشرون مقالات علمية جادة ومستندة إلى وثائق يابانية.
وأكد بعضهم على ان نجاح حركة التحديث في اليابان لم يكن نتاج وفرة الموارد الطبيعية التي تشكو نقصا حادا منها، بل أسسوا نهضتهم على تنمية المواهب البشرية تنمية عقلانية وشاملة ومتطورة باستمرار.
تبقى مسألة منهجية أساسية تعيق رؤية العرب لليابان بعيون عربية منصفة. فالباحثون اليابانيون ينتقدون بشدة مقولات التحديث التي تمجد القوة العسكرية لأنهم خبروا سلبياتها الكبيرة بعد القنابل الذرية الأمريكية التي ألقيت على رؤوس اليابانيين. ومع أن دستور اليابان السلمي وضع في السنوات الأولى للإحتلال الأمريكي، تمسك اليابانيون به، ويرفضون العودة إلى مقولات (التحديث في خدمة الجيش) بعد أن خبروا الإيجابيات الكبيرة لمقولات التحديث في خدمة المجتمع، والرفاه الإقتصادي، والتطور العلمي والتكنولوجي الهائل. بالمقابل، بقي غالبية الباحثين العرب أسرى نظرة وحيدة الجانب إلى اليابان زمن إصلاحات الإمبراطور مايجي. فهم يظهرون إعجابهم بمقولات(فلسفة القوة) التي حولت اليابان إلى دولة مرهوبة الجانب خلال فترة قصيرة.
نخلص إلى القول إن رؤية اليابان بعيون عربية تتطلب، وبالدرجة الأولى، قراءة نقدية لمقولات تلك النهضة بهدف الإستفادة من جميع تجارب التحديث في العالم وعدم التركيز على واحدة منها وإغفال التجارب الأخرى. ومن أبرز الدروس المستفادة التركيز على دور الإنسان الحر، والمبدع، وعلى كيفية بناء دولة ديموقراطية على أسس سليمة، والتأسيس لمجتمع الرفاه الإقتصادي والتكنولوجيا المتطورة، والطبقة الوسطى المستقرة، والإدخار المرتفع، وحماية البيئة، وخفض نسب الجريمة، والمخدرات، والأمراض الوبائية وغيرها.
نلفت الإنتباه هنا إلى أن قادة النمور الآسيوية نظروا بعيون آسيوية لتجربة تحديث اليابان دون أن يقلدوها. وقد إستندوا إلى العوامل الإيجابية في تراثهم الثقافي والسياسي والإجتماعي والإقتصادي، وطوروها، وقدموا لدولهم نماذج إضافية ناجحة ذات طابع آسيوي، بعيدة عن تقليد مقولات التحديث التي عممتها تجارب المركزية الأوروبية والأمريكية واليابانية في آن واحد.
أخيرا، رأى شارل عيساوي أن بإمكان العرب اللحاق بقطار التحديث في أي وقت يحزمون فيه أمرهم على القيام بتجارب تحديث ناجحة، وبمقولات عربية غير مقتبسة عن الآخرين.
وفي حال توفرت القيادة السياسية الحكيمة والمتنورة فإن بإمكان العرب تحقيق نهضتهم خلال فترة زمنية قصيرة لأن لديهم إمكانيات بشرية ومادية هائلة لبناء تجارب تحديث ناجحة.
إلا أن العرب ما زالوا يفتقدون إلى مشروع نظري لتجديد نهضتهم ومواجهة تحديات عصر العولمة. ومن نافل القول إن أي مشروع نهضوي جديد بحاجة ماسة إلى دراسة تجارب التحديث الناجحة في العالم، غربا وشرقا. ومن الخطأ الفادح أن تكون الدراسة بهاجس تقليد تلك التجارب أو الإقتباس السهل لمقولاتها كما جرى في السابق، بل لإستخلاص الدروس والعبر منها (بعيون عربية)، وبناء مشروع نهضوي عربي بمقولات عربية، وبقوى عربية.
وذلك يتطلب تعميق الحوار الثقافي بين العرب وجميع شعوب العالم، خاصة الآسيوية منها التي لم تشوه تاريخ العرب بالقمع، والإضطهاد، والإستعمار، والسيطرة على مواردهم، وتشويه تراثهم الثقافي والحضاري كما فعلت بعض الدول الغربية. كما أن العرب بحاجة ماسة إلى مؤسسات ثقافية قادرة على فتح حوار ثقافي مع الشعوب الأخرى، من موقع الندية، وتجاوز الإقتباس السهل والمقولات الجاهزة، والعمل على رؤية الآخر بعيون عربية ناقدة ومنصفة.
ختاما، ليست الصورة المتبادلة حتى الآن بين العرب واليابانيين حقيقية أو منصفة لكلا الجانبين. فهي، في الغالب، لم تكن بعيون عربية ولا بعيون يابانية، بل نتاج وسائل إعلام غربية تضخ يوميا صورة نمطية مشوهة ومشوشة لدى الطرفين. لذا فالإرتقاء بالحوار المباشر بين مثقفي البلدين يساعد على تطوير العلاقات الثقافية بينهما في المستقبل. مع الأخذ بعين الإعتبار أن صورة اليابان لدى العرب، وصورة العرب لدى اليابانيين، ما زالت سلبية في الغالب الأعم، وما زال الجانبان ينظران إلى بعضهما في مرآة غربية مشوشة.
إلا أن تطور الدراسات العلمية المتبادلة بين الجانبين في العقدين الأخيرين من القرن العشرين، قد ساهم بشكل ملحوظ في تقديم صورة أفضل من السابق، لأنها التقطت (بعيون عربية ويابانية). ووصل الحوار الثقافي بينهما إلى مرحلة متقدمة، وهو يبشر بتقديم صورة موضوعية عن موقع كل من العرب واليابانيين في عصر العولمة، والتخطيط لمستقبل أفضل للعلاقات الثقافية بينهما، ومواجهة المتغيرات الدولية في مطلع القرن الحادي والعشرين.
إن رؤية اليابان بعيون عربية تفترض بالضرورة تجاوز المقولة النفعية (النفط العربي مقابل التكنولوجيا اليابانية)، التي حكمت العلاقات العربية - اليابانية طوال النصف الثاني من القرن العشرين، إلى حوار ثقافي حقيقي، ومن موقع الندية، في القرن الحادي والعشرين.
مراجع البحث
1 - صدرت دراسات عربية كثيرة عن اليابان، توزعت بين المؤتمرات والندوات العلمية، والأبحاث الأكاديمية، والمقالات الصحفية،
والانطباعات العامة. وتضم مكتبتي الكثير من تلك الدراسات، استخدمت بعضها في الدراسة، مع الإشارة إلى البعض الآخر ضمن مجموعتين:
الأولى: مؤتمرات وكتب عربية جماعية عن اليابان، تبعا للتسلسل الزمني لتاريخ النشر: يسين، سيد( محرر): العرب واليابان: حوار عربي - ياباني
حول الحضارة والقيم والثقافة في اليابان والوطن العربي وتطلعات إلى المستقبل. منشورات منتدى الفكر العربي - عمان، بالاشتراك مع المجلس
الأعلى للعلوم والتكنولوجيا - طوكيو 1992. وهو واحد من ثلاثة حوارات، وقد نشر الكتابان الآخران بالإنكليزية ولم يصدرا بالعربية.
عابدين، السيد صدقي (محرر): العلاقات المصرية - اليابانية، مركز الدراسات الآسيوية، القاهرة، 2000.
محيي الدين، عمرو (إعداد ): أزمة النمور الآسيوية، الجذور والآليات والدروس المستفادة. دار الشروق، القاهرة 2000. بيت الحكمة (ناشر): النهضة
وتفاعلاتها في العالم العربي واليابان منذ القرن التاسع عشر.
فعاليات اللقاء الفكري في بيت الحكمة، قرطاج، بمشاركة مسعود ضاهر، على المحجوبي، فتحي القاسمي، وعبد الللطيف الحناشي. منشورات وزارة
الثقافة، تونس 2001.
فريد، سمير ( إعداد وتقديم ): السينما اليابانية في النقد السينمائي العربي، كتابات مختارة. منشورات وزارة الثقافة، المؤسسة العامة للسينما، دمشق
2001.
الثانية: كتب ومقالات علمية فردية كتبها باحثون عرب عن اليابان. وأبرزها: الجابري، محمد عابد: اليابان في الفكر العربي المعاصر. مقالة منشورة
في مجلة (الموقف)، تونس، العدد الأول، آب 1992، صفحات 44 -50.
خضر، محسن: الظاهرة اليابانية وكيف نراها كعرب؟ مقالة منشورة في مجلة (العربي)، العدد 482، كانون الثاني 1999، صفحات 126 - 130.
خنسة، وفيق: الشخصية اليابانية. دار الحصاد، دمشق 1994.
درويش، فوزي: اليابان، الدولة الحديثة والدور الأمريكي. طنطا، مصر، الطبعة الثالثة 1994.
- : سياسة المعونات الخارجية اليابانية، دراسة في إدارة المعونات اليابانية للدول الأفريقية جنوب الصحراء. ترجمة علي الصاوي، دار النهضة العربية، القاهرة، 1995.
-: الدبلوماسية اليابانية ما بعد الحرب الباردة. سلسلة (أوراق آسيوية)، الصادرة عن مركز الدراسات الآسيوية، العدد 24، القاهرة، فبراير 1999.
رشاد، عبد الغفار: التقليدية والحداثة في التجربة اليابانية. مؤسسة الأبحاث العربية، بيروت، 1984
زكي، رمزي: المحنة الآسيوية: قصة صعود وهبوط دول المعجزات الآسيوية. دار المدى، دمشق 2000.
شريف، حسين: التحدي الياباني في التسعينات، دراسة تحليلية للأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية. مكتبة مدبولي، القاهرة 1993.
عبد العاطي، بدر: أثر العامل الخارجي على السياسيات الخارجية للدول، دراسة حالة للسياسة اليابانية تجاه إسرائيل 1973- 2003. مقالة منشورة في
مجلة (السياسة الدولية)، القاهرة، المجلد 38، العدد 153، الصادر في يوليو 2003، صفحات 8-23.
المحجوبي، علي: النهضة الحديثة في القرن التاسع عشر: لماذا فشلت بمصر وتونس ونجحت باليابان، مركز النشر الجامعي، تونس 1999.
هيكل، محمد حسنين: المقالات اليابانية. الطبعة الرابعة، القاهرة، 1998.
ياسين، سعد غالب: العرب والإدارة اليابانية: ماذا يمكن أن نتعلم من اليابان؟ مقالة منشورة في مجلة (المستقبل العربي)، العدد 265، بيروت، آذار
2001، صفحات 51 -65.
2 - Philippe Pelletier : Japon, Crise dشune autre modernité. Editions Belin, Paris 2003.pp. 151 - 162 .
3 - حافظ إبراهيم: ديوان حافظ إبراهيم، منشورات دار العودة، بيروت 1996.
قسم (السياسيات)، صفحات 7 -10.
4 - المرجع السابق، صفحات 10 - 14.
5 - كامل، مصطفى: الشمس المشرقة، مطبعة اللواء، القاهرة 1904، ص 3.
6 - المصدر السابق، ص 3 - 4.
7 - المصدر السابق ، ص 5 -7.
8 - المصدر السابق ، ص 8 -10.
9 - المصدر السابق ، ص 10.
10 - المصدر السابق ، ص 11 - 12.
11 - المصدر السابق ، ص 20 - 22.
12 - المصدر السابق ، ص 222.
13 - للدلالة على النماذج المعبرة عن هذا الإتجاه، نشير إلى الدراسات التالية:
عطا الله، دعد بو ملهب: اليابان من الشروق إلى السطوع. توزيع مكتبة لبنان، بيروت 1994.
حاتم، محمد عبد القادر: أسرار تقدم اليابان. مطابع الأهرام، القاهرة، 1990.
=، = : الإدارة في اليابان وكيف نستفيد منها. الهيئة المصرية للكتاب القاهرة1990.
=، = : التعليم في اليابان: المحور الأساسي للنهضة اليابانية. الهيئة المصرية للكتاب، القاهرة 1997.
14 - عيساوي، شارل: تأملات في التاريخ العربي. مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت 1991. تراجع بشكل خاص المقالة المهمة: (لماذا
اليابان؟)، صفحات 177 - 196.
15 - عباس، رؤوف: المجتمع الياباني في عصر مايجي. القاهرة، الطبعة الثالثة، دار ميريت 2000، ص 13.
16 - المرجع السابق، ص 209.
17 - المرجع السابق، ص 216 - 217.
18 - المرجع السابق، ص 218.
19 - عباس، رؤوف: التنوير بين مصر واليابان: دراسة مقارنة في فكر رفاعة الطهطاوي وفوكوزاوا يوكيتشي. دار ميريت، القاهرة، 2001.
20 - عبد الفضيل، محمود: العرب والتجربة الآسيوية: الدروس المستفادة. منشورات مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت 2000، ص 219.
21 - المرجع السابق، ص 219.
22 - محمد، مهاتير، وإيشيهارا، شنتارو: صوت آسيا، زعيمان آسيويان يناقشان أمور القرن المقبل، دار الساقي، بيروت 1998، ص 100 -101.
23 - المرجع السابق، ص 11- 12.
24 - خان، نجم الثاقب: دروس من اليابان للشرق الأوسط، القاهرة 1993. الفصل العشرون: دروس من اليابان، صفحات 149 - 164.
25 - القعيد، يوسف: مفاكهة الخلان في رحلة اليابان. دار الشروق، القاهرة، 2001. ص 278 - 279.
26 - المرجع السابق، ص 274.
27 - المرجع السابق، ص 289.
28 - المرجع السابق، ص295 - 297.
29 - نوتاهارا، نوبوأكي: العرب: وجهة نظر يابانية. دار الجمل، كولن، ألمانيا، 2003.
30 - تعرفت على اليابان عن كثب خلال السنوات العشر الماضية وأمضيت فيها قرابة ثلاث سنوات كأستاذ زائر في جامعاتها ومعاهدها. ونشرت
مساهمات عدة عن نهضتها، أبرزها: ضاهر، مسعود: (النهضة العربية والنهضة اليابانية: تشابه المقدمات واختلاف النتائج)، سلسلة عالم المعرفة،
رقم 252، الكويت، كانون الأول 1999. ونال جائزة أفضل كتاب عربي في مجال العلوم الإنسانية من مؤسسة الكويت للتقدم العلمي عن العام
2000.
-: (النهضة اليابانية المعاصرة والدروس المستفادة عربيا)، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، تموز 2002.
الصفحة الرئيسية للجلسة