افتتاح الندوة
كلمة معالي وزير الإعلام
كلمة رئيس تحرير العربي
كلمة الضيوف
كلمة المكرَّمين
المكرَّمون

اليوم الثاني
الجلسة الصباحية الأولى
الجلسة الصباحية الثانية
الجلسة المسائية الأولى
الجلسة المسائية الثانية

اليوم الثالث
الجلسة الصباحية الأولى
الجلسة الصباحية الثانية
الجلسة المسائية الأولى
الجلسة المسائية الثانية
الختام


تغطية العربي للندوة
تغطية الـBBC


أبحاث الفترة المسائية الثانية ليوم الأحد
رئيس الجلسة: الأستاذ عبدالعزيز سعود البابطين رئيس مؤسسة البابطين للإبداع الشعري
شهادة نورج: مدينة الحانات والكنائس
يوسف المحيميد

         في محطة (ليفربول ستريت) طلبت شاياً فسألني العامل الهندي بإنجليزية تكاد تخرج مخنوقة من أنفه، عمّا إذا كنت أريد شاياً أسود، وكان يعني بذلك الشاي السادة، غير المضاف إليه الحليب، ساعتذاك عرفت أنه يجب أن أحدّد نوع الشاي، إما أسود أو شاي مع الحليب. كانت المرّة الأولى في حياتي التي أركب فيها قطاراً يشق الطبيعة والشجر والمراعي والدواب والبقر والخنازير والأغنام وطواحين الهواء وبيوت القرميد. لم يكن الراكب في قطار بين مدن بريطانيا يحسّ بالوقت وهو يحدّق عبر زجاج النافذة إلى المشهد الحيّ، وكأنما هو يطالع مشاهد سينمائية صامتة. كان الراكب المقابل رجلا عجوزا يغرس نظارتيه في كتاب بين يديه، وفي المقعدين المجاورين الذين يفصلني عنهما الممر، تجلس امرأة ثلاثينية تقرأ أيضاً بصمت في كتاب، يبدو أنه رواية ما، بينما طفلها في السابعة تقريباً ينهمك في شاشة لعبة الفيديو اليدوية الصغيرة. لم أكن أقرأ لحظتها، إذ يكفي لزائر غريب يكتشف المكان للمرة الأولى أن يقرأ تفاصيل المكان ووجوه القرى والريف الإنجليزي. كنت أتأمل وأفكر بمن حولي وهم منهمكون بالقراءة، وأتذكر نسب الأمية في العالم العربي، وأتخيّل نسب الأمية الثقافية أيضاً، فكم من العرب من يعرفون القراءة والكتابة، لكنهم يتوقفون عند كتب المقرّرات المدرسية والجامعية.

         في (نورج) سأهتدي إلى مكتبة رائعة في وسط المدينة، وسأرى كيف تتوزع إلى أقسام وأجنحة ودورين مكتنزين بالكتب الرائعة. كان بجوار كل قسم يتوفر مقعد أو مقعدين، إذ يجلس مرتاد المكتبة ويقرأ جزءاً لا بأس به من الكتاب، لكي يقرّر اقتناءه أو إعادته إلى الرفّ. فلا يمكن أن يقتني الإنسان الإنجليزي كتاباً لن يقرأه، ولن يقرأ كتاباً لا يغريه في متابعة صفحاته، واللهاث وراء كلماته التي تجلب المتعة.

مدينة الصمت والخذلان

         شوارع مدينة (نورج) نهار الأحد، يوم وصولي، كانت شبه مهجورة. شعرتُ أنني وصلت إلى مقبرة أو منفى أو معتقل معزول في أقصى شرق إنجلترا. معتقل يُجلب إليه المعتقلون والمنفيون من جهة البحر في الشرق، حيث ملتقى بحر الشمال والقنال الإنجليزي، ويدفعون أسرى عبر مدينة بحرية صغيرة تدعى (قريت يارموث)، ومنها ينقلون في عربات السجن المغلقة إلى مدينة (نورج). كنت أبحث في الشوارع عمّا يبهج، ولكن كانت الكآبة تملأ الطرقات والشوارع. كان الصمت والكآبة أيضاً تهطلان من السماء فيما يشبه ندف الثلج، فوق البنايات والكنائس والتماثيل وفوق وجهي أيضاً. كنت كل فينة أمسح وجهي بكفيّ ثم أنظر في بطنهما، فأرى حزناً وافراً له لون السواد. في شارع (آرمس) الصغير، تنتشر المنازل على جانبيه، وتركن بجوارها السيارات، فما يبقى من الشارع يسمح لمرور سيارة واحدة بصعوبة. وقف السائق عند رقم أبيض كبير(79)، وعند باب البيت وقفت السيدة (جين)، ففتح السائق مؤخرة السيارة وسلمني حقيبتي، فدفعت باب الحديقة الخشبي القصير، ثم دلفتُ وهي ترحّب بي بابتسامة مجاملة. جاء من خلفها رجل ضخم، رحَّبَ بآلية وهو يحمل حقيبتي، ويصارع بها سلم الدرج الضيّق، صاعداً إلى الدور العلوي. كنت أظن أنني سأكون في الدور الثاني، لكن السيدة (جين) قادتني إلى غرفة علوية وحيدة في دور ثالث. لم يكن هناك دور ثالث، فقط كان الدرج العلوي يقود إلى هذه الغرفة الصغيرة. كان سقف الغرفة هرميّا، وفيه نافذة زجاجية تنفتح للأعلى، ويمكن من خلالها النظر إلى رؤوس المنازل القريبة، والحدائق المحيطة بها، وحبال الغسيل البلاستيكية بالمشابك الملوّنة. لا أعرف كيف تذكرت فجأة الخادمات الأندونيسيات حين يقدمن لأول مرة من أجل العمل في دول الخليج، وكيف يشعرن بالوحدة القاتلة وهن يذهبن إلى النوم في غرفهن العلوية في السطوح. لم أعد الآن معتقلا أو منفياً بل تحوّلت إلى عامل أو خادم أو سائق بنغالي أو أندونيسي يقيم لدى أسرة إنجليزية.

         كان الوقت عصراً، فقرّرت أن أخرج من المنزل كي أتجوّل، وأقتل الوحدة التي انتابتني، أو بالأقل لأخدّر مؤقتاً هذه الوحدة والكآبة، فاعترضتني السيدة (جين)، وأعطتني مفتاح الباب الخلفي المطلّ على الحديقة، وهي تؤكد عليّ بأن أحافظ على المفتاح من الضياع، وأن أقفل الباب حال دخولي، ثم كرَّرَتْ عليّ رقم المنزل واسم الشارع كي لا أنسى العنوان عند العودة. هل كنت أشبه عقلة الأصبع كي أرمي الحبَّ خلفي في غابة الإنجليز لأتمكن من معرفة الطريق عندما أعود؟ وهل ستأتي نعامة الملل والسأم لتلتهم حبوبي المرميّة في الطريق، فلا أعرف طريق العودة خلفاً؟ ولا أعرف طريق الأمام؟ ولا أعرف وصفي؟ ولا اسمي؟ فأكون ضالا وتائهاً حقيقياً في مدينة غريبة! وجدت في الركن بقالة صغيرة، فدلفت مثل يربوع صحراويّ غريب، واقتنيت علبة عصير صغيرة، بهدف أن أحصل على عملة جنيهات معدنية، كي أستخدمها في كابينة الهاتف. قمت باتصالات على أمي وزوجتي، وشممت رائحة العبرة تخنق صوتيهما.

جامعة (إست إنجليا)

         تعرّفت على صديق اسمه محمد أخذني في جولة على المدينة، وكنت ذاهلا وقانطاً من فراغ شوارع وساحات (السيتي سنتر) من الناس، كنتُ محفوفاً بالوحشة، لكنه ذكر لي أن اليوم إجازة نهاية الأسبوع، وفي الغد نهار الاثنين ستكون هذه الشوارع حافلة بالبشر والمتنزهين. خرجنا من وسط المدينة تجاه جنوبها الغربي، ومن شارع (بلو بل رود) المنطلق من منطقة (إيتون) دخلنا إلى مبنى جامعة (است انجليا). أوقفنا السيارة ومشينا داخل الجامعة.

         كانت التلال الخضراء تلفت النظر، وقد فاجأتني وفرة الأرانب الطليقة وهي تتخاطف أمامنا كالقطط، علقت بأن هذه الأرانب لو كانت في بلادنا لنثر أشلاءها رصاص القنّاصة. كان كل شيء يعيش بطمأنينة بالغة: الأرانب تتراكض بين التلال والجحور، والاوز يعوم حرّاً في البحيرة، والحمام ينتشر في الأسواق، وهو يحطُ فوق مساند كراسي الانتظار، ثم يركض على الأرض وينقر الحبّ بين أقدام المتجوّلين، أما الكلاب فهي تتمتع بدلال وتقدير مذهل، من قبل العجائز والنساء والأطفال والرجال.

         كانت مساحة جامعة (است إنجليا) ضخمة، وتنتشر فيها مباني القاعات والأقسام والملاعب والسكن. في الصالة المغلقة كان شباب سعوديون يلعبون كرة القدم كل مساء أحد. وفي إحدى قاعات الجامعة الواسعة تقام خطبة وصلاة الجمعة للمسلمين، وصلوات التراويح في ليالي رمضان. كان نظام الجامعة لا يسمح بدخول السيارات في المساء فقط، لذلك يوقف المصلون في ليل رمضان سياراتهم في المواقف الخارجية، ويمشون مسافة سبع أو عشر دقائق تجاه قاعة الصلاة. كان رجال الأمن الإنجليز في مخارج الجامعة يتعاونون مع السيارة التي تحمل عدداً من الركاب، ويجعلونها تدخل حتى في المساء شريطة أن ينزل الركاب، ويعود السائق خارجاً بسيارته إلى مواقف السيارات الخارجية. ذات ليل دخل مجموعة شباب ملتحون من أجل الصلاة، لكنهم أوقفوا السيارة في الداخل، ولم يخرج بها السائق تبعاً لنظام الجامعة. في المساء التالي وقف السائق ذاته، بالركاب ذاتهم أمام رجل الأمن الإنجليزي، فلما تأملهم ملياً، سأل السائق: (ألستَ مسلماً؟) أجاب السائق: بلى!! قال له رجل الأمن متأسفاً: (المسلم لا يكذب، صح؟). وافقه السائق وهو يشعر بخجل من نكثه بالأمس وعد الخروج بالسيارة.

نساء يتبعن الكلاب!!

         في المجتمع الإنجليزي من الصعب إقامة علاقة دائمة، سواء مع الأجانب، أو حتى بين الإنجليز أنفسهم، لذا وجدت أن معظم المنازل لا تضم سوى امرأة فحسب، أو رجل فقط، وأحياناً امرأة ورجل معاً، فلم يكن النظام العائلي الكبير في العالم العربي معروفاً لديهم. لذلك كانت السيدة (جين) فرحة كثيراً، وهي تطلعني على مجموعة صور داخل صورة واحدة، إذ قامت بقصّ دقيق لبعض الوجوه من صور متعدّدة، وألصقتها بجوار بعضها، لتكوّن صورة كبيرة مزدحمة بالوجوه، وكأن فقدان العلاقة بين هؤلاء الأقارب، وشتاتهم في الواقع المعيش، جعلها تجمعهم -على أقل تقدير- على هذا الورق المقوّى. ولم تكن الرابطة بين الرجل والمرأة تفضي بالضرورة إلى زواج، بل يكفي أن يكونا مجرّد صديقين، تستضيفه المرأة في بيتها أثناء عطلة نهاية الأسبوع، ويفعل هو مثل ذلك معها.

         بعد مرور يومين من الأسبوع افتقدتُ الرجل الضخم الذي نقل أغراضي إلى الغرفة العلوية، وسألتُ الإماراتي الذي يسكن معي لدى العائلة، عن زوج السيدة (جين)، فضحك طويلا، وهو يخبرني أنه وقع في نفس الوهم أول إقامته لدى السيدة، لكنه عرف فيما بعد أنه صديقها، ينام معها في عطلة نهاية الأسبوع، ثم يختفي عنها منهمكاً في عمله وحياته الخاصة، وكذلك هي في عملها كممرضة في مستشفى (نورج) العام.

         خارج مبنى المدرسة تظهر حديقة صغيرة بجوار شارع صغير يفضي إلى مواقف المدرسة، وعند تجاوزه يصل السائر إلى مركز تجاري واسع، يضم بالإضافة إلى (سوبر ماركت آزدا) بعض محلات صغيرة من مطعم ومكتبة قرطاسية وتحف وغيرها. في الباحة بين هذه المتاجر الصغيرة تنتشر عجائز متقاعدات عن العمل، يقدن كلابهن خلفهن، وأحياناً تقودهن الكلاب إذ يمشين خلفها مستسلمات وهن يمسكن بالحبال الجلدية. في محل المكتبة والتحف الصغيرة لا تكف الطالبات اليابانيات عن شراء العديد من العرائس الصغيرة، والدببة الجلدية في حجم ميدالية مفاتيح، وأختام عبارات الحبّ والشوق والفقدان.

جنيات يحرسن المدينة

         مدينة (نورج) داخلية، لا تطل على البحر، رغم أنها على مسافة أميال قليلة من ملتقى بحر الشمال والقنال الإنجليزي، بحيث يصل سائق السيارة في ظرف نصف ساعة، إلى مدينة بحرية صغيرة في الشرق منها، إسمها (قريت يارموث)، ويختزل اسمها في شطره الأول إلى (قت) لتصبح (قت يارموث). كما يحيط بمركز ووسط مدينة (نورج) شارع دائري صغير اسمه (سيتي لينك رود)، ويتفرع منه عدد من الطرق التي تؤدي إلى المدن المجاورة، ففي الشمال جهة المطار، ينطلق طريق إلى (كرومر) و(نورث ويلشهام)، وفي الجنوب يفضي طريق (إبسويتش رود) إلى (إبسويتش)، كما يقود طريق (نيو ماركت رود) إلى كامبرج ولندن. في الشرق ينطلق طريق متعرّج إلى مدينة (قت يارموث) البحرية، بينما في الغرب يقود الطريق إلى (كينجس لن).

         يقطع هذه الطرق جميعاً في شكل دائري يحيط بالمدينة طريق (رنق رود) وهو ذو حلقة أكبر من (سيتي لينك رود). كما تكثر في مدينة نورج الميادين الصغيرة، والواحد منها عبارة عن (دوّار) صغير يربط بين الشوارع عند التقائها، كبديل سريع وعملي لنظام الإشارات الضوئية، خاصة مع احترام السائق الإنجليزي لحق الآخرين في العبور، وذلك بوقوفه الإجباري عند الدوّار، حتى يتأكد من عدم وجود أي سيارة أخرى داخل الدوّار، فيعبر داخلا إلى الدوّار حتى يحظى هو بحقه في الالتفاف. هذا النمط يختلف جذرياً عن قيادة السيارة في ميادين (الرياض)، التي تتطلب شراسة وانقضاضاً على الدوّار حتى يقف مذعوراً من يلتف بسيارته بسلام داخل الدوّار.

         لم يكن الشجر الضخم الذي يظلل شوارع (نورج) شيئاً عادياً بالنسبة لي، خاصة مع غروب الشمس في فصل الخريف، إذ تبدو الأشجار العارية الضخمة مثل جنيات يحرسن المدينة، وذلك في شارع (أنثانك رود). كما تكثر الكنائس والحانات في (نورج) بشكل لافت، مما يجعل الزائر يلحظ أن بجوار كل كنيسة حانة، لدرجة أن العجوز الهولندي (هانك)، الذي عشتُ في منزله قرابة شهرين، كان يقول لي إن أهل (نورج) مختلفون حول هذا الأمر، إذ يرى المسيحيون الكاثوليك أن المؤمن المدمن على الحانات، يجعله قربه من الكنيسة مستعداً للندم والتوبة، بينما يرى آخرون أن دخولهم إلى الكنيسة يحتاج منهم إلى أن يدلفوا الحانة حتى يطيروا بأحلامهم بعيداً عن سطوة الكنائس.

         كانت مدينة (نورج) تعدّ المدينة الثانية بعد لندن من حيث عدد الكنائس، وتحظى بكاتدرائية ضخمة وعريقة تقع على شارع (كاسل ميدو)، بحيث يجاورها مبنى القلعة. رغم أن مبنى الكاتدرائية يوحي بالقدم والمهابة، إلا أن المتأمل لمبناها العتيق لا يشعر أنه مرّ عليه أكثر من خمسة قرون، وأنه خضع لعمليات هدم وحرائق، وتعرّض لحروب بين الحكام والرهبان، كما حدث في عهد هنري الثامن. كانت تصطف على الجانبين أعمدة ضخمة قبل الوصول إلى المذبح، وتزدهر نقوش وأشكال ملائكة ترفرف بأجنحة، وتماثيل لمريم العذراء. أذكر أن أحد الزملاء العرب كان يسكن لدى أسرة، وتصاحبه السكن فتاة برازيلية جميلة، يذكر عنها تديّنها الشديد، فلا يمكن أن تقيم علاقة عابرة مع شاب، وهي لا تتأخر عن القداس يوم الأحد.

         أما العجائز من النساء الإنجليزيات، فهن يعتنين بأنفسهن لدرجة أن يشعر المرء أنهن متصابيات كثيراً، وهن يتعبن على أجسادهن ووجوههن، ليس ذلك فحسب، بل إن بعضهن يتقمصن تصرفات المراهقات في اللبس والشكل، ففي أوخر الصيف وبدء البرد، يكون الإنسان متردّدا إزاء الملابس، فلا يعرف ما إذا كان يفترض أن يلبس قميصاً خفيفاً بلا أكمام فقط، أم يحتاج إلى أن يلبس كنزة صوفية فوقه. كان الإنجليز عموماً، خصوصاً الفتيات والشباب يلبسون كنزة صوف أو بالأقل قميصا بأكمام طويلة، وحين يشعرون بالحرّ، يخلعون الكنزة أو القميص ذا الأكمام، ويربطونه حول أوساطهم، بحيث يكون القميص في الخلف، يغطي المؤخرة، بينما الأكمام تربط ببعضها حول البطن. هناك بعض العجائز المدرّسات يدلفن الصفّ بطريقة وضع القميص ذاتها، وهن يتضاحكن وكأنما يشعرن بأنهن صغيرات ومراهقات. كلما تذكرتُ هذه المشاهد أحزن على أمهاتنا النجديات اللاتي يشعرن بأنهن عجائز في سنّ الثلاثين أو الأربعين على أبعد تقدير. كان هذا الشعور يكرّسه الرجال حولهن، وهم يتندرون ويسخرون منهن كعجائز، مفسحين لأنفسهم فرصة الزواج بفتيات صغيرات في أعمار بناتهم، أو أصغر أحياناً. كنت أشعر أحياناً أن هؤلاء الأمهات والجدّات في نجد تحديداً لم يعشن حياتهن كأي نساء أخريات في العالم. كنّ يعشن خادمات مخلصات للرجال، ثم ينهمكن برعاية وخدمة الصغار، قبل أن يتحولن إلى جثث مهملة في إحدى زوايا البيوت.

سيتي سنتر نورج

         وسط مدينة (نورج) تظهر محلات مسقوفة بالأشرعة، وتبيع سلعاً رخيصة، من الملابس ومفارش السرر والخضار والفواكه، وحتى الكتب الجديدة والمستعملة وأشرطة الفيديو والكاسيت وغيرها. يسمى مجموع هذه المحلات في الساحة (ربش ماركت) وهي تعني السلع التي تشبه النفاية، لرداءة صناعتها، وتواضع احتمالات جودتها. عرب وهنود وإنجليز معدمون يتجولون في هذا السوق، يشترون بمبالغ ضئيلة في حدود قدراتهم الشرائية. هناك يمكن أن يجد المتجوّل نوعيات من الإنجليز، يعتبرون أناس الشوارع، سواء بملابسهم القذرة أو أشكالهم المهملة، وهم إما يتجولون بين المحلات المظللة، أو يكونون هم من الباعة البسطاء. كنت مع صديقي محمد نتنزه في المحلات الرخيصة، وحين أطال صديقي تفحّص بنطلون جينز، باحثاً عن اسم دولة تصنيعه، أثار البائع الإنجليزي الضخم، بملابسه المتسخة، مما جعله حالما سأله محمد عن مكان صناعته يتفوّه بشراسة ولؤم وازدراء وهو يقول: (مصنوع في الشرق الأوسط). كان محمد ينوي أن يجادله بسخرية أكبر، لكنني سحبته من ذراعه، وغادرنا السوق، بعد أن اقتنيت جهاز تسجيل رخيصا، ورواية (أوليفر تويست) للإنجليزي ديكنز، بغلافها السميك.

         كان الداخل إلى (سيتي سنتر) من جهة الغرب، تاركاً الدوّار خلفه، يجد على يمينه متجر (باوند لاند) وعلى يساره (كيو آند دي). ثم بضع محلات ألبسة وأحذية، بعدها يكون بنك (باركليز) على اليمين، مشرفاً على زاوية، فيها ماكينة صرف آلي. ثم يظهر على اليسار متجر (ماركس آند سبنسر) بضخامته ولائحة عرضه المغرية. يقابله جهة اليمين محل لتحميض الصور، يأتي بعده عند المنعطف محل (جيسوبس) لبيع الكاميرات والأفلام وأدوات التصوير من ورق وسوائل. كثير من عوائل الغرباء ترتاد محل (باوند لاند)الذي يبيع أدوات وأغراض المنازل بأسعار معقولة. أما محل (كيو آند دي) فهو متخصص في بيع الملابس والأحذية والفرش وأغطية ولحافات الأسرّة والمخدّات وغيرها، وبأسعار معقولة أيضاً للمستهلك العادي، خصوصاً بالمقارنة بمتجر (ماركس آند سبنسر) الباهظ.

         قبل الوصول إلى محل (جيسوبس) للتصوير يتفرع طريق إلى اليسار، يأتي في نهايته إلى اليسار مطعم (بيتزاهت)، ومن بعده محل شركة (مارتن داوز) المتحدة للأتصالات، حيث اقتنيتُ جهاز الجوّال لأول مرّة. في عمق منطقة (سيتي سنتر)، وفي الجهة المقابلة لسوق المظلات (ربش) الرخيص، يوجد طريق مسقوف لاتدخله السيارات، في طرفه مكتبة رائعة مكوّنة من دورين وأجنحة عديدة، وقبلها على اليمين مطعم ومقهى جميل، بمقاعد وطاولات من الإستنلس ستيل، وزجاج يطلّ على الطريق المرصوف بالأحجار، يقابله محل (جاليري) لعرض اللوحات الزيتية والمائية، وقبل محل اللوحات يبدو على الزاوية محل لبيع أنواع متعدّدة من الحلوى. في الساحة المجاورة يظهر صفّ من الأكشاك المسقوفة، تبيع الحقائب اليدوية ومظلات المطر الملوّنة والتماثيل الحجرية الصغيرة ومحافظ النقود الرجالية والنسائية وغيرها. في طرفها الأدنى محل لبيع (الآي سكريم) والمشروبات الباردة، حيث يصطف أمامه المراهقون الإنجليز مع صديقاتهم، ويأخذون نصيبهم من (الآيس كريم) ثم يجلسون على الجدار القصير لنافورة الماء المزدان وسطها بتماثيل نساء عاريات.

دروس السيدة (جين)

         كان من الصعب أن يندمج الغريب مع بلد أجنبي، بعاداته وأنظمته وتقاليده ولغته، وشروط التعامل مع الناس، من أبسطها إذ يتوجب على من يُعرض عليه شيء، كالشاي أو القهوة، بأن يجيب بشكل محدّد وواضح: (نعم، من فضلك) أو لا، شكراً. كنتُ أجيبُ باختصار (شكراً) حاذفاً كلمة (لا)، فلا تعرف السيدة (جين) إن كنت أوافق على عرض القهوة أم أعتذر. بعد أن علمتني ضرورة أن أحدّد بدءاً (نعم) أو (لا) شعرت أننا في لغتنا العربية نتعامل بطريقة مجازية أو إشارية أحياناً. كان أيضاً من الصعب أن آكل وأنا أمشي في الطرقات، إذ كنت أشعر أن ذلك خطأ تربوياً، وقد يجلب لي نظرات الاستهجان من قبل الآخرين. لكن السيدة (جين) في الأيام الأولى - بعد أن غادر زميلي الإماراتي، حيث صرت أمشي وحدي إلى نقطة انتظار الحافلة- قالت لي وقد رأتني أنزل مستعجلا من الدرج، وأحاول أن أتناول إفطاري بشكل مرتبك، قالت بأن آخذ فطيرة الجبن معي، وآكلها في الطريق، متجهاً إلى (درهم رود).

         رغم برودة طقس (نورج) فيما عدا فصل الصيف، فإن الناس تعلموا أن يستحمّوا فجراً قبل الخروج إلى أعمالهم ومدارسهم، مما يضفي نشاطاً رائعاً على الجسد، خاصة وهو يستقبل نسمة هواء باردة، وسماء مكتظة بالغيم الرمادي. لم يكن المطر في (نورج) وفي (بريطانيا) عموماً يحتاج إلى برق يلتمع كل ثوان، ولا رعد يفرقع بوحشية، كما هو في بلادنا، بل حتى المطر إذ يهطل، فإنه يهطل بنعومة فائقة، كأنما يد حانية في السماء تمسح على رءوس التلاميذ الذاهبين إلى مدارسهم. كان المطر لا يكفّ عن الهطول، مما يجعل فضاء المدينة نقيّاً وصافياً، لدرجة أن أردأ أنواع كاميرات التصوير تنتج صوراً رائعة، بسبب النقاء الشديد في الجوّ. في مدرسة (بوثروب هول)كانت الطالبات يرتدين معاطف مطرية، ويتباهين بمظلات المطر الملوّنة والغريبة. وكما كان الطلاب يخرجون أمامهم قواميس اللغة الإلكترونية، وأجهزة المذكرات الإلكترونية، كانت الطالبات، خاصة اليابانيات، يهتممن بأشكال أقلامهن وحقائبهن، فمرة قلم برأس إنسان يلبس قبعة، ومرة حقيبة صغيرة على شكل دبّ قطبي بنّي، فضلا عن الاهتمام والتنافس على أشكال الوشم، على الأكف أو فوق الأصابع وأحياناً على الرقبة أو الذراع المكشوفة.

         كانت السيدة (جين) تحكي أحياناً عن ولدها الذي خرج ولم يعد مرة أخرى. وعن بنتيها اللتين تزوجتا وغادرتا، وهما تحضران بصحبة أطفالهما أحياناً في عطل نهاية الأسبوع. لم تكن السيدة (جين) وهي في الخمسين بحاجة إلى أن تخفي علاقتها بالرجل الضخم الذي ينام معها في عطل نهاية الأسبوع عن بنتيها المتزوجتين، بل كان يحضر حتى في وجودهما، وأحياناً تعتذر الأم هاتفياً عن استقبالهما، بحجة أنها ستذهب في عطلة نهاية الأسبوع إلى منزل صديقها، لتنام معه. أما بنتها الثالثة فهي تعاني من إعاقة عقلية بسيطة، رغم انها تتدبر أمورها، وتقيم بمفردها في شقة قريبة.

12 بومبستد كورت

         بعد أن ودّعت السيدة (جين) وانتقلت إلى منزلي الجديد، شعرت بالراحة والاستقلال، إلا أن مشاغبات مراهقي الحيّ الإنجليز كانت تؤرقني، ففي كل صباح أجد بقايا البيض السائلة تلتصق على زجاج سيارتي. بل إن الأمر وصل مرة إلى أن فزعتُ على خبطة عنيفة هزّت زجاج نافذة الصالة المطلة على مواقف السيارات، فرفعت الستارة بخوف وحذر، ورأيت السائل الأصفر للبيضة وهو ينزلق ببطء على زجاج النافذة. لم أكن أعرف آنذاك، ولم أجد تفسيراً لهذا العداء لدى الإنجليز تجاه الغرباء. كنت أواجه تلك التحرشات بالصمت، خاصة وأنا أشعر أن هؤلاء المراهقين هم أبناء شوارع، إذ كنتُ ألمحهم من وراء ستارة غرفتي العلوية، وقت ما بعد الظهيرة، قبيل أن أضع رأسي لأنام، وهم يتخذون من زاوية المواقف مكاناً لتجمهرهم. كنت أشاهد أحياناً ثلاثة أولاد مراهقين، وهم يقفون بدراجاتهم الهوائية، متحلقين برابعهم وهم يحدّقون به منهمكاً في قبلة طويلة لبنت مراهقة تصحبهم دوماً في تنقلاتهم داخل الحي. كان الأمر أكثر صعوبة بوصول أطفالي الثلاثة، الذين قد يفهمون مثل هذا السلوك، مما يضطرنا، أنا وزوجتي، إلى تجنيبهم رؤية مثل ذلك، حيث صرفنا الكثير من الوقت لإبعادهم عن رؤية مثل هذه المشاهد غير الأخلاقية.

         لعل هذه المسألة تزداد حول رغبة مشاهدة أفلام السينما التي تناسب الطفل، إذ إن جزءا من رحلة طويلة كهذه أن يتمتع الصغار والكبار بمشاهدة السينما، وما توفره من فضاء بصري ونفسي مذهل. في مدينة نورج يخصص نهار الأحد، تحديداً صباح الأحد، لأفلام الرسوم المتحرّكة الخاصة بالأطفال، فكان أن قرّرنا حضور ومشاهدة فيلم (بقز لايف) في سينما (آي بي سي). كان يوماً مذهلا، إذ حضر العرض حشد من الأطفال، لا يمكن أن تسمع منهم أثناء العرض صوتاً أو بكاءً أو نفَساً. تذكرتُ على الفور عرضا مسرحيا فرنسيا للأطفال حضرته منذ سنوات في (أبوظبي) أثناء معرض الكتاب الدولي، وأدهشني كيف يمرّ الأطفال أمام الآخرين وهم في وضع الركوع الصامت، منعاً لإثارة الجلبة والبلبلة والتشويش على متابعي العرض المسرحي. كنت لحظة ذاك مسكونا بالدهشة من احترام هؤلاء الأطفال الأجانب لحقوق الآخرين والحفاظ عليها، وأنا أتذكر حال الأطفال العرب. كما ورد في ذهني العرض الموسيقي والأدائي الصامت للفنان موتسارت في مسرح نورج، الذي حضره معي ما يقارب ألف مشاهد، وكنت كأنني الوحيد الذي يشاهد العرض لهول الصمت المحيط. وهو ما لا يمكن أن تجده في أي بلد عربي، أثناء عرض مسرحي لا تكفّ أجهزة الهاتف النقال عن الرنين، أو ما يشوب محاضرة عربية ما من دق المحاضر سطح الطاولة بأصابعه كل فينة آمراً الحضور ذا الثرثرة بالصمت والإنصات.

حفلات المساء

         لم تكن مدرسة (بوثروب هول) تتأخر عن إقامة حفلات في نهاية كل دورة تدريبية، وكان أن تحوّلتْ، ذات مساء، الصالة التي تتاخم المطعم إلى قاعة احتفال مزدحمة بالمقاعد، وقد أصبح الطالب الياباني (ياوتشي) ممثلا في ليلة الاحتفال، بينما ثلاث مدرّسات يقمن بدور عاشقات له، وهن متنكرات بزي غريب، ويفتعلن أصواتاً غريبة، بينما ربطت عيناه بعصابة سوداء كي لا يرى، ويتم سؤاله عن السيدة التي تحادثه، من تكون من بين المدرسات، وأحياناً كانت إحداهن تمسك بيده وهي تتحدّث، وتتجوّل به على ساحة العرض.

         قبل أن أصل إلى هذه البلاد كنت أنظر بإعجاب وتقدير للشعوب المتقدّمة، تلك الشعوب التي حققت قفزات اقتصادية وصناعية، لدرجة أنني كنت أظن أن أي إنسان ياباني هو مثقف ومنجز بالفطرة، وهو كما أجهزة الحاسوب مزدحم الذاكرة بالمعلومات والمعارف، لكن كل ذلك كان وهماً بعد أن قرَّرَتْ إحدى المدرّسات في بدء الدراسة، أن توزّع طلاب وطالبات الصف إلى مجموعات قطرية متجانسة، على أن تستعرض كل مجموعة من بلد ما، تقاليد وثقافة هذا البلد، لتقوم المجموعات الأخرى بطرح الأسئلة حول ذلك. أذكر أنني طرحت عدداً من الأسئلة عن الثقافة التقليدية في اليابان، كملابس الكيمونو للنساء، ونمط قصائد (الهايكو) وأعمال السينمائي العالمي (أكيرا كيروساوا)، دون أن أجد إجابة شافية وواضحة عن هؤلاء، وهم شاب عشريني اسمه (ياوتشي)، وفتاة في الثلاثين اسمها (ماقومي)، وشاب ثالث لا أتذكر اسمه. قرّرت المدرِّسة أن تدوّن أسئلتي وقد شعرت بدهشة وشكّ، دهشة أن يسأل غريبٌ أهلَ بلد ما، فلا يجد لديهم إجابة شافية، وشك أن تكون أسئلتي خاطئة أو مختلقة أصلا. في اليوم التالي جاءت طالبة يابانية من الصفوف المتقدمة في دراسة اللغة الإنجليزية، وشرحَتْ لنا كل ما سألتُ عنه، لدرجة أنني طلبت منها أن تقرأ لنا من ذاكرتها بعض قصائد الهايكو القصيرة، وذلك بلغتها الأصل، أي اللغة اليابانية، لأكتشف كمّ الإيقاع المذهل فيها، فضلا عن الرؤية العميقة التي أعرفها من قبل، عبر قراءاتي العربية، أو الإنجليزية فيما بعد.

         هذا الموقف أشعرني أن الحضارة التقليدية اليابانية معرّضة للزوال تحت سيطرة النموذج الغربي في الملبس والمأكل والمشرب، لدرجة أنني أذكر كيف كان (ياوتشي) يلبس القلائد والأساور بالطريقة الغربية عينها، وكذلك كانت (ماقومي) تهتم بمسألة الوشم، وقد زارت لندن مراراً كي تضع الوشوم في مناطق متعدّدة في جسدها. كما أن الإنجليز الذين كنت أظن أنهم جميعاً قرأوا (تشارلز ديكنز)، والشاعر (فيليب لاركن)، أو حتى الشاعر المعاصر –(تيد هيوز) الذي توفي خلال وجودي هناك، إلا أنه تبين لي أنه ليس بالضرورة أن يكون كل هؤلاء قرَّاء، بل حتى القارئ منهم قد لا يحب قراءة الأدب مثلا، بل يقرأ في العلوم المتنوعة، أو في الفلسفة أو في التاريخ وغيرها.

الأسكوتلندي (جوناثان) و(سافو)

         كان من مبادرات مدرِّسة إنجليزية حاصلة على ماجستير في الأدب أن اقترح على من يرغب، من طلاب وطالبات الصف، بالكتابة في أي موضوع يعشقه، بأن يقدّم لها أسبوعياً مقالا أو موضوعاً جديداً، كنشاط اختياري، وغير أساسي أو اجباري. كثير من الطلاب والطالبات، من اليابان وأمريكا اللاتينية، كانوا حريصين على الكتابة، وتعلم أصولها وفنونها. أما الطلاب العرب، الخليجيون والليبيون فلم يبادر أحد منهم بالكتابة سواي. لدرجة أن أحدهم قال معلقاً في فترة استراحة بين الحصص، أنه غير قادر على الكتابة باللغة العربية، فكيف بالإنجليزية، وآزره آخر مؤكداً أن أسوأ مواد الدراسة في الصغر كانت مادة التعبير، إذ كان يترك ذلك لأخته التي تحلّ له واجب التعبير. أكد الأول أن البنات هن أفضل من يكتب موضوعات التعبير. اتفقا على ذلك في محاولة إهانتي - حسب وعيهم - بأن أنشطة النساء هي في المطبخ والتعبير بكلمات رومانسية. كانا يشعران أنهما يقدمان على شتيمتي، إذ إن وصف الرجل بامرأة تعد - في أعرافهم - أسوأ من وصفه بحيوان مثلا. ظللت أكتب شعراً قصيراً بالإنجليزية بعد أن قرأتُ بعض تجارب قصائد (الهايكو) الإنجليزية. كنت أكتب ما يشبه محاكاة هذا الشعر.

         لم تكن تشعر بالدهشة فحسب، وهي تراجع ما أكتب من خربشات في خريطة الشعر، بعدما أدمنتُ المكتبة في (سيتي سنتر)، لأقتني كل مرة كتاباً جديداً، وأقرأ فيه بصحبة قواميس اللغة، من القاموس الإلكتروني السريع، وحتى قاموس (إكسفورد). بل إنها قدّمت لي عرضاً رأيته ساذجاً لطباعة ما أكتب بالإنجليزية في كتاب، وقد سألتني عمّا إذا كنت أكتب شعراً بالعربية، وما إذا كانت تلك القصائد هي ترجمات لذلك الشعر.

         لم تخدمني كتابة القصائد في تعلم مهارة الكتابة فحسب، بل إنها قدّمتني بشكل رائع إلى مدرسة (أولد هاوس) في شارع (تشرش لين)، إذ استقبلني طاقم التدريس هناك كشاعر جيد من حضارة أخرى، وتمّت توصية المدرّس الشاعر الأسكتلندي جوناثان عليّ، إذ استضفته فيما بعد في بيتي، ثم دعاني إلى بيته بعد أن تحدثتُ معه طويلا عن شعراء اليونان القدماء والجدد، وأبديت إعجابي الشديد بالشاعر يانيس ريتسوس، وقسطنطين كافافيس، والروائي نيكوس كازانتزاكي، وعرّفني في بيته الصغير في منطقة (إيتون)على زوجته اليونانية.

         بعدما قرأ لي بعض التجارب البسيطة، وأطلعني على قصائده القديمة، مؤكداً توقفه عن الشعر، نصحني بقراءة الشاعرة اليونانية القديمة (سافو). وظلّ في كل لقاء يتحدث عن قصيدتها (الراعي والنجوم) وهو يشعر بمتعة نادرة أن يتلو مقاطعها الأخيرة. بعد أن انهمكتُ بالدراسة الجادة، التي تتطلب مني حفظ الكثير من المفردات أسبوعياً، انشغلت عن الصديق جوناثان، ولم أعد أراه في المدرسة، إذ كان يعمل مدرّساً متعاوناً يقدّم حصصاً قليلة في يوم واحد فقط من الأسبوع.

         لم يكن الكرم نمطاً حياتياً لدى الإنجليز عموماً، إن لم يكن البخل أو التقتير صفة واضحة فيهم، فأذكر أن صديقي (جوناثان) حين زارني في بيتي قمتُ لأصنع له كأس شاي، وتبعني مثرثراً إلى المطبخ، وقد ظلّ يشكرني على كأس الشاي حتى خرج، دون أن أشرح له كيف ينحر الناس الخراف لأجل ضيف واحد، حتى يملأ عينه بالسفرة، ويشعر بتقدير مضيفه له. لو كنت شرحت له ذلك لجزم أن ذلك ضرب من ضروب الجنون، وأزمة نفسية يعيشها الإنسان العربي، كما كان يحاول دائماً ربط سلوك الإنسان بحالته النفسية.

         عندما كنت أعيش في منزل السيدة (جين) كانت تظن أن بعض السلوك الذي آتي به مردّه أزمة نفسية، وحاولتْ أن تشرح لي بصبر وأناة عبر قاموس اللغة بعض تصرفاتي. أذكر أن حرصي على أن لا يبقى الحذاء أو النعل مقلوباً جعلها تربط ذلك بوسواس قهري في النظافة، رغم محاولتي إفهامها أن ذلك من عادات الشعوب، إذ نرى أن وسخ النعل يجب أن يبقى باتجاه الأرض، حيث الشيطان، ولا يبقى متوجّهاً إلى السماء.

الهولندي (هانك)

         بعد خروجي من منزل (12 بومبستد كورت) سكنتُ في (كولمان رود) مع رجل هولندي عجوز، اسمه هانك جاكوبس، بعدما عثرتُ على إعلان عرض غرف للإيجار، في جريدة محليّة في (نورج) من نوع (تابلويد). إذ قدّم أسعاراً تشجيعية لغرفة مفردة بلا وجبات. كان الهولندي هانك الذي تزوّج لثلاث مرّات، الأولى هولندية تركها في هولندا بعد أن هاجر إلى بريطانيا بغرض التجارة، وقد أنجبا ولداً عمره الآن في الثلاثين، أما الثانية فكانت امرأة يابانية أنجب منها طفلة في الرابعة عشرة من العمر. أخيراً تزوّج شابة روسية جميلة، علق صورتها في صالة الجلوس، وقد تركته وسافرت إلى باريس بحجة دراسة الدكتوراه في القانون، إذ كان تكفل بنفقات دراستها وإقامتها في باريس، وقد قال لي ذات مساء كئيب، إنه قال لها هاتفياً بالأمس، لك الحق في أن تعيشي مع رجل آخر حالما تشعرين بحبك له، وسأدعك تذهبين براحة واقتناع.

         الهولندي هانك كان يكره الإنجليز ويسخر منهم كثيراً، ويقول إن الشخص يشعر بقدوم الإنجليزي على مسافة بعيدة بسبب رائحته العطنة!! رغم أن لديه الكثير من الأصدقاء الإنجليز الذين يسهر معهم في حانة (الجهات الخمس) مساء كل سبت. كان قد حقق نجاحاً باهراً في التجارة، بعد عدد من الرحلات والصفقات التجارية، وكوّن رأسمالا جيداً، ولو جاء شخص - حسب كلامه- وقال له إنك ستفلس وستضطر إلى تأجير غرف بيتك لطلاب غرباء، لقلت له إنك مجنون أو أحمق!!

         كان هانك رجلا متقاعدا عن العمل والتجارة، ويعيش بمبلغ شهري ضئيل، وهو يسهر في الليل أمام التلفزيون، مما يشجعني على السهر معه، والحديث الطويل في شؤون الاقتصاد والسياسة، وقد زار دبي منذ زمن، وكان يظن أنها مدينتي حسب وصفي لموقع بلدي. ذات مساء قال لي إن خساراته الفادحة والمتتالية في سوق الأسهم الأوربية جعلته يلازم المستشفى لأكثر من شهر، بسبب اضطراب عقلي. كنت شككت بترجمة الكلمة، لكنني استخرجت قاموس اللغة، واكتشفت أن الرجل كان تعرّض لمشكلة عقلية، رغم أن من يجالسه لا يشعر حالياً بأي شيء من هذا القبيل. لم أخف من هذا المأزق الصحي القديم لديه، بل إن طبيب وطبيبة صينيين سكنا معنا لاحقاً، واتخذا الغرفتين العلويتين بجوار غرفته، بينما كانت غرفتي في الدور الأرضي، وبجوار الباب الخارجي مباشرة. لذا أشعر أحيانا بالغثيان لدى تصاعد رائحة الطبخ الصيني في المطبخ، وقد أشرك الطبيبان الصينيان مالك المنزل الهولندي بالأكل، وشعرا بألفة أكبر مما شعرتُ بها، خاصة بعد أن دخلت ذات مساء ووجدته ممدداً على أريكة الصالة، وقد غرزا في جبينه ورأسه وأطرافه إبراً صينية.

         بعد أن سألني الهولندي مراراً عن مبلغ إيجار الغرفة، البالغ أربعين جنيهاً، عدت ذات ظهيرة من المدرسة وقد سحبت له المبلغ من ماكينة الصرف الآلي. حاولت أن أفتح باب البيت، لكنني لم أتمكن من ذلك، دهشت وقد تأكدت من رقم المنزل، ومن زجاج غرفتي المطلّ على (كولمان رود)، ونظرت في الطريق المحاذي للباب، فوجدتُ سيارته المرسيدس الصفراء القديمة. همزت ضاغط الجرس، ففوجئت به يفتح القفل الداخلي، وينظر نحوي بجسده الضخم المرتعش، وعينيه المضطربتين بغضب طافح، وهو يزعق بوجهي أنني لن أدخل قبل أن يرى النقود في يدي، فأخرجت محفظتي بذعر، وسحبت من جوفها أربع ورقات من فئة العشرة جنيهات، فاختطفها منّي وهو لم يزل يسدّ الباب الموارب، وبعد أن وضعها في جيب سترته، قال لي بأن عليّ أن أحمل أغراضي خلال عشرين دقيقة فقط، وأغادر، وإذا بقيت أكثر بدقائق معدودة فسيبلغ الشرطة بأن لصا في البيت. لحظة ذاك جزمت أن الرجل لم يزل يعاني من اضطرابه العقلي، ولم تكن أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001م قد وقعت بعد، وإلا لحرّض على القبض عليّ، ووضعت كأحد منظمي القاعدة الخطرين، خصوصاً أنني عربي، فضلا عن كوني من بلد تتهم بأن أربعة عشر شخصا من إجمالي تسعة عشر شاركوا في تفجير نيويورك هم من جنسيتها.

         شعر هانك أنني قد أهرب في أي لحظة، خاصة أنني أفهمته أن هذا الشهر سيكون الأخير معه، بعدما عثرتُ على منزل للإيجار في منطقة (إيتون) تلك المنطقة السكنية الآمنة، والتي يكثر فيها العرب والمسلمون، وتنتشر فيها الجالية السعودية من الطلاب المبتعثين، وهي أيضاً كانت قريبة جداً من مدرسة (أولد هاوس). أذكر أنني عثرت على إعلان في الجريدة لتأجير منزل (86 أمدرلي درايف) في (إيتون)، وبعد أن اتصلت بمكتب (ميتشلس) العقاري في شارع (كورتيس هاوس) ذكروا لي مواصفات البيت، وموقعه تحديداً وقيمة إيجاره الشهري، فذهبت لرؤيته، وأعجبني. بعد أن أبديت موافقتي بدأت الموظفة في المكتب تتجاهل اتصالاتي بحجج تتعلق بعدم جاهزية المنزل، ثم أكدت أخيراً أن المالك صرف النظر عن تأجير المنزل، وقرّر بيعه. أحسست أن المسألة تتعلق بنظرة عنصرية صرفة، فحواها عدم الرغبة بتأجير المسكن لأي عربي. شرحت الموضوع للهولندي هانك، واقترحتُ أن يقوم بالاتصال بالمكتب، ويسأل عما إذا كان متوفراً أي منزل للإيجار في منطقة (إيتون)، حتى نكتشف الأمر. طلبت الرقم له، وناولته سماعة الهاتف، فكانت السيدة تقول له عن المنزل ذاته: (86 إمدرلي درايف)، ثم اعطته كافة التفاصيل والغرف والسعر، وأخذت اسمه. انطلقت إلى مكتب (ميتشلس) قرب (السيتي سنتر) وبعد عشرين دقيقة كنت أقف أمامها، وأقول لها أنني السيد هانك الذي هاتفها قبل دقائق بخصوص منزل (86 إمدرلي درايف). كانت قد تجمدت وقد عرفتني، ثم اعتذرت قائلة إن المالك عاد وغيّر رأيه في مسألة البيع، إذ لم يعثر على مشتر قادر على الدفع!! بعد ذلك أخذتْ مني مبلغاً، وطلبت تعريفاً بالراتب من جهة عملي، فراسلت في الغد الملحقية الثقافية السعودية في لندن، وأنهيت إجراءات المسكن الجديد.

         بعد أسبوع من خروجي من منزل الهولندي هانك فكرت أن أزوره وآخذ معي باقة ورد، كأسلوب حضاري للإعتذار عن تأخري في سداد أجرة الغرفة، وحفظاً للود مع رجل عاملني كأب لمدة شهرين كاملين، لكن أحد أصدقائي نصحني بأن أترك رجلا مجنوناً، إذ ليس هناك ما يدعو للاعتذار، خاصة أنه واجه الخطأ بسلوك سلبي وعنصري متخلف جداً.

(علي) في(كاربج سيل)

         في طرف مدينة (نورج) وعبر طرق ترابية ممهدة يقع سوق (كاربج سيل) لبيع الأدوات والأجهزة المستعملة، كأدوات المطبخ من صحون وغلاية ومحمصة خبز، وأثاث منزلي كالأرائك والطاولات والكراسي ومصابيح الأسرّة ولعب الأطفال وعربات دفع الرضّع، وأشرطة الكاسيت وأقراص (السي دي)، وأجهزة التسجيل والتلفزيونات والفيديو، والكتب الرخيصة وغيرها. كان سوق (الكاربج سيل) يعمل في يوم واحد من الأسبوع، وهو صباح يوم الأحد، حيث يتكاثر البائعون والمشترون منذ الصباح الباكر.

         لم يكن الأجانب يتغيبون عن هذا السوق المنقذ، فهو يمثل حلا سحريّاً لمن يبحث عن تأثيث بيت بأسعار زهيدة. كان يشبه سوق (حراج بن قاسم) في الرياض، ففيه يعثر المرء على أشياء غير متوقعة، وقد يشتري أشياء لم يكن خطط لشرائها.

         لم يكن (علي) حذراً بما فيه الكفاية وهو يرتاد سوق (الكاربج سيل)، وقد سكن بيتاً جديداً، بعد أن نقل معه أغراض بيته القديم، ومن بينها ستارة من الكتّان الرخيص، ومزيّنة بورود ضخمة. كانت ستارته تلك قد قرّر أن يثبتها على نافذة البيت الجديد، لكنه اكتشف أن صالة البيت لها نافذتان، ولا بد من توفير ستارة أخرى، بنفس درجة اللون والرسوم، أو على الأقل قريبة من التصميم ذاته، فلم يكن أمامه سوى سوق (الكاربج سيل). حمل الصديق القروي ستارته على كتفه، كي يقارنها بما يتوفر في السوق من ستائر مستعملة معروضة للبيع.

         بعد أن ظلّ قرابة ساعة وهو يتجول في السوق بستارته المحمولة على كتفه، وبعد أن اعتذر لراغبي الشراء أكثر من مرّة، بأن الستارة معه ليست للبيع، أسندها بجواره عند محل لديه تشكيلة جيدة من أقمشة الستائر، مقنعاً نفسه كحل أخير بشراء قماش مشابه، لتقوم زوجته بخياطتها كستارة نافذة غير متقنة التنفيذ. بعد أن جادل (علي) البائع قليلا حول السعر، أراد الانصراف، والتفت ليحمل ستارته التي أسندها على مصطبة البائع، ولكن لا شيء!! لم تكن هناك ثمّة ستارة. تلفت (علي) في الأنحاء، يميناً ويساراً، ولكن لم يجد أي أثر لستارته، ونظر في الطريق المؤدي إلى محلات أجهزة التسجيل والأشرطة، فرأى ستارته تهتز فوق كتف رجل ضخم، يلبس (تي شيرت) أسود، ويظهر زنداه المفتولان، فلحق به (علي) وأوقفه مؤكداً له أن هذه التي يحملها على كتفه إنما هي ستارته، وهو لن يبيعها. نظر نحوه الرجل الإنجليزي الضخم بعينين تغليان غضباً، وأشار إليه بقبضته إلى أن ينصرف وإلا تولى أمره. بعد أن وجد (علي) نفسه ضئيلا وغريباً أمام مواطن إنجليزي ضخم الجثة، آثر أن ينسحب بهدوء حسيراً ومقهوراً. ثم ركب سيارته الخردة التي اشتراها من عجوز باكستاني الأصل، بريطاني الجنسية، وانطلق شاعراً بغصّة في حلقه، يكاد يبكي لشدّة ما يعاني آنذاك من اضطهاد واستغلال وشعور بالمهانة، دون أن يملك أن يعمل شيئاً، يدفع به الاضطهاد والإهانة.

         في البيت، وحفظاً لكرامته، لم يذكر (علي) لزوجته القصة التي تعرّض لها، لكنه قال لها إنه لم يجد اللون ذاته، ولا التصميم المشابه، فاضطر إلى أن يبيعها في السوق، فتخلص منها بسعر زهيد، ثم عاد خالي الوفاض.

أزواج عرب وشقراوات

         كان أسمر ووحيداً، يعيش في ناحية من (نورج) في بيت بالإيجار، ويزوره أطفاله الثلاثة من طليقته الإنجليزية في عطل نهاية الأسبوع، ثم يبقى وحيداً خلال أيام الأسبوع كله. كان ثابتاً وباقياً، وزملاؤه الطلاب متغيّرون ومتنقلون، ما أن يتعرّف على أصدقاء ويقدّم لهم خدمات مقابل مبالغ بسيطة، حتى يغادرون إلى مدن بريطانية أخرى. جاء منذ خمسة عشر عاماً طالباً مراهقاً، في عطلة صيف، مع زملاء مراهقين من مدينة الدمام، وبعد دراسة اللغة لثلاثة أشهر، تعرّف خلالها على فتاة إنجليزية ستكون زوجته وأم أولاده، عاد إلى الدمام، وباع سيارته (الكابريس) القديمة، أمام بكاء أمه وتشبثها به، لكنه نكص إلى بلد النهر والفتاة الشقراء، وسقط في حضنها لسنوات، أنجب خلالها ولدان وبنتا، وعاد بزوجته إلى الدمام، فلم تتأقلم مع حياة غريبة وبدائية كما تراها، ثم عاشا معاً في (المنامة) كحل وسط، لكن حرب الخليج الثانية قضت على الحلم تماماً، بعد أن جاءت التعليمات للمواطنين الإنجليز بمغادرة الخليج، وكانت الكارثة أن اكتشفت أن زوجها الأسمر، قد منعها من السفر بالتأشير على جوازها، مما كان يعني في عرفها الخيانة والكذب وقمع الحرية، فطلبت تدخل السفارة البريطانية في البحرين، وهربت بالأولاد، وأرغمته لحظة أن لحق بها على تطليقها بسبب استبداده، ليبقى وحيداً في مدينة (نورج) منتظراً ظهيرة الجمعة، كي يستمتع بمرأى صغاره، والتسلي معهم، حتى نهار الأحد.

         كانت المفاهيم والمبادئ والرؤى والأفكار تختلف بين الرجال العرب، وبين زوجاتهم الإنجليزيات. صحيح أن بعضهن أسلمن ولبسن الحجاب، وقررن في بيوتهن، ولكن يبقى الرجل الشرقي بأفكاره ورؤاه مختلفا جذرياً عن الإنجليزي، ومن هنا اختلفت النظرة إلى الحرية، وحدود هذه الحرية، وما إذا كانت حرية مسئولة أم بلا حدود، كما أن النظرة إلى الكذب تختلف، فما يراه العربي من كذب زوجي كوسيلة إلى الحفاظ على البيت، يراه الغربي حلا مؤقتاً سيقود حتماً إلى دمار البيت. كان ليبيون مهاجرون يعيشون مع زوجات إنجليزيات. كان أشهرهم في (نورج)رجلا ليبيا يوفر اللحوم الطازجة من مدن مجاورة، بسيارته البيجو الصالون، قبل أن يفتح مطعماً عربياً حقق به بعض النجاح، ورغم أنه أكثر العرب خبرة ودراية بالقانون والأنظمة في بريطانيا، إلا أنه وقع في ورطة تعزّز نظرة الغرب إلى أن العرب مجرّد لصوص ومتطاولون على القانون، وذلك بعد أن دخل زميل له ليبي في خلافات دائمة مع زوجته الإنجليزية، فقرّر أن يهرب بأطفاله إلى ليبيا عن طريق فرنسا، فوافق تاجر اللحوم الليبي على تسهيل أمر تهريب صديقه، مقابل جميع مدخراته. في فجر لم تشرق شمسه أخذ الليبي تاجر اللحوم صاحبه وأطفاله في سيارته البيجو الصالون، وانطلق بهم إلى الحدود، حتى أوصلهم إلى مطار شارل ديجول في باريس، فطاروا إلى ليبيا، أما هو فقد عاد وكأن شيئاً لم يحدث. بعد أيام ضجّ جرس بيته، فإذا عناصر من الشرطة، تأخذه من أجل التحقيق، فأصر على أنه لم يرَ صاحبه الليبي المفقود منذ أسبوع، ودوّنت أقواله ووقع عليها، حتى تمّ عرض الفيلم التسجيلي لهروبه بهم إلى الحدود مع فرنسا، وهو في سيارته البيجو، فاعترف، وسجلت ضدّه مخالفة اختطاف أطفال إنجليز، وتهريبهم إلى خارج البلاد، إضافة إلى جريرة الكذب في المحكمة بعد حلف اليمين، فحكم عليه بالسجن عشر سنين.

         رغم الاستقرار والهدوء الذي يعيشه العرب في بريطانيا لسنوات طويله، إلا أنهم يفاجئون الآخرين هناك، بتصرفات غير لائقة، تساعد على تأكيد النظرة العنصرية إلى أن هؤلاء العرب همج وإرهابيون ولصوص وخونة، ويجب التعامل معهم بطرق بدائية وتسلطية.

         لقد عمل الرجل الأسمر الوحيد، الذي ينتظر أطفاله في العطل، سائق سيارة شحن في بلدية مدينة (نورج)، وذلك بجمع نفايات الورق تحديداً، من أجل بيعها وإعادة تأهيلها للصناعات الورقية. وبعد أن قام الرجل بجولته الصباحية، جامعاً ما توفر لدى الأبواب من بقايا ورقية، صحف وجرائد وكراتين، عاد إلى مكتبه، فما أن دخل وجلس، حتى وجد فوق طاولته ورقة تفيد بأنه لم يجلب معه نفاية ورق المنزل رقم كذا بشارع كذا، الذي يخصّ امرأة انجليزية عجوز، مما اضطره إلى العودة إلى العنوان المذكور في مشوار خاص، كي يتعلم الإحساس بالمسؤولية، من هذه العجوز، بعد أن سُجلت ضده مذكرة لفت نظر.

         ما كان لافتاً بالنسبة لي، أن العرب لا يمكن لمعظمهم أن يندمجوا كالهنود مثلا في ثقافات الشعوب الأخرى، مما يجعلهم يعيشون في بريطانيا كأقلية غير مرغوب فيها. هل ثمّة خلل في النسيج الثقافي والاجتماعي العربي؟ هل كان الخلل في التنشئة لدى الأسر العربية؟ هل الطفولة العربية تمثل المأزق الحقيقي، الذي يتأسس عليه جيل لا يمتلك مقومات الحوار مع الآخر، ولا يحظى بقدر مناسب من مهارات التواصل الاجتماعية؟ كانت الأسئلة دائماً تجعلني في حيرة، وأنا أرى كيف تصبح الجنسيات المتعدّدة، غير العربية، فاعلة ومؤثرة في نسيج المجتمع الإنجليزي.

الجريدة الصفراء

         في منطقة (نورفولك) في بريطانيا توجد جريدة صفراء من قطع (تابلويد) اسمها (فري آدز) وتعني الإعلان المجاني، فهي جريدة متخصصة بالإعلانات المبوبة المجانية، إذ يمكن لأي شخص أن يعلن فيها عن بيع أي قطع وأثاث وسيارات عبر الهاتف، بتسجيل معلومات عن الشيء المراد بيعه، ومعلومات شخصية عنه، ويتم تمويل الجريدة الصفراء عبر مبيعاتها عند نقاط التوزيع، إذ يتم بيعها بما يعادل جنيه إسترليني واحد.

         يمكن لمتصفح الجريدة الصفراء، جريدة الإعلانات المبوّبة، أن يقرأ عن تسويق كل شيء، حتى العلاقات الشخصية والصداقات، بإعلان شخص يبحث عن صديق أو صديقة، يتوفر فيه أو فيها الصدق والأمانة والوفاء وما إلى ذلك، فضلا عن مبيعات الأثاث المنزلي، والأجهزة الكهربائية، وأجهزة الأثاث المكتبي، والسيارات والدراجات النارية، وتأجيرأو بيع المنازل، وتأجير الغرف داخل منازل العائلات، وبيع الحيوانات وأجهزة استقبال البث الفضائي، وغيرها.

         في هذه الجريدة عثرت على شخص يرغب في بيع جهاز استقبال قنوات فضائية، بعد أن تعذر عليّ أن أجد في المحل الوحيد لبيع هذه الأجهزة في شارع (درهم رود) قرب (الستي سنتر)، وأخذت السيارة مع صديقي محمد إلى منزله تبعاً للعنوان في الجريدة، وما أن وصلنا حتى أرانا الجهاز النائم في رفّ طاولة التلفزيون، وأقنعنا أنه يعمل بشكل جيد، وسيبيعه لأنه اشترى جهازاً آخر جديدا. أحضر سلما طويلا جدّاً، وهو عبارة عن سلمين ينفرجان إلى أقصى حد، ويصبحان سلماً واحداً وطويلا، وبدأ يخلع قرص الاستقبال الصغير المثبّت بقائمتي حديد بجدار القرميد الأحمر. بعد أن استلمنا القطع ودفعنا المبلغ الزهيد، أكد محمد ساخراً أن المبلغ المدفوع للرجل الإنجليزي لا يكفي أجرة فكّ القرص العلوي فقط، فضلا عن القرص والجهاز. في البيت اكتشفنا أن الجهاز لا يستقبل شيئاً يستحق العناء، وبعد أن زارني العراقي وليد، أكد أن جهاز الاستقبال جهاز قديم جداً، وهو غير صالح للاستخدام الآن، مقترحاً أن يبيعه بنصف الثمن. وهكذا نقع كغرباء في فخ استغلال الإنجليز من جهة، واستغلال الأخوة العرب المهاجرين والمرتزقين من جهة أخرى.

مدينة (ريدنق)

         كان عليّ أن أزور صديقاً دارساً في مدينة (ريدنق) قرب لندن، حيث يقيم في منطقة (وودلي)، إذ كان ينتظرني في محطة القطار، قبل أن ننطلق في شوارع المدينة الهادئة للغاية. كانت المدينة تشبه المدن البريطانية الأخرى، لكن نهر (التايمز) فيها رائع وصاف وحميم، إذ كنت أشعر داخلياً أن النهر في (ريدنق) مختلف عنه في لندن. كانت أسراب البط البيضاء، بمناقيرها الحمراء، تشكل مشهداً سحرياً في عرض النهر، بل إنها تكون أكثر فتنة وهي تقترب في حشد فاتن صوب حافة النهر، تتخاطف قطع الخبز من الأطفال والعشاق ومرتادي النهر. تتمايل المراكب الشراعية بنعومة بالغة، رغم ما تثيره ماكينات القوارب النهرية من ضجّة مربكة. في الضفة الأخرى من النهر، حيث تتكاتف الأشجار، يقف رجال بسراويل قصيرة، وهم يطوّحون بين فينة وأخرى بسناراتهم في الماء.

         كانت منطقة (كفر شيم)التي يتمدّد فيها النهر الفضي مثل عاشقة نائمة من أكثر مناطق المدينة رقيّاً، وهي لا تبعد كثيراً عن جامعة (ريدنق).

         من أكثر المواقف غرابة هو ما تعرّض له صاحبي في (ريدنق)من قرع عنيف على باب منزله ليلا، مما جعله يهبط سريعاً مرتبكاً نحو الباب، فإذا عناصر من الشرطة تقف بالباب، وتسأله عمّا إذا كان لديه أطفال، فأجاب موافقاً، فما كان منهم إلا أن دخلوا البيت، وطلبوا إحضار طفله أو طفلته، فقال لهم إنها طفلة في الثالثة من العمر، وهي في الدور العلوي تستعد للنوم!! أكدّوا له أنهم من شرطة حماية الأطفال من العنف الأسري، وقد تلقوا اتصالا من منزله قبل دقائق، جازمين بذكر رقم هاتف منزله. حاول أن يشرح لهم أنه ربما عبثت طفلته بجهاز التلفون، وهمزت عابثة بالأرقام الثلاثة لشرطة حماية الأطفال. رفض رجال الشرطة تبريراته، وطالبوا بإحضار الطفلة حالا، فما كان منه إلا أن حملها، وهبط بها من سلم الدرج، ووضعها بينهم. طلبوا منه أن يخلع ملابسها، فخلعها، وتفحّصوا جسد الطفلة جيداً، حتى إذا لم يجدوا أثراً لعنف أو ضرب أو كيّ، اعتذروا من صاحبي وغادروا البيت.

         كلما تذكرت هذا الموقف أشعر بمهانة الأطفال العرب الذين يتعرّضون إلى أنواع من العنف والإيذاء الجسدي والنفسي، من ضرب وقمع وإهانة، سواء في البيوت العربية من قبل أسرهم، أو من المدارس من قبل مدرّسيهم، دون أن يحرّك أحد ساكناً، لدرجة أن أصبحت أدوات مثل العصا والسوط من عناصر المهابة لدى المدرّس والأب.

         رغم روعة هذا الموقف، وما يوحي به من اهتمام وحرص على صحة وسلامة وحماية الطفل، إلا أن مشهد النساء في نهارات السبت، في منطقة (سيتي سنتر) بمدينة نورج، يجلب الحزن والكآبة، إذ يقدن أطفالهن ذوي السنتين والثلاث سنوات، بسيور من الجلد تربط في صدورهم على شكل علامة الضرب، ويقمن بسحبهم خلفهن كما لو كانوا كلاباً. حين شاهدت هذا الموقف، لأول مرّة، خالطني شعور لا يمكن وصفه أبداً، كنت أشعر بالرثاء نحو هؤلاء الصغار، وبدأت أتخيّل فقدان حنان اللمسة الأبوية التي يفقدها الطفل، وقد تخلت الأم أو الأب عن الإمساك به يداً بيد!! هذا العناق بين يد الأم الدافئة، وبين يد الطفل الصغيرة المتلهفة على الدفء، لا يمكن تعويضه أبداً!!

         هذا المشهد لم أره في بلد عربي، وإن كان استخدام عربات الأطفال يعدّ أمراً شائعاً في البلدان العربية، وهذا النمط من العربات التي تدفعها الأمهات في الرياض، مثلا، كان بديلا لحمل الأمهات النجديات القديمات أطفالهن، وضمهم إلى دفء صدورهن، فلم يعد الأطفال يشعرون بدفء صدور أمهاتهم وعناقهن أثناء المشي في الطرقات!! قد تحمل الحضارة الغربية لنا في المستقبل بعض السلوكيات الخالية من المشاعر الإنسانية، إذ نسحب أطفالنا أو آباءنا العجزة بسيور جلدية، دون أن نحسسهم بدفء أيدينا وأكفنا وأصابعنا النابضة.

مدينة البحر والجبل

         كانت (قت يارموث) مدينة صغيرة تقع إلى الشرق من مدينة (نورج)الأكبر مساحة والأكثر سكاناً. تلك المدينة الصغيرة لا يشعر المرء بارتفاعها، وكأنما هي تقع فوق جبل، إلا في طرفها الشرقي حيث يظهر البحر في هوّة منخفضة للغاية، إذ تطل على ملتقى بحر الشمال بالقنال الإنجليزي، مما يجعل مرتادي الشاطئ الرملي يهبطون من سلالم درج طويلة جداً، قد تتجاوز مائة درجة اسمنتية ملتوية باتجاه الأسفل. على كورنيش المدينة يتكاثر السيّاح والمتنزهون، وتطل نوافذ الفنادق ذات الزجاج الطولي على ساحل البحر الرملي. بين الفنادق والمباني المشرفة على البحر وبين شاطئ البحر في الأسفل، يمتد طريق كورنيش (قت يارموث)، وتسير فيه دراجات نارية ضخمة وأنيقة يقودها رجال بزنود ضخمة ونظارات شمسية وربطات شعر، كما تكثر في الطريق الألعاب والملاهي المتطوّرة، التي تعجّ بالأطفال والمراهقين، وهم يتنقلون من لعبة هوائية إلى أخرى، ومن لعبة حظ إلى أخرى. مقابل جنيه استرليني يلقي المتنزّه سنارة صيد سمك بلاستيكي عائم كي تربح دبّاً سعره أكثر من عشرة جنيهات، أو عروساً بعشرة سنتات. كما أن الدمى الضخمة المفتوحة الأذرع والفم تجلب الرعب أحياناً قبل أن تحرّض على المتعة والفرح. تتوزّع في الممرات بائعات المشروبات والآيس كريم وصابغات الشعر بعد تجديله بشكل جاذب للنظر، حيث كانت الطفلات يجلسن على كراسي أمامهن، ويتركن رؤوسهن لتلك الأصابع المدرّبة.

         في الصيف يتحوّل الكورنيش إلى صخب لا يطاق، وخلف الأكمات والشجيرات القصيرة النابتة في شاطئ الرمل يختبئ عشاق وهم يغرقون في عناق أبدي، فضلا عن الرجال والنساء شبه العراة وهم يسيرون دونما اكتراث على الشاطئ. أما في الشتاء فقد يهبط الغيم أحياناً فلا يكاد الرائي يميز الأفق وراء البحر، فالغيم يعانق أفق البحر في مشهد بديع، تصحبه غالباً رياح باردة لا يخففها الشاي بالزنجبيل الذي يرشفه الغرباء على الساحل الرملي. كانت الموجة في البحر لا تتوقف عن الصخب وهي في هيجان يجعلها كأنما تحكي أو تبكي بحارة هاجروا من هذا المكان باتجاه الشرق الأقصى.

         أما الطريق إلى (نورج) باتجاه الغرب أولا، فإنه ملىء بالمزارع والأبقار والخراف السمينة، ويكاد المسافر ينتبه لمنبه القطار وهو يمرّ كالأفعى محاذياً طريق الإسفلت. كان أكثر ما يوفر المتعة للمسافر بين مدن وقرى بريطانية هو متعة النظر والتأمل في الطبيعة، لدرجة أنني كنت أشعر بجوع البصر وجفافه المقيم، مما يجعله شرهاً وهو يحدّق ببلاهة لافتة. كانت أعين الغرباء السوداء محاطة بالبياض تغسل حدقاتها بالخضرة الوافرة، وبالغيم المتطامن حتى يمسّ شعيرات الرؤوس. حتى السمع كان يطرب بموسيقى المطر الرتيبة، ذلك المطر الذي يواصل الهطول بنعومة بالغة لعدة أيام متتالية، حتى لتشعر أن الروح ابتلت بالماء، وطفقت تخفق مثل طيور فرحة.

الثلج يعانق القرميد

         في أواخر كانون الأول من عام 1999م كنت على موعد مذهل مع الطبيعة، إذ كان نهار أحد، حيث الحزن يخيّم على منطقة (إيتون) في مدينة (نورج)، بينما السماء بيضاء وهابطة، لدرجة أنني أرى من نافذة صالة منزلي (12 إمدرلي درايف) السماء بغيمها الأبيض تلامس أسقف القرميد الداكن في البيوت المصطفة أمامي. كانت الشجيرات الصغيرة على جوانب أبواب المنازل تتهيأ لاحتفال باذخ وبهيّ. أما الأشجار الضخمة في الحديقة القريبة، في نهاية طريق (إمدرلي درايف) فقد كانت عملاقة بما يكفي لأن تحتجب رؤوسها فيما فوق الغيم الكثيف.

         خلال ثوان وبينما أنصت وأحدّق بقناة (بي بي سي) في التلفزيون رأيت في الخارج كائنات تتقافز حول النافذة. كانت كائنات تشبه حشرات بيضاء وهي تدق زجاج النافذة بنعومة قبل أن تهبط على زرع الحديقة الصغيرة الخضراء. أخفضت رأسي وأنا على الأريكة حتى كدتُ ألامس أرضية الصالة لأرى السماء، فرأيت كائنات بيضاء هائلة وهي تموج في السماء، وقد جعلها القرميد الداكن أكثر وضوحاً، إذ كانت بيضاء جداً، وخلفها قرميد أحمر داكن. كانت تشبه ريش دجاج أو غرانيق بيضاء وهي تكث من الأعلى. ما الذي يحدث يا إلهي؟ قمت فزعاً واقتربت من النافذة، فرأيت خضرة الحديقة قد اختفت، والشارع الإسفلتي الأسود قد ضاع، والرصيف اختلط بالشارع التائه، كل شيء قد تحوّل إلى بياض عميم!!

(إنه الثلج يا أبي!!)

         قال لي طفلي، وهززتُ رأسي مثل طفل، نعم إنه الثلج يا ولدي!! فتحت الباب ذا الزجاج الأصفر المضبّب، وهالني الثلج الذي يملأ الشوارع، ويغطي الأرصفة، ويكسو الحدائق، ويتعلق بالأشجار العالية مثل أجراس بيضاء، بدأت فجأة أركض في الشارع مثل مجنون: الثلج.. الثلج!! كنت آخذ بكفي وأقذف الأنحاء بكرات ثلج هشة، بينما بدأ أطفالي يلحقون بي مهووسين بالثلج، وقت أن بدأت زوجتي تصرخ بهم خشية الإصابة بنوبات برد مزمنة، كنت أحشو قبضتي من ركام ثلج على زجاج سيارتي المركونة بجوار البيت، وأقذف بها السماء مرّة، وصغاري الأشقياء مرة أخرى. كانت لحظات اكتشاف لا تنسى أبداً. لم يكن مرور سيارتين من أمام باب بيتي شيئاً مؤثراً لي، ولا للسائقين الإنجليز المارّين، إذ لم يزل الإنسان يصاب بالفرحة الغامرة أيّاً كان هذا الإنسان، حتى الأطفال الإنجليز يشعرون بفرحة استثنائية حين يباغتهم الثلج خلال موسم المطر الدؤوب. كانت فرحتهم بالثلج تشبه فرحتنا بالمطر في بلادنا، لكن فرحتنا بالمطر تعدّ حدثاً فريداً. كنت وأنا أرى الثلج للمرة الأولى أشبه الطفل الذي يرى ساحل البحر للمرة الأولى، إذ يقترب من الماء متوجساً ومستريباً، وما أن تندفع نحوه الموجة المغامرة حتى ينكص مذعوراً للوراء. كنت أشبه الإنسان البدائي الذي يكتشف الطبيعة بنفسه للمرة الأولى.

         كانت رحلتي إلى بريطانيا، تعني رحلة رجل من صحراء جافة، تستجدي مطر السماء في الشتاء، وتهبُ ناسَها بعض شجيرات صحراوية يمكن أن تظللهم من وهج الصيف. كانت رحلة رجل لم تعتد عيناه على شيء زاهٍ وملوّن، على شجر هائل الضخامة، وتلال خضراء متماوجة لم يرها سوى في حلم أو شاشة مرئية، وطيور لا تكفّ عن النشيد، وزهر يغسل الشوارع في بعض الفصول، وثلج أبيض يهبط مثل طيور بيضاء تبحث عن شجر قاتم.

         كانت رحلة مؤثرة على مستوى البصر والبصيرة، فيها متعة النظر ودهشة الاكتشاف ومعرفة المجهول.


الصفحة الرئيسية للجلسة