أبحاث الفترة المسائية الثانية ليوم الأحد
رئيس الجلسة: الأستاذ عبدالعزيز سعود البابطين رئيس مؤسسة البابطين للإبداع الشعري
البلاد الروسية في عين الشيخ محمد بن عياد الطنطاوي
1840-1860م
أ . د. محمد عيسى صالحية
(إن كتاب الشيخ الطنطاوي قريب جداً لأنفسنا نحن الروسيين، فهو يعكس بروعة،طبيعة الطنطاوي المتطلعة، واستجابته لكل مظاهر حياتنا، كما يعكس نظرته الدقيقة ومزاجه اللطيف).
كراتشكوفسكي، مع المخطوطات العربية 236-237
سجل الشيخ محمد بن عياد الطنطاوي مشاهداته وملاحظاته وانطباعاته عن المجتمع الروسي والبلاد الروسية في كتابين، هما:
- تحفة الأذكياء بأخبار بلاد روسيا.
- كتاب وصف روسيا.
ومن حسن الطالع وصول الكتاب الأول إلينا، وقد قمنا بنشره سنة 1992م، وأما الثاني، فقد كانت نسخة منه محفوظة في مكتبة إيريني نوفل، الأستاذ الذي خلف الشيخ الطنطاوي في تدريس العربية في معهد اللغات الشرقية التابع لوزارة الخارجية ببطرسبورغ، وبعد وفاته انتقلت صفحات منه لأحد الكتبيين، فقد باعها أبناؤه بدريهمات، وكان أن وصلت تلك الوريقات إلى يد المستشرق أغناطيوس كراتشكوفسكي.
ويبدو أن الشيخ الطنطاوي كان يجيد اللغة الفرنسية، واللغة التترية، والفارسية، بالإضافة إلى الروسية، فقد صنف قاموس عربي - فرنسي، طبع في قازان سنة 1849، ووضع معجم تتري - عربي، وله شعر بالفارسية، وجاء الفصل العاشر من كتابه التحفة (في لسان الروس).
وهذا يدل على انخراط الشيخ الطنطاوي بعمق في ثقافة المجتمع الروسي، الاجتماعية والسياسية والعلمية.
كتب سافيلييف في جريدة أخبار سانت بطرسبورغ، وفي عددها الصادر بتاريخ 22 أغسطس سنة 1840م، مقالة بعنوان: (من هو هذا الرجل الوسيم)، جاء فيها؛ تسألني من هو هذا الرجل الوسيم في حلته الشرقية وعمامته البيضاء، ولحيته السوداء كالقطران، وعيونه الحية الزاخرة بالنار، ووجهه المعبر الذكي المحترق لا بشمسنا الشمالية الباهتة، لقد قابلته أنت مرتين من قبل، يسير مختالاً على الجانب المشمس من شارع نيفسكي الرئيسي في ذلك الهواء الجميل، سرعان ما تراه، ولا بد أنك تريد أن تعرف من هو).
ويبين الكاتب أنه هو الشيخ محمد عياد الطنطاوي الذي رحل من شاطئ النيل ليشغل الكرسي الخالي للغة العربية في معهد اللغات الشرقية التابع لوزارة الخارجية ببطرسبورغ.
وبعد عشرين عاماً ظهر قبر جديد قرب قرية فولكوفو في المقبرة التتارية عليه شاهد رخامي كتب عليه بالعربية (هذا مرقد الشيخ العالم محمد عياد الطنطاوي، كان مدرس العربية في المدرسة الكبيرة الإمبراطورية ببطرسبورغ المحروسة، وتوفي في شهر جمادى الثاني سنة 1278 من الهجرة عن خمسين سنة).
وعلى الوجه الآخر لشاهد القبر كتب بالروسية (الأستاذ بجامعة سانت بطرسبورغ والمستشار برتبة عقيد، الشيخ محمد عياد الطنطاوي، مات في 27 تشرين الأول (أكتوبر) 1861، وله من العمر خمسون عاماً ).
تروي سيرة حياة الشيخ محمد بن عياد الطنطاوي أنه ولد في قرية نجريد من أعمال طنطا، سنة 1225 هـ/ 1810م، وينسب إلى قرية مرحوم من أعمال غربية مصر والتي كان أبوه يتوطنها، حيث عمل والده سعد ببيع القماش والصابون والبن. وفي بلدته مرحوم تلقى الطفل محمد عياد علومه الأولية، حيث حفظ القرآن وأعاده، ومن ثم قصد طنطا لإكمال دراسته (1)، وهي المدينة التي كانت حافلة بالعلماء والفقهاء والقراء، فدرس هناك على يد الشيخ محمد الكومي، شرح ابن قاسم في الفقه سنة 1236هـ/1820م، وعلى الشيخ محمد أبي النجا، الشرح السالف الذكر، وشرح الخطيب سنة 1238هـ/1822م، والشيخ مصطفى القناوي الشافعي الأحمدي، شيخ الجامع الأحمدي بطنطا سنة 1244هـ/ 1828م، فروى عنه حديث الأولية وكتب السنة (2).
ويبدو أن محمد عياد قد ورد القاهرة بعد سنة 1238هـ/ 1822م، واستمر دارساً ومدرساً حتى سنة 1256هـ/ 1840م، درس خلال ذلك على جملة من شيوخ الأزهر المتنورين أمثال الشيخ حسن العطار، ت 1250هـ/ 1835م، شيخ الجامع الأزهر، منذ سنة 1246هـ/ 1836م، صاحب التصانيف في العلوم العقلية، ورائد منهج التدريس بالنزعة الأدبية (1)، حيث قرأ عليه تفسير البيضاوي والشيخ إبراهيم بن محمد بن أحمد البيجوري، شيخ الجامع الأزهر، ت 1277هـ/ 1869م، الذي غشي مجلسه ولازمه سنين قرأ عليه خلالها أصول الكتب، ونظر في علوم النحو والفقه والبلاغة والأصول والمنطق والكلام، وقد كان تأثير البيجوري على تلميذه محمد عياد كبيراً، فسار يختار لحلقته موضوعاً أدبياً مثل مقامات الحريري والمعلقات (2)، وكذا الشيخ برهان الدين، أبو المعالي، إبراهيم السقا، ت 1298هـ/ 1880م، خطيب الأزهر المفوه وشيخه، وصاحب التصانيف العديدة (3).
لقد كان تأثير هؤلاء الشيوخ بالغاً في محمد بن عياد الطنطاوي، فاتجه نحو الدراسات الأدبية، يشرح المقامات ويفسر غريبها، فاتهم بترويج البدع، إذ انصرف إلى الشعر والأدب بدلاً من الانصراف إلى مباحث الفقه والحديث (4)، حتى تمنى البعض موته حين أصيب بالطاعون سنة 1252هـ/ 1836م، الذي عاناه مدة عشرة أيام بلا نوم، وغاب عنه الإحساس والإدراك حتى سلمه الله وانفتحت البثور، ثم تعافى بعد أسبوعين، وفي ذلك يقول حين أشيع خبر موته شعراً:
| فتلك طريق لست فيها بأوحـد
|
تمنى أناس أن أموت وإن مت
|
| إذا أظهر الشيطان موت محمد(5)
|
وإن أظهروا موتي فليس بمنكر
|
ويفهم من خلال مراسلات محمد عياد الطنطاوي أنه حظي بمجموعة طيبة من الصداقة والصلة، ربطت بينه وبين الشيخ محمد الأشموني الذي تتلمذ وإياه في الأزهر، وصداقة جمعته ومحمد قطة العدوي، المصحح الأول بمطبعة بولاق الأميرية (1)، وإبراهيم الدسوقي وعبد السلام الحلبي الترمانيني وعبد الرحمن الصفتي، وعبد الهادي نجا الأبياري وسرور الدمنهوري، ورفاعة بك الطهطاوي ويوسف الصيداوي المتولي على بيته أثناء غيبته وغيرهم، كانت رسائله تحمل أخبار رحلته العلمية واتصاله بدوائر الاستشراق الروسية.
ظلت قصة اتصال محمد عياد الطنطاوي بدوائر الاستشراق الروسية، موضع بحث خلال ثلاثة عقود من الزمن، إذ اعتقد البعض بأن طنطاوي قد اشتغل مدرساً للعربية بمدرسة الإرسالية البروتستانتية في القاهرة، سنة 1835م، وأنه من خلال عمله هذا تعرف على برون الفرنسي Perron، أستاذ الطبيعة والكيمياء بمدرسة الطب المصرية، ومن ثم عرف فراهن الألماني R. Fraehn، والذي كان والده مدرساً للشرقيات في كلية قازان الروسية، وكذا جستاف فيل G. Weil، مدرس الشرقيات في كلية هيدلبرج، وإنه من خلال اشتهار الطنطاوي في دوائر الاستشراق، بسبب علاقاته مع الوافدين على مصر من المستشرقين، وقع عليه الاختيار للتدريس في بطرسبورغ، حيث كلف (بكتي) المندوب القنصلي Agent Consul الشيخ الطنطاوي للسفر إلى بترسبورغ للتدريس هناك (2).
ومع تقديرنا لجهود هؤلاء البحاثة الأوائل، فإن كتاب >تحفة الأذكياء< يوضح حقيقة اتصاله بالدوائر الاستشراقية الروسية، إذ تعود البدايات الأولى إلى دراسة المسيوفرنيل كتباً عربية وأدبية وتاريخية على الشيخ محمد عياد الطنطاوي، وكذا الروسي موخين والذي كان يعمل مترجماً للقنصلية الروسية في إستانبول سنة 1840م، والذي كان قد قرأ على الشيخ طنطاوي شيئاً من المعلقات وأخبار شعرائها (3)، ومن خلال ذلك نسجت وشائج العلاقة مع فرنيل، حيث قام الأخير بتقديم محمد عياد طنطاوي إلى القنصل الجنرال الكونت ميدن، أحد أعيان دولة روسيا وكبرائها، والذي عمل فيما بعد سفيراً لروسيا في بلاد فارس، وبلاد أمريكا (1)، ويبدو أن مدرسة الألسن الشرقية في بترسبورغ كانت بحاجة لمعلم للغة العربية، فكلف وزير الغرباء نسل روض الكونت ميدن بالتفتيش على معلم للسان العربي، فوقع الاختيار على الشيخ محمد عياد الطنطاوي حيث طلب الكونت ميدن من والي مصر، محمد علي باشا، إعارة كلية الألسن الشرقية، الشيخ محمد عياد الطنطاوي لتدريس العربية، ولاقى هذا الطلب القبول من محمد علي باشا، فاستدعى إلى ديوانه الطنطاوي ورخص له بالسفر، وطلب إليه الجد بتعلم اللسان الروسي، لأنه -أي محمد علي- مشغول بجلب الألسن الغريبة إلى مصر، ليعرف مدى التقدم العلمي والاجتماعي الذي وصلت إليه بلاد الروس، يروي الشيخ: >فأذن لي ؛ أي (محمد علي باشا) وطلب حضوري، فمثلت بين يديه فأمرني بالجلوس، فامتثلت أمره المأنوس، ثم حضني على تعلم لسان الروسيا، ووعدني بالإكرام إذا تعلمته، لأنه مشغوف بجلب الألسن الغريبة إلى بلاده، ولهذا ترى في مدارسها نجابة التلامذة خصوصاً اللسان الفرنساوي، وكتب لي مرسوماً بختمه كالالتزام بما وعد) (2).
فكانت وفادة الشيخ الطنطاوي في أهدافها في الصف الثاني بعد بعثة رفاعة الطهطاوي إلى فرنسا ولندن، والتي ضمنها كتابه (تخليص الإبريز في تلخيص باريز)، فإذا كان رفاعة الطهطاوي رائد عصر التنوير من خلال بعثته في أوروبا الغربية، فإن محمد عياد الطنطاوي هو رائد التنوير من خلال وفادته في أوروبا الشرقية.
وصل محمد عياد الطنطاوي إلى مركز الروسيا في 26 أيار - مايو1840م (3)، وانضم إلى المدرسة الشرقية، حيث ألقى أول محاضرة بعد سبعة وثلاثين يوماً من حضوره، وفي صيف عام 1844 سافر بإجازة إلى مصر، ومن ثم عاد خريف ذلك العام إلى بترسبورغ، ويبدو أنه في رحلته هذه حمل معه زوجته (علوية)، وابنه أحمد، ثم التمسته الجامعة أن يدرس فيها، فعمل مدرساً فيها من بداية 1847م حتى 8 تشرين الأول (أكتوبر) 1847م. وانتقل للتدريس في الكلية الشرقية خلال السنوات 1850-1854م، حيث درس القواعد والأدب والخط والتاريخ والعروض ووضع العديد من المؤلفات التعليمية لتلاميذه.
كان الشيخ محمد عياد الطنطاوي يقضي إجازته متنقلاً بين البلدان الروسية، يطوف المتنزهات والغابات ويحضر الاحتفالات الرسمية والشعبية، وقد حظي بعناية متميزة في الدولة الروسية، حيث عين مستشاراً في الدولة الروسية، وقلده القيصر نشأت (وسام) ستانيسلان ووسام حنه، بسبب امتياز التلاميذ في البحث، وفي ذلك يقول طنطاوي:
| إني رأيـت عجيـباً
|
في بتربـورغ وإنـه
|
| شيـخ مـن المسلمين
|
يضم في الصدور حنه
|
كما قلده القيصر خاتماً مرصعاً بالألماس الغالي، في البحث الثالث، وفي روسيا تتلمذ عليه عدد من المستشرقين منهم، G. A. Wallin الفنلندي الذي ساح في الجزيرة العربية ومصر وسوريا لسنين تحت اسم عبد الولي، وله مع الطنطاوي مراسلات، جمعها وطبعها إلى بالأسوجية، وهي محفوظة في جامعة هلسنكي Helsinki والتي أصبحت فيما بعد تعرف بـ Helsingfors عاصمة فنلندا، والمستشرق أنطوني موخلينسكي، الذي قرأ على طنطاوي العديد من الكتب العربية واللطائف الأدبية، ومنها ديوان عبد الرحمن الصفتي، وكذا المستشرق نافروتسكي وكروكاس.
كتب الشيخ محمد بن عياد رسالة إلى رفاعة الطهطاوي جاء فيها: أنا مشغوف بكيفية معيشة الأوروبيين وانبساطهم وحسن إدارتهم وتربيتهم خصوصاً ريفهم، وبيوته المحدقة بالبساتين والأنهار إلى ذلك مما شاهدتهم قبلي بمدة في باريز، إذ بتربورغ لا تنقص عن باريز في ذلك، بل تفضلها في أشياء كاتساع الطرق، وأما من قبل البرد فلم يضرني جدا، إنما ألزمني ربط منديل في العنق ولبس فروة إذا خرجت، وأما في البيت المدافئ المتينة معدة لإدفاء الأوض، وطالما أنشدت عند جلوسي قرب النار؛
| النار فاكهة الشتاء فمن يرد
|
أكل الفواكه في الشتاء فليصطل (1)
|
كتابه الرحلة:
في رسالة بعثها، ن . ح . بولوتسكي، مدرس اللغة القبطية في معهد العلوم الشرقية بالجامعة العبرية بالقدس، ونشرت في مجلة الكتاب، عدد يوليو 1946، ص510 لفت نظر محمد عبد الغني حسـن إلى أن الشيخ الطنطاوي قد ترك أثراً هو (تحفة الأذكياء بأخبار بلاد الروسيا) تحفظ نسخة منه في دار الكتب لجامعة استانبول، ونسخة أخرى منه تصان في مكتبة الخزانة الشرقية في ليننغراد، ونوه بجهود كراجكوفسكي بهذا الصدد، والذي تحدث عن اكتشافه لهذا الأثر.
ويخيل إلينا أن النسخة كانت محفوظة فعلاً في خزانة جامع مسجد رضا باستانبول، وبعد ثورة مصطفى كمال أتاتورك، نقلت محفوظات المساجد، ومنها محفوظات خزانة مسجد رضا، ووزع ما سلم منها على المكتبات العامة في جميع أنحاء الجمهورية التركية، ويبدو أنه من حسن الطالع استقرار النسخة أخيراً في مكتبة جامعة استانبول تحت الرقم الذي سأشير إليه لاحقا.
تحتفظ مكتبة جامعة استانبول بنسخة وحيدة من كتاب (تحفة الأذكياء بأخبار بلاد الروسيا) مسجلة تحت رقم 766 عربجة، نقلت إليها من مكتبة مسجد رضا وجاءت النسخة في 194 صفحة، مسطرتها 23 سطراً، وعلى صفحة العنوان سجل هذا كتاب
تحفة الأذكياء بأخبار بلاد الروسيا
للعبد الفقير الشيخ محمد عياد
المصري الطنطاوي
غفر الله ذنوبه
وستر عيوبه
وجاء بآخر دعوة أن يكون هذا التعليق مقبولاً عند السدة العليا والعتبة الخاقانية، وأن ينظر إليه العلماء بعين الإنصاف وأن يحودوا عن سبيل الاعتساف، ثم إثبات تاريخ الانتهاء منه، حيث ذكر:
وقد تم بحمد الله تبييضه في أوائل شهر ربيع الأول سنة 1266 من الهجرة النبوية على صاحبها وآله وصحبه أفضل الصلاة وأزكى التحية، الموافق ذلك لأوائل كانون الثاني سنة 1850، من الميلاد، والله ولي السداد على يد مصنفه الفقير محمد عياد الطنطاوي المصري ببتربورغ.
وقع كتاب تحفة الأذكياء في رواية لرحلة الشيخ محمد عياد الطنطاوي التي بدأت في 24 محرم 1256هـ/26 مارس 1840م من القاهرة حتى وصوله إلى بتربورغ في 30 حزيران 1840م، 11 جمادى الأولى 1256هـ، وغطت 52 صفحة من الكتاب، ثم عقد ثلاثة أبواب اتصل الأول منها، بمنشأ الروس وولاية نوفغورد Novgord، والباب الثاني تعلق بتاريخ بتربورغ الطبوغرافي والأثنوغرافي والطبيعي البشري، فكان دراسة تاريخية، جغرافية جيولوجية، وقد جعل للباب الثاني ثلاثة فصول ركزت في معظم مادتها على حياة بطرس الأكبر وإنجازاته وإصلاحاته، ودوره في نهوض روسيا وتقدمها في المجالات العسكرية والسياسية والاجتماعية والثقافية، ثم عرض للأحوال السياسية والعسكرية والاجتماعية في بتربورغ خاصة وروسيا عامة في عهد خلفاء بطرس الأكبر.
وأما الباب الثالث فقد أرخ فيه لعادات الروس وأخلاقهم وملابسهم ودينهم وعادات الزواج والتعميد والدفن ومراسم الولادة والأعياد والتنظيمات الاجتماعية ودور المرأة في ذلك المجتمع، وتقدم الروس في العلوم والفنون والسكن وأنماط المعيشة، ثم ختم الباب بفصل عاشر تناول فيه اللغة الروسية وقواعدها وكيفية الترجمة منها وإليها.
وقد حرص الشيخ محمد عياد الطنطاوي في بداية كتابه على توضيح البواعث التي دعته لتصنيف كتابه، فقد سأله جماعة من الأصدقاء والمعارف أن يسطر في سفره هذا كتاباً يودع فيه ما يقف عليه من حال البلاد التي يزورها من عجائب وغرائب، مع ما صادف ذلك عنده من ميل أدبي، فسجل في كتابه، بدائع البلاد التي رحل إليها وغرائب عادات أهلها، مع شذرات علمية ونكات أدبية وطرف استحسانية اختراعية ليضفي على الكتاب لمسة ظرف طرداً للملل وجذباً للقارئ، فقد أورد العديد من النكات اللغوية واللطائف والمواقف الغرامية.
وكان خط سير الرحلة من القاهرة إلى جنينة شبرى ومروراً بزاوية رزين، فالاسكندرية، حيث انتقل إلى باخرة نمساوية وصف درجاتها ونظام الإقامة فيها، والخدمات التي يقدمها العاملون فيها، ثم إلى جزيرة جريد (كريت) العثمانية، حيث تحدث عن مبانيها ووصف بناياتها وعدد سكانها، ومنها إلى مرسى كنى وجزيرة سير، ثم إلى أزمير، وقد أطنب في الحديث عنها، فبحر مرمرة حتى استانبول التي أقام بها أياماً، ووصف ما شاهده فيها بعين فاحصة ناقدة، من قباب ومؤسسات ومساجد وخاصة أيا صوفيا وغلطة ومصانع الورق والمتنزهات فيها، ثم إقامته قبل ذلك في الاسكدار ورحيله إلى أوديسا، والإجراءات الصحية بسبب الطواعين التي كانت متفشية في بلدان العرب وخاصة مصر، ومن ثم ركب عربة تجرها الخيل بعد تزويده بتذكرة مرور ورافقه مترجم روسي خاص، وقد وصف الطريق إلى بتربورغ، فمر بنهر بوخ وكييف والغربول وموهلوف وبودن وسكندرية الأخرى وفينيسك وتسارسكيا سلو حتى وصل إلى بتربورغ، وخلال عرضه لما شاهد كان يحرص على وصف أدق الأشياء ويقارنها بحال مصر، فالخبز نظيف والماء عذب، والمتنزهات تغطيها الأشجار والورد، والرياحين تشرح الصدور وتنسي الهموم، الناس فرحون، نوبات الموسيقى تعزف والراقصون يبهرون الأنظار والأطفال يمرحون ويلعبون في الحدائق، وقد أعدت لهم وسائل الكتب والتسلية، والمدارس، كثيرة ومنتشرة في البلاد الروسية وخاصة مدارس البنات، والمعامل كثيرة لصناعة العطور والقطران، والمرستانات والتياترات. حتى إذا ما استقر به الحال في البلاد الروسية لمدة عشر سنوات، وباشر عمله في التدريس، ومن خلال دراساته لتاريخ تلك البلاد وما شاهد عياناً وما خبره تجربة، سجل من خلاله أحوال البلاد الروسية . وجاءت في ثلاثة أبواب، احتوى الباب الأول على تاريخ روسيا القديم، وتاريخ الصقالبة السكان الأول لتلك البلاد، حيث وصف معتقداتهم الوثنية وطرائق عيشهم وانتجاعهم من مكان إلى آخر، وعشقهم للحروب وبراعتهم في صنع السلاح، القسي والحراب والسهام والسيوف، وأورد الرواية الرومانية التي تفيد بأن أصل السكان سكيفي وصرماطي، ومن ثم قام على بقاياهم الصقلب، ومن ثم اتصلت تلك الشعوب باليونان عن طريق التجارة، كما أرخ لأصل ولاية نوفغورد Novgord وظروف بناء المدينة، وعادات وتقاليد أهلها في السياسة والاجتماع، ومن ثم انضوائها ضمن الروسيا، وسجل أصل ولاية كييف Kiev، ورواية بنائها من قبل أخوة ثلاثة، أطلق إسم الأكبر منهم على المدينة، ثم انتقالها من الخضوع للخزر إلى الروسيا (1)، ومن ثم كيفية اختيار فلاديمير سنة 988م أحد ملوك الروسيا للنصرانية وإعراضه عن الإسلام الذي سبق أن عرض عليه، وذلك بسبب تحريم الإسلام للخمر، والروسي حسب رأي فلاديمير لا بد له من الخمر بسبب كثرة البرد والصر، ولكن الشيخ محمد عياد يورد رأياً آخر يتصل بقرب بلاد الروس من بلاد الروم، وفي ذلك تقوية للروس إذا ما اتخذوا ديانة النصرانية، وسهولة وتمتيناً للروابط التجارية والعلمية (1).
أما الباب الثاني، فقد خصصه لدراسة أوضاع مدينة بتربورغ من الناحية الجغرافية والطبوغرافية والسكانية، ووصف طبيعة مناخها وتجلد مياهها حتى أن العربات تسير على أنهار متجلدة، وينحت فيها بيوت من الجليد، ومن ثم تقدمها في العلوم والفنون وطرز البناء واتخاذها عاصمة لبلاد الروسيا (2)، وقد قسم الباب إلى ثلاثة فصول، كان الفصل الأول منها لأصل الكلمة المكونة من مقطعين، بتر يعني بطرس بانيها وبورغ يعني بلد أو محل، فهي مدينة بطرس بانيها ومتخذها عاصمة لبلاده، وقد فصل في موقعها وخطوط طولها وعرضها وارتفاعها، واتصالها بالأنهار، ووصف بناياتها وأشجارها ومياهها وحدائقها وبساتينها وقصورها ورياحها وتجلد نهر النيفا والفياضانات التي وقعت في المدينة، وما سببته من كوارث وأضرار، وتحدث بإفاضة عن طول الليل والنهار فيها ودوام هطول الأمطار، ولكن كل ذلك لم يحل دون مداومة الناس على أشغالهم واجتهادهم في إنجاز أعمالهم (3).
وقد تحدث بإفاضة عن بيت الجليد الذي بني على نهر النيفا أمام القصر في كانون الثاني 1740م حيث استخدمت صخور مكعبة من الجليد، وعلى السقف بنى ممشى مربعة مزينة بكبوش مصورة، وأمامه أعمدة عليها تماثيل وأبوابه وشبابيكه مرخمة وملحق به حديقة أشجار عليها طيور وثمار وغيرها كثير، كل هذه من الجليد المنشور والمنحوت المصقول(4)، أما الفصل الثاني فكان في أسباب اتخاذ بتربورغ عاصمة لروسيا بل وقاعدة أوروبا، وحروبها مع السويد ومجريات ووقائع تلك الحروب والخطط الروسية، والتي أدت إلى النصر بفضل فطنة وكياسة وقيادة القيصر (5)، وبعد استقرار الأحوال أعمل القيصر جهده في تحسين وتوسيع وتنظيم المدينة وتنمية العلاقات التجارية الخارجية، ثم التفات بطرس لتمدين الروس بتقدمهم في العلوم، وأصدر عدة فرمانات اتصلت بالعمارة في بتربورغ والإقامة فيها وتنظيم الجمارك ورعاية بعثات التعليم إلى أوروبا للاطلاع على تمدنها وتقدمها، وتأسيسه معاهد التعليم العليا وأكاديميا الملاحة، وأكاديميا العلوم ومدارس التجارة والحرب وأكاديميا التصوير والمكتبات وإقامة المسارح، والتياتر، والمتاحف، وخاصة للتاريخ الطبيعي، وأقام المكتبات لمطالعة الجمهور، كما اهتم القيصر بطرس بإحداث ضابطة سياسية للمدينة، مثل اللوائح التنظيمية للأبنية والشواطئ والخلجان، والسرقة والنظافة والأسواق ومراقبة البيوت المتهمة والألعاب المحرمة وإلقاء القبض على المشاغبين والبطالين، ووضع لوائح تنظيمية للجمعيات وخاصة المختلطة، حيث تراعى قوانين لاجتماع الرجال والنساء، وحدد شروط وواجبات صاحب الدعوة والأصول التي يجب أن يراعيها عند التئام الجمعية (الاجتماع) في بيته ووقته والآداب التي يجب أن تراعى(1)، ومجمله أن الفصل تناول أعمال ومنجزات وتنظيمات بطرس الأكبر ممدن روسيا، ورائد نهضتها.
أما الفصل الثالث، فقد جعله لخلفاء بطرس، فترة حكم كترينا وبطرس الثاني، والقيصرة حنا يوحنا نوفنة، ثم القيصر نقولا الأول، وقد تناول ما أنجزه كل واحد منهم من عمارة ومنشآت ومباني وتنظيمات اجتماعية واقتصادية وثقافية وجهود علمية والآثار التي خلفوها وتحكي جهودهم في تقدم الدولة.
وكان الباب الثالث هو أمتع ما في كتاب تحفة الأذكياء، لأنه يزود القارئ والباحث بمعلومات اجتماعية عن عوائد الروس وأخلاقهم وملابسهم وأعيادهم وأديانهم وخطوطهم وتقدمهم في العلوم والفنون، ويعتقد الباحث أن أهمية هذه الفصول تأتي من كونها هي المادة الرئيسية الثانية في التراث العربي التي تناولت بلاد الروس بعد رسالة ابن فضلان الشهيرة التي وقعت سنة 309هـ/ 921هـ . هذا إذا استثنينا الإشارات التي وردت في المراجع العربية والتي جمعها الكسندر سييل في كتابه (أخبار أمم المجوس).
من الأرمان وورنك والروس، والملتقطة من مروج الذهب للمسعودي وتاريخ الأندلس لأبي بكر محمد بن عمر بن عبد العزي المعروف بابن القوطية ، ومن المقتبس والمسالك والممالك ونزهة المشتاق والاستبصار والمطرب في أشعار أهل المغرب لابن دحية والكامل في التاريخ، وكتاب بسط الأرض لابن سعيد المغربي وآثار البلاد، والبيان المغرب والمختصر في أخبار البشر ونهاية الإرب والعبر ونفح الطيب، والبلدان لليعقوبي والأعلاق النفيسة لابن رستة ونظم الجوهر لسعيد بن البطريق وكتب البلدان وخاصة معجم ياقوت وغيرها من المؤلفات التي اكتفت بإيراد نصوص محدودة، بل لعلي لا أبالغ إن قلت >كان كتاب الشيخ الطنطاوي هو الأكثر تفضيلاً في تناوله للجوانب الاجتماعية والاقتصادية للمجتمع الروسي من خلال مشاهداته وخبرته الطويلة، فقد عاش هناك أكثر من عشرين سنة، وسجل ملاحظاته بدقة متناهية. وقد تناولت دراساته الاجتماعية الأمور التالية:
- عوائـد الروس:
ذهب طنطاوي إلى أن عادة الروس عامة الكرم والإنفاق وحسن المعاشرة، وهم يميلون إلى الفخر والكبر، وقد عزا ذلك إلى تقدم الروس في التمدن والعلوم زمن بطرس، ولكنه أورد هنا مقالة للعلاء بن صاعد، صاحب طبقات الأمم، ليذكر بما كانوا عليه قبل عهد بطرس الكبير، فقال: مقتبساً من ابن صاعد، <أخلاق الروس موصوفة بحسن الشكل وبياض اللون وقابلية الصنائع ولطافة الخدمة وإطاعة السيد، وقلة العبادة وقلة الصلاح وكثرة الأباق> (1)، وقرر الطنطاوي بأن الروس كانوا في القديم مشهورين بالجبن حتى استعبدهم التتار، أما الآن فانعكست القضية، والناس في المجتمع الروسي ليسوا متساوين ولا من مرتبة واحدة، بل هم مراتب، ولكل مرتبة امتيازاتها وحقوقها ولا يجوز لأحد أن يتخطى مرتبته إلا في النادر، هذه المراتب هي:
المرتبة الأولى: الأعيان، المتوارثة، حيث إن الرتبة يرثها الابن عن والده، وهؤلاء يجوز لهم شراء الأراضي والعبيد، ولا يحرمون من مجالس الشرف، وإن تزوج أحدهـم بامرأة دون مقامه رفع رتبتها وتسمت باسمه، غير أن هذه الرتبة تنقسم بدورها إلى درجتين:
- أعيان الأعيان : وهم من كانوا أعياناً قبل زمن بطرس الأكبر، وأسماؤهم محفوظة في الكتاب الثالث.
- وأعيان: وهم من كانوا بعد زمان بطرس الأكبر، وأسماؤهم في الكتاب السادس.
والتفاضل بينهم يكون إذ يسمح للفئة الأولى بتربية بناتهم في دير أسموليني بدون إذن القيصر، في حين أن الأعيان لا بد لهم من الاستثناء من القيصر نفسه حتى يمكن لبناتهم الالتحاق بتلك المدرسة.
كما إذا انضم أحد الأعيان إلى النظام (الهيئة السياسية) عين برتبة وكيل ضابط (تحت ضابط) وبعد سنتين يترقى إلى رتبة ضابط.
المرتبة الثانية: الأعيان الذين لا تتوارث رتبهم، وهم الغرباء والمستخدمون الذين أنعم عليهم القيصر بالأوسمة، حتى إذا ما أنعم عليهم القيصر بالرتبة عدوا من الأعيان المتوارثة رتبهم، ولهم امتيازاتهم في الأرض وشراء العبيد.
المرتبة الثالثة: التجار، وهم لا يعدون من الأعيان، ولو ملكوا الملايين، حتى إذا تزوج من الأعيان حط رتبتها، ويمكن أن يرقى لرتبة الأعيان إن فعل وقدم خدمات جليلة للدولة، ولكنها نادرة، وهم لا يدخلون النظام إلا طوعاً ويكون وكيل ضابط وبعد ثلاث سنوات يترقى، ولهم الخروج من النظام متى شاءوا وإذا أفلس التاجر أصبح من أولاد البلد، ولكن سمح للتاجر بعدم حلــق ذقنـــه، إذ العادة بأن إطلاق شعر اللحية لا يكون إلا للأعيان وأعيان الأعيان والأمراء والأسرة القيصرية.
المرتبة الرابعة : أولاد البلد، وهم عامة الناس، وبإمكانهم الترقي إلى رتبة التجار، فإذا دخلوا النظام فلهم حكمهم.
المرتبة الخامسة : الفلاحون، ويبقون كما هم إلا إذا أخذوا في النظام فلهم حكمهم وإلا فلايترقون إلى الرتبة الأولى.
المرتبة السادسة : العسكر، إلا إذا ترقى العسكري إلى رتبة يستحق فيها كسوة الأكتاف بالقصب صار من الأعيان، وبعد خدمة خمس عشرة سنة ربما يترقى إلى وكيل ضابط (تحت ضابط)، إذا كان حسن السلوك ثم إلى مرتبة ضابط أو يمكنه التقاعد.
المرتبة السابعة : الأرقاء، ولا يجوز شراؤهم إلا من قبل الأعيان مع الأرض وليس لهم سوق يباعون فيه كما عند العرب، ويجوز إعتاقهم أو يشترون أنفسهم، والرقيق حتى ولو اغتنى لا يصير عيناً إلا إذا صار عسكرياً وترقى.
وقد وضع نظام دقيق لتربية وتعليم الأعيان، فمن درس في المدرسة الإمبراطورية الكبرى ووصل إلى درجة النجيب (كايذيذان) يكون من الصنف العاشر، إن أحسن البحث والإجابة، وإلا فيعطون درجة (التلميذ المجتهد)، وإن قصر فلا يستحق شيئاً أما إن درسوا في المدارس الصغيرة، فلا يستحقون رتبة إلا إذا أعطت لهم، وتكون الرابعة عشرة ثم يترقون إلى رتبة الجنرالات.
وأما ابن التاجر إذا درس في المدرسة الكبيرة ووصل مرتبة النجيب ثم أعمل الجد والاجتهاد في البحث والمناقشة، أعطي رتبة مجيستير يعني (عالم) ويكون من الصنف التاسع ثم إذا اجتهد أيضاً، وعمل بحثاً ونوقش فيه ومهر وصل إلى رتبة الدكتور وتعني (فاضل)، ويكون من الصنف الثامن ثم إذا خدم وترقى وصل إلى مرتبة (السابع)، ومن الممكن أن يترقى إلى رتبة الجنرال.
- أما عادات الزواج عند الروس : فتكاد أن تكون كما هو متعارف عليه عندنا.
فالروس لا يحجبون نساءهم عن حضور المجالس مكشوفات الوجوه . فيتم الاختيار المباشر بواسطة الخاطبة، وحيث الطلاق عسر، فلا بد من معرفة الطباع، فإن وقع العشق، كانت الخطبة وتقديم خاتم الذهب، ويتم الزواج ومراسيمه بحسب أصول الديانة النصرانية، والاحتفال كما هو معروف، لكن الانتقال لا يكون إلا بعربات الملك، ولكن في اليوم الثاني يقوم العروسان بزيارة الأقارب حيث تعقد حفلات الرقص، وإذا ما اختلف مذهب العروس والعريس فإنه يتم عقد القران مرتين، مرة عند قسيس الطائفة التي تنتمي إليها العروس ومرة أخرى عند قسيس الطائفة التي ينتمي إليها العريس، وأما المهر وكل ما يتعلق بالأثاث والبيت فتعطيه الزوجة.
وقد تحدث الشيخ الطنطاوي عن كثير عن حالات الغش والخداع بين العشاق، حتى إذا نال الشاب إربه اختفى من حياة الفتاة المخدوعة، وأشار إلى افتراق العديد من الأزواج عن زوجاتهم واختيار كل واحد معشوقه ليساكنه.
وأما عادات التتر في الزواج فكما عند المسلمين، وليمة فعقد نكاح بخطبة نكاح ووكيل وشهود ومهر يدفعه الزوج، ومن ثم تقديم الهدايا للضيوف وأخذ النقطة من الضيوف.
وتناول الطنطاوي عادات الروس في التعميد والاحتفالات التي تقام بالمناسبة، كما شرح الأعياد التي يحتفل بها الروس، والأيام التي تعطل فيها المدارس والمعاهد والجامعات وكان عددها 28 مناسبة.
أما ما أسماه بالخط العمومي (الفصل التاسع) فقد اشتمل على وسائل التسلية العامة للناس، ومنها التياتر والنوبة والرقص والمسخرات ولعب الورق وجري الخيل حيث سجل تاريخ نشأة التياتر وكيف وصل إلى روسيا سواء من إيطاليا أو فرنسا أو انجلترا أو النمسا، حتى غدا دار أوبرا تعرض فيه الفنون الروسية والأوروبية الأخرى، كما فصل في تكوين الفرق الموسيقية، (النوبة) وتحدث عن آلاتها ولاعبيها وقارنها بمثيلتها في مصر، وعلق الطنطاوي على الرقص، ووصفه بأنه مجرد حركات خالية من الفحش وهز الأرداف، وفيه يجتمع الرجال بالنساء، حيث يتكلف الرجل في مخاطبة المرأة مالا يتكلفه في مخاطبة الرجل وذهب طنطاوي لو لم يكن من ثمرات اجتماع النساء بالرجال إلا قصر النظر عليهم وعدم التعلق بالغلمان لكفى، كيف وفيه فوائد أخرى من العشرة وحسن الأدب وغير ذلك، وقد قال في ذلك شعراً:
| ما سمعنا تغزلاً في غلام
|
ولو أن النساء تبدو بمصر
|
| ساطـع نوره بغير لـثام
|
كل هيفاء كالغزال بوجـه
|
| أفمن لدغه الخدود دوامي
|
قلبت برقعاً بعقرب صدغ
|
| فاتقوا الله يا أولي الأحلام
|
ولكل امرئ جليس أنيس
|
| في هوى الغانيات أي ملام
|
أي عذر في عشق رب عذار
|
وأما أنواع الرقص التي كان يمارسها الروسي، فالفلس، والقادريل الفرنساوي والمازورق وقد وصفها وصفاً دقيقاً، ويبدو منه أن الشيخ كان راقصاً
متفوقاً وفصل في وسائل وأساليب المسخرات ولعب الورق وأنواعه وكيفيته وجري الخيل وطرائقه وأنواعه حيث خلا من المراهنات والخسارة المادية
وقام على المهارة في أداء حركات الفروسية.
وأما في الملابس:
فقد وصف الطنطاوي ملابس الروس، وقارن بين أزيائهم القديمة والجديدة، ففي القديم كان لباسهم مقتصراً على قميص افرنجي، من الشيت أو البفت
أو الجوخ ثم جبة طويلة محزقة، وأما القسس فلهم جيب طويلة عريضة الأكمام مثل الفرجيات عند علماء مصر، ولكن منذ عهد بطرس، غدت ملابس
الروس كما ملابس الأوروبيين، ويتكون من قميص أبيض، غطى جيبه بقطعة بفت عريضة ثم الصديريات المفتوحة ثم السروال الضيق والجبة
الافرنجية.
ولكل فئة من فئات المجتمع ملابسها الخاصة، فالضباط يلبسون بدلة بطوق قصب بحسب الرتبة، ومنهم من تكون بدلته كلها مقصبة.
وللمناسبات عند الروس ملابس خاصة، فبذلة الرقص هي الولبة، ولغطاء الرأس أشكاله من القبعات ( البرانيط )، ومنها المسنمة الريشة أو لا ريش ،
أو القبعة السوداء المدورة العالية بحواف عراض، مستطيلة أو مربعة، وتلبس النظام مثلها - وفي آخرها مثل الدبوس فوقه كرة وشرابة من شعر
الخيل.
وأما لباس النساء فيتكون من القمصان والألبسة والإزارات المربوطة على الوسط، إضافة إلى الفساتين المعمول لها الكرسيت، أو فساتين واسعة الجيوب
ويربطن على أعناقهن مناديل، وأما فساتين الرقص فتكون بلا أكمام ونصف صدورهن تكون مكشوفة، وفي الأيدي توضع الكفوف والفلاحات يلبسن
السرفات(1) وتضع على رأسها قبعة عريضة.
الضابطة السياسية:
أحدث القيصر ضابطة سياسية لمدينة بطرسبورغ، وكانت قواعد منحصرة في ثلاثة عشر نوعاً هي:
1 - الأبنية بحسب الأصول المقررة قبل.
2 - أحكام شواطئ الأنهار والخلجان وحفظها.
3 - السرقة.
4 - النظافة وتعيين الأماكن لبناء القوارب المعينة لتجارة الوقود.
5 - النظر في صفة البضائع المعروضة للبيع وثمنها وذرعها ووزنها.
6 - رعاية النظافة أمام البيوت المسكونة وسوق السمك وحفظ القناطر.
7 - فصل الخصومات والمنازعات بالسرقة.
8 - النظر في مداخن البيوت والأقمنة والمستوقدات.
9 - النظر في البيوت المتهمة والألعاب المحرمة.
10 - إمساك المساجين والهربانين والبطالين.
11 - إلزام كل السكان أن ينهوا إلى السياسة كل الأشخاص التي تصل أو تسكن عندهم.
12 - الاعتناء بإمساك المؤذين وإطفاء الحريقة ووضع حاجز في كل حارة، وإبقائه طول الليل.
13 - الاعتناء بنصب مسدّات في المدينة وأون (1) باشوات لحفظ السكون والترتيب العام.
وزاد القيصر بخط يده على هذه الأنواع:
1 - إسكان النظام في بيوت الناس أياً كانوا كباراً أو صغاراً.
وعلّق الشيخ الطنطاوي بقوله:
هذه الأمور كلها مراعاة الآن بغاية الإحكام وألف شيء آخر، فالأبنية في غاية الإتقان، يبنى البيت الكبير بأربعة أدوار أو خمسة في أقل زمن،
وشواطئ الأنهار والخلجان مرصفة أحسن الترصيف، ولهم في كشف السرقة تفتيش حصيف، ولا تنفع عندهم حيلة السارق الظريف، والنظافة مراعاة،
ففي الخريف والصيف، بكنس الطرق وتوصيل ماء المطر إلى البالوعات وإزالة الوحل والقاذورات، وتجديد قطع الخشب والأحجار بالرمل ، وفي
الشتاء والربيع بكنس الثلج وتنظيف المماشي منه، وربما توالى الثلج، فكلما سكن نظفوا وإذا جمد حكوه بالحديد، ثم رشوا عليه الرمل وكنسوه ، فدائماً
يمكن التفسح بسهولة، وأمّا طرق العربات التي في الوسط فلا تنظف إلا في آخر الشتاء، وكذلك الأسطحة قبل أن تحلل شمس الربيع ذلك فيكون البلل
والوحل، وأما شمس الشتاء فلا تحلل الثلج بل الصحو والنشف غالباً عنده شدة البرد، فكأنها تبرد كما قيل:
| إن أتت النار إلى قرصها
|
يوم تود الشمس من بردها
|
وكذلك القناطر في غاية المتانة والظرافة، وإذا حصل أدنى خلل أصلح في الحال، وأمّا المداخن، ففي كل أسبوع يأتي الهبابون لتنظيفها لما أنها مظن
الحريقة، وهناك محال يرصد منها الحريقة فحينئذ يولع فانوس لإعلام الناس، فيأتي المطفئون بالطرنبات وغيرها من آلات الإطفاء وأمرهم في ذلك
عجيب، والفلقات والخفراء في كل حارة، ومن سكن في محل فلا بد من التعليم على تذكرة مروره . ولكل أحد تذكرة يغيرها في الغالب كل سنة،
ويدفع شيئاً مخصوصاً، ولكل بيت بواب أو أكثر بحسب صغر البيوت وكبرها، ويمشي البواب أمام البيت في الليل بعصا يخبطها على الأرض، وفي
البيوت الميرية زيادة على ذلك حراس وديدبانات، وللأقوات من طرف الضابط سعر مخصوص يكتب في الجرنالات لتعرفه العامة، ومن طفف في
الكيل أو الميزان فعليه الغرامة . والمجرمون يُقادون في السلاسل ويعاقبون على حسب جريمتهم، إلى غير ذلك من أنواع السياسة الدقيقة الباعثة على
الراحة العامة، والسّادة على المُؤذين كل طريق(1).
مشاركة المرأة الروسية في الحياة العامة:
يصور الشيخ طنطاوي حال المرأة الروسية قبل عهد القيصر الأكبر، إذا كانت النساء يقبعن في البيوت، ليس لهن إلا التأوه والملل والطاعة الكاملة
لأوامر الظالم البيتي، ويكفي لضياع صيت امرأة شابة من الأكابر أن تخاطب رجلاً ولو بكلمة.
وقد عمل القيصر على معالجة هذه المسألة فأصدر في تشرين الثاني 1718م فرماناً لترتيب الجمعيات، وابتدأت النساء في تحلية الجمعيات، ووصفت
قواعد لذلك منها:
1 - إذا أراد شخص أن يعمل جمعية، لا بد أن يعلم الأشخاص الذين يجيئون رجالاً أو نساءً بالكتابة أو غيرها محل الجمعية وأن يجيئوا إن يريدوا.
2 - الجمعية لا تبتدئ قبل أربع ساعات أو خمس بعد الظهر، ولا تمتد بعد الساعة عشرة.
3 - صاحب البيت ليس مضطراً إلى ملاقاة المعزومين ولا توصيلهم ولا تحيتهم ومؤانستهم، بل يقدر أن يغيب بلا لوم في وقت الجمعية بشرط أن
يهيئ ذلك الأرض بالسّفر والنور اللازمين والمشروبات التي يطلبونها، وأن يضع على سُّفر مخصوص ما يلعب به كالورق.
4 - لا تعين الساعات بل الضيوف يقدرون أن يجيئوا في أي ساعة شاءوا بشرط أن لا يكون قبل 4 ولا بعد 10.
5 - يمكن التفسح واللعب في الجمعية بلا مضايقة ولا إضرار لآخر، ويمنع من القيام عند ذهاب أيٍّ كان، ومن توصيله إلى الباب، أو فعل التكلف
والرسم، وفاعل ذلك يعاقَب بالنسر الكبير، وذلك أنه يلزم أن يشرب كأساً كبيراً عليه نسر، ولا يقبل الاعتذار فبمجرد الإثم يصب الآثم ويحتسي فقط.
ويلزم الاقتصار عند الدخول على توطئة الرأس قليلاً للسلام على الجماعة.
6 - يعين كل أنواع الناس الذين يترددون في الجمعيات وهم كبراء العساكر والأعيان وأصحاب الخدم الشريفة كلهم مع زوجاتهم.
7 - الخَدَمَة والقواسة لا يدخلون داخل الأرض، لكن يمكثون في المدخل أو في محل آخر يعينه لهم صاحب البيت، وهذه الشروط ملاحظة في
المضايف ونحوها إن أعطي فيها رقص أو ضيافة.
8 - الرقص في أوضة، وفي أخرى يُلعب الورق أو الضامة أو الشطرنج، وفي ثالثة يشرب الدخان والسيجار، وفيها سفرات عليها الخمر والكبريت..
الخ. والقيصر كان يحب لعب الضامة، وكان ماهراً فيها بحيث يندر من يغلبه(1).
وأفرد الشيخ الطنطاوي صفحات عديدة من كتابه للحالة العلمية في البلاد الروسية، ومدى تقدم الروس في العلوم والفنون، وأشار بهذا الصدد إلى
أكاديمية العلوم الروسية والتي كان من أهدافها تنشئة علماء كبار للمملكة الروسية ولتضيف الكتب النافعة وحمل المشكلات وكتابة الوقائع والتاريخ
المتعلق بروسيا، وكان جهازها التعليمي يتكون من رئيس واثني عشر عضواً ماهراً في أنواع العلوم، وكاتب وناظر كتب وأربعة مترجمين وبها اثنا
عشر تلميذاً ممن أنهوا الدراسة العليا واختيروا ليكونوا علماء فيما بعد. كما خصصت لها ميزانية ضخمة للاتفاق عليها. إضافة إلى الأكاديميات الأخرى
الخاصة بالطب والتصوير والهندسة والملاحة والصناعات الحربية وغيرها.
كما تحدث عن تأسيس المدارس الكبرى مثل المدرسة القيصرية الكبرى، حيث يدرس فيها الطلبة أربع سنوات بعد المرحلة الأولى وفيها يتعلمون الفقه
والدين والرياضيات والأدبيات والمنطق وعلم المعادن والطبيعة والجغرافيا والتواريخ والألسن، حتى الألسن الشرقية : العربي والتركي والتتاري
والفارسي والأرمني والكرجي، وفي كل سنة يعمل لهم بحث ( امتحان ) فإن أجابوا نقلوا إلى الصف الأعلى وإلا بقوا. وكان عدد المدارس الكبرى في
البلاد الروسية ستة بالإضافة إلى المدارس الإعدادية ومكاتب الأطفال التي بلغ عددها 230 مكتباً وفي المكاتب والمدارس الصغرى يعلمون البنات أيضاً
كالصبيان ويتعلمون النحو والمنطق والرياضيات والأدبيات والجغرافيا والتاريخ والألسن والرقص والتصوير والموسيقى، ويضاف في البرنامج لتعليم
البنات الخياطة وشغل الطارة والإبرة والنسج، والأطفال يضاف لبرنامجهم اللاتيني والروماني القديم.
كما وصف مدارس الصم والبكم، وحضر الشيخ الطنطاوي حفلة رقص للصم والبكم، حيث كان العازف على القانون أعمى والراقصون صم بكم، وأدى
العازف نوبة راقية، ورقص الصم والبكم بتعبيرات أدهشت الشيخ.
وحتى اللقطاء فلهم بيوت للتربية ذكوراً كانوا أم إناثاً، وقد قرر بأنه حتى تاريخه لم يكن هناك بيوت للقطاء في دار الإسلام.
ولتشجيع التلاميذ والمعلمين على التعليم في مصر اقترح الشيخ طنطاوي مجاراة الروس في إعطاء النياشين والألقاب للدارسين مثل نجيب وتلميذ مجتهد
وتاجر وحاصل على رتبة ماجستير وحاصل على درجة دكتور أي فاضل وللفاضل أي الدكتور درجات إضافة إلى النياشين التي تمنح للدارسين
والمدرسين، وهو يقترح أن ينفذ في بلاد المسلمين مثل هذا النظام فإذا فرغ الصبي من التعليم في الكتّاب ودخل في المدرسة يتعلم العلوم فبعد أربع
سنين يقضيها في المدرسة، وبعد الامتحان يعطى ثبتاً وإجازة في كاغذ منسق أي شهادة، ويطلق عليه لقب نجيب، وبعد سنة أو سنتين إن استمر يعطى
رتبة العالم أو الفاضل، والفاضل له رتبة المدرس الأول والثاني. أما الألفاظ فيقترح الشيخ الطنطاوي أن يعطى للجنرال لفظ الجناب وللوزير لفظ
السعادة والشاه زادة، وعائلة السلطان لفظ السيادة وللسلطان لفظ الأبهة.
كما نبه إلى أنه لا حرج من أخذ الأديب أو العالم أجراً إضافياً عما يكتبه في الجرائد والمجلات، وضرب مثالاً بما تقاضاه الأديب مسيو سكريب حيث
بلغ دخله الإضافة 1832م 48,000 فرنك.
وفصل طنطاوي في المجلات والجرائد التي كانت معروفة عند الروس وعيشتهم ومركوبهم مما لا يختلف كثيراً عما هو معروف في أوروبا بصفة
عامة، ووصف أنواع الطعام التي يتناولها الروسي عند الإفطار والغداء وعند المساء، وعادات التدخين وحتى استخدام النرجيلة، وكذا العربات بأنواعها التي تجرها الخيول أو عربات الزحلقة.
وختم كتابه بإعطاء لمحة سريعة عن اللغة الروسية وقواعدها النحوية وكيفية اشتقاقها من اللسان الصقلبي والتاتاري والفرنساوي والنمساوي، وإلى هنا
حبس عنان قلمه قائلاً:
| ولا تتجارى قد جرى منك يا كفي
|
يراعى كفي الخوض فالبحر زاخر
|
لقد كان رائد الشيخ الطنطاوي رحمه الله وضع مدينة وتقدم الروس أمام أولي الأمر سواء في مصر أو الدولة العثمانية، فكأن كتابه جاء تقريراً مطولاً
يهدف إلى التنوير والإصلاح، يحاول من خلاله أن يحذو حذو الشيخ الطهطاوي فهل كان لتقريره الأثر المنشود؟!
أهمية رحلة الشيخ الطنطاوي:
لا أرى أن رحلة الشيخ الطنطاوي كانت ذات تأثير في الفكر العربي الحديث مقارنة برحلة الشيخ رفاعة الطهطاوي إلى فرنسا، فالرحلة إلى البلاد
الروسية بقيت بعيدة عن تناول الباحثين والكتاب لسنوات طويلة، بل إنها ظلت مغمورة على رفوف المكتبات فيما عدا النفر القليل الذي ساعدته الظروف في الاطلاع عليها، ولعل مرد ذلك يعود لعدة أمور منها:
- إن رحلة الشيخ طهطاوي كانت لبلاد قد تقدمت في مضمار النظم الدستورية والتعليم والصحافة والحرية والتربية والثقافة في حين أن رحلة الشيخ
الطنطاوي قد وقعت لبلاد آخذة في أسباب المدنية والثقافة وتسعى للنهوض بالمجتمع.
- لقد عاد الشيخ الطهطاوي إلى بلده مصر، ووضع ما شاهده وخبره وما صادفه من الأمور الغريبة والأشياء العجيبة ليكون نافعاً في كشف القناع عن
محيا تلك البقاع، من فكر سياسي واقتصادي واجتماعي وتربوي وعلمي، وساهم بذلك من خلال المؤسسات والمعاهد العلمية التي عمل في إدارتها ،
والجرائد التي رأس تحريرها والمصنفات المترجمة التي نقلها إلى اللسان العربي، فكان تأثيرها النظري مقروناً بالتطبيق العلمي في حين أن الشيخ
الطنطاوي عاد إلى بلده بعد أربع سنوات ليصحب زوجته إلى مكان عمله واستمر هناك حتى لقي ربه.
- لقد كان هدف رحلة الشيخ الطهطاوي محدداً وواضحاً منذ البداية وهو إمامة طلبة البعثات إلى فرنسا، ومن ثم الدراسة والانخراط في الحياة العامة،
ولكن بعين ناقدة ناقلة، في حين أن رحلة الشيخ الطنطاوي كانت للعمل في التدريس في بطرسبرغ.
وبعدما وافق على العرض، استأذن محمد علي في السفر، فحضه محمد علي على تعلُّم لسان الروسيا، ووعده بالإكرام إذا تعلمه، وكتب له مرسوماً
بختمه كدليل على التزام محمد علي بما وعد، ولا نعرف من سيرة الشيخ إن كان قد قابل محمد علي مرة أخرى أو كتب له بما شاهده وخَبَره وصادفه
في البلاد الروسية، بل إننا نجد في ديباجة مقدمة الرحلة ما يفيد أنها أُهديت للسلطان عبد المجيد، وافتتحها بقصيدة في مدح السلطان عبد المجيد.
والباحث يطرح سؤالاً مهماً إزاء ذلك، فالعلاقات بين الدولة العلية ومحمد علي باشا كانت متوترة، بل وعدائية في بعض الأحيان، ورأينا أن الشيخ
طنطاوي قد أقدم على إهداء الكتاب للسلطان عبد المجيد بعد وفاة محمد علي باشا وسوء الأحوال في مصر، فرأى في الدولة العلية الأكثر أحقية في
تقديم الكتاب إلى سلطانها.
- إنّ منهج رحلة الشيخ الطنطاوي قد نسج على منوال رحلة الطهطاوي، والرسالة المتبادلة بين الاثنين، الطنطاوي والطهطاوي تدعمنا فيما ذهبنا إليه ،
فقد اشتملت على منهج رواية الرحلة وجغرافية المكان والسكان ونظام الحكم والملبس والملاهي (وخاصة التياتر والرقص) والتربية والصحة والتعليم
والنظافة، ويهتم بالوسائل الاثنوجرافية (موقع المدينة ومناخها، وطبيعة تربتها والطبقات التي تكونها خطوط الطول والعرض الآخذة بكروية الأرض
والمناخ وكذا المظاهر الحضارية المتمثلة في التعريف بفروع المعرفة، وأسماء المعاهد والجمعيات العلمية والأدبية، وأسماء المكتبات والمتاحف
والحدائق العامة، وقضية المرأة في مجال العمل والعلم والاجتماع، وقضايا السفور والحجاب ).
- وبالرغم من ذلك، فإن رحلة الشيخ الطنطاوي تعد وثيقة أدبية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، تعرف أيضاً بحال اللغة في القرن التاسع
عشر والمصطلحات التي كانت سائدة وتعرض للعديد من القضايا اللغوية من تورية وتلميح ونحت واشتقاق واقتباس، وكذا النقل والترجمة من اللغة الروسية إلى العربية، إضافة إلى ما تزخر به ثنايا الرحلة من كلمات عامية مثل ( فرنجي، ساوت، الأضياف، انسر، فوقانها، السُفر أي الموائد، وغيرها) علاوة على المواويل التي ضمنت في الكتاب، والنكات واللطائف.
ومع ذلك، فإن رحلة الشيخ الطنطاوي تظل ذات قيمة عالية وشاهداً على العلاقات العربية - الروسية، وأثر الفكر العربي في التأثير على حركة
الاستشراق في القرن التاسع عشر، والرحلة وإن كانت تالية لرحلة الشيخ الطهطاوي من حيث الأهمية، فإنها تقف في صف واحد مع رحلة الشدياق،
كشف المخبا والساق على الساق، ومُقَدَّمة على رحلة فرنسيس مراش، رحلة إلى أوروبا، ورحلة محمد شريف سالم إلى أوروبا، وأمين فكري في إرشاد
الألباء إلى محاسن الأوروبا، ورحلة محمد بلجوجة، سلوك الأبرياء في مسالك باريس، وعلي أبو الفتوح، سياحة في أوروبا، والدنيا في باريس لأحمد
زكي، ورحلة علم الدين للشيخ علي مبارك، وجولة في ربوع أوروبا لمحمد ثابت، وتحتاج إلى مزيد من الدراسة والبحث.
المصادر والمراجـع
- أحمد مختار، رحلة سمو الأمير محمد علي باشا في جنوب إفريقيا سنة 1342هـ/ 1924م، ط القاهرة، مطبعة الاعتماد. د.ت.
- آدمز، شارلز، الإسلام والتجديد في مصر، ترجمة عباس العقاد، ط القاهرة، 1960م.
- حجازي، محمود فهمي، اصول الفكر العربي الحديث عند الطهطاوي، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1974م.
- حسين فوزي النجار، رفاعة الطهطاوي (رائد فكر وإمام نهضته)، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1998م (سلسلة أعلام العرب رقم 130).
- خالد زيادة، ثلاث رحلات جزائرية إلى باريس، بيروت، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1979م.
- خليل مردم، أعيان القرن الثالث عشر، قدم له وعلق على حواشيه عدنان مردم، ط الثانية، بيروت، مؤسسة الرسالة، 1977م.
- الخفاجي، محمد عبد المنعم، الأزهر في ألف عام، بيروت، عالم الكتب، القاهرة، مكتبة الكليات الأزهرية، 3 مجلدات، ط الثانية، 1408هـ/1988م.
- الزركلي، خير الدين، الأعلام، بيروت، 1979م.
- شيخو، لويس، الآداب العربية في القرن التاسع عشر، ط بيروت.
- الطهطاوي، رفاعة رافع، تخليص الإبريز في تلخيص باريز، القاهرة، مطبعة بولاق، 1265هـ.
- مناهج الألباب المصرية في مناهج الآداب العصرية، مطبعة الرغائب، 1320هـ/1912م.
- علي مبارك، الخطط التوفيقية، ط مصر، 1986م.
- فتحي رضوان، دور العمائم في تاريخ مصر الحديث، القاهرة، الزهراء للإعلام العربي، 1986م.
- كراجكوفسكي، (أغناطيوس)، مع المخطوطات العربية، ط، موسكو، 1963م.
- قلفاط (نخلة)، تاريخ بطرس الأكبر، ط بيروت، المطبعة اللبنانية، 1886م.
- محمد ثابت، جولة في ربوع أوروبا 0بين مصر وايسلندا، طـ مصر، مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر، 1948م.
- محمد عبد الغني حسن، أعلام من الشرق والغرب وعرب في بلاد الصقالبة، الشيخ محمد عياد الطنطاوي، مصر، دار الفكر العربي، مطبعة
الاعتماد، 1949م.
- ناجي نجيب، الرحلة إلى الغرب والرحلة إلى الشرق، بيروت، دار الكلمة، 1983م.
- الدوريات والمجلات (مقالات)
أحمد تيمور، مقالة (الشيخ محمد عياد الطنطاوي)، مجلة الزهراء، المجلد الأول الجزء السابع، (417-428)، 1347هـ. ونشرت أيضاً في مجلة
المجمع العلمي العربي، المجلد الرابع، الجزء التاسع، والجزء الثاني عشر، 1924م.
- كراجكوفسكي (أغناطيوس)، مقالة< الشيخ محمد عياد الطنطاوي <، مجلة الزهراء، المجلد الأول، الجزء السابع، 1347 (بالتعاون مع أحمد تيمور).
- محفوظ حسين علي، محمد عياد الطنطاوي، مجلة كلية الآداب، جامعة بغداد، العدد السابع، 1964م
- محمد أمين حسونة، محمد عياد الطنطاوي، مجلة الرسالة، العدد 549، يناير 1943م.
-Kosegarten, J.G; Scheihk Tantawi Zeitschrift Fur die Kuwde des Morgenlands, vll: 1850 PP. 43-67, 197-200. - Levitsky, H
Kiev, Mistetstvo Publishers Kiev, Progress Publishers, Moscow, 1980. - Marquis de Custine
Empiro of the Czar (a journey through etemal Russia. 1539. U.S.A. 1989.
(1) الزهراء، م 7 / 420.
(2) أجاز الشيخ مصطفى القناوي بالرواية ونص الإجازة:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.
أما بعد:
فقد أجزت العمدة الفاضل، ولدنا العزيز الشيخ محمد عياد بن المرحوم الحاج سعد عياد المرحومي بحديث الأولية وهو قوله: (الراحمون يرحمهم
الرحمن تبارك وتعالى، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء) كما أجازني به شيخي وأستاذي فخر السادة الأشراف، ونخبة آل عبد مناف ،
الحسيب النسيب السيد محمد مرتضى الزبيدي الحسيني اليمني، كما أجازه بذلك مشايخه.
وأجزته كذلك بما أجازني به شيخي وأستاذي الشيخ محمد عبادة الغنيمي بلداً البيومي طريقة، كما يرويه عن مشايخه : أجلهم سيدي عمر الطنطاوي
المغربي الشاذلي، والمبادرة إلى طاعة الله تعالى فإنها السبب الأقوى، ولا ينسانا من دعواته.
وأجزته أيضاً بما رويته عن الأستاذ الأعظم سيدي محمد الحنفي الخلوتي الشاذلي بقراءة الكتب المشهورة في علم الحديث : البخاري ومسلم وأبو داود
والترمذي والنسائي وابن ماجه والموطأ للإمام مالك بن أنس، رضوان الله عليهم أجمعين، ونفعنا بهم وحشرنا في زمرتهم آمين، وأوصيته أن لا ينسانا
من صالح دعواته، في خلواته وجلواته. حصل ذلك عشرين المحرم الحرام سنة 1244 هـ.
الفقير مصطفى القناوي الشافعي الأحمدي
خادم أهل العلم بالمقام الأحمدي
انظر، تاريخ الزهراء، المجلد الأول، الجزء السابع، ص 420.
(1) انظر، تاريخ الأزهر، 138 ؛ الخفاجي : الأزهر في ألف عام، 1/247-248.
(2) محمد عبد الغني حسن : الشيخ محمد عياد الطنطاوي، 32.
(3) خليل مردم : أعيان القرن الثالث عشر، 160 ؛ خطط مبارك، 9/2، الأعلام، 1/70.
(4) الزركلي، الأعلام، 1/ 54.
(5) انظر، تحفة الأذكياء، 16.
(1) الزهراء، 7/ 420.
(2) أعلام النهضة، 276-277 ؛ شيخو : الآداب العربية في القرن 19، 1/85.
(3) تحفة الأذكياء، 9، 23.
(1) تحفة الأذكياء، 8
(2) الرحلة، ص8.
(3) التواريخ هنا تحسب على أساس التاريخ المعمول به في روسيا وينقص 12 يوماً عن الميلادي، وفق ما ذكره محمد عياد في مقدمة كتاب تحفة الأذكياء.
(1) أحمد تيمور، محمد عياد الطنطاوي، مجلة المجمع العلمي العربي، 4/ 390.
(1) Levitsky, Hi Kiev, a short guide, Mistetstvo Publishers, Kiev progress Publishers, Moscow, 1980. PP. 25-34.
(1) تحفة الأذكياء،
(2) تحفة الأذكياء، 59.
(3) المصدر السابق،69.
(4) انظر، وصف البيت في ص 71-73 من التحفة.
(5) حول الحروب، انظر : Marquis de Custine, Empiro of the Czar cajourney through eternal Russia (1839). U.S.A.
1989PP. 115-135.
(1) تحفة الأذكياء، 125 - 127.
(1) تحفة الأذكياء، ق 151.
(1) السرفة : خرقة فيها عيدان مثل الجبيرة تكون لترفيع الخصر.
(1) أون، عشرة، باشي : رئيس عشرة، الكلمة تركية.
(1) الرحلة، 159 - 160.
(1) الرحلة، 161-162.
الصفحة الرئيسية للجلسة