افتتاح الندوة
كلمة معالي وزير الإعلام
كلمة رئيس تحرير العربي
كلمة الضيوف
كلمة المكرَّمين
المكرَّمون

اليوم الثاني
الجلسة الصباحية الأولى
الجلسة الصباحية الثانية
الجلسة المسائية الأولى
الجلسة المسائية الثانية

اليوم الثالث
الجلسة الصباحية الأولى
الجلسة الصباحية الثانية
الجلسة المسائية الأولى
الجلسة المسائية الثانية
الختام


تغطية العربي للندوة
تغطية الـBBC


أبحاث الفترة المسائية الثانية ليوم الأحد
رئيس الجلسة: الأستاذ عبدالعزيز سعود البابطين رئيس مؤسسة البابطين للإبداع الشعري
الولع الحضاري لدى السندباد العصري
دكتور/ صلاح فضل

         يعلن حسين فوزي في كتابه الأول ضمن سلسلة سندبادياته التي بلغت سبعة كتب، وقد نشره عام 1938 بعنوان (سندباد عصري): جولات في المحيط الهندي يعلن استراتيجيته الثقافية دون مواربة، في هذا الإهداء الذي يمهره بتوقيعه الخطّي:

         درجت على حب الغرب، والإعجاب بحضارة الغرب، وقضيت أهم أدوار التكوين من عمري في أوربا، فتمكّنت أواصر حبي، وتقوّت دعائم إعجابي. فلما ذهبت إلى الشرق: عدت إلى بلادي وقد استحال الحب والإعجاب إيمانا بكل ما هو غربي.

         ومن يومها أصبح حسين فوزي، بين أبناء جيله من رواد النهضة الثقافية، نموذجا للمفكر المصري المولع بحضارة الغرب، يتغنى بعلومها وآدابها وفنونها على السواء، ويبقى رحيق إيمانه لقرّاء مقالاته وكتبه، ومستمعي برامجه الإذاعية في التحليل المدهش لروائع فنون الموسيقى الغربية.

         وإذا كانت علاقتنا اليوم بالغرب، تمر فكريا وثقافيا بأزمة ثقة متبادلة، تتجاوز في خطورتها ما شهدته إبان المد الاستعماري في مطلع العصر الحديث، من تجاور العناق والطعن، فإن لنا أن نتساءل عن حدود هذا الإيمان وبواعثه، وشروطه ونتائجه، وعلاقته برؤية الهوية وتمثل المصير، وكيف أسهم في تشكيل وعينا بالماضي والمستقبل.

بذرة الافتتان:

         كان حسين فوزي قد ولد في تباشير مطلع القرن العشرين عام 1900في حيّ الحسين بالقاهرة المعزّية. وقد حفظ القرآن الكريم في الكتاب بعد انتقال أسرته إلى حيّ باب الشعرية المجاور، ثم حصل على الشهادة الإبتدائية من المدارس المدنية، ومن بعدها التوجيهية عام 1917، ودخل مدرسة الطب، ولم تلبث أن أدركته ثورة 1919 فاشترك فاعلا في أحداثها ومظاهراتها، ثم حصل على بكالوريوس الطب عام 1923 وعمل طبيبا للعيون في القاهرة وطنطا، ولكن مسيرة حياته لم تلبث أن تبدلت عندما ابتعث إلى فرنسا في عام 1925 لدراسة الأحياء المائية وعلوم البحار. وحصل على بكالوريوس العلوم من جامعة السوربون، وتزوج من زميلة دراسة فرنسية، رافقته خلال رحلة حياته، وعند عودته إلى الوطن أوائل الثلاثينيات أسس معهد علوم البحار والبيطرة، ثم اشترك بعد بعثته في رحلة الباخرة ((مباحث)) التي جابت البحر الأحمر والمحيط الهندي لمدة تسعة شهور، لإجراء أبحاث علمية متعددة سجلها في كتابه الذي أشرنا إليه، وظل يعمل في ميدان العلوم البحرية حتى أسند إليه تأسيس أول كلية للعلوم بجامعة الاسكندرية تحت إشراف طه حسين عام 1942، وبعد قيام الثورة عين عام 1955 وكيلا لوزارة الثقافة، ثم اشترك مع ثروت عكاشة في تأسيس أكاديمية الفنون وعمل رئيسا لها عام 1965، وانتقل إلى رئاسة الأكاديمية المصرية عام 1968 قبل أن يتفرغ للتأليف العلمي والريادة الموسيقية حتى وفاته عام 1988.

         ولأنه قد سجل تاريخ حياته الفكري والروحي في كتابه الشائق ((سندباد في رحلة الحياة))الذي أصدره في يونيو 1968 فقد كشف فيه عن بذرة افتتانه بالثقافة الأوربية منذ مراحل تعليمه الأولى في العقد الثاني من القرن العشرين، ويجدر بنا أن نتأمل هذه الجذور لندرك طبيعتها المشتركة لدى أبناء جيله، والأجيال التالية حتى يومنا هذا، وتقف على مستويات التناغم في المكونات الأولى للشخصية المصرية والعربية المعاصرة. وإذا كان تحليله المتأخر لهذه المكونات يصطبغ برؤيته في الشيخوخة، إذ لم يتم إبان شرخ الشباب كما فعل طه حسين في ((أيامه)) فإنه يكتسب بذلك طابع الاعتراف الصادق دون مكابرة أو تأنق أدبي. يحكي حسين فوزي أنه ما إن بدأ بدراسة الأدب العربي في ((السعيدية الثانوية)) حتى اندفع يطالع أعلام هذا الأدب في دواوينهم وخطبهم ورسائلهم، ثم حدث أن اتسعت معارفه في اللغة الانجليزية حتى استطاع أن يطالع القصص والقصائد المشهورة فيها، ولم يكتف بما وضعت نظارة المعارف بين يديه من مجموعات شعرية، بل اقتنى ((الخزانة الذهبية)) جمع ((بالجريف)) والتهم منتخباتها التهاما، بفهم ناقص يكمله تأثره بموسيقى الشعر وأوزانه. وكلما تقدمت بنا الدراسة، واتسع الاطلاع نضج الفهم فإذا بالأدب الأجنبي يجتذب التلميذ إليه بقوة، ولا غرابة في هذا لأن الأدب الأجنبي الذي ألقى إليه يرتد إلى القرن السابع عشر، وأغلبه من التاسع عشر فالقرن العشرين، بينما الأدب العربي يعبر عن مشاعر ويصوّر أفكار قرون غابرة، ربما كان أقربها إلينا القرن الحادي عشر، والأمر هنا لا علاقة له بقومية أو وطنية، فلغتنا هي العربية، آمنا، وكنوز العربية ما أروعها وأبلغها!ولكنها تعبر عن وجدان أهل لنا بعيدين عنا جدا في الزمان، فالفارق هنا ليس بين شعب وشعب، بل هو فارق إدراك وإحساس، وطريقة في التعبير عن خوالج الإنسان: أقرب إلينا في الأدب الأوربي لمجرد تقارب الزمان الذي تعبر عنه، ويضيف حسين فوزي إلى هذا العامل التاريخي عوامل فنية أخرى تتصل بتنوع الآداب الغربية من قصة ورواية ومسرحية، إلى جانب الشعر الذي يقف وحده في الثقافة المدرسية العربية، ويطالب بأن تشمل مختارات النصوص العربية صفحات وضيئة تحفل بجوانب الحضارة العربية الإسلامية، من التاريخ والفلسفة والعلوم والفنون والرحلات، حتى تضارع تلك النصوص الثرية بعوالمها وتجاربها في الثقافات الأجنبية، وأعتقد أن بوسعها أن نذهب إلى أبعد من ذلك في تقديمنا للجوانب الفاتنة من تراثنا الأدبي في المناهج التعليمية حتى يتوازى التكوين العقلي والوجداني للشباب العربي، بوسعنا أن نعدل عن هذا النموذج التاريخي الصارم في البدء بالعصور القديمة فحسب، مما يباعدالشقّة ويجافي الألفة، بأن نضع إلى جانب الشعر بدايات القصة والمسرح والفنون الأخرى في المراحل المختلفة، مما يحبب الشبيبة في تراثها، ويكشف عن مذحورها الحضاري المنوع الخلاق، لا لنتفادى بذرة الإعجاب بالغرب التي كشف حسين فوزي عن تربتها، ولكن لنمد دائرة الإعجاب لتشمل الإنجاز الحضاري للإنسان في الشرق والغرب معا، والوعي التاريخي العميق بإسهامنا المبدع في هذا الإنجاز، فتكوين الكفاءة اللغوية والأدبية العالية وبلورة منظومة القيم الرفيعة لا تتأتى بالتجهيل بالآخر وغمطه دوره ومناجزته بالتفاخر المعيب.

قناع السندباد

         اتكأ حسين فوزي طيلة حياته العلمية والفكرية على قناع أسطوري اكتشفه في التراث العربي المصري، ووظّفه بمهارة عالية، لتمثيل شغفه بالعلم، وتوقه إلى رحلات البحر، وإمعانه في كشف أسرار عجائبه ومخلوقاته في عصر الأنوار الإنسانية. مضمرا بذلك حسّا أدبيا رفيعا، وقدرة فنية عالية. وقصة السندباد كما يرى حسين فوزي هي القصة البحرية الكبرى في الأدب العربي طبقا لألف ليلة وليلة. وهي فوق هذا واحدة من أهم قصص البحار في آداب العالم. ولو لم يحتو كتاب ألف ليلة على قصة عبدالله البري والبحري لكانت قصة السندباد هي القصة البحرية الكاملة الوحيدة في اللغة العربية. بيد أن البحر في قصة عبدالله كان وسيلة إلى غاية هي العرض الفلسفي، أما البحر في قصة السندباد فهو الغاية التي تنتهي إليها القصة، البحر هو بطلها، أو هي على حد تعبيره حوار بين اثنين: البحر والسندباد. حوار يتطور من الهدوء إلى العنف، ومن تبادل الود إلى تداول الكلمات والمناجزة والصراع.

         وقد بذل حسين فوزي جهدا علميا فائقا في كتابه (حديث السندباد القديم) 1943 لتأصيل رحلات السندباد، طبقا للمعارف الجغرافية وكتب العجائب السابقة عليه في الثقافة العربية، ليثبت أن من قام بتأليفه على هذه الصورة المكتملة ينتمي إلى هذه الثقافة الغنية، إذ يتبين له من مجموع النصوص التي اختبرها أنه صاحب القصة قد ألفها وفي ذهنه صورة جغرافية للبحر الشرقي الكبير (المحيط الهندي) إن لم تكن شديدة الوضوح، فهي ليست أكثر إبهاما من الصورة التي تنطبع في أذهاننا من مطالعة كتب الرحلات والعجائب والمسالك والممالك. ومعنى هذا في تقديم حسين فوزي بعد البحث العلمي المستفيض أن مصادر كتب الجغرافيا العربية وكتب العجائب ومصادر قصة السندباد واحدة: مجموعة المعارف المتداولة عن البحر الشرقي الكبير فيما بين القرن التاسع والرابع عشر الميلاديين. مثل كتاب (المسالك والممالك) لابن خرداذبة، صاحب بريد الخليفة المعتمد على الله في القرن التاسع الميلادي، و(مروج الذهب ومعادن الجوهر) للمسعودي في العاشر، والآثار الباقية من القرون الخالية (للبيروني في القرن الحادي عشر)، و(نزهة المشتاق في اختراق الآفاق) للإدريس في الثاني عشر، و(عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات) للقزويني في الثالث عشر، ثم (فريدة العجائب) لابن الوردي في الرابع عشر، على سبيل المثال وليس الحصر.

         وقد انتهى في جهده التوثيقي المقارن إلى أن قصة (السندباد البحري) - وهي نموذج لبقية قصص ألف ليلة وليلة - عربية مستحدثة، لا يرجع تأليفها إلى ما قبل القرن الحادي عشر الميلادي، وأسلوبها ولغتها الدارجة - كما تبدو في النصوص المنشورة - قد تنزل بتأليفها إلى القرن الرابع عشر أو بعد ذلك، وليست مترجمة عن أصول هندية أو فارسية، ولا يستبعد أن يكون مؤلفها مصريا أو على الأقل عارفا باللهجة القاهرية في تلك الحقبة كما تداولتها المؤلفات الشعبية الأخرى. وأيا كان مؤلف السندباد، فردا أو جماعة، فقد استطاع أن ينشئ قصته الخلابة من أشتات المعارف الجغرافية، وحكايات الرحالين المتداولة في عصره، دون أن ينتقص هذا من قدره كفنان بارع، فللقصة تخرج على لسان بطلها مفعمة بالحياة، تتدافع أحداثها بعضها في إثر بعض، >كأنها أمواج البحر الزاخر الذي لجّ فيه السندباد، وعرف مرّه أكثر من حلوه، ورضي مع هذا أن يكون أمير سحره، فلا سبيل إلى العجب أن احتضنتها آداب العالم، منذ نشر (جالان) ترجمتها الفرنسية في مطلع القرن الثامن عشر، ونشأت عليها أجيال من الشباب، وتأثر بها كبار الكتّاب الخياليين، أمثال (ديفو) و(سويفت) و(هوفمان) و(إدجار آلان بو) و(لاموت – فوكيد) و(هانس أندريسون) و(جريم) ولا أحسبني مبالغا إذ ألاحظ أثرها في طائفة كبرى من الأدب البحري في العالم. وقد رفعها الناقد (ريتشارد هول)إلى مكانة (الأودية) قياسا مع الفارق.

         والقصة طبقا لتحليل حسين فوزي الممتع تبدأ سهلة السرد هادئة، لا تنم على ما تخبئه من روائع، ثم تترادف أحداثها وتتشعّب حتى تصل إلى عقدتها الكبرى عندما يدفن السندباد حيا - ثم تعود بعد ذلك رويدا إلى هدوئها، كما تعود حياة السندباد سيرتها بين خدمه وأعوانه كأني بها مقطوعة سيمفونية تبدأ هادئة اللحن ثم ترتفع أنغامها وتتفرع عن لحنها الأساسي شتى الألحان، تتلقفها آلات الأوركسترا أفرادا وجماعات حتى تدوي بها كل الآلات الوترية والهوائية والنحاسية، ويعلو لحن البحر والعاصفة وصوت الأمواج المضطربة ، وقعقعة السفينة وشرعها تضرب ممزقة في صواريها وحبالها تلهب ظهرها كالسياط، ثم هي ترتد إلى هدوئها الأول لتنتهي فوق الأوتاد دبيبا وحفيفا، لا تلبث أن تحمله على أجنحتها أخف النسمات.

العروبة ومقومات الحضارة

         عرفت حسين فوزي شخصيا أوائل الثمانينيات، قبيل تدهور ملكاته بالشيخوخة، وخبرته عن كثب خلال زيارته المطوّلة، بصحبة رفيق عمره توفيق الحكيم لإسبانيا، مع كوكبة من رجال الفن والأدب، لحضور مؤتمر عالمي عن المسرح، وكنت أتولى استضافتهم حينئذ بصفتي مستشارا ثقافيا لمصر ومديرا للمعهد المصري للدراسات الإسلامية بمدريد، ومازلت أذكر تحريض الحكيم العبثي لي عند زيارتنا لجامعة مدريد المستقلة كي أبدأ كلمتي بعبارة (باعتباري مثقفا عربيا) حتى يغتاظ حسين فوزي، الذي كان قد شطح فيما يبدو إثر مبادرة (كامب ديفيد) في تنصّله من الرابطة القومية، لكنه كان يتلقى ذلك من صديقه اللعوب بابتسامة وديعة فاهمة، ويستغرق في تأملاته الشفيفة بصفاء نوراني عجيب. وعندما نعود إلى رؤية حسين فوزي الثاقبة لمقومات الحضارة في كتابته الباقية، نرى موقفا شديد الوضوح والأصالة، يؤمن بالمسعى الإنساني الموصول، ويعجب بالإنجاز الحضاري الغربي، لكنه في مراحله الناضجة يتخذ منه موقفا نقديا حادا عندما يتعارض مع الحس القومي، أو يصطدم بالشعور الديني البريء من الهوى والتعصب. ففي كتابه العمدة (سندباد مصري) الذي حرره في الخمسينيات على مدار أعوام عدة، يحدد حسين فوزي رؤيته المتكاملة للبنيان الحضاري، ناقدا مسيرة الثقافة المصرية في أخذها بجوانب الحضارة المادية، من عمران وصناعة، منذ عهد محمد على أوائل القرن التاسع عشر، معتبرا رفاعة الطهطاوي أول مبعوث يدرك أهمية البناء المعنوي للشعوب، ولكننا بالرغم من ذلك ألبسنا الحضارة الغربية كما يلبس قميص المجانين، أقحمت علينا من عل في شكلها المادي، وفي جبروت أهلها وشهوة أطماعهم البشعة. وبذلك اختلطت علينا سبل الإصلاح الروحي، وتاهت منا المقومات الحقيقية للنهضة. كنا إذا آمنا بحضارة الغرب الفكرية والفنية والعلمية - كمجموع متكامل لا ينفصل عن حضارته المادية - قام الرجعيون في وجوهنا، يتهموننا بممالأة الغاصبين والمستعمرين فلا نحن مستطيعون أن نخطو خطوات التطور الطبيعي الكامل بتلك الحضارة، ولا الرجعيون قادرون على الاستغناء عن أدواها وأجهزتها المادية، فإذا طالبنا بالاستفادة من فنون الغرب الرفيعة، وعلومه المتقدمة، وفكره وفلسفته، اتهمنا بالتفرنج والتقليد الأعمى والاعتداء على الأصالة والقومية وإذا كان هذا الصراع المحبط في بنية الثقافة العربية مازال ضاريا حتى اليوم، فإن ما تشهد به أحداث التاريخ أننا نتورط أكثر في نسخ الجوانب المادية للحضارة ومسخها دون أن نقوى على إنتاج نظائرها، لسبب بسيط هو أننا لم نأخذ بجدية حتى الآن قضية المشاركة العلمية في أعمق مستوياتها النظرية والفكرية، ولم تقم لدينا نماذج (المجتمعات العلمية) التي تظفر بالتمويل اللازم والحرية الضرورية، وها هو حسين فوزي يقرن بذكاء شديد بين الإبداع العلمي والفني في رصده لتحولات الاستراتيجية المعرفية عندنا قائلا في سياق رحلة حياته:

         (ذهبت إلى فرنسا مبعوثا معبأ بمعنى الحضارة الأوربية في أصولها الفكرية والفنية، مؤمنا بأن مستقبل الوطن رهين بالتمكن من مقوماتها الحقة، في الفكر والعلم، والفن والأدب. لا في مجرد نقل التطبيقات العلمية والخبرة التكنولوجية، فأساس التكنولوجيا هو العلم البحت، وأساس العلم البحت هو الفكر المجرد، ينطلق بحثا عن حقائق الأشياء في مجال حر. وقد خرجت بلادنا بفكرة عجيبة هي قلة جدوى الدراسات النظرية والبحوث الخالصة لوجه العلم، وهل من داع لوجود كليات آداب في كل جامعة مثلا؟!!! معنى ذلك هو إقامة حياتنا القومية على مجرد النقل، لا على تقييم العقل والوجدان، وإعدادهما للإبداع والابتكار، والابتكار في العلوم يشبه من بعض الوجوه الإبداع في الفنون والآداب، فإنك في الناحيتين إما أن تكون مجرد ناقل ناسخ، ولا قيمة كبيرة لما تنجزه، وإما أن تكون مفكرا أو عالما أو فنانا أصيلا، فتساهم في بناء حضارة وطنية، قوامها الفكر والإحساس، وأساسها العلم والمعرفة).

         وقد يتراءى لبعض القرّاء، خاصة من الإخوة العرب، أن النبرة المصرية العالية في خطاب حسين فوزي تنكر البعد العربي أو تنفيه، وهذا غير صحيح، لأن تفكيره العلمي المستقيم، وروحه التنويرية، وإدراكه لطبقات الشخصية المتراكبة والمتفاعلة، واعتزازه بالتراث العربي الإسلامي، كل هذا يجعل رؤيته أشد اكتنازا وكثافة، خاصة في آرائه المكتوبة، فهو عندما يتأمل الإسهام الحضاري المصري، يركز على شموله للفترات التاريخية كلها، إذ يقول مثلا في كتابه (سندباد إلى الغرب) نحن المصريين أحق الناس بدراسة الحضارات، لأننا أثبتهم حقا في تراث الإنسانية العظيم الذي تواضع الناس على تسميته (الحضارة الغربية)، لا لأنها حضارة احتفى بها الغرب، أو ورثها عن أبيه، بل لأنها في التسلسل التاريخي نمت وترعرعت أخيرا في غرب أوربا، بعد أن تشرّبت وتمثّلت تيارات الحضارة من طيبة وممفيس، وصور وصيدا وبابل، وأثينا والاسكندرية، وروما وبيزنطة، وبغداد ودمشق والقاهرة. حضارة اليوم هي حقي وملكي، بقدر ما هي حق لبعض الأوربيين، لأنني من كبار بنّائيها، فكيف أنكر نفسي وتاريخي، وجهاد فلاسفتي وعلمائي والمفكرين من أجدادي وضيوفهم على مدى آلاف السنين، لأقف من حضارة اليوم هذا الموقف السلبي، وهي من غرس يدي وفكري ومشاعري بأكثر مما هي من غرس الصقلي أو الاسكندنافي.

نقد الهيمنة الغربية

         إذا كان حسين فوزي قد اصطنع قناع السندباد القديم، فإنه لم يكتف بأن يقص علينا مثله حكاياته الغريبة، ورحلاته المتشوقة لمظاهر الحضارة الفاتنة، كما لم تسمح له وسائل النقل المعاصرة، نتيجة لتطور هذه الحضارة ذاتها، بأن يقتصر على الرحلات البحرية. بل سرعان ما ألحق بها الطائرة والسيارة. وأهم من ذلك، فإنه لم يفقد حسّه التاريخي ولا وعيه النقدي. وربما كان كتابه الأخير (سندباد في سيارة) الذي نشر عام 1973 من أطرف وأخطر جولاته في الفكر والحياة. فهو يحكي فيه فصولا شائقة عن رحلة قام بها وقد جاوز السبعين من عمره من فرنسا، مخترقا اسبانيا حتى الأندلس وعابرا مضيق جبل طارق إلى ربوع المغرب والجزائر وتونس، ثم ليبيا ومصر، بما لا يقوى الشباب على اجتراحه، ما لم يكن رحالة من طراز حسين فوزي.

         وسنقف عند بعض اللفتات الدالة في هذه الرحلة، لنحسب حصيلة موقفه الحضاري من الغرب، ونعرف حقيقة مشاعره العربية والإسلامية دون رياء. فهو يقول مثلا عن مسجد قرطبة إنه أثر حضاري إسلامي شوّهته الحضارة الكاثوليكية، عندما استأذن أسقف قرطبة الامبراطور (شارلكان) في إقامة كنيسة جامعة (كاتدرائية) وسط المسجد الجامع، وأذن له. لم يعرف الخلف: النصارى، حق السلف: المسلمين. لسبب عجيب في ذاته، وإن تكرر في أكثر من موضع في الأرض: هو اختلاف الديانة، بل المذهب أو العنصر أو الأرومة. كلا: (لا تعذلية فإن العذل يوجعه) لا تتعجلي اتهامه بالتعصب، كاتب هذه السطور، فقد حاسب نفسه وساءلها: ما إذا كان شعوري ذات يوم من عام 1935 وأنا أجتاز باب (أياصوفيا) في اسطنبول، وأذكر ما صنع محمد الفاتح بالكنيسة العظمى في عاصمة الامبراطورية الرومانية الشرقية...لم أكن أحب للسلطان الفاتح أن يحول مكان عبادة إلى عبادة أخرى، مع أن العثمانيين لم يصنعوا بذلك الأثر العظيم أكثر من إخفاء أو إزالة ما لا يقبله الإسلام من رموز وتصاوير، ولم أرض، ولا أمنت على ما أتاه محمود الغزنوي بالهندوس ومعابدهم، ولم يكن عدم الرضا علامة تخلخل العقيدة أو وهن فيها، بل كان جرحا لشعوري وإيماني بسماحة الإسلام، ومن حقي اليوم ألا أرضى بما اقترفته التعصب بمسجد قرطبة الجامع بغيره من روائع الآثار بأرض الأندلس.

         هذا الاتساق في الموقف، من منظور حضاري، هو ما يرضى ضمير المثقف المعاصر. وهو ما حرص حسين فوزي على إبرازه في كل كتاباته، خاصة وهو يعيش تجربة حميمة في حياته الزوجية، فمهما غلبت ثقافة الزوج على الأسرة المختلطة، تظل طبيعة الحوار مع الآخر، والانتصار للحكمة والعقل دون التعصب، من سمات هذا التعايش النبيل. وعندما يستشهد حسين فوزي ببيت الشاعر العربي (لا تعذلية فإن العذل يوجعه) فإنه يخاطب زوجته وقارئة المختلف عنه بروح إنساني جميل. لكن هذا لم يمنعه من التوهج العاطفي أمام قصر الحمراء في غرناطة إثر ذلك إذ يقول (نظرتي إلى قصر الحمراء كانت نظرة الحسرة في عيني امرئ القيس وهو يتأمل (سقط اللوى بين الدخول فحومل) صعدت إليها تعتمل في نفس مأساة خروج أبي عبدالله، سليل بني نصر، هائما على وجهه بعد تسليم مفاتيحها إلى الملك الإسباني، وتقول الرواية إن أبا عبدالله وقف على أكمة بعيدة يملي ناظره بآخر صورة لملكه، فخنقته العبرات وأجهش بالبكاء، فصاحت به أمه عائشة الحرة (فلتبك بكاء النساء، ملكا لم تستطع أن تدافع عنه دفاع الرجال)، وتعرف تلك الأكمة عند الإسبان باسم (زفرة العربي الأخيرة) بهذا الشعور طالعت شعار بني نصر يتكرر مئات المرات وسط زخارف قصر الحمراء (ولا غالب إلا الله) هذا الشعار في نفسي يتصل رأسا بالنهاية المحزنة، هو عندي نذير المأساة، إذ أطالعه وقد تمت فصولا، في حين أن الآمر ببناء القصر أو زخارفه لم يكشف عنه حجاب الغيب، كنت أشعر وسط هذا الجمال المتألق الفتان كلما قرأت (لا غالب إلا الله) أني أجوب وسط المقابر، أردد في نفسي: البقاء لله وحده، وربما اتخذ ترداد الشعار هذا المعنى: لقد فتحنا وظفرنا، وحكمنا ونعمنا، أقمنا حضارة رفيعة وأوربا في غفلة من الزمان، تعمه في ظلام العصر الوسيط، ننشر عليها من كل ركن فيها ضياء ونوار، كانت لنا الغلبة في الأولى، وفي الثانية كانت الغلبة لعدونا، ولا غالب إلا الله). أطلت في اقتباسي كلمات حسين فوزي المفعمة بحرارة الصدق وحكمة التاريخ كي أبرز حقيقة يتغافل عنها كثير من الكتّاب، وهي أن الهوية والعقيدة ليست مسوحا تخلع وتلبس، وتخف صيفا وتثقل شتاء، ولكنها شيء كامن في أعماق الضمير الفردي والجمعي. لا يخضع للمزايدة، ولا يحتاج إلى إثبات. وقد عرفت من تجربة الارتحال الثقافي أننا عندما نكون داخل أوطاننا وبين أهلينا نتخذ موقف الناقد لهم، الداعي إلى تحريكهم وتقدمهم، فإذا ما واجهنا الآخرين كنا ممثلي ثقافتنا وهويتنا، الغيورين بشدة على ماضيها وحاضرها معا. وسأكتفي بمشهد ثالث من حسين فوزي يكشف عن عدائه الشدد للاستعمار الغربي، ومناهضته هيمنته إذ يقول:

         (صدمتني تجربة الاستعمار الفرنسي في عاصمة من أبهى عواصم المغرب وهي الجزائر، اكتفيت منها بالصعود إلى القصبة، للإحساس بأهل البلاد الأصالي، ولكي أطل على بحرنا من الأعالي. وقد كرهت ألا أرى لأهل البلاد في عاصمتهم التاريخية أثرا بين المستعصرين، فالمسجد الكبير في المدينة المنخفضة قد تحول إلى غير ما أنشئ له. وغادرت الجزائر بعد يوم وليلة عندما لم أطق البقاء في ذلك الجو الاستعماري الذريع، وكنت قد عشت في تونس تجربة استعمارية تركت في نفسي جرحا عميقا عرفت في زمانها باسم (المؤتمر الأفخارستي) - كان ذلك منذ نيف وأربعين عاما عندما سافرت من باريس إلى تونس لأتابع بحثا علميا بمعهد (سلامبو) الأوقيانوغرافي بضاحية تونس، شاهدت في المؤتمر الرسول الكاثوليكي يستقبله المقيم العام الفرنسي (الحاكم بأمر الجمهورية العلمانية) استقبال الفاتحين، والسفن الداخلة ميناء تونس تهزم بالتراتيل اللاتينية، وقد جاءت لتشيد بذكرى القديس الصليبي لويس التاسع عشر أسير ابن لقمان بالمنصورة، والمتوفى بالوباء في تونس. ورأيت الوفود تقف بتمثال الكاردينال (لافيجري) المستعمر الديني منصوبا قبل باب تونس الخضراء رافعا الصليب).

         ومع أن مظاهر التعصب الديني قد خفت كثيرا بعد انقضاء هذه الفترة الاستعمارية الأليمة، غير أن أطماع الهيمنة الغربية على مقدرات الشعوب العربية مازالت تحكم سياستها، وهنا ينبغي لنا أن نميز - كما فعل حسين فوزي وأبناء جيله دائما - بين النموذج الحضاري الغربي الذي اشتركنا تاريخيا في صياغته، وما انتهى إليه من منظومة قيم إنسانية تعلي من شأن الحرية والعلم والشراكة الحضارية، وبين ممارسات هذه الدول السياسية والاقتصادية التي تبغى تحقيق مصالحها وتهميش منافسيها والسيطرة عليهم.

         ويبقى نموذج هذا السندباد المولع بالحضارة، الداعي إلى الإنتاج العلمي في النظرية والتطبيق والتقدم المادي المقترن بالنضج الروحي في الآداب والفنون، والممثل لحركة الحضارة في ارتفاعها وانخفاضها وتضافر الآلات المختلفة والثقافات المتعددة على المشاركة في معزوفتها العظمى، يبقى هذا النموذج لدى حسين فوزي العالم الفنان علامة على سبقنا في مسعى حوار الحضارات وقدرتنا على رؤية أجمل ما في الآخر ونقد أنفسنا في الآن ذاته.


الصفحة الرئيسية للجلسة