أبحاث الفترة المسائية الأولى ليوم الأحد
رئيس الجلسة: أ.د. عبدالمحسن المدعج أستاذ التاريخ بجامعة الكويت
أدباء المهجر وأزمة الانشطار الروحي
( يلوحُ لي أنْ ليس في حياتنا مِن حقيقةٍ إلا الألم ) أمين الريحاني
د. لطيف زيتوني
أزمةُ الانشطار الروحي التي عرفها أدباءُ المهجر هي لونٌ من ألوان الصدمة الثقافية التي يتعرّض لها المهاجرون. فالسائح في البلد الغريب يُشغل نفسَه بالتفرّج على الجديد، والتعرّف إلى المفيد، والتمتّع بالمثير، بينما المهاجرُ ينشغل بالبحث عن موقعه في أرضٍ غريبة تختلف عن أرضه في التقاليد والعادات والنظم العقلية والاجتماعية، أي في ما أنتجه التاريخ والجغرافيا.
يترك المهاجرُ وطنَه نفوراً من ضائقة اقتصادية ألمّت ببلاده وجعلت العيشَ فيها مستحيلاً، أو من حوادث وقعتْ وهدّدت حياتَه، أو من مسألة شخصية لا حلّ لها سوى الابتعاد. وقد يترك بلدَه طمعاً بتحقيق ثروة، أو حباً بالمغامرة، أو رغبة في العيش في بلاد راقية. أما أدباء المهجر، وجلّهم من المهاجرين اللبنانيين، فجمَعهم سببٌ واحد هو النفور، فقد ضاقوا بحال بلدهم الذي أوقعه الصراع التركي الأوروبي في حوادث دموية امتدّت نارُها إليه من دمشق عام 1840، وتأصّلت مذ ذاك في أرضه، وضاقوا بحال أرضهم الصخرية المجدبة التي تدفع أهلها إلى طلب الرزق بعيداً عنها. وما زال يتردّد فيهم صوت القائل:
| فَسِرْ في بلاد الله والتمِسِ العلى
|
تعشْ ذا يسار أو تَمُتْ فتُعذرا
|
وصوت إبي تمام:
| وطولُ مقام المرءِ في الحي مخْلِق
|
لديباجتيـه، فاغتربْ تتجــددِ
|
| فإني رأيتُ الشمس زيدت محبةً
|
إلى الناس إذْ ليستْ عليهم بسرمد2
|
لهذا كان البقاءُ في الوطن استسلاماً للفقر والهوان ترفََّع عنه إيليا أبو ماضي، فخاطب وطنَه مودّعاً:
| لبنانُ لا تعذلْ بنيكَ إذا هُمُ
|
ركبوا إلى العلياء كلّ سفـينِ
|
| لم يهجروك ملالةً لكنّهم
|
خُلقوا لصيد اللؤلؤ المكنون
|
| لما ولدتهمُ نسوراً حلّقوا
|
لا يقنعون من العلا بالـدون
|
| والنسر لا يرضى السجون وإنْ تكنْ
|
ذهباً، فكيف محابسَ من طين؟
|
| الأرضُ للحشرات تزحف فوقها
|
والجوّ للبازي وللشاهــين 3
|
هذه الحماسة للهجرة كانت تستمرّ ما استمرّ الإنسان في وطنه، بل تستمرّ طولَ رحلته على متن الباخرة مع ما كان يرافقها من الاذلال4 كان المهم هو
الوصول؛ فكم من مرةٍ أنزلتِ الباخرةُ المهاجرينَ حيث لا يقصدون. أما ما بعد الوصول، فلم يفكرْ فيه أحد. لهذا كانت صدمةُ الواقع الجديد قاسيةً
ومؤلمة.
الألم الشخصي
| يا رحمتا للغريب في البلد النّا
|
زِحِ ماذا بنفسـه صَنَعـا
|
| فارقَ أحبابـَهُ فما انتفعـوا
|
بالعيشِ من بَعده وما انتفعا5
|
هكذا تبدأ حياة الأديب في المهجر: الخاطرُ مكسور والمعنوياتُ في درجة الصفر. لا أمل ولا نجاة إلا في العمل. ولكنْ في أي حقل يعمل وهو الغريب
الجاهل الأبكم الخالي الوفاض. التجارة تستلزم رأس مال، والزراعة تتقاضى المهاجر جهود السنين الطويلة وما هو في حدْسه إلا عابرُ سبيل، يستعجل
الثراءَ ليغذّيَ أهلَه الجيّاعَ في الوطن وليدفعَ ما استدان من المرابي وليعودَ إلى داره في أقرب وقت60 .
لهذا كانت ردة الفعل الأولى دائماً هي الندم على الهجرة:
| وطني أين أنا ممن أود
|
أوَ ما للحظّ بعد الجذر مد ؟
|
| ما رسَتْ حيث رستْ فلكُ النوى
|
لو أباحوا ليَ في الدفـة يد7
|
وبعد الندم تبدأ الشكوى من وحشة الهجرة :
| ناءٍ عن الأوطان يفصلني
|
عمّن أحبّ البرّ والبحرُ
|
| في وحشة لا شيء يؤنسها
|
إلا أنـا والعود والشعر8
|
يمكننا أمام هذا الموقف أن نفكّر على طريقة الوجوديين بأن المهاجر كان حراً في البقاء في بلاده أو الهجرة منها، وحرّاً في البقاء في مهجره أو العودة
إلى الوطن. فاختياره البقاء في بلاد الهجرة يستلزم قبوله بالنتيجة المترتبة عليه وهي الانقطاع. ولكنّ المهاجر لا يرى الأمر على هذه الصورة، بل يرى
أن الوضع السياسي والاقتصادي أرخى بثقله على خياره، فينفي حريته في الاختيار، ويرفض تحمّل مسؤولية الانقطاع. وهذا النفي، بالمعنى الذي
يستخدمه التحليل النفسي، يتمثّل في الغالب بإنكار البعد الإرادي للهجرة، وإنكار اختيار البلد المضيف والتنكّر له، وتجميل صورة الوطن الأصلي،
وتجميل صورة الوضع الشخصي السابق في الوطن الأصلي، وإحلال فكرة الرحلة المؤقتة مكان فكرة الهجرة الدائمة. وضرر هذا الميل إلى النفي هو
ضرر نفسي، فهو يمنع التكيّف مع الواقع الاجتماعي الجديد، ويصيب أحياناً كثيرة علاقةَ المهاجر بالواقع، وبصورة أعمق علاقتَه بنفسه.
ها هو مثلاً الشاعر القروي رشيد سليم الخوري يصوّر نفسه مدفوعاً إلى الهجرة لا مختاراً، مجبراً عليها لا حراً:
| أروم إلى ربى لبنان عوْداً
|
فيمنعني عن العوْد افتقـار
|
| ولو خيّرت لم أهجر بلادي
|
ولكن ليس في العيش اختيار9
|
أما المسؤول عن هجرته فهو الوطن نفسه، فهو الذي دفع به إليها، وبالتالي هو السبب في نكده:
| وطني طوّحْتَ بي في مهجرٍ
|
يرهقُ الحرَّ بأنواعِ النكد10
|
وهكذا يجد المهاجرُ نفسه في مأزق لا مخرجَ منه. فهو لا يستطيع أن يعودَ خائباً فقيراً بعد كلّ ما رسم من أحلام وما علّقه عليه ذووه المقيمون من
آمال، فيتحمّل عذاب الهجرة لأنه أهون عليه من ذل العودة الخائبة. وقد عبّر نسيب عريضة عن هذا المأزق عندما قال:
| أحبّ بلادي وإن لم أنمْ
|
قريرَ الجفون بأحضانها
|
| فكم أنّتِ النفسُ من يأسها
|
وناءتْ بأثقال أشجانها
|
| تودّ الرجوعَ إلى عشّها
|
وليس الرجوعُ بإمكانها11
|
وهو أيضاً لا يستطيع أن يعود إذا سارت الأعمال وكثرت الارتباطات. وهذا عذر الكثير من المهاجرين، ومنهم جبران الذي كتب إلى مي زيادة يقول :
إن شوقي إلى وطني يكاد يذيبني. ولولا هذا القفص - هذا القفص الذي حبكتُ قضبانَه بيديّ- لاعتليتُ متنَ أول سفينة سائرة شرقاً. ولكن أيّ رجل
يستطيع أن يترك بناءً صرف عمرَه بنحْت حجارته وصفّها حتى وإنْ كان ذاك البناء سجناً له، فهو لا يقدر أو لا يريد أن يتخلّص منه في يوم واحد12.
والسجن الذي يتكلّم عنه جبران سجن حقيقي. فالمهاجرون العرب في أميركا، في الثلث الأول من القرن العشرين، لم يندمجوا في نسيج المجتمع الجديد
إلا تدريجاً، فكانت صلتهم به في المرحلة الأولى محصورة بمقتضيات العمل والقليل من المجاملات. لهذا انضم بعضهم إلى بعض وكوّنوا مجتمعاً على
هامش المجتمع القائم، وفي عزلة عنه، وكأنهم مسجونون فيه. وجعلتهم عزلتهم يواصلون حياتهم كما كانوا في الوطن، ويحافظون على عاداتهم ولغتهم
ويهتمون بشؤون بلادهم وقضاياها ويتابعون ما تنشره دورها ومجلاتها ويرسلون إليها بمقالاتهم وكتبهم.
كان الشعور السائد بينهم هو الشعور بالانسلاخ. فالمهاجر صنيعة أرضه، فمنها استمدّ خصائصه البدنية والعقلية. لهذا أحسّوا أنفسهم بمنزلة شجرة
اقتُلعت من أرضها وغُرست في بلاد أخرى. وكان انسلاخهم انفصالَ جسدٍ عن جسد، لا روحٍ عن روح. فقد بقيت روحُهم في الشرق بينما انتقل
الجسد إلى أميركا.
وقد عبّر أبو ماضي عن ذلك بقوله:
| أيهـا السائـل عني مَنْ أنـا
|
أنا كالشمس إلى الشرق انتسابي
|
| لغـة الفولاذ هاضت لغتـي
|
لا يعيش الشدو في بحر اصطخاب
|
| لست أشكو إن شكا غيري النوى
|
غربة الأجسام ليست باغتراب
|
| أنا في نيويورك بالجسم، وبالروح
|
في الشرق على تلك الهضابِ13
|
أما نسيب عريضه فجعل التمزّق أشدّ هولاً إذ حوّل نفسه إلى شطرين:
| أنا المهاجر ذو نفسين: واحدة
|
تسير سيري وأخرى رهن أوطاني14
|
إنها عملية جراحية مؤلمة، فيها بترٌ لجزء من الذات15؛ وهي، رمزياً، قريبة مما يسميه علم النفس التحليلي بالخصاء (castrastion). ويتمثّل الخصاء
الذي تعرّض له المهاجر بسلسلة من الحرمان تناولت المكوّنات الأساسية لذاته.
فالهجرة حرمته أولاً من لغته، فتعطلت قدرته على استعمال الإشارات والعلامات التي كانت تربط لسانه وسمعه بالناس والتي كانت تشكّل هويته،
فصار أبكم، مجهول الهويـة:
| حولي أعاجم يرطنون فما
|
للضاد عند لسانهم قدر
|
| ناسٌ ولكنْ لا أنيس بهم
|
ومدينةٌ، ولكنّهـا قفر16
|
ثم حرمته من يقينه في قيمه الثقافية، وأدخلت الشك إلى قلبه بعدما عاش في التسليم، فعاش زمناً طويلاً في الشك والرفض إلى أن بدا له وجه الحقيقة
الواحد في كل الرسالات.
| وكنت مع الله في قريتي
|
فصرت بلا الله في غربتي17
|
وحرمته الهجرة أخيراً من راحته، لأن الباحث عن الرزق خلف البحار لا يحلم بالراحة بل يسابق الزمن ليفوز ويعودَ إلى حيث يستعيد لسانه وقيَمه
ويحقّق وجودَه.
ولا شكّ في أنّ الصدمة الثقافية تختلف بحسب السن، والجنس، والمعتقدات، والطبقة الاجتماعية، وبحسب شخصية المهاجر، وسبب هجرته، ومقدرته
العقلية، واستعداده النفسي للتكيّف، وبحسب درجة معرفته بلغة البلد المضيف وتقاليده. ونحن لو نظرنا في سيرة هؤلاء الأدباء لوجدنا معظمَهم هاجرَ
في نهاية مرحلة الطفولة. فأبو ماضي غادر لبنان في الحادية عشرة من عمره، والريحاني في الثانية عشرة، وجبران كذلك، ونعيمة في الثالثة عشرة،
الخ.. وهذا يعني أن هؤلاء تركوا بيوتهم حين كانوا ما زالوا بحاجة إلى حنو الوالدين وعطفهم، وحين كان زادُهم من خبرة الحياة يكاد يكون معدوماً،
وثقافتُهم ما تزال في بداية تكوّنها، وشعورُهم بهويتهم القومية لا يتعدّى حدودَ القرية التي ولدوا فيها، وتحصيلُهم الدراسي قليلاً، ولغتُهم العربية لا
تتجاوز بعض القصائد المحفوظة. فكيف توصّل هؤلاء الأطفال إلى هذه المكانة في دنيا الأدب، وإلى هذا الإبداع الفني والفكري، وإلى الوعي القومي
..؟ أيّ تجارب مرّت بها قلوبهم الفتية، وأيّ غربة قاسوها، وأيّ جهد بذلوه ليشقّوا دروبهم، وأيّ وحي زيّن لهم الخيارات الراقية، وأيّ شعور أسعفهم
للمحافظة على انتمائهم وكرّس أقلامهم لخدمة لغتهم وقومهم؟ ليس هذا مما يؤرّخه المؤرّخون، فهو يبقى طيّ الصدر فلا يظهر منه إلا ما تنضحه
الزفرات الحارة والأشواق الحارقة والانفعالات الحادة فيلتمع في سطورهم كالدمع داخل حدقة العين.
ولعل أول ما شعر به هؤلاء بعَيْد وصولهم هو أنهم متروكون لمصيرهم، تائهون في مَهاجرهم، مسؤولون وحدَهم عن أنفسهم ومستقبلهم. وهذه الوحدة
زادت فيهم الحنين إلى كنف الأم18، إلى حمى الوطن، حيث كان لهم وجود، وهوية، ولغة، واسم19 وصار هذا الحنين إلى الشطر المفقود قاسماً
مشتركاً بين كل الأدباء المهاجرين:
| نازحٌ أقعده وجدٌ مقيمْ
|
في الحشا بين خمود واتقادْ
|
| كلما افترَّ له البدرُ الوسيمْ
|
عضّه الحزنُ بأنياب حدادْ
|
| يذكرُ الرَبْعَ القديمْ فينادي
|
أين جنّاتُ النعيمْ من بلادي ؟ 20
|
وصار كلّ شيء يذكّرهم بالوطن، فإنْ طلع البدر من وراء التلال، أو هبّت الريح من الشرق، هتفوا مع نسيب عريضة:
| تدفّقي يا رياحَ الشرقِ هائجةً
|
فأنتِ لا شكَّ من أهلـي وإخواني
|
| قد كنتُ أشتاقهم والعينُ تنظرهم
|
واعِظْمَ شوقي على بعدٍ وهجرانِ21
|
وإنْ تساقَط الثلج وغطّى القمم، أنشدوا مع رشيد أيوب:
| يا ثلج قد هيجتَ أشجاني
|
ذكّرتَني أهلي بلبنــان
|
| بالله عني قلْ لإخواني
|
ما زال يرعى حرمةَ العهد22
|
وكان الأمل بالعودة لا يفارقهم23، ولو بدا أحياناً كالسراب. وسرعان ما تحوّلت الرغبة في العودة عند بعضهم إلى رفضٍ للبلد الجديد، وكأنّ الأديب
يردّ على تجاهل البلد المضيف له بالتجاهل، أو كأنه يحاول أن يقطع ما نبت له في الأرض الغريبة تعجيلاً للعودة المأمولة. فهذا عقل الجُرّ ينادي ربّـه:
| أعِدني إلى الأرز يا خالقي
|
فليستْ بلادي هذي البلاد24
|
وهذا الشاعر القروي يقارن بين نسيم المحيط في مهجره ونسيم البحر في وطنه، فإذا بالأول يحمل الأسقام والثاني يحمل الشفاء:
| يا نسيمَ المحيط ما هكذا في
|
ساحل البحر عندنا الأنسام
|
| أنتَ إن زرتَ في المنام صحيحاً
|
غلغلتْ في عظامـه الأسقام
|
| مشبعٌ بالبخار روحٌ ثقيل
|
باردٌ تستعيذ منـه المسـام
|
| لستَ ذاك الذي عهدتُ يفوح
|
الشيحُ إنْ جرّ ذيلَـه والثمـام
|
| ذاك أزكى شمّاً وألطفُ ضماً
|
ذاك تشفى بلمسه الأجسام25
|
ومثل هذا الموقف لا يعبّر عمّا في النسيم بل عمّا في القلب، فقد تحوّل كرهُ الهجرة إلى كراهية لبلد المهجر:
| غرسْتُ بلبنانَ ورْدَ الأمَل
|
فقُلْ للبرازيـل أنْ تمحـلا
|
| وجُدْتُ عليه بدمع المُقَلْ
|
فقُلْ للأمـازون أنْ يبخلا
|
| وحلّيتُ قلبي بنبع العسلْ
|
فقُلْ لليالي: أمطري حنظلا26
|
وها هو ميخائيل نعيمة في كتاب (المراحل ) يقارن بين نيويورك، تنين البحر والبر، والشخروب مكان عزلته في سفح صنين في لبنان، فيجد السـقم
هناك والعــــافية هنا. وها هو يتحدث عن نيويورك في كتابه (زاد المعاد) فيسميها مدينة الآلات والأزمات27 ونجد مثل هذه الأمثلة في كتابات
الريحاني ورسائل جبران والكثير من رفاقهم.
هذا الأسلوب الانفعالي في التعامل مع البلد المضيف لم يكن أسلوبَ أدباء المهجر جميعـاًً. فقد استخدم أدباء آخرون أسلوبَ النقد، لا الرفض، في
دفاعهم الواعي واللاواعي عن انتمائهم إلى وطنهم وعن هويتهم العربية. فالنفور من نيويورك لم يكن دائماً لموقف أيديولوجي بل لغلبة المظهر المادي
فيها على المظهر الاجتماعي الذي تعوّده المهاجر في بلاده. فمدينة المصانع الكبيرة والجسور الضخمة والضوضاء لا تلائم مألوفَ أبناء القرى، ومعظمُ
المهاجرين اللبنانيين كانوا من أبناء القرى. ولا تلائم مَن يبحث عن العزلة والتأمل، وبين المهاجرين عددٌ منهم. فالريحاني ينفر من نيويورك28، كما
ينفر من كل مدينة كبيرة. فكتابه (قلب لبنان) الذي ضمّ رحلاته في أنحاء بلده خلال أكثر من ثلاثين سنة، خلا من أي وصف لبيروت رغم مروره
فيها. يمكن القول إذن إن نفور الريحاني من المدينة وإيثاره الريف يرتدّ إلى مزاج شخصي، ولكنْ لا بد من ربط هذا المزاج بالجو العام الذي ولّده
انتشار الروح الرومانسية بين أدبائنـا.
مع ذلك لا يمكننا أن ننكر نفور المهاجر من دار غربته، سواء جرى التعبير عنه بالرفض أو بالنقد أو بأي أسلوب آخر. فالمهاجر لم يأتِ من العدم بل
من شعب له تصوراته للحياة وما بعد الحياة، وله معاييره للمجتمع والأخلاق. وهذه التصورات المشتركة يعرفها أفراده من دون أن يتعلموها في كتاب،
وهي تشكل لهم مرجعية مشتركة. ولكن المرجعية تختلف من بيئة إلى بيئة، ويزداد الاختلاف كلما طالت المسافة الجغرافية بين البيئتين وتدنّت العلاقات
بينهما. وهذه المرجعية هي التي تحكم العلاقة بين أبناء البلاد والمهاجرين. فيطلق كل منهما على الآخر أحكاماً قيمية مستمدة من مرجعيته، ويزِن
أخلاقَ الآخر وسلوكه وتفكيره بمعاييره المثالية الخاصة، لا بمعايير بشرية كونية جامعة. ولكن قيمة الحكم ليست في ذاتها، بل في فعاليتها وتأثيرها في
المحكوم عليه. والحال أن حكم أهل البلاد هو الأفعل لأن المهاجر محتاج إليهم وهم غير محتاجين إليه. لهذا يتحوّل النفور إلى احتقار من هنا وكراهية
من هناك. ولا علاج لهذا المسألة سوى الزمن الذي ينمّي في المهاجر الاستعداد للتكيّف.
ومن وجوه التكيّف لجوء المهاجر إلى البحث عن العزاء في مهجره، على طريقة أبي نواس القائل (وداوِني بالتي كانت هي الداء). فها هو أبو ماضي
يتلمّس هذا العزاء فيقول:
| ذَريني أضطربُ في الأرض إني
|
رأيتُ السيفَ يصدأُ في القِراب
|
| وما أنا بالغريب الدار وحدي
|
فكلّ الناس عندي في اغتراب29
|
وها هو يخاطب نيويورك يريد منها معاملة عادلة تفتح الباب أمام علاقة إيجابية:
| نيويورك! يا بنتَ البخار بنا اقصدي
|
فلعلنا بالغرب ننسى المشرقا30
|
ومن وجوه التكيّف التغييرُ في المفهوم الاجتماعي. فانخراط المرأة في العمل، والتشريعات التي ساوتها بالرجل، بدّلت مفهوم العلاقات الزوجية عند
المهاجرين، وأثرت في الصورة التي كوّنها المهاجر عن رجولته. وانقطاع الروابط بين النواة المهاجرة وشبكة العلاقات الأسرية في الوطن الأصلي
جعل فكرة العشيرة والعائلة الواسعة تتلاشى، وولّد مكانها مفهوم الأسرة الضيقة وأنشأ روابط جديدة منطلقة من علاقات العمل والسكن.
ومن وجوه التكيّف تعلّمُ المهاجر لغةَ البلاد الجديدة واستخدامُها في شؤونه. ولهذا أثر كبير في تغيير شخصيته، لأن اللغة تعكس تصور أهلها للواقع
وشؤونه، وتبني التصورات العقلية للمتكلم. وهي في يده منظار يرى من خلاله العالم. والخطر في التكيّف اللغوي ليس في استخدام المهاجر وسيلة
تعبير جديدة بل في اعتماده هذه الوسيلة، أي باستخدامها مكانَ اللغة الأم من غير ضرورة.
ولكن أدباء المهجر لم يتكيّفوا بالشكل الذي يُضيع هويتهم، بل تمسّكوا باللغة العربية في الكلام والكتابة وعالجوا بها كل ما يتّصل بالواقع العربي.
وشغلتهم الموضوعات التي شغلت الأدباء في الوطن، فتابعوها، وأدلوا بدلوهم فيها.
يقول مارون عبود متحدثاً عن جبران خليل جبران:
إقرأْ جبران في كلّ ما كتب، من (دمعة وابتسامة ) إلى (الأجنحة المتكسرة)، إلى (النبي)، فـ ( يسوع ابن الانسان )، و(آلهة الأرض)، ترَ أنه ... لا
يستعير صورةً ولا موضوعاً من مهجره، فكأنه يكتب في محيط شرقي، وكأن أذنيه مسدودتان لا تسمعان ضجيج الدواليب وزئير صواريخ المعامل
والبواخر. وهو في أروع ما كتب باللغة الانكليزية لا يتعدّى هذه الحدود، فالليل والناي، والوادي والنهر، والبحر والثلج والضباب مواد منتوجاته الأولى.
يذكر البيدرَ والكروم ونواحَ المعصرة، فكأن جرنَ المعصرة كان سريرَه، والضبابَ أقمطته، والبيدرَ ملعب صبوته31.
الألم القومي
أدّى تكيّف المهجريين الاجتماعي واللغوي، على محدوديته، إلى النظر نظرة عادلة إلى البلد المضيف، وإلى المقارنة بينه وبين المجتمع الذي ينتمون
إليه. وسمحت لهم النظرة العادلة برؤية إيجابيات في المجتمع الجديد، وأدّت المقارنة إلى رؤية نقائص في مجتمعهم الأصلي. فآلمتهم هذه النواقص.
ولأنهم تماهوا طويلاً بالوطن، صاروا يشعرون كل نقص فيه نقصاً فيهم. وهكذا نشأ وضع جديد توقف فيه المهاجر عن استعادة الوطن من ذاكرة
الطفولة ومن مشاعر الحنين، وبدأ يفكر فيه بعقل الرجل المسؤول. فحلّ عنده الألم الوطني مكان الألم الشخصي. وكان أولَ ما فرضته الغيرة الوطنية
على أدباء المهجر السعيُ إلى إصلاح المجتمع من خلال غربلة الثقافة السائدة. وطهّر الحنين نظرتهم إلى الوطن فترفّعوا عن الغرض الذاتي.
غربل المهجريون الثقافة السائدة في مجتمعهم بغربال الزمن، فنظروا إلى تقاليدهم في ضوء العصر، وإلى أدبهم عبر ما بلغته الآداب العالمية، وإلى
مستقبل العرب انطلاقاً من المصلحة القومية. فوجدوا الجمود في الأساليب والموضوعات الأدبية، وفي التقاليد الاجتماعية وعقلية رجال الدين، ووجدوا
ما هو أدهى وهو مصانعة النافذين للاحتلال التركي وتغاضيهم عن الانتداب الأجنبي وصمتهم أمام الغزو الصهيوني واغتصاب أرض فلسطين. وبدت
لهم هذه العيوب خطيرة.
لم يكن نقد المهجريين لأمراض مجتمعهم من موحيات العالم الجديد، ولم يكن العلاج الذي قدموه مصنوعاً من أعشاب غريبة. فهذا أمين الريحاني يحمل
على البكاء في كتابه( أنتم الشعراء)، فيعيب على الشعراء إسرافهم في النحيب، ويصف لهم شعر أبي العلاء المعري علاجـاً. فقد نأى المعرّي بشعره
عن النواح، وتجاوز ألمه الشخصي إلى الألم القومي والانساني، وانتقد ما كان في زمانه من المفاسد والمظالم الاجتماعية والسياسية والدينية. قال
الريحاني:
أريد من شعراء القرن العشرين أن يتمثّلوا في هذا الأيام بشاعر القرن الحادي عشر، شاعرِنا الأكبر المعرّي. (...) وهذا الشاعر الفيلسوف المتألم الذي
عرف الحياة (جاهمة سوداء قبيحة ظالمة...) لا يعبس دائماً ولا يتجهّم. فإنّ له في مزاجه شتى المزايا الطيبة، فيجيد ماجناً، كما يجيد ناقماً أو واصفاً
أو متأملاً مفكراً 32.
وهذا ميخائيل نعيمة يحمل في (غرباله) على الأزياء اللغوية، والبهرجة العروضية، و(الوصف السطحي الذي لا يحرّك فكراً في رأس، ولا يرسم
صورة في مخيّلة، ولا يهيج عاطفة في قلب)33.
والعلل التي نبّه إليها المهجريون كثيرة، وأخطر ما فيها أنها تأصّلت في جسم الأمّة فاعتادت عليها وأصبح العلاج صعباً. وجبران يشبّه هذه العلل
بالسوس الذي يصيب الأسنان فينخرها ويجعل الحلّ في اقتلاعها، والأمة التي تكون أضراسُها معتلّة تكون معدتها ضعيفة، وكم أمة ذهبت شهيدة عسر
الهضم34
ومن العلل التي دعا المهجريون إلى معالجتها سيطرةُ الخرافة على الكثير من أبناء العامة لغياب التفكير العقلاني35، ومنها أيضاً تقاليد الزواج القائمة
على اختيار الأهل لا على رباط الحب36، وقهر الأنثى العاقر37، والتمسك بالألقاب والتباهي بها38. أما أبرز العلل فهي العصبية والتعصّب. وقد
أكثر الريحاني من الإشارات إلى ما جرّته العصبية القبلية على العرب. فهي عنده السبب في خسارتهم سيادتهم على أرضهم وعلى البلاد التي افتتحوها.
وهي عنده سبب تفرّق شمل العرب وفشل كل محاولة للوحدة. يقول الريحاني واصفاً هذه العصبية وداعياً إلى نبذها:
(إن الأديانَ كالقبائل تولّدُ تلك الروحَ المحدودة التي لا ترى، في غير شؤونها وفي غير عاداتها وتقاليدها، في غير دائرتها الضيّقة الصغيرة، ما يستحقّ
غيرَ الازدراء والكره والذمّ والاضطهاد. فلا خيرَ في العصبية، دينية كانت أو دموية ) 39.
أما نعيمة فقد وصف سلوكَ المتعصّب وتفكيرَه وصفاً حياً، واعتبر أن دين المتعصب من فمه لا من قلبه. وإليكم هذا التصوير الحي للمتعصب الذي
يفهم تعصبه حرصاً على الله الذي يتمهّل في الدفاع عن نفسه:
(ومَنْ كان دينُه من فمه دون قلبه كان قيّماً على ربه لا ربُّه قيماً عليه. فكأنه يقول لله: لقد آمنتُ بك يا الله وبعلمك وعدلك وقدرتك. لكنني أعرَف منك
بسياسة عبادك. فسأجعل كلّ الناس يعرفونك مثلما عرفتُك، ويعبدونك مثلما أعبـدك. ومن شذّ منهم قتلتُه، إنْ لم يكنْ بساعدي فببغضي وانتقامي.
ولكنني أعدَل منك. وعدلي في أن أرحم من جاراني في عبادتك، وأقتصّ ممن عاندني وناوأني...40.
وربما كان هذا التعصب من أكثر الموضوعات الاجتماعية التي انصبّ عليها نقد المهجريين. وقد توسعوا في نقده فصوّروا دور رجال الدين في تغذيته
وفي تعميق الهوة بين الطوائف وبين الأديان، وصوّروا رياء المتدينين الذين يتاجرون بالدين، ومادية إيمانهم المبني على مبدأ المقايضة. يقول جبران
في المواكب:
| والدين في الناس حقلٌ ليس يزرعُه
|
غيرُ الألى لهمُ في زرعـه وطَـرُ
|
| مِنْ آملٍ بنعيم الخلـد مبتشــرٍ
|
ومن جَهول يخاف النارَ تستعـر
|
| فالقوم لولا عقاب البعث ما عبدوا
|
ربـاً ولولا الثواب المرتجى كفَروا
|
| كأنما الدينُ ضربٌ من متاجرهم
|
إن واظبوا ربحوا أو أهملوا خسروا41
|
أما في الشأن القومي فقد أثبت هؤلاء الأدباء غيرتهم على وطنهم من خلال الدفاع عن حقوق شعبهم والسعي إلى إنهاضه وحثه على التمسك بشخصيته
ومصالحه. فكان احتلال الأتراك العثمانيين للبلاد العربية، واغتصابهم لواء الاسكندرون، وشنقهم للأحرار في بيروت ودمشق، وحصارهم جبل لبنان
وتجويع أهله، وكذلك الانتداب الفرنسي والانكليزي، والغزو الصهيوني لفلسطين واغتصاب أرضها، من الموضوعات التي اهتم لها أدباء المهجر.
نبّه جبران أبناء شعبه من العرب إلى ما أوقعهم فيه الأتراك الذين استغلوا الدين للسيطرة عليهم، فصوروا لهم الاسلام قومية بينما هو عقيدة. وتوجّه إلى
المؤيدين للاحتلال موّعياً ومنبّهاً من اليد التي هدمت مباني أمجادكم، بل هي الموت الذي يراود وجودكم ؟
أولم تنتهِ المدنية الإسلامية ببدء الفتوحات العثمانية ؟
أولم يتقهقر أمراء العرب بظهور سلاطين المغول ؟42.
وختم مقالته بهذا التحذير:
إن لم يتغلب الاسلام على الدولة العثمانية فسوف تتغلب أمم الافرنج على الإسلام .. إن لم يقمْ فيكم من ينصر الاسلام على عدوّه الداخلي، فلا ينقضي
هذا الجيل إلا والشرق في قبضة ذوي الوجوه البائخة والعيون الزرقاء43.
ونادى جورج عساف العرب من الأرجنتين للنهوض ضد الاحتلال التركي فقد طال بؤسهم من هذا الاحتلال الذي حرمهم كلّ عزّ:
| جفّ المداد فكم أنادي أمة
|
معصوبةَ العينين كالعميان
|
| لولا تخاذلكم لما بتّم بلا
|
عزّ ولا ملك ولا سلطان
|
| فانهار ملكُكم، فلا في جلّقٍ
|
منكم خليفُتكم ولا بغدان44.
|
وهاجم الياس فرحات رجال الدين الذين يثورون إذا ما قصّر أحد في نوافل الدين ويسكتون أمام اغتصاب لواء الاسكندرون وفلسطين:
| لا يفهمون الدين إلا جبّةً
|
وعمامة وتنطعاً وهـراء
|
| أن يخسر الوطنُ اللواءَ وأختَه
|
وسواهما، فالأمر ليس بلاء
|
| أما إذا نقض الوضوء فنكبة
|
تذري الجبال وتغمر الأوداء45.
|
وأثارتهم قضية فلسطين، فبرز لها أمين الريحاني يجول في ولايات أمريكا يلقي المحاضرات ويقيم المناظرات مبيناً حق الفلسطينيين في أرضهم
وبطلان ادعاء اليهود. وقام الشاعر القروي يهيج النفوس ويحمل على بلفور صاحب الوعد المشئوم ويطالبه إن كان يريد الاحسان بأن يُحسن من جيبه
لا من جيب سواه:
| الحق منك ومن وعودك أكبر
|
فاحسب حساب الحق يا متجبر
|
| تعد الوعود وتقتضي إنجازها
|
مهجَ العباد، خسئت يا مستعمر
|
| لو كنتَ من أهل المكارم لم تكن
|
من جيب غيرك محسناً يا بلفر46.
|
وكثرت الكتابات التي تحض العرب على النهوض ونبذ التخاذل والضعف وعلى التسلّح بالقوة لأنها وحدها السبيل إلى حماية الأرض والكرامة الوطنية.
واختصر الريحاني كل ذلك في قصيدته، (أنا الشرق)، التي ألقاها خلال الاحتفال الذي أقامه أدباء مصر لتكريمه، فعبر عن حاجة العرب إلى القوة أكثر
من الفلسفات والعقائد:
أنا الشرق، عندي فلسفات وعندي ديانات فمن يبيعني بها طيارات ؟! 47
الألم الانساني
بعد (المحالفة الثلاثية) (والمكاري والكاهن) و(القوميات) و(الريحانيات) هدأ الريحاني فجاءنا بكتاب (خالد). وبعد (العواصف) و(الأرواح المتمردة) هدأ
جبران وبحث عن الحكمة في قلبه فجاءنا بكتاب (النبي). وبعد (المراحل) و(دروب) و(مذكرات الأرقش) استكمل نعيمة صورة الحكمة فوافانا بها في كتابه (مرداد).
(إن شمس الحكمة لتحتجب غالباً عند هبوب الزوابع والأعاصير. فمن الأنفس المنفردة الهادئة السامية ينبثق نور الحقيقة والحكمة والحب48).
فالغربة التي أحسوها في بلاد هجرتهم تحوّلت مع الزمن إلى غربة شاملة، وحماسةُ الشباب التي رافقت دعوتهم إلى الاصلاح هدأت واكتسبت وقار
الشيوخ. وتراجعت الثورة عندهم كطريق للإصلاح وحلّ محلها الترقي العقلي. ولكن الترقي ليس طريق شعب واحد بل البشر أجمعين. لهذا تحوّل
خطاب أدباء المهجر، وخصوصاً الريحاني ونعيمة وجبران، إلى خطاب إنساني شامل.
سبق هذا التحوّل ورافقه ميلٌ واضح عند هؤلاء إلى العزلة. ولم تكن غايتهم من العزلة الهروب من الناس، بل التأمل. فالانخراط في الواقع يحصرهم
في دائرة واقع واحد، ويحدّ خيالهم فيمنعه من اكتشاف مفاتيح المعاني التي تحملها المعتقدات. وقد فتح لهم اطلاعهم على ثقافات عديدة آفاقاً للنظر لا
تنحصر، وقادهم التأمل إلى الخروج من الدائرة التي رسمتها لهم ولادتهم فتجاوزوا ذواتهم وعقائد أهلهم وحدود وطنهم. مع ذلك لم يشفَ هؤلاء تماماً
من أنفسهم. فحين طلبوا العزلة للتأمل لم يبحثوا عنها في مهجرهم بل آثروا العودة إلى بلادهم والانعزال فيها. فربما بدا لهم أن التأمل الروحي لا يكون
إلا حيث تركوا أرواحهم. وقد وصف هؤلاء عزلتهم في أماكن مختلفة من كتبهم وبيّنوا السبب والغاية. يقول أمين الريحاني في مقالة له بعنوان
(العزلة):
أوقفتُ عملي وخرجت .. لأرى أين أنا من نفسي ومن الله .. تألمت كثيراً لما رأيتُني في الغربة بين شعب لا يعرف معنى السكينة ولا الراحة ولا
الجمال.. فخرجت من بينهم وأنا على اعتقاد أن المرء إذ قرب من العالم الجديد يبعد عن الطبيعة وعن الشعر وعن الجمال الروحي وعن الله .. عدت
إلى مسقط رأسي باحثاً عما أضعته هناك أيام الصبا.. طالباً فيه راحة العقل وراحة النفس وراحة الجسد، بل طالباً فيه شيئاً أشرف من كل ذلك
وأسمى، طالباً فيه الطبيعة 49.
وإذا كان الريحاني ونعيمة قد عادا إلى لبنان، بل عاد كل منهما إلى قريته منعزلاً متأملاً، فإن حلم جبران بالعودة إلى بلدته والعزلة في دير مار
سركيس القائم إلى جوارها، وهو ما ردّده في رسائله، لم يتحقق في حياته. فبقي في نيويورك وحيداً غريباً، وكبرت الوحشة في نفسه فهتف:
(أنا غريب في هذا العالم. وفي الغربة وحشة موجعة تجعلني أفكر أبداً بوطن سحري لا أعرفه وتملأ أحلامي أشباح أرض قصية ما رأتها عيناي50)
ونراه يتلمّس هذا الوطنَ السحري في قصيدته (البلاد المحجوبة)، فإذا هو وطن يشعّ على الأرواح بنوره وتتعشّقه القلوب، ولا وجود له في ناحية من
نواحي الأرض. ولكن هذا الوطن السحري، المحجوب عن البصر والمنكشف لبصيرة المتأمل فيه، لم يكن واحداً عند المهجريين، أو هو واحد ولكن كلاً
منهم أبصر الجانب الذي يبحث عنه. وقد رسم كلّ من جبران والريحاني ونعيمة وطنه المثالي في كتاب، فظهرت ثلاثة كتب ترسم لنا صور ثلاث
جمهوريات فاضلة. وكان الريحاني الأسبق، فرسم جمهوريته في كتاب (خالد)، ثم تبعه جبران في كتاب (النبي)، فنعيمه في كتابه (مرداد). ونلاحظ أن
هذه الكتب الثلاثة كُتبت بالانكليزية لا بالعربية، لأن أصحابها لم يتوجّهوا بها إلى قومهم بل إلى البشر أجمعين51. فقد أثمرت نفوسهم بعد كل هذا
التأمّل وهذا الألم الشخصي والقومي والانساني، ونضجت ثمارها وحان القطاف. وقد عبّر جبران عن هذا الشعور في مقالة له في (البدائع والطرائف)
قال فيها:
نفسي مثقلة بأثمارها فهل من جائع يجني ويأكل ويشبع ؟
أليس بين الناس من صائم رؤوف يفطر على نتاجي ويريحني من أعباء خصبي وغزارتي؟ ..
ألا ليتني كنت شجرة لا تزهر، ولا تثمر، فألم الخصب أمرّ من ألم العقم، وأوجاع ميسور لا يؤخذ منه أشدّ هولاً من قنوط فقير لا يُرزق 52.
هذا الألم الانساني هو ألم المخاض. فعزلة الريحاني ونعيمة في أحضان الطبيعة، وعزلة جبران في محترفه، كانتا فترة الحمْل التي سبقت الولادة. وها
هو الموعد قد اقترب. أما الانسان في هذه الكتب الثلاثة فتلوّن بلون الغذاء الذي نما عليه: وغذاؤه كان من عطاء الأرض التي انطلق منها مؤلفُه، ومن
ثمار الفكر البشري الذي طالعه، ومن عصارة التأمل الذي رافق عزلته.
يضعنا الريحاني في (كتاب خالد) أمام عالمين متميزين، الغرب والشرق، وبالأحرى أميركا والبلاد العربية. والتمايز لا يعني الصدام بل الاحتكاك الذي
يولّد شرارات الفكر. ومن هذه الشرارات تكوَّن النور الذي حمله لهداية أمته 53 الشرق والغرب، الذكر والأنثى لدى الروح (الكونية)... إن الكائن
الأشد تطوراً على نحو رفيع ليس أوروبياً ولا شرقياً، بل بالأحرى من يشارك في الصفات والمزايا الممتازة لكل من العبقري الأوروبي والنبي الآسيوي
54. ويأخذ الكتاب بأسلوب السيرة الغيرية55 ليضع أمامنا شخصية خالد، ويسلّط الضوء على تكوّنها الثقافي والعقلي والروحي، ويعرض لنا أفكارها
من خلال حركتها داخل المجتمعات التي عاشت فيها.
أما كتاب (النبي) فيتجاوز المكان إلى الإنسان. فبطله نبي من الشرق يعيش في الغـرب. والكتاب يبدأ عندما حانت ساعة الرحيل. في هذه الساعة
يتجمع الناس حوله يسألونه وهو يجيب 56. لهذا كان للكتاب هذه الصورة التعليمية. ولا شك أن ما علّمه جبران في (النبي) كان حصاداً من الشرق
ومن الغـرب. ولا أعني بالغرب ما نلمحه من تشابه بسيط في الإخراج بين كتاب (النبي) وكتاب (هكذا تكلم زرادشت) لنيتشه. فقد توجّه نيتشه في
كتابه إلى الجمهور تارة وأصدقائه طوراً وحدّثهم عن الصداقة والموت والجسد والعفة الخ .. ووضع كلامه على لسان حكيم من الشرق واعتبر عمله
بمثابة إنجيل خامس، أي كتاب موحى. ولكن كتابه جاء بعيداً عن روح إنجيل المسيح. أما جبران فبشر بالقيم الإيجابية التي بشر بها المسيح، وشدّد مثله
على المحبة والعطاء والتواضع والترفّع.
ولا يختلف (كتاب مرداد) عن الكتابين السابقين لجهة الملامح الشرقية فيه. فنعيمه يعود زمنياً إلى بداية الخليقة ومكانياً إلى الشرق ليصوغ قصة خيالية
تأخذ من فلك نوح مدخلاً لها. وقد استعار الكثير من حوادث الانجيل وأسلوبه ليضع تعاليمه في إطار مقدسات الشرق الذي تغذى منه. ويتشابه (كتاب
خالد) و(كتاب مرداد) في أنهما كتاب في كتاب، فراوي الكتاب الأول يقدم لنا (مخطوطاً) عثر عليه محفوظاً في المكتبة الخديوية بمصر، وراوي
الكتاب الثاني يقدم لنا (مخطوطاً) كان بانتظاره منذ أجيال. ويتشابهان أيضاً في أن لهما شكل السيرة الغيرية، فكتاب خالد دوّنه صديقه شكيب، وكتاب
مرداد دوّنه تلميذه نروندا. ويتشابهان أخيراً في أن كلاً من خالد ومرداد يعبر، في الحقيقة، عما انتهى إليه تفكير مؤلفه في الانسان والله. من جهة
أخرى، يتشابه (كتاب مرداد) و(النبي) في أسلوبهما التعليمي، فمرداد أيضاً يقف بين رفاقه السبعة يسألونه فيجيب: عن الانسان، والله، والدينونة،
والصلاة، والمال، والإيمان، والزواج، والحرب والسلم، الخ.. أما الروح الطاغية في الكتاب فهي الوحدة الكونية:
(ما أغرب هذه الأنا التي وُلِدت لآدم حالما انفتحت عيناه، والتي راحت ترى ذاتها غير ذات حواء، وغير ذات الله، وغير كل مخلوقات الله! لكنها ما
كانت غير وهْم صوّرتْه العين المنفتحة حديثاً. فلا جوهر فيها ولا حقيقة لها. وهي ما وُلِدت لآدم إلا ليعرف بموتها ذاته الحقّة التي هي ذات الله)57.
وتتميز هذه الكتب الثلاثة بالطابع المثالي الذي يَسِم الكتب الدينية عموماً، وبأن بطلها ينتمي إلى مكان ولا ينتمي إلى أي مكان في وقت واحـد. فهو ابن
الطبيعة والانسان، بل هو شاعر يغني للكون وللإنسان الأعلى (السوبرمان).
والله الذي يتكلّم عنه هؤلاء الثلاثة ليس الله الذي تكلمت عنه الأديان، بل هو المطلق الماورائي الذي يتطلّع إليه البطل ومؤلفُه. إنه المطلق الذي يشعر به
المؤلفُ في داخله، ويحاول بلوغَه بالرغم مما يتطلّب ذلك من الجهد. وهو يشعر أنه مشدود إليه، منجذب نحوه بقوة لا تقاوَم. ويذكّرنا هذا الانجذاب
بالمغامرين الذين يندفعون إلى تسلق القمم العالية، كقمة إيفرست، رغم ما في ذلك من العذاب والخطر. وكثيراً ما نتساءل متعجبين: ماذا يجذب هؤلاء
في القمم الشاهقة، ما الأصوات التي تناديهم وتملأ نفوسهم حماسة، ما مصدرها ؟ ما هذا الشعور الذي يحسّه الواقف في القمة وهو يغرز علمه في
الأرض؟ إن هذا لا يمكن من دون دافع داخلي أشد قوة من الحرمان والعذاب والخطر والوحدة التي يعيش فيها المتسلّق المغامر.
يمكن القول إذن إنّ الإلهي في كتابات المهجريين الثلاثة نابع من الانسان، من إحساسٍ لديه بأنه يحمل في داخله حقيقة لا يمكنه سترها، أو رسالةً ينبغي
عليه نشرها. إنه شعور المرسَل، أو على الأقل الملهَم. وقد أوضح الريحاني هذا الاحساس حين اعتبر أن الإلهام لا يقتصر على الأنبياء، وأن العباقرة
الذين حقّقوا للبشر التقدّم هم أيضاً من الملهمين.
وفي هذه المرحلة الأخيرة، مرحلة المرسَلين، يبلغ الانشطار مداه، ويتحوّل الألم إلى ألم روحي محضّ، لأن الوطن المتروك ليس من هذا العالم. فإذا
كان الجسد يعتاد الغربة، والفكر يعتاد السفر بين المناهل الكثيرة بحيث يصير ابن الأرض بكاملها، فإن الروح تبقى مشدودة إلى أصلها.لم تعد الهجرة
عند المهجريين الثلاثة تعني الانتقال الجسدي. صارت الروح هي التي تسافر، وفي سفرها انسلاخ عن عالمها المألوف وألم. ولكن الروح عندهم تعود،
وفي كل عودة تتقمّص جسداً جديداً. ولكنها تتعرّض عند كل عودة لانشطار جديد، مما يجعل ألمها ألماً دائماً.
د. لطيف زيتوني
الجامعة اللبنانية الأميركية - بيروت
العنوان:
- الجامعة اللبنانية الأميركية
- ص ب 5053 - 13 شوران، بيروت 2801 1102 لبنان
- بريد ألكتروني lzeituni@lau.edu.lb
- فاكس: 9611867098 - 9611603703
- هاتف محمول: 961-3-881005
1. انظر ميخائيل نعيمة : البيادر، المجموعة الكاملة، دار العلم للملايين، المجلد الرابع، ص 502
2. جورج صيدح: أدبنا وأدباؤنا في المهاجر الأميركية، دار العلم للملايين، بيروت، ط3، 1964، ص 18
3. إيليل أبو ماضي: ديوان إيليا أبو ماضي، دار العودة، بيروت، لا ت.، ص 726
4. تجد وصفاً لطريقة سفر المهاجر وسوءالمعاملة التي كان يلقاها على متن الباخرة وفي البلد الذي يصل إليه في (كتاب خالد) لأمين
الريحاني، الفصل الثالث والرابع.
5. علي بن الجهم : ديوان علي بن الجهم، تحقيق خليل مردم بك، مطبوعات المجمع العلمي العربي بدمشق، 1949، ص 154
وانظر كتاب أدب الغرباء لأبي الفرج الأصبهاني، دار الكتاب الجديد، بيروت 1972، ص 60
6. جورج صيدح: أدبنا وأدباؤنا في المهاجر الأميركية، مرجع سابق، ص 39
7. جورج صيدح ، أدبنا وأدباؤنا في المهاجر الأميركية، مرجع سابق، ص 37
8. الشاعر القروي : الأعمال الكاملة، الشعر، جروس برس، طرابلس لبنان، لا ت. ص 234
9. عيسى الناعوري: أدب المهجر، دار المعارف بمصر، 1959، ص 75- 76 .
10. جورج صيدح: أدبنا وأدباؤنا في المهاجر الأميركية، مرجع سابق، ص 37
11. المرجع نفسه، ص 35
12. جميل جبر: مي وجبران، دار بيروت للطباعة والنشر، بيروت، 1950 ، ص 46 . وشبيه بهذا المعنى ما عبر عنه قيصر سليم الخوري الملقب بالشاعر المدني وكان مهاجراً في البرازيل:
| يا برازيل لو دعتني بلادي
|
يوم لا عذر لي سوى أن أسافر
|
| لست أدري وقد بذرت شبابي
|
فيك هل عائد أنا أم مهاجر
|
انظر جورج صيدح: أدبنا وأدباؤنا في المهاجر الأميركية، مرجع سابق، ص 23
13. إيليا أبو ماضي: ديوان إيليا أبو ماضي، مرجع سابق، ص 155
14. جورج صيدح: أدبنا وأدباؤنا في المهاجر الأميركية، مرجع سابق، ص 79
15. يعبر الحنين عموماً عن حالتين نفسيتين مختلفتين ومتقاطعتين أحياناً. الأولى هي حالة اكتئاب تمثل فيها العودة إلى الوضع السابق أولوية قصوى، سواء تعلق هذا الوضع ببلد أوبجماعة بشرية، وتتخذ هذه الحالة صورة مأتم غير مكتمل لأنه يستحيل التخلي عن الفقيد والقبول بأي بديل. الثانية، الأكثر شيوعاً، هي وسيلة للمحافظة على علاقتنا بالأشياء من أجل ضمان استمرار الذات وحمايتها من التفكك والضياع.
16. الشاعر القروي: الأعمال الكاملة، الشعر، مرجع سابق، ص 234
17. نعمة قازان: معلقة الأرز، أنظر: عيسى الناعوري: أدب المهجر، دار المعارف بمصر، 1959، ص 74
18. يرى كانط أن الوطن الذي يتجه إليه الحنين ليس سوى رمز مكاني للطفولة، لِما كان ولم يعد كائناً. فما نحنّ إليه ليس الغائب الذي يقابل الموجود، بل الماضي الذي يقابل الحاضر. فالحنين، في الأساس، حالة تكون فيها ذاتنا الماضية نائمة فتستيقظ وتتحرك وتنادي. (أنظر كتابه: (l' Anthropologie du point de vue pragmatique, Paris, 1964, p740)
19. يرافق الحنين دائماً عملية تجميل تمنح الغائب صفات مثالية مما يزيد الرغبة باسترجاعه ولو في الخيال. وترافقه أيضاً عملية انتقاء تحذف من الغائب كل وجه سلبي وتحفظ الإيجابي وحده، وعملية تحويل تبدّل دلالة الحدث المستعاد، وعملية خلق أحياناً تؤدي إلى إبداع أحداث وجود لها.
20. عيسى الناعوري، أدب المهجر، ص 77 ، (البيت للياس فرحات)
21. المرجع السابق، ص 78- 79 ، (البيت لنسيب عريضة).
22. رشيد أيوب: أغاني الدرويش، دار صادر ودار بيروت، 1959، ص 128
23. يقول الياس طعمة مناجياً الوطن مناجاة اليائس من العودة إليه:
| قد ذاب يا لبنان قلبي في النوى
|
فمتى بعَود تسمح الأيام
|
انظر عيسى الناعوري، أدب المهجر، ص81
24. عقل الجر : ديوان عقل الجر، دار الثقافة، بيروت، لا ت. ص53
25. الشاعر القروي: الأعمال الكاملة، الشعر، مرجع سابق، ص 381
26. الشاعر القروي: الأعاصير، دار الآداب، بيروت، 1962، ص 33
27. انظر المجموعة الكاملة، ص51، وص 142
28. انظر مواضع كثيرة من كتابيه : الريحانيات، وكتاب خالد
29. إيليا أبو ماضي: ديوان إيليا أبو ماضي، مرجع سابق، 68
30. المرجع نفسه والصفحة نفسها.
31. سهيل بشروئي: جبران خليل جبران، مختارات ودراسات، دار المشرق، بيروت، 197.، ص 1.5
32. الريحاني : أنتم الشعراء، مكتبة الكشاف بيروت لا تاريخ ص 46
33. نعيمة: الغربال، دار صادر ودار بيروت، بيروت 196.، ص 149
34. جبران: العواصف، المجموعة الكاملة، دار صادر ودار بيروت، 1964، ص 420
35. انظر نعيمة: كان ما كان، أقصوصة الذخيرة
36. جبران في عرائس المروج، والارواح المتمردة و الأجنحة المتكسرة.
37. انظر نعيمة في أقصوصة العاقر في مجموعته كان ما كان.
38. انظر نعيمة في كان ما كان، وفي دروب.
39. الريحاني: الريحانيات، دار ريحاني، بيروت، طبعة ثالثة 1956، ص 237
40. ميخائيل نعيمة: البيادر، المجموعة الكاملة، دار العلم للملايين، بيروت 1971، ص 558
41. جبران: المواكب، المجموعة الكاملة، دار صادر ودار بيروت، 1964، ص 355
42. الفنون 1913، العدد 8 ص 37 ، أنظر النص في كتاب نبيل كرامة : جبران والقومية العربية، ص 31-33
43. المرجع نفسه، ص 33
44. جورج صيدح: أدبنا وأدباؤنا في المهاجر الأميركية، مرجع سابق، ص 139
45. المرجع نفسه، ص 80
46. الشاعر القروي : الأعاصير، مرجع سابق، ص 68
47. الريحاني : هتاف الأودية، دار ريحاني، بيروت، 1955، ص 84
48. الريحاني: الريحانيات، مرجع سابق، الجزء الأول ، ص 127-128
49. المرجع السابق، ص 117- 119
50 جبران : العواصف، المجموعة الكاملة، مرجع سابق، ص 487
51. يسمي الريحاني جمهوريته (مملكة الروح) ويطلق عل كتابه اسم (المدخل) إنه حقاً مدخل. والدعوة موجّهة إلى شعب معين وإلى كافة الشعوب لكي يعبر الجميع هذا المدخل صاعدين نحو ذلك الهيكل الأسمى، هيكل العقل والروح الريحاني: كتاب خالد، ترجمة أسعد رزوق، المؤسسة العربية للطباعة والنشر، بيروت، ص 14 و15 ).
52. جبران: البدائع والطرائف، المجموعة الكاملة، ص 499-500
53. يتوقف خالد طويلاً عن جملة كتبها محرّر صحفي دمشقي يصفه فيها (الرجل المرتقب أو المنتظر - والقائد الحقيقي والمحرّر الفعلي- الذي يجمع في شخصه روح الشرق وعقل الغرب، والباني لإمبراطورية آسيوية عظمى) ويقول إنه كشف أعمق أهدافه وغاياته (كتاب خالد، مرجع سابق، ص 305).
54. أمين الريحاني: كتاب خالد، مرجع سابق، ص 305 .
55. يشير الريحاني إلى فائدة هذا الأسلوب في مفتتح أحد فصول كتابه فيقول: لو ان خالداً في اعتزاله لم يمزج نشواته وشطحاته الفلسفية بشيء من اللون المحلّي، ولو انه لم يروِ قصة جولته التسكعية (سيراً على القدمين) في جبال لبنان، لما أمكن سدّ الثغرة في كتاب (التاريخ الحميم) لمؤلفه شكيب. ولكان من شأن الكتاب، وهذا ما يغيظنا ويحزننا فعلاً، أن يبقى مثل ذلك الوادي شديد الانحدار حيث كاد خالد أن يفقد حياته (كتاب خالد، مرجع سابق،
ص 281)
56. وحيته المرأة بشغف وقالت: يا نبيّ الله، يا مَن سعى وراء أسمى الغايات. يا مَن ظلّ يتطلع إلى الآفاق بحثاً عن سفينته. ها هي ذي قد آبت، وأصبح رحيلك أمراً محتوماً .. غير أنّا سائلوك قبل أن ترحل عنا أن تتحدّث إلينا، فتزوّدنا مما عندك من الحق. وسنزوّده أبناءنا من بعدنا، وسيزوّدونه هم أبناءهم من بعدهم، فلن يبيد. (جبران: النبي، ترجمة ثروت عكاشة، دار المعارف بمصر، ط2، 1966، ص 66).
57. ميخائيل نعيمة: كتاب مرداد، منارة وميناء، دار صادر ودار بيروت، بيروت، 1966، ص 272
الصفحة الرئيسية للجلسة