أبحاث الفترة الصباحية الثانية ليوم الأحد
رئيس الجلسة : أ.د. علي الطراح عميد كلية العلوم الاجتماعية
رحلات مجلة العربي إلى الغرب الأوربي
وأثرها في الحياة الاجتماعية العربية
بقلم: د.محمد رجب النجار
أستاذ علم الفولكلور - جامعة الكويت
بحث مقدم إلى ندوة مجلة العربي (الغرب بعيون عربية)
الكويت من 27 - 29 من ديسمبر 2003
أولاً: مجلة العربي... ديوان الرحلة المعاصر
من المسلّم به أن مجلة العربي أهم مطبوعة عربية دورية معنية بأدب الرحلات - كما وكيفا -فيما تسميه باستطلاعات العربي، المحلية والعربية
والإسلامية والعالمية. وذلك على امتداد قرابة خمسين عاماً، محقّقة منذ صدورها في يناير 1958، سبقاً استطلاعياً، حيث كانت أول مجلة عربية
ترتحل إلى الجزائر لتجري أول استطلاع لها - عام 1957 - من داخل الجزائر في ذروة حرب التحرير مع الاستعمار الفرنسي، وغني عن البيان
مغزى قيام مجلة العربي بمثل هذا الاستطلاع في مثل هذه الظروف العصيبة، لكنه كان في نهايته جزءاً من فلسفة أكبر لأدب الرحلة في مجلة العربي
يومئذ - ومازالت - كما يجسدها اللوجو أو الشعار الذي تصدر استطلاعات العربي وهو اعرف وطنك أيها العربي، وكم كُنّا يومئذ - على عهد رئاسة
تحرير الدكتور أحمد زكي (1958 - 1975) - ومازلنا - بحاجة إلى مثل هذه الفلسفة أو الرؤية القومية حتى تتعرف الأنا العربية على الأنا العربية،
في إطارها الوطني والقومي - أو الـ نحن العربية على ذاتها قبل أن تتعرف على غيرها.(1)
في ضوء هذه الفلسفة أو الرؤية، وتطويراً لها، ظهرت رؤية موازية أخرى على عهد أحمد بهاء الدين (1975 - 1982) اتسعت معها آفاق الرحلة،
فامتدت إلى فضاءات الآخر الأجنبي، حين اسْتَنَّتْ - العربي - نمطاً جديداً من رحلاتها تحت شعار العربي عيونك على العالم كجزء من رسالتها
الثقافية، أو مشروعها الحضاري الطموح، وغايتها - الرحلة - يومئذ التعرف على الآخر الأجنبي والتواصل معه. وهو تطور منطقي في فلسفة الرحلة
في مجلة العربي، وبه تتكامل أبعاد الرؤية، فالتعرف على الأنا القومية سابق على التعرف على الآخر العالمي، خصوصاً في عصور الانكسار
الحضاري، السياسي والعلمي والاقتصادي، ذلك أن الوعي بالهوية يتحقق ويتأكد من خلال الوعي بالغيرية، وأن حضور الآخر المتقدم هو بعض
مكونات وعي الأنا إذا شاءت أن تتجاوز انكسارها وتخلفها، وأن مجاوزة التخلّف لن تتحقق بالعزلة، والانكفاء على الذات، أو الانغلاق والجمود، وإنما
بالانفتاح على الغير والحوار مع الآخر، والتفاعل مع كل ما يثري الذات.
هذه الرؤية الثنائية والمتكاملة والمتزامنة (اكتشاف الأنا الاقليمية للأنا القومية، واكتشاف الأنا القومية للآخر الأجنبي) تأتي بمثابة وجهي العملة في فلسفة
الرحلة لمجلة العربي، وقد ظلت مستمرة وإن اتسعت آفاقها وغاياتها على عهد رئاسة تحرير الدكتور محمد الرميحي (1982 - 1999) والدكتور
سليمان العسكري (1999 ) لمجلة العربي، ويحسب لرحلاتها - في هذا السياق - انفتاحها على فضاءات الآخر العالمي، فلم تقف عند الآخر الغربي
وحده، كما هو سائد في الثقافة العربية المهيمنة (الرسمية) باعتباره محور المركزية الغربية (الأوربية الأمريكية) التي تعودنا أن نرى أنفسنا من خلالها،
وهي المركزية التي ما زالت النخبة الثقافية العربية - في معظمها - تدور في فلكها، وتنهل من معينها، وإنما انطلقت منفتحة على فضاءات العالم كله
في قاراته الخمس أو الست، تجوب وتستكشف وتقارن بين عوالم الآخرين وعوالم الأنا القومية، من خلال علاقات الحضور والغياب التي لا يخلو منها
فعل الرحلة الذي هو بدوره فعل اتصال وتواصل سبيله الحوار مع ثقافة المكان المفارق، حيث تتصدر الأنا هذا الحوار الذي من شأنه - والحالة هذه -
أن يكشف عن المغايرة التي يكتمل بها وعي الهوية، وما يفضي إليه ذلك من فعل الاستكشاف والتعرف المجدَّد للأنا التي تجتلي وجودها عندئذ في
مرايا الآخر، عبر حركة الوعي الذي لا يكف عن المساءلة والمقارنة والعين التي لا تكف عن التحديق، والأذن التي تلتقط كل نأمة في أسباب التقدم،
عبر عمليات الاستدعاء والاسترجاع التي تفضي بدورها إلى قياس النظير على النظير النقيض، وذلك في سياق الفعل الحواري المتوتر من معرفته
بالآخر التي تغدو معرفةً بالأنا، ومكاشفة نقدية واعية للذات، من غير تجميل إعلامي زائف أو تبخيس للذات، بحثاً عن أسباب التخلّف والهوان والعجز
التي تعاني منه الأنا، (مثلما كان يفعل التنويريون الأوائل إبان عصر النهضة العربية) وهذا هو مغزى كاف الخطاب (عيونك على العالم) المقترن
بلوجو الرحلة الخارجية الذي التزمت بها مجلة العربي، مجلة المليون قارئ، وتنشره على نحو دوري كل شهر، عبر مئات الأعداد = (مئات الرحلات)
على نحو يجعل من مجلة العربي ديوان الرحلة المعاصر بغير منافس، خصوصاً أن هذه الاستطلاعات احتفت احتفاء ملحوظاً بالمعلومة والصورة -
قوام الرحلة المتكاملة - على نحو أدبي وجمالي قلّ نظيره، حيث الصور الحيّة للرحلة جزء لا يتجزأ من نص الرحلة، وعنصر تكويني أساسي في بنية
أدب الرحلة في مجلة العربي، فأصبحت (ثقافة الصورة) لأول مرة جزءاً لا يتجزأ من ثقافة الرحلة.
وغني عن البيان أن هذا الديوان (ديوان الرحلة في مجلة العربي) بما هو الأضخم كمّا والأطول حجما، والأفضل نوعاً، والأرخص ثمناً، والأجود
طباعة، والأكثر توزيعاً وانتشاراً في أرجاء الوطن العربي كافة، كان أعمق أثراً وأبعد تأثيراً في ملايين القراء العرب، بما تبثه فيهم من وعي معرفي
وثقافي واجتماعي، من كل ما كتبه معظم مفكري التنوير العرب من عصر رفاعة الطهطهاوي حتى اليوم... ذلك أنه إبداع لا يعدو - في انتشاره
وتأثيره - أروقة النخب المتخصصة، حيث تظل أصواتهم محبوسة داخل قاعات الحوار، ولا تكاد تصل إلى القارئ العادي، غير المتخصص، الذي لا
يملك ثمن تذكرة الرحلة أو الإقامة في فضاءات الآخر، على النقيض من كتابات الرحلة في مجلة العربي التي تخاطب القاعدة العريضة من القراء
العاديين على امتداد الفضاء العربي كله، بما في ذلك القرى والنجوع، وهذا هو الحوار التنموي الذي لعبته مجلة العربي في واقعنا الاجتماعي المعاصر،
على حين لم يتمكن مفكرو الصفوة من تحقيقه، أو إحداث التأثير المطلوب في معظم الأحوال، وربما لأن الأنظمة العربية نفسها ليست على استعداد
للاستماع إلى أفكار الإصلاح، واتخاذ الخطوات اللازمة لتنفيذه.
ثانياً: العربي عيونك على العالم.. وآفاق الرؤية
على الرغم من تعدد المحررين الرحالة في مجلة العربي، فقد تماثلت لديهم آفاق الرؤية على نحو خلاق - بسبب انضباط زاوية أو بوصلة الرؤية -
فكيف كانت (عيونهم) على العالم؟ وبم تتسم أو تتميّز آفاق الرؤية أو فلسفة الرحلة عندهم عن غيرهم من الرحالة العرب، التنويريين والمفكرين ومثقفي
النخبة أو الصفوة من العرب على امتداد القرنين الأخيرين؟ وكيف سعوا إلى استكشاف عوالم الآخر والتعرف عليه، في غير ما قهر أو انبهار يغشي
العيون، على نحو ما حدث مع معظم كتابات الرحلة إبان عصر النهضة، والوقوف على حقيقته أو إعادة استكشافه بعيداً عن الأهواء والصراعات.. في
عصر أو مرحلة سمتها العالمية - فكرياً وثقافياً - جدليةٌ قوامها الصراع أو الحوار بين الحضارات والثقافات، وقد آثر أدب الرحلة في مجلة العربي
جانب الحوار بين الثقافات، باعتبارها مجلة ثقافية (صاحبة مشروع ثقافي، الرحلة من روافده) فكان إيثار الحوار أول درس تعليمي في مشروعها،
حيث مهارة الحوار مع الآخر، في غير المستوى اللائق بها في الثقافة العربية السائدة، علي حين أن مثل هذه المهارة غدت في عالم اليوم سلاحاً ماضياً
من أسلحة التقدم.
كما تتسع آفاق الرؤية للآخر، فهو لم يعد - في نظر رحّالة العربي - الآخر الغربي فقط عند رحّالة مجلة العربي، وإنما الآخر العالمي على امتداد
قارات العالم وثقافاته المتنوعة والمتباينة، بدءاً من الثقافات الأفريقية، مروراً بالثقافات الآسيوية، وانتهاء بثقافات أمريكا اللاتينية. وهي ثقافات لا
نعرف عنها شيئاً - إلا قليلاً - على حين أن العالم المتقدم لم يتوقف عن الاهتمام بها، والتعرف عليها، ودراستها.
حتى رؤية الآخر الأوربي اتسعت آفاقه عند رحّالة مجلة العربي، فلم يعد الغرب نفسه يعني فرنسا وإنجلترا فقط (ومن ثم ليس لنا خيار إلا بين
ثقافتيهما: الثقافة الفرانكوفونية - والثقافة الأنجلوفونية) كما كان الشأن في معظم كتابات الرحّالة والمفكرين العرب الأوائل، وإنما امتد أفق الرحلة في
مجلة العربي ليشمل دول الغرب الأوربي عامة (بثقافاته المتنوعة، الألمانية والإسبانية والبرتغالية والهولندية.. إلخ.) بل لم تعد المركزية الأوربية وقفاً
على الحضارة الأوربية تحديداً بالمعنى الجغرافي، وإنما امتدت لتشمل اليوم أيضاً الولايات المتحدة وكندا.. بالمعنى الثقافي والحضاري.
وكان من جراء انفتاح مجلة العربي - عبر رحلاتها الممتدة على قارات العالم - على الآخر العالمي، أن جعلها بمنأى عن وهم المركزية الأوربية
الأمريكية(2)، ودفع رحّالتها / محرريها إلى كسر طرق المرجعية الغربية، إذْ لم يعد الغرب هو الإطار المرجعي الوحيد للذات العربية، وأن ثمة
مرجعيات حضارية وثقافية أخرى في العالم يجب الالتفات إليها واستكشافها والتعرف عليها والحوار معها، خصوصاً الحضارات الشرقية الصاعدة بل
ربما كانت أقرب - بروحها الشرقية - إلى ثقافتنا وحضارتنا. وبذلك تكون مجلة العربي - في إطار هذا السياق - من أوائل الذين دعوا إلى الحوار
مع دول الشرق، ذات الثقافات والحضارات الشرقية العريقة، حتى يتسنى لنا كسر الهيمنة الغربية أو الخروج من سجن المركزية الأوربية والفكاك من
تبعيتها والانفتاح على آفاق إنسانية أرحب، خصوصاً في عصر الانفجار المعرفي وثورة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، وهو ما يفسر لنا كثرة
رحلات العربي إلى دول الآخر الشرقي على كثرتها وتنوعها، وكان أن تنوعت واتسعت رؤية العالم وتعددت مرايا الآخر أمامه الأنا وإحالاتها
المرجعية الجديدة، بعد أن ظل عقلُنا وإطارنا الفكري والاجتماعي قائماً على أساس من هذه المركزية لأكثر من قرنين من الزمان ؛ فالمعقول والعقلانية
والعقلاني هو كل ما يتسق مع المركزية الأوربية الأمريكية، وأصبح الرجل الأبيض هو الرجل المتميّز عقلاً وعرقاً وقدرةً على الابتكار الثقافي، كما
أصبح نمطه حياته الاجتماعية هو المثل الأعلى المنشود... أما الشرق فهو أسير التخلّف والاستبداد أبداً. ولكن مجلة العربي - عبر رحلاتها العالمية -
استطاعت أن تنزع قناع الزيف، فليست أوربا ولكن العالم كله شرقاً وغرباً وحدة واحدة دينامية متبادلة التأثير والتأثر، وأن الشعوب جميعها تلاقحت
ثقافياً واجتماعياً وحضارياً على مدى التاريخ، وأن القانون الأساسي للثقافة الإنسانية هو روح المعايشة الاجتماعية وتبادل التأثير على الصعيدين المحلي
والعالمي، كما يقول علماء الثقافة.
وكان من جراء ذلك أيضاً أن تحررت مجلة العربي - عبر رحلاتها - من عقدة الصورة النمطية الموروثة للآخر الغربي الشائعة بين جيل التنويريين
خاصة (وهي صورة مزدوجة كوجهي العملة، قوامها: الغرب المتفوق على طول الخط، والعالم العربي المتخلف على طول الخط). كما تحرر - من
ثمة- أدبُ الرحلات في مجلة العربي من الشعور بمركبات النقص واغتراب الذات وعقد الدونية التي كانت تحكم معظم كتابات الرحّالة السابقين، وتُحدد
زوايا الرؤية (الضيقة) لديهم. وأصبح أفق الرؤية في رحلات العربي - خصوصاً للغرب - أكثر رحابة، وأمعن واقعية وموضوعية، فمثلما يمتلك
الآخر من عوامل القوة والتقدم، فإنه يمتلك أيضاً عناصر الضعف والهدم، فلا آخر كاملاً على طول الخط (وإن اختلفت الاستجابة بين الآخر والأنا في
مواجهة هذه العناصر).
وهذه الرؤية الواقعية للآخر دفعت رحّالة العربي أو محرريها، إلى وصف الآخر الحضاري ضمن سياقه التاريخي، بعيداً عن المطلق الناجم عن
الانبهارية، وهو ما جعل هذا الوصف يقترن برؤية موضوعية إلى حد كبير لهذا الآخر، ويقصد بالنظرة الموضوعية النظرة الخالية من كل تعصب
مقيت أو هوى زائف، والبعيدة عن الانحياز، اللهم إلا الانحياز إلى الأنا القومية، وهذا حق، فهو الانحياز الذي يحدد رؤية الأنا للآخر ؛ فنحن لا نرى
الآخر إلا عبر ذواتنا، وذواتنا ليست مجردة، بل هي مشبعة بثقافتها أساساً، وبما تحمله هذه الثقافة من قيم وميول واتجاهات، وهو ما ينعكس على
رؤيتنا للآخرين. وهو أمر مهم خاصة بالنسبة لأدب الرحلة في مجلة العربي، فرحلة العربي ليست رصداً تسجيلياً أو وصفاً خارجياً للآخر، بل هي
رؤية للآخر، تنقلها عيون العربي لقارئها، ولكنها رؤية للأنا الحالمة بتجاوز التخلف وبناء التقدم، - حين تتُعرض الذات في مرآة الآخر -، وهذا هو
مغزى شعار الرحلة (اللوجو): العربي عيونك على العالم.
ولهذا لا غرو أن يكون اكتشافُ الآخر هو الوجهَ الآخر (للعملة) لاكتشاف عوالم الأنا الذاتية ونقدها، يدفعها إلى ذلك الإحساس بعمق المأساة، مأساة
النهضة العربية - من ناحية - والإحساس بضعف الاستجابة من ناحية أخرى. وبمناسبة اكتشاف عوالم الأنا الذاتية ونقدها، فإن محرري الرحلة في
مجلة العربي يتسمون جميعاً بالأمانة والصدق، وبالجرأة والشجاعة في مواجهة الذات ونقدها وفي استنطاق المسكوت عنه في الثقافة العربية المهيمنة،
وفي المجتمعات العربية التقليدية، كما تبدو جليةً في مرايا الآخر واستدعاءات الحاضر والمستقبل... وقد ساعدهم في ذلك أن مجلة العربي جهاز ثقافي
عربيّ مستقل، لا سلطة سياسيةً أو ثقافيةً عليه.
ومن اللافت للنظر، ضمن آفاق الرؤية للآخر في رحلات العربي، أن كل رحلة خارجية - بغير استثناء - تتوقف عند علاقتين فترصدهما عين
المحرر: إحداهما تتحدث - في زهو وكبرياء - عن الأنا العربية العظيمة المنتشرة في جميع متاحف العالم وفي ميادين العواصم العالمية الكبرى، أي
في قلب المشهد الحديث (بما هي نوع من اعتراف الآخر بإنجازات الحضارة العربية العريقة، أو بما هي نوع من استدعاء الماضي الثقافي)، حتى لا
نتناسى دور العرب في الحضارة العالمية، ويحق لنا عندئذ الحديث عن أصالة الذات القومية وتأكيد الهوية في ميراث الأنا، في فعل تعويضي لآلية أو
اٌوالية دفاعية لا يخطئها البصر ولا تنكرها البصيرة. والأخرى تتحدث عن دور العلماء العرب المعاصرين في صناعة الحضارة العالمية وتكنولوجيا
العصر والفضاء الخارجي، مع التباهي بإنجازاتهم العلمية الكبرى على كل المستويات، في فعل تحريضي لا تعويضي، لا تخفي دلالته، وهو أن الإنسان
العربي جدير بالنهوض، قادر على التقدم متى تحققت له الشروط الموضوعية والمناخات الحضارية والعلمية المواتية.
ومما تمتاز به آفاق الرؤية في مجلة العربيّ وتتمايز في أدب الرحلة، ليس انفتاحها على العالم أو امتدادها الجغرافي في فضاءات الآخر فحسب، بل في
الحرص على زيادة الانفتاح الثقافي والاجتماعي بالمعنى الواسع للانفتاح الذي يشمل السياسة والاقتصاد وأساليب الفكر وأنماط السلوك وتقدم العلوم
والثقافة، وطرائق هذه الشعوب في مواجهة مشكلات التخلّف وقضايا التقدم، بهدف اكتشاف الثقافة السائدة فيها، وبغير تجاهل للثقافات الفرعية وثقافة
الأقليات، مع التركيز على رصد تجليات الثقافية الشعبية (جوهر الثقافة المجتمعية) والفولكلور (الوجدان الجمعي للذاكرة الثقافية) في الفنون والآداب،
والعادات والتقاليد، الأزياء والأطعمة الشعبية، الموسيقى والغناء والحرف والصناعات الشعبية وضروب الثقافة المادية... إلخ. بهدف استكشاف أو
استشفاف روح هذه الشعوب الحية، وإدراك كنهها وأسبب تقدمها. ومن ثم لم يتوقف رحّالة العربي في جميع رحلاتهم - بغير استثناء - عند المحطات
السياسية أو الاقتصادية أو العلمية وحدها عند هذا الآخر، وإنما وجّهوا جُل عنايتهم أيضاً للغوص في واقع الحياة اليومية، كما تتجلّى في فولكلور
الشعوب، ليس باعتباره عنواناً من عنوانات الخصوصية الثقافية أو الأكثر تأثيراً في تشكيل الوعي الاجتماعي والانتماء الوطني وتأكيد الهُوية فحسب،
بل للتدليل أيضاً على أن الشعوب الحيّة وحدها هي التي تجمع بين أقصى درجات الحداثة والحفاظ على أصالتها في آن، بغير عقد أو مركبات النقص
التي تعاني منها الشعوب المتخلفة، ولا ترى فيه إلا رمزاً لتخلّفها، وليس لأصالتها، ذلك أن رعاية التراث الشعبي والحفاظ عليه، وتطويره وممارسته لا
يمنع المجتمع الناهض من إنتاج آخر تكنولوجيا العصر، بل هو - التراث - قرين التقدم التقني في المجتمعات المنتجة (على نحو إبداعي لا استهلاكي،
اليابان نموذجاً).
وأياً كان الأمر كان عناية رحّالة العربي بفولكلور الشعوب - بعفويته وتلقائيّته - هو البوابة الأولى للعبور إلى وجدان الآخر، والتعرف عليه إنسانياً
واجتماعياً وثقافياً في المقام الأول، حتى لا يبقى جو حضاري في العالم غريباً كل الغربة عن القارئ العربي، مما يفتح الباب واسعاً إلى التعددية
الثقافية وقبول الآخر، والاعتراف به، والتواصل معه، واحترامه واحترام ثقافته، ونشر التسامح بين الثقافات. ذلك أن مقاربة رحّالة العربي إلى فولكلور
الشعوب على هذا النحو الإيجابي - مهما تفاوتت اللغات وتباينت الأعراق من شأنها أن تفصح عن الجوهر الإنساني المتحد الذي يصل بين الأنا
والآخر. ويحقق الحوار الثقافي المرغوب بين الحضارات ويحقق التلاحم الخلاق بين أبناء الجنس البشري.
في الوقت نفسه، فإنه ممّا يحسب لأدب الرحلة في مجلة العربي أيضاً انحيازها المطلق لكل ما يؤسس لأفكار التقدم، ويسهم في إشاعة العقلانية،
ويشجع على التجريب ويؤسس لحضور العلم والتكنولوجيا والمنهج العلمي في حياتنا، ويفتح أفق التجاوب الإنساني الخلاق في كل المجالات، وعلى كل
المستويات، خصوصاً من منظور التنوع البشري الخلاق.
لكن محرري الرحلة في مجلة العربي عرفوا أيضاً كيف ينقذون القارئ ويحمونه من سلبيات التغريب، وكيف يحمي تراثه الحيّ ويحافظ على أصالته
ويحترم قيمه الروحية... إنها حداثة بغير تغريب أو استلاب للذات، باعتبارها - مجلة العربي - تتبنّى ثقافة التغيير، وليس تغيير الثقافة.
ثالثاً: زاوية الرؤية أو فلسفة الرحلة في مجلة العربي:
لما كان موضوع ندوة مجلة العربي يتمحور حول ( الغرب بعيون عربية) فقد التزمت هذه الورقة البحثية بهذا المحور، وشرعت في قراءتها لأدب
الرحلة في مجلة العربي ضمن فضاء الآخر الغربي ومداراته الجغرافية والثقافية والاجتماعية، وليس الآخر العالمي الممتد في فضاءات القارات
الأخرى. وهو - الآخر الغربي - على كال حال أكبر الفضاءات ثراء في معطياته وتجلياته وأبعدها تأثيراً في الأنا العربية أو الذات القومية، وأكثرها
تنوعاً وأشدها تعقيداً في الرؤى التاريخية والحضارية منذ شرع العرب في الرحلة إلى الآخر الغربي، حيث تراوحت هذه الرؤى بين المدّ والجذر، قديماً
وحديثاً، قديماً حين كانت الذات العربية - إبان عصور العافية السياسية والمدّ الحضاري العربي الإسلامي - هي النموذج والمثال والقدوة أمام أوربا
التي كانت تعيش عندئذ عصور الظلام حضارياً وثقافياً ومعرفياً وعلمياً، وتنشد مثالها أو مشروعها القومي في المركزية العربية الإسلامية يوم ذاك.
ثم دار الزمن دورته، وتبادل العرب والغرب المواقع، فأصبح الغرب هو مركز الثقل السياسي والعسكري والعلمي والمعرفي والحضاري، فيما دخل
العالم العربي في غيبوبة عصور الدُّجْنة الحالكة، لقرون متطاولة، لم يستيقظ منها إلا على مدافع الحملة الفرنسية، أو عندما اقتحم الاستعمار الغربي عقر
داره، فكانت الصدمة الحضارية التي زلزلت بنية العقل العربي واهتز معها الوجدان، فأصابه الإحباط والخوف، وانتابه الإحساس بمركبات النقص
وعقد الدونية إزاء هذا الآخر الأوربي، صاحب الثقافة المغايرة والغالبة. ولما كان المغلوب مولعاً بتقليد الغالب تأتّت ضرورة الرحيل إلى أرض هذه
الحضارة الغالبة، وحتمية الانفتاح عليها، بحثاً عن علّة التخلّف، ومعاينة معرفة أسرار تفوقه وتقدمه ومحاولة اللحاق به، والأخذ عنه، ومحاكاته، ونقل
منجزاته المادّية والحضارية على نحو يدفعنا إلى الأمام، وينتشلنا من وهاد التخلف إلى ذرى التقدم، كما فعل محمد علي مع بداية عصر النهضة
العربية، وكان من جراء ذلك أن امتدت جسور الرحلة إلى الغرب التي أفرزت أجيال التنويريين والمفكرين العرب، وظلت موصولة حتى اليوم، وكان
لمجلة العربي - حديثاً - فيها نصيب كبير عبر رحلاتها الكثيرة، كما سنرى وشيكاً.
وعلى الرغم من تتابع أجيال الرحالة العرب إلى الغرب، فقد ظل السؤال المحرق الذي يؤرقهم: لماذا كان التفوق والغلبة من نصيب الآخر الغربي،
وكان التخلف والهوان والهزيمة من نصيب الأنا العربي؟
ولما كان رحّالة مجلة العربي هم الأحدث في سلسلة الرحّالة العرب، فقد أضافوا سؤالاً آخر، أكثر أرقاً وأشد حرقه مفاده: ما الذي فعلته أمم أخرى(3)
كانت في مثل موقفنا الحضاري، لكنها تجاوزت محنتها وخرجت من أزمتها وحققت مشروعها الحضاري، وكيف كان ذلك، وما السبيل لمحاكاتهم، في
ظل السياق العالمي الراهن؟ ولماذا لم تستطع الأمة العربية أن تحسم مصيرها وتستكمل نهضتها وتحقق أهدافها كما فعلت أمم شرقية وغربية كثيرة؟
وأنّي لها أن تتجاوز حالات التخلّف التي يتضافر فيها الاستبداد السياسي والجمود الاجتماعي والتعصب الديني والأصولية الفكرية في خنق روح الابتكار
وقمع القدرات الخلاقة للإبداع في كل مجال، ودفعها إلى التراجع والتقهقر الذي ينحدر بمسيرة الأمة؟
لم تغب هذه الأسئلة عن محرري الرحلة في مجلة العربي، بل هي التي حددت لهم آفاق الرحلة على امتداد العالم، وساهمت في تحديد زاوية الرؤية
للآخر، وتبئير قراءته، ومن ثم جاءت رحلاتهم عبر العالم نموذجاً لهذا الوعي بالمشكل الحضاري للأمة العربية، وبما ينطوي عليه هذا المشكل من
شعور بالقلق والتوتر وإحساس بالتخلف والعجز إزاء هذا الآخر المتقدم، ومن ثم ظلت بؤرة العدسة لدى رحالة العربي مفتوحة (على نحو بانورامي)
نحو إشكالية الأزمة والنهوض، في ظل سياق اجتماعي ثقافي مغاير، خصوصاً في رحلاتهم إلى الشرق الأقصى (اليابان، الصين، دول النمور) ومن ثم
كان السؤال الملحاح، المعلن أو المضمر في كل رحلة: إذا كان الشرق الأقصى يبذل الجهد مضاعفاً ليسترد المبادأة وينتزع الريادة، فما هو دورنا
الفاعل ومنهجنا للخطو على طريق الصعود وبناء المجتمع العربي الحديث؟ وهل آن الأوان لتحمل مسؤولية تخلفنا وضعفنا؟
رابعاً: مدارات الرحلة إلى الغرب أو نماذج من استطلاعات العربي
لما كان موضوع هذه الورقة، كما حددها القائمون على الندوة، وكما سبق أن ذكرنا، وقفاً على رحلات العربي إلى الغرب الأوربي (أوربا الغربية،
والولايات المتحدة وكندا) وبيان أثرها في الحياة الاجتماعية لدى العرب، ولأن رحلات العربي إلى الغرب من الكثرة بمكان فإننا مضطرون إلى
الاختيار من بينها. ومن هنا تحددت مدارات الرحلة بتسعة استطلاعات فقط، أما معايير الاختيار هنا فتقوم على التنوع الجغرافي والمكاني في الغرب
(دول، عواصم، مدن كبرى). وعلى التباين الحضاري والثقافي والاجتماعي، وعلى تعّدد الرحّالة والمصورين في مجلة العربي، وعلى اختلاف أزمنة
الرحلة وسنوات النشر. وأما زاوية القراءة لهذه الرحلات، النماذج فهي مقترنة بالمنظور الثقافي والاجتماعي، بحثاً عن الآخرالثقافي المتفوّق، تمهيداً
لاكتشاف أثره في الواقع الاجتماعي العربي المعاصر.
ونشرع الآن في الارتحال مع الرحلات التسع التي آثرناها نموذجاً لأدب الرحلة في مجلة العربي، مع ملاحظة خصيصة ذائعة في عنوانات الرحلة،
وهي أن كل رحلة لها عنوانان: إحداهما العنوان الرئيسي (بالمعنى الجغرافي) والآخر العنوان الفرعي الذي يحدد (زاوية الرؤية) عند رحّالة العربي.
4/1 نيويورك.. تفاحة عسيرة الهضم
استطلاع: صلاح حزين، وتصوير أوسكار متري
العربي: ص 132 - 147، العدد: 344 - يوليو 1987
لم تكن الرحلة إلى نيويورك، هي الرحلة الوحيدة لمجلة العربي إلى الولايات المتحدة، فثمة رحلات كثيرة إلى معظم المدن الأمريكية، بل إن محرر هذا
الاستطلاع نفسه قد نشر قبل أربعة أشهر فقط استطلاعاً آخر عن الحلم الأمريكي والوهم المغترب (عدد: 339 - فبراير 1987) مما يعني أن الرحلة
إلى الولايات المتحدة وحدها قد شغلت حيّزاً كبيراً من أدب الرحلة إلى الغرب.
ليس محض مصادفة أن يقف المحرر طويلاً أمام تمثال الحرّية (ذي الشعلة) بكل ما يرمز إليه من قيم ورموز تتعلق بالحريات الفردية والمجتمعية في
العالم الجديد. وكان همّه أن يكتشف أسرار تفوق نيويورك - عاصمة العالم - على كل المستويات والأصعدة بدءاً بزيارة الأمم المتحدة والمؤسسات
العلمية في المدينة وانتهاءً باكتشاف روح الثقافة الأمريكية، كما تتجلّى في الحياة اليومية لسكان هذه المدينة، وما يشيع فيها من قيمٍ يتمنى المحرر أن
تشيع في العالم العربي، مثل التسامح والمساواة وقبول الآخر والاعتراف به واحترام خصوصيته الثقافية، والإيمان بالتعددية العرقية والثقافية - على
تنوع المهاجرين إليها وتباين ثقافاتهم وتعدد أعراقهم وأصولهم - وهو ما تؤكده الثقافة السائدة وتؤيده أنماط الحياة والسلوك العام واحترام البيئة،
وتؤازره مؤسسات المجتمع المدني، وتعكسه الفنون والآداب المزدهرة (مع التأكيد على أن هذا الازدهار الفني قرين الازدهار العلمي والتكنولوجي كما
يبرز في جامعاتها) وترصده عين العربي في الثقافات الفرعية، وفولكلورها، واحتفالاتها وطقوسها الفريدة، وأطعمتها وأزيائها الشعبية.. إلخ. (الحيّ
الصيني نموذجاً) (4).
غير أن عين العربي لا تقع أسيرة الانبهار بالمدينة الغربية فقط، بل تتجاوزها لرؤية السلبيات، فإذا نيويورك، شأن كل المدن والعواصم الكبرى، تنطوي
- في بنيتها التحتية أو الخفية - على كثير من المتناقضات أيضاً. ولا تتردد عدسة العربي في رصد وتسجيل هذا الجانب المظلم من نيويورك - مدينة
الأسمنت والحديد على حد تعبير المحرر - فتذهب إلى المناطق الفقيرة (منطقة هارلم السوداء، وهارلم الإسبانية) حيث يعاني معظم الزنوج والمهاجرين
من أمريكا الوسطى) من براثن الفقر والحرمان والتفرقة العنصرية، وينتشر الإدمان، وتزدهر الجريمة، ويتفشى الفقر والبؤس، وهذا يعني ببساطة أن
للغرب وجها نموذجيا، وآخر سلبيا...!
4/2 كندا.. هنود وإسكيمو وأوربيون أيضاً
استطلاع وتصوير: محمود المراغي
العربي: ص 132 - 147، العدد: 415 - يونيو 1993
في الرحلة إلى كندا لم يكن التقدم التكنولوجي الفائق وحده هو الذي لفت نظر الأستاذ محمود المراغي (برغم غمزه ولمزه إلى أن مثل هذا التقدم هو
الذي يمثل بيت الداء في الوطن العربي ويشكل عقد التخلف ومركبات النقص تجاه الغرب المتقدم) ولم يكن أيضاً المشروع السياسي لهذه الدولة
الاتحادية التي تعد ثاني أكبر دولة في العالم هو الذي وقف عنده فقط، فذلك كله معروف في الأدبيات السياسية العامة. لكن أكثر ما لفت انتباهه كان
التعايش السلمي بين المواطنين، برغم التعددية العرقية والثقافية. لذلك ليس محض مصادفة أن يشرع في دخول كندا من بوابتها الثقافية مونتريال. فإذا
بها - كما يقول - مدينة عالمية بالمقياس الثقافي والاقتصادي والبشري (فخليط البشر: أبيض، أسود، أصفر، وما بينهما من ألوان هو ما تصافحه
عيناك في الشوارع والأسواق) ليس في مونتريال فقط، وإنما أيضاً في المدينة العتيقة كيبك، حيث يتأكد احترام التنوع الثقافي (الثقافات الفرنسية
والإنجليزية والأوربية عموماً، بما هي ثقافات سائدة، إلى جانب عدد من الثقافات الفرعية، كثقافة السكان الأصليين (ثقافة الهنود الحمر، وثقافة
الإسكيمو وغيرهما) واحترام التعدد اللغوي (إحدى عشرة مجموعة لغوية أهمها الفرنسية والإنجليزية).
وإزاء هذا التعددية الثقافية واللغوية والبشرية، أو إزاء هذا الكوكتيل البشري أو الكوكتيل الحضاري على حد تعبير المحرر، جعل البعض يتساءل: هناك
كندا، ولكن هل هناك كنديون؟ خصوصاً أن الحس العرقي والرغبة في التمايز الثقافي والاجتماعي ما زال قائماً في الحياة اليومية، فكيف أمكن تحقيق
الوحدة الوطنية أو التماسك القومي، وهذا التقدم الاقتصادي الهائل لهذا الخليط البشري في مثل هذا المجتمع الذي يعرف أحياناً باسم مجتمع المهاجرين؟
تكمن الإجابة - كما لاحظها المحرر - في براعة النظام السياسي وشفافيته وإيمانه بالديمقراطية، فاختار الفيدرالية مشروعاً سياسياً، يصونه الدستور
الذي تم الاستفتاء عليه في أغسطس 1992، وجوهره:
الاتحاد في ظل التنوع، الفيدرالية مع احترام الثقافات (الفرعية) والأقليات والحريات والحقوق الاقتصادية والاجتماعية. وفي ظل ذلك تكون هناك
مساواة بين الرجل والمرأة، ومساواة بين الأقاليم (العشرة التي تتكون منها الدولة الكندية)، ومساواة عرقية، مع الاعتراف بالتنوع الثقافي والحضاري
واللغوي... كما يكون للهنود الحمر (السكان الأصليين) الحق في حكم ذاتي، مع حقهم في استخدام لغتهم، وإحياء تراثهم الثقافي (ص: 145، عدد:
415).
ثم يضيف المحرر معلقاً، أنه لولا الوعي الثقافي والاجتماعي والسياسي، ولولا أن الديمقراطية جزء من الثقافة نفسها ما جاءت نتيجة الاستفتاء على
الدستور على هذا النحو الإيجابي الساحق، مع أن الجو العام كان يوحي بالرغبة في الانفصال لا الاتحاد.. وكان من جراء هذا الوعي أن انصرف جميع
الكنديين فوراً لتحقيق التفوق الاقتصادي، حتى أن منظمات الأمم المتحدة اختارتها لتكون أفضل بلد في العالم من حيث مستوى المعيشة (ص 149).
وفي ضوء هذا الوعي أيضاً تجاوز الشعب الكندي مشكل الأصالة والمعاصرة الذي يؤرق الأنا العربية، فإذا الفنون الآداب متنوعة بين القديم والحديث،
وفي الفنون المعمارية - على سبيل المثال - تصافح المباني القديمة المباني الحديثة دليلاً على التعدد الحضاري وثراء القيم المعمارية على حد تعبير
المحرر، فضلاً عن احترام الظروف الطبيعية والبيئية. ومن ثم كان منطقياً أن يعيش الكل في سلام، وأن تهيمن ثقافة التسامح وقبول الآخر واحترام
خصوصيته الثقافية، بدليل إحياء الفنون التقليدية، وإقامة عشرات المهرجانات الفنية والكرنفالات الشعبية على مدار العام، وهي في معظمها احتفاليات
فولكلورية، باعتبارها حافز انتماء، وتعزيزاً للهوية الوطنية، وتحقيقاً للخصوصية الثقافية.
وهكذا تتعايش الأصالة مع المعاصرة، والقديم مع الحديث، في ظل الإيمان بالتعددية الحضارية والثقافية، كما يقول الأستاذ محمود المراغي.
يختتم المحرر رحلته بوصف عرب كندا ولم يقل الجاليات العربية في كندا، لأنهم سرعان ما اندمجوا في المجتمع الكندي، وحملوا جنسيته، وساهموا في
بنائه، والارتقاء به علمياً وتكنولوجياً واقتصادياً، بعد أن هيأ لهم المجتمع المناخ الصالح للإبداع والإنتاج، كما أتاح لهم حق المشاركة السياسية، حتى
وصل بعضهم إلى منصب رئيس وزراء أحد الأقاليم العشرة بكندا، ناهيك عن احتلال بعضهم لعدد من المقاعد في البرلمان الاتحادي في العاصمة
أوتاوا. وهكذا - يقول المحرر - يثبت العربي ذاته حين تتاح له الظروف.
أما المشهد المضمر في ذاكرة المحرر، في ضوء هذه الرحلة، فهو: أين نحن في العالم العربي من هذا كله؟ وهذا هو الوعي المتسرب من الرحلة إلى
ذهن القارئ العربي، حين يقرأ مثل هذا الاستطلاع، وغيره، بفعل المقارنة بين ما هو كائن في عالمه العربي (المتخلف) وما كائن لدى الآخر المتقدم،
فيقف على حقيقة واقعة، كما هو منعكس في مرايا الآخر الغربي.
4/3 تورنتو.. بوابة شمال أمريكا إلى المستقبل
استطلاع: محمد رباح، وتصوير يُمنى رباح
العربي: ص 42 - 67، العدد: 487 - يونيو 1999
من مونتريال وكيبك وأوتاوا تتواصل رحلات مجلة العربي إلى مدينة تورنتو باعتبارها رمزاً دالاً على الحداثة الغربية، بما هي حداثة تكنولوجية في
المقام الأول، قوامها العلم والثقافة العلمية، والعمل المتواصل والإنتاج المتسارع والإبداع المتعاظم، خصوصاً في مجال تكنولوجيا المعلومات وتأسيس
المجتمع المعرفي (مقابل استدعاء الذاكرة في أسى لواقع التخلف التكنولوجي والعلمي عند العرب، ثم هي حداثة تجمعها مؤسسات المجتمع المدني، قبل
المؤسسات الرسمية للدولة، وتؤطرها قيم الحرية والمساواة والتسامح وقبول الآخر والإيمان بالتعددية العرقية والثقافية في ظل نظام ديمقراطي حقيقي
يعتبر جزءاً من ثقافة الناس في حياتهم اليومية. وهي أيضاً مدينة لا تناقض فيها بين مشكل الأصالة والمعاصرة، ولا أثر له (إلا في الثقافات العاجزة)
يقول المحرر:
في هذه المدينة تتعايش كل الأشياء: تراث مفعم بالقديم وعصر قادم يفرض لغته، وخليط من البشر والثقافات والأحلام، إنها مدينة تجمع العالم بكل ما
فيه، فيمتزج الجميع عازفين سيمفونية ما بعد القرن الحادي والعشرين.
وتؤكد عدسة العربي ذلك كله، فتنتقل من أروقة المتاحف الفخمة التي تقف فيها آثار الماضي شاهداً على عظمة الزمن إلى أروقة الصروح العلمية
الضخمة، تحت عنوان رهبة الحضارة.
وأمام هذه الرهبة أو الصدمة الحضارية التي استشعرها المحرر الرحالة كاد يصيبه اليأس والإحباط لولا أنه وجد حضوراً علمياً عربياً فاعلاً على حد
تعبيره للعلماء العرب المتجنسين كندياً، وقد ساهموا جميعاً في هذا العزف السيمفوني لحداثة القرن الحادي والعشرين وما بعده كما يقول، فاستعاد توازنه
النفسي والثقافي، وراح يكتب عنهم في زهو وافتخار: سيرهم الذاتية، وجهودهم العلمية والتكنولوجية على كل الأصعدة، وكيف حافظوا - في الوقت
نفسه - على خصوصيتهم الثقافية، على لغتهم وتراثهم الثقافي والعلمي الموروث، وعلى جمعياتهم العلمية والثقافية ومؤسساتهم الدينية، (في إطار من
حرية التعددية العرقية واللغوية والثقافية التي يتميّز بها المجتمع الكندي عامة والتورنتي خاصة) من غير أن يتناسوا هموم أمتهم العربية، ودورها في
تأسيس الحضارة العالمية(5)، وينطوي المشهد المضمر هنا على نوع من الحسرة على مصير العلماء العرب الذين لم يهاجروا إلى مجتمع المهاجرين،
ولم تحتضنهم حضارة الآخر الغربي (المتقدم)!
4/4 ألمانيا الموحدة.. الحلم والكابوس
استطلاع: سليمان مظهر، وتصوير: سليمان حيدر
العربي: ص 36 - 61، العدد: 409 - ديسمبر 1993
يبدأ الأستاذ سليمان مظهر استطلاعه بالعبارة الآتية:
لم تكن أول مرة أزور فيها ألمانيا، فقد أتيح لي أن أزورها - شرقاً وغرباً - وهي تلعق جراحها وتعيد بناء نفسها بعد أن دمّرتها الحرب... كما طغت
مرة أخرى بمختلف أرجائها، حين كانت المعاناة وقسوة الحياة من نصيب الشرق، وكان الرخاء والرفاه وقفاً على الغرب، ثم كانت الزيارة الأخيرة
(هذه الزيارة) بعد أن تحققت أحلام الوحدة، ولم يعد هناك شرق ولا غرب، ولكن ألمانيا الموحدة، رغم ما يتهامس به الناس في الشرق والغرب من أن
الوحدة كانت ورطة وبريقاً زائفاً، وأن الحلم الناعم تحوّل إلى كابوس.
وهذا يعني أن زاوية الرؤية تكمن في اكتشاف تجربة الوحدة الألمانية، وكيف تحققت بالرغم من كل الصعوبات التي كادت تفترس الحلم، حلم الوحدة،
وتحيله إلى كابوس يغتال هذا الحلم القومي، بسبب تعجّل الإدارة السياسية لهذه الوحدة الحلم بغير التمهيد اللازم لمتطلبات الوحدة، مما نجم عنه أخطاء
اقتصادية واجتماعية باهظة.. ولكن كيف خرجت ألمانيا من هذا المأزق التاريخي؟.. يجيب المحرر في ضوء معايشته للواقع اليومي للمجتمع الألماني
خلال قيامه بالرحلة، أن سرّ نجاحها يكمن في ما يمتلكه الشعب الألماني من وعي سياسي واجتماعي، ولولا هذا الوعي، وما أقدم عليه هذا الشعب من
تضحيات مادية هائلة قدّمها عن طيب خاطر لأشقائه في ألمانيا الشرق لتحطمت هذه الوحدة العملاقة على صخرة الأنانية والمصالح الذاتية وضيق
الأفق (السياسي والاجتماعي) وتحول عندئذ الحلم القومي إلى كابوس يمكن أن ينتهي إلى حرب أهلية مدمّرة.
فلما قام المحرر بزيارة ألمانيا الموحدة - في عيد الوحدة الثاني - كان منبهراً بهذه التجربة الألمانية في الوحدة، وبالدروس المستفادة منها، فيقول:
لقد خرجت ألمانيا من الحرب العالمية مدمّرة تماماً، لكن إرادة الشعور الحرّة أقوى من كل دمار، ولولا هذه الإرادة الحيّة ما بادر الشعب الألماني إلى
إعادة بناء ألمانيا الموّحدة وجعل منها - في زمن قياسي - أعظم قوة اقتصادية وتكنولوجية وعسكرية في أوربا، ثم يعلق المحرر: وهكذا تحقق
الشعوب أحلامها وتتجاوز كوابيسها، بالوعي والإرادة والعزم والتصميم.
ويغوص سليمان مظهر في الثقافة الألمانية المبدعة بحثاً عن مكامن العبقرية عند الألمان، فإذا هي مزيج أو مزيد من الأمل والطموح والعمل الخلاق،
والانضباط والدقة في كل شيء، حتى في قضاء وقت الفراغ وقضاء اللهو وإيمانه المطلق بالعلم والتفكير العلمي وعلوم التكنولوجيا، وفي حبّة للحياة
أيضاً والإقبال عليها، وفي اعتزازه الشديد بكرامته وكبرائه القومي، ولغته، وثقافته، وتراثه، وتقاليده وفولكلوره.. إلخ، واهتمامه بالبيئة إلى حد الهوس
حتى صارت برلين تعرف باسم المدينة الخضراء، وتسجل عدسة العربي نماذج حيّة من هذا كله، في الشارع والمختبر، في المصنع والجامعة... وتكاد
تشعر أن صوت المحرر وعدسة المصور يقدمان لنا وصفة للتقدم وتجاوز التخلف للأنا العربية التي لم تجد ما تفتخر به عند الآخر الغربي الألماني إلا
رأس نفرتيتي الملكة الفرعونية - زوجة إخناتون - وهي تزين متحف الفن المصري القديم في ألمانيا، والتي عشقها هتلر!
ومرة أخرى يبقى الزهو العربي - في هذه الرحلة - وقفاً على الماضي أو الأنا التاريخية للذات العربية، في فعل تعويضي حيال إفلاس الحاضر
الجارح أو عجز الأنا الراهن.
4/5 فرانكفورت.. هل يبقى الملك على عرشه؟
استطلاع: د. محمد المخزنجي، وعدسة: سليمان حيدر
العربي: ص 68 - 83، العدد: 494 - يناير 2000
في رحلة لاحقة لألمانيا، يتوقف محرر العربي الرحالة عند مدينة فرانكفورت، بمناسبة معرض الكتاب الدولي فيها. وعلى الرغم من أن زاوية الرؤية
كانت محددة بإجابة عن سؤال بعينه حول مصير الكتاب المطبوع أو (الملك في مملكة المطبوع) في مواجهة نظيره الإلكتروني أم زحف النشر
الإلكتروني الذي هيمن على صناعته النشر في عصر الانفجار المعرفي وثورة الاتصالات والاجتياح الرقمي، ومن ثم ازدهار سوق المعلومات العالمي،
تحت شعار شركات نشر دون ورق، وكتب ليست على ورق، ومكاتب لا تعرف الورق وبرغم أن الإجابة جاءت لصالح الكتاب المطبوع، حتى الآن
على الأقل، فإن زيارة المعرض قد أثارت عند المحرر الكثير من الشؤون والشجون، فالمعرض نفسه مدينة كاملة من الأبنية الَمابَعْدَ حداثية... في حقل
الثقافة العلمية والتكنولوجية التي يتوقعون مواكبتها للقرن الحادي والعشرين وعلى نحو يكشف عن مدى الفجوة أو الهوة العلمية بين مجتمعات المعرفة
ومجتمعات الجهل، ويستمر في الوقت نفسه إلى أهمية المنجزات الألمانية في مجال الثقافة العلمية والتكنولوجية والفكرية والفلسفية. ويدعو العلماء
العرب إلى الانفتاح عليها، قائلاً :
أرى أن الثقافة الألمانية ظلمت لدينا ظلماً كبيراً يستحق التصحيح، فالتنويريون العرب قدمّوا لنا الغرب مختزلاً في فرنسا وإنجلترا اللذين أرسل هؤلاء
التنويريون كطلاب بعثات إليهما. وثمة مدخل آخر لظلم الثقافة الألمانية، هو تواري هذه الثقافة خلف شعار شهرة ألمانيا الصناعية، برغم أن الثقافة
الألمانية لا تقل رفعة عن تفوق هذه الصناعة، بل أعتقد أنه لولا هذه الثقافة الرفيعة ما كانت تتحقق دقة وقوة هذه الصناعة لدى الألمان في آن.
إنها إذن دعوة إلى الانفتاح على الآخر الألماني، ابن ألمانيا العلم والتكنولوجيا، وابن ألمانيا الثقافة الرفيعة وألمانيا الصناعة المتقدمة.
وأثناء قيام المحرر الدكتور المخزنجي بجولة داخل هذا المعرض الضخم للكتاب، وانبهاره بأجنحته الزاخرة بالإنجاز العلمي والمبهر، وتكنولوجيا
المعرفة والنشر الإلكتروني تحت شعار التجارة والترويج لمنتجات العقل البشري العالمي، وهذا هو الهدف الأسمى من إقامة هذا المعرض الدولي
السنوي للكتاب، كان طبيعياً أن يتجول في الأجنحة العربية والأنشطة المصاحبة.. وعندئذ هاله ما رأى، فكتب من هول ما رأى مرثية للأنا العربية،
كما تتجلى في عالم الكتاب، تحت عنوان أهل الكتاب.. واعرباه فيقول عن الأنشطة أو الفعاليات العربية في هذا المعرض العالمي:
أما عنّا، فقد كان هناك ذلك العنوان المكرر في الغرب والممل دائماً: المرأة في العالم العربي وكأنه ليس لدينا قضايا فكرية وحياتية غير اضطهاد المرأة
العربية... وبرغم أن عنوان هذا العام كان أفضل كثيراً عن ذي قبل، وهو دور المرأة في العالم العربي في الانفتاح الثقافي فإن اختزال صورة العرب
في هموم شق واحد من مكوناتها، هو تكريس لانطباع غربي لا يخلو من شبهة التسويق في استبداد الرجل الشرقي، بينما الرجل كالمرأة سواء في
معاناة واحدة تحت سقف العشوائية الشائعة، والتخلّف المدني الملحوظ، والتربصّ الظلامي بالنوايا الثقافية والإبداعية، وتهديدات البيئة والمناخ والفقر
والتسلط والجهل من كل نوع.
وعندما قام الدكتور المخزنجي بزيارة الأجنحة العربية، كانت الفضيحة الكبرى، فضيحة التخلف العربي الذي ينكشف على العالم أجمع في مثل هذا
المحفل العلمي العالمي، فيقول:
وعلى ذكر أحوالنا هذه أحب أن أعرج قليلاً على الأجنحة العربية في معرض فرانكفورت، والتي كانت بكل المقاييس فضيحة يدركها كل مَنْ انتبه إليها
في سياق الصورة العامة لهذا المحفل الثقافي العالمي الأهم في قلب أوربا. ومن الغريب أن كثيرين من القائمين على شأن هذه الأجنحة العربية كانوا في
غاية الرضا عن أنفسهم، وهو رضا يتجاوز قول طه حسين في أحد كتّاب الدرجة الثالثة المشاهير في زمنه: ماذا تقول في رجل رضي عن جهله
ورضي عنه جهله! فالمسألة ليست جهلاً فقط، بل سوء نيّة متعمد لغايات دنيا، كبدل السفر والنزهة وإعطاء الانطباعات الكاذبة لدى المسؤول.
ثم يقول في موضع لاحق من وصف الرحلة:
الأجنحة العربية الرسمية جميعها كانت في ركن خلفي مهمل... تعرض على الأوربيين والألمان كتباً عربية رديئة الصنع، متواضعة التأليف، يكاد
اختيارها لا يتعدّى منطق المجاملة لأسماء معظمها لا يقرأ داخل وطنه العربي. أما قلّة الذوق في معرض جوهره يتعلق بالثقافة - أي قمة الذوق -
فحدّثْ ولا حرج ؛ كتب مرصوصة على أرفف عارية، وكأنها دكاكين بقالة، أسوأ حتى من عرض بائعي الكتب على الأرصفة... لهذا خلت أجنحة
العرب إلاّ من موظفيها.
ويرفض المحرر التبريرات الرسمية لمثل هذه الفضائح العالمية، فيقول:
قد يقال إنها رقة حالنا، ولا أرى إلاّ أنه هواننا على الناس وعلى أنفسنا قبل كل شيء، وعدم الإخلاص في أبسط صورة.
ويستدل على ذلك بقوة وفخامة الأجنحة المجاورة لنا، مثل الجناح التركي، وجناح جنوب أفريقيا التي صارت منافساً دولياً في إنتاج الكتاب والميديا
المصوّرة. ثم يشير - المحرر - في نبرة آسية - حتى تكتمل المرثية العربية - إلى الجناح الإسرائيلي، وبراعتها في توظيف جناحها توظيفاً سياسياً
إلى جانب وظيفته العلمية والمعرفية ومدى الفرق ما تصنعه إسرائيل، وما نصنعه لأنفسنا وبأيدينا:
ولا أريد أن أذكر إسرائيل التي وضعت جناحها وسط الكبار في أوربا وأمريكا، ونجحت في تكريس كُتّاب وكتب لدينا ما يفوقهم بمراحل، ناهيك عن
كتب الدعاية المصنوعة بدهاء، والتي سرقت أرضاً عربية وتراثاً شعبياً عربياً، وراحت تقدمه على أنه مورثها الشعبي (دليلاً على أصالتها في هذه
الأرض) وعرفت كيف تقدمه، بينما دسناه - التراث الشعبي - نحن بأقدام التهافت والملق والجهل والأداء الشكلي الخالي من الذوق والروح والضمير.
وتمضي عدسة العربي تسجل وثائق هذا المحفل الثقافي العالمي، منها عدد كبير من الألمان يغنون ويرقصون في أزيائهم الشعبية المبهجة، على أبواب
المعرض يستقبلون رواده بأحلى ما في الفولكلور الألماني ويفتخرون بتقديمه إلى العالم، جنباً إلى جانب، مع عظمة التكنولوجية الألمانية، حيث تظهر
في خليفة الصورة مباني المعرض التي جاءت رمزاً لما بعد الحداثة، بالمعنى الغربي.
وثمة صورة مبهرة أخرى تلتقطها العدسة لمجموعة ضخمة من الألمان يتزاحمون على جناحهم، نعلم بها أن الكتاب المطبوع لا يزال في بؤرة الاهتمام،
والألمان يشترون كتباً بـ 18 مليون مارك كل سنة وعلى نحو سيميائي يرمز إلى أن ألمانيا الثقافة هي الداعم الحقيقي لألمانيا الصناعة.
وأما اللقطة الثالثة - وما أكثر ما التقطت عدسة العربي من صور بالغة الدلالة - فتتعلق بالصور الخاصة بجناح الأطفال في المعرض، وعلى نحو
يؤكد أن (كتب وبرامج الأطفال كانت القطاع الأكبر في معرض فرانكفورت)... وعندئذ تستدعي الذاكرة أيضاً - بفعل المقارنة - حال أطفالنا في
العالم العربي!
4/6 باريس.. مرآة القرن الواحد والعشرين
استطلاع وعدسة: أنور الياسين
العربي: ص 42 - 57، العدد: 448 - مارس 1996
ماذا عن (روح باريس) الكامنة في تلك المدينة الأوربية العربية التي قفزت بثقة إلى آفاق القرن الواحد والعشرين، بغير تفريط في ماضيها وتراثها؟
هذه هي زاوية الرؤية التي ضبط المحرر من خلالها عدسة الرصد، داخل باريس العاصمة، فإذا هي مدينة المتناقضات، مدينة الجن والملائكة فيما
يقول طه حسين، ولكنك لا تملك إلاّ أن ترى فيها ما تودّ أن ترى فيه نفسك على حد تعبير أنور الياسين. ليس لأن باريس كانت أولى القبلتين للبعثات
العربية التي ساهمت في خلق جيل التنويريين العرب الأوائل (رفاعة الطهطاوي، أحمد لطفي السيد، مصطفى كامل، قاسم أمين، طه حسين، توفيق
الحكيم... إلخ) بل أيضاً فيما تنطوي عليه عبقرية الروح الفرنسة عموماً والباريسية خصوصاً، وهي عبقرية قوامها الجمع بين ماض تراثي عريق
ومستقبل تقني حداثي مبهر، وهو أمر يتجلى في كل مظاهر الحياة اليومية.
إنها باريس، عاصمة الحلم والعلم، باريس الألفية الثالثة التي لا تكفّ عن النظر إلى المستقبل، حيث تظلّ باريس - كما يقول المحرر - هي مدينة الحلم
والتخيّل والنظر إلى ما وراء الأفق، أفق القرن الواحد والعشرين، مؤكداً - بفعل المقارنة بين الأنا والآخر الغربي - أن الرؤى المستقبلية للشعوب الحيّة
لا تتعارض مع تمسكها بالتراث والأصالة، وأن كليهما - الماضي التراثي والمستقبل التقني - هما جناحا الهوية الثقافية التي تحلّق بهما باريس إلى
الآفاق المستقبلية والفضاءات العالمية، ولهذا لا غرو أن تصبح مرآة النفس ومرآة العصر على حد قول المحرر، ورمز الحضارة الغربية على حد
التعبير الأوربي.
يشرع المحرر بعد ذلك في زيارة الصروح العلمية الضخمة، ومشاهدة معارض التكنولوجيا والفضاء والطاقة، بما هي معارض حداثية تتمحور حول
الثورات العلمية المستقبلية وإنجازاتها الخارقة. ثم يلفت نظره أيضاً معارض الأطفال ومدن الخيال العلمي المخصصة لهم، فإذا هي ذات وظائف
مختلفة، ظاهرها الترفيه وباطنها التعليم والتثقيف... ويتقدم مسؤول ليشرح للمحرر طبيعة هذه المعارض والغاية منها، حيث هي معارض من نوع
مختلف، تسمح بالتفاعل بين المتفرج والمادة (العلمية) المعروضة، وهي تتيح التعلّم من خلال اللعب والمرح، ومن أجل هذا كان اهتمامنا بالأطفال، فهم
الأكثر خيالاً والأكثر قدرة على التعلم. وبفعل المقارنة بين الأنا والآخر يتبدّى هذا السؤال التحريضي عن حال الأطفال العرب، ولسان حاله يقول: ماذا
فعلنا لهم؟!.
بعد أن يقف المحرر بعد ذلك عند باريس الفن والأدب والفكر والفولكلور، يمضي في وصف، باريس الفولكلور والحياة اليومية، فإذا الشعب الفرنسي
عموماً - في سلوكه اليومي - شعب محّب للحياة، مقبل عليها، مستمتع بها، مطمئن لحاضره، متفائل بمستقبله، يقدّس العمل، ويقدّر الوقت، ويحترم
البيئة... إلخ. ولهذا لا غرو أن تكون الثقافة المرحة هي الغالبة عليه (95% إحصائياً). ومرة أخرى وبفعل المقارنة تتراءى أنماط الحياة العربية
وثقافتها النكدّية أو المحبطة.
ولكن لباريس وجهاً آخر فهي برغم كل ما فيها من انطلاق معرفي تعرف جيداً كيف تكون غاضبة كما يقول المحرر، عندما تنتهك حقوق الإنسان أو
تمس الحقوق المدنية للناس، خصوصاً في التعليم أو الصحة أو المعاشات أو غير ذلك، عندئذ تشتعل المظاهرات وتنتفض الجمعيات والنقابات
ومؤسسات المجتمع المدني، وتنتصر الصحافة لهم، ويثور الرأي العام، على نحو يؤكد مدى الوعي السياسي والاجتماعي والثقافي، ويشير إلى عبقرية
قوى الإرادة والتحدي لدى الشعوب الحيّة مهما كانت التحديات والتضحيات.
حتى إذا ما هبّت رياح العولمة على فرنسا في السنوات الأخيرة، فإن باريس ظلت على انفتاحها، وتدبّرت حالها في مواجهة الأمركة الطاغية في غير
ما عقد أو خوف على ثقافتهم... وسخرت من موجات التقليد التي أطلقوا عليها ومن باب التشنيع (النمط الأمريكي للحياة) وظلوا فخورين بكونهم
يرفعون لواء حماية الثقافة اللاتينية التي تحدد نمط الحياة الفرنسية، وتمثل خصوصيتهم الثقافية، والأساس في نمط الحياة الفرنسي، ولكن في غير جمود
أو تشنج.
ويختتم المحرر رحلته بزيارة متاحف باريس - رمز الحضارة الغربية الأول على حد تعبيره - ولا سيما متحف اللوفر، وعندئذ يمتلكه الزهو الثقافي
والكبرياء القومي بالحضارات الشرقية، ولا سيما الحضارة المصرية حيث يمتلك اللوفر ثلث أكبر مجموعة من الآثار الفرعونية بعد المتحف المصري
والبريطاني غير أنه سرعان ما يقول ولكن باريس لا تعيش على ذكريات التاريخ كما هو الشأن عندنا، ولكنها تبقى مدينة التكنولوجيا والصناعة، وهذا
يعني أن الزهو بالماضي وحده لا يشيد حضارة معاصرة ما لم تواكبها منجزات العصر التكنولوجية.
4/7 الرحلة إلى فنلندا.. الألوان والأنغام
استطلاع: مصطفى نبيل، وتصوير: أوسكار متري
العربي: ص 100 - 115، العدد: 318 - مايو 1985
تفتح مجلة العربي أفقاً آخر من آفاق الرحلة إلى دول أوربا، فليست باريس ولا لندن مركزي الجذب الحضاري إلى الآخر، بل ثمة شعوب وثقافات
أوربية أخرى، تستحق الاستكشاف والإعجاب والوعي المعرفي والثقافي بها، حيث يمكن أن تحتذي في أنظمتها الديمقراطية والاقتصادية والعلمية، وفي
آلياتها في الحفاظ على أنساقها الثقافية التي تحدد أنماط السلوك ومنظومة القيم وأساليب العيش في حياتها اليومية، برغم كونها دولاً صغيرة، وخير مثال
لذلك فنلندا التي توجهت إليها رحلة العربي هذه المرّة.
وفي ضوء العنوان الفرعي للرحلة (الألوان والأنغام) تتجلّى زاوية الرؤية للمحرر، فإذا هي رؤية ملؤها الإعجاب والاحترام بفنلندا، سياسياً واقتصادياً
وثقافياً وحضارياً. ذلك أن فنلندا بلد ديمقراطي بالمعنى الحقيقي - بفضل أنظمتها الديمقراطية الحقة، ونظمها الاقتصادية التي تقوم على الشفافية
وإيمانها بالعلم والتكنولوجيا الحديثة، ولهذا لا غرو أن استطاعت أن تصبح أكثر الدول الاسكندنافية إنتاجاً، برغم الظروف البيئية والمناخية القاسية، لقد
أثبت هذا الشعب، رغم قلّة عدده (5 مليون نسمة) أنه قادر على أن يصل إلى مقدمة الشعوب بغير قوة عسكرية كما يقول المحرر.
ولا تكمن عبقرية التقدم عند الشعب الفنلندي في الأخذ بالنظام الديمقراطي والاقتصاد الحر فحسب، بل في قوة الإرادة، والإيمان بالعلم، والتفكير العلمي،
وفي تقديس العمل وانضباط الوقت والصدق في السلوك، وحب حقيقي للحياة وإقبال عليها، والعناية البيئية، واحترام حقوق الإنسان، وتفعيل مؤسسات
المجتمع المدني، وقبول الآخر، واحترام ثقافته... وفي انفتاحه على دول الجوار برغم اختلاف اللغات إلا أن التعاون مستمر في المجالات الاقتصادية
والعلمية والثقافية والفنيّة ويعلق المحرر بفعل المقارنة فيقول عن هذا التعاون الخلاّق: وهو درس على الدول العربية أن تستوعبه ص 106.
وتكمن أيضاً عبقرية الشعب الفنلندي في الحافظ على هويته الوطنية، بفضل حفاظه على خصوصيته الثقافية التي يشكل الفولكلور جوهرها، بل إن
الاحتفاء بالفولكلور - ممارسة وعلماً - يشكل معلماً من معالم الحياة اليومية والأكاديمية في فنلندا.
ولعل هذا الاهتمام الأكاديمي غير العادي بالفولكلور هو الذي جعل لمراكز دراسة الفولكلور في فنلندا هذه المكانة العلمية المرموقة على مستوى العالم.
بل إن رئيس جمعية المستشرقين الفنلندية ورئيس قسم دراسات اللغة العربية في جامعة هلسنكي الدكتور هايكي بالنا قد تخصص في دراسة لغة البدو
وتراثهم الشعبي في العالم العربي. غير أن هذا الاهتمام الثقافي يواكبه اهتمام أكاديمي في جميع الحقول المعرفية الحديثة والتخصصات التكنولوجية
المعاصرة.
ولعل من أطرف الأشياء في فنلندا، والتي تدل على مدى احترام هذا الشعب لآدمية الإنسان وحقوقه، أن أهم وأجمل مكان في فنلندا هو مصحة
الأمراض النفسية ص 110.
يظل المحرر الأستاذ مصطفى نبيل، يتحدث عما سبق في تفصيل دقيق، بعين لاقطة لمفردات الثقافة الفنلندية في الحياة اليومية، وبفعل المقارنة الحتمي
الذي يستدعيه إلى الذاكرة فعل الرحلة لا يملك إلاّ أن يبوح قائلاً:
ألحت على ذهني خلال جولتي تلك العلاقةُ القديمة بين الشرق والغرب التي تبرز عند المقارنة بين حالنا وحالهم، بين أوضاع الشرق وأوضاع
الغرب... فحيثما ذهبت تجد كل شيء منظماً، وترى وجه الدولة ليس في صورة تعليمات بل في العناية التي تقدمها، وفي القواعد التي تجعل حياة
الناس أسهل وأجمل....
أما في العالم العربي، فأمرنا على النقيض، يقولها المحرر في أسى شديد. ذلك أن موقف الأنا من الحياة يجعلها تعيش حياة، يفرض عليها أن تكون
أكثر تعقيداً وقبحاً... فلماذا لا تتمرد على واقعها؟ هذا هوا لسؤال المضمر!
في ختام الرحلة يفتش المحرر في ذاكرته الحضارية أو التاريخية عن شيء بعيد للذات أو الأنا العربية بعضاً من توازنها أمام الآخر (الفنلندي)، فلا
يجد إلا رحلة ابن فضلان (921م) التي تعتبر المصدر التاريخي الوحيد الموثق عن حياة أهل الشمال، والتي ترمز إلى مجد غابر للعرب في زمن
مضى لم تكن تعرف فيه دول الشمال القراءة والكتابة، وعلى الرغم من أن هذه الرحلة العربية منجز حضاري قديم للأنا التاريخي، فلا يملك المحرر
إلا أن يفتخر به، في محاولة لرد اعتبار الذات للذات.
4/8 بلجيكا من أحزان الملك إلى أفراح الثقافة
استطلاع: د. محمد المنسي قنديل، وتصوير: فهد الكوح
العربي: ص 132 - 149، العدد: 419 - مارس 1993
شاءت الظروف أن تطأ بعثة العربي أرض بلجيكا وهي تودع جثمان ملكها في حزن بالغ، ذلك أن هذا الملك الذي كان يمتلك - بحكم الدستور - من
السلطات ما يحسده عليها أي دكتاتور في العالم الثالث على حد تعبير المحرر، لكنه لم يحدث أن استخدامها قط، وهذا هو سرّ الحزن العظيم عليه، بل
إنه حين تعارضت إرادته مع إرادة الشعب آثر الاستقالة من منصبه (!) احتراماً لإرادة شعبه، وتقديساً وإجلالاً لقيم الديمقراطية والحرية على تعدد
مستوياتها السياسية والاجتماعية. وقد وقف الدكتور محمد منسي قنديل أمام هذا المشهد مشدوهاً لا من حيث تجليات النظام الديمقراطي الحق (الغربي)
وسيادة القانون والعدالة والمساواة واقع ملموس في الحياة اليومية فحسب، ولكن أيضاً بفعل الوعي الذي لا يكف عن المقارنة بين الأنا والآخر، وهو
فعل من شأنه أن يستدعي بالضرورة الصورة النقيض للديمقراطيات العربية الشكلية أو الاسمية.
وعندما يشرع المحرر بالتجوال في المدن البلجيكية ومنها بروكسل العاصمة بوجهها العلمي والتكنولوجي والتي تقدم - في الوقت نفسه - نموذجاً
حضارياً حياً لتجاوز مشكلة القوميات أو التعددية العرقية والثقافية، وسبيلها إلى ذلك ممارسة أفراح الثقافة بعد الانتهاء من أحزان الملك، الثقافة بمعناها
الانثروبولوجي، فهي ثقافة تؤمن بالانفتاح، ولا تقيم حواجز بين ما هو رسمي وما هو شعبي، ولا تفرق بين ما هو محلي وما هو عالمي، (مئات
الاحتفالات والمهرجانات والعروض الشعبية على مدار العام) وهي ثقافة تقدس الفن، وتعي دوره في الارتقاء بالذوق الجمعي والوعي الاجتماعي
والولاء الوطني، ومن ثم لا غرو أن يكون أداتها - كما يقول المحرر - إلى تحقيق الوحدة، وسبيلها إلى تجاوز الخلافات العرقية والثقافية، ودليلها على
احترام ثقافة الآخر (التنوع في إطار الوحدة)... ليس ذلك على مستوى الدولة البلجيكية وحدها، بل على مستوى دول الوحدة الأوربية بثقافاتها ولغاتها
المتعددة، يقول أحد المسؤولين للمحرر:
أنه أم مهم أن نؤكد على تمازج الثقافة الأوربية. الاقتصاد وحده لا يكفي أن يكون أساساً للوحدة، ولكن الفن الذي يسمو على كل اللغات والحدود الذي
يمكن أن يخلق التفاهم بين الأوربيين.
وعندما ينطلق المحرر إلى مدينة أنتوويرب بمناسبة اختيارها عاصمة للثقافة البلجيكية والأوربية يومئذ (عام 1993) يزداد إيماناً بدور الفن - عنوان
الثقافة - في توحيد المشاعر الإنسانية بين الجميع، ونشر ثقافة التسامح واحترام الآخر، ومن ثم أعجبته فكرة العاصمة الثقافية، وراح يدعو - عبر
مجلة العربي - منظمةَ المدن العربية لأن تتبنى مثل هذه الفكرة بأن:
تختار في كل عام عاصمة ثقافية عربية... مدينةً تجمع بين التراث القديم والإضافات المعاصرة (!) تحاول أن تلقي الضوء عليها، وتساعدها على
إبراز معالم الجمال في شخصيتها، وأن توحّد فنونها مع بقية فنون الوطن العربي. إنها وسيلة فعالة كي تتخلّص هذه المدن من دمامتها وقبحها، وأن
تنفض الغبار عن كنوزها المطمورة، وأن تتخلّص النفوس من النزاعات السياسية العقيم، وأن نحاول أن نجد من الفن والثقافة وسيلة للتفاهم بعد أن
عجزت كل الوسائل الأخرى تقريباً.
وعلى الرغم من استجابة العرب لهذه الدعوة الرائدة التي حملت مجلة العربي لواءها، ما زال الاحتفال بعواصمنا الثقافية دون المستوى المرغوب بكثير،
إذْ يعدو الاحتفال أن يكون تلميعاً سياسياً لبعض الأنظمة السياسية والمؤسسات الثقافية الرسمية، قبل أن يكون مناسبة قومية لإنجاز مشروع فني أو
ثقافي خلاق، قادر على بث الوعي المعرفي والاجتماعي والجمالي والحضاري بين أقطار العرب، لعلّها تتخلّص من نزاعاتها السياسية العقيم على حد
تعبير محرر الاستطلاع.
4/9 أيرلندا الشمالية.. حقل الزهور والألغام
استطلاع: ماضي الخميس، وتصوير: سليمان حيدر
العربي: ص 38 - 53، العدد: 421 - ديسمبر 1993
إبان دورة أعمال العنف والتخريب لبعض الجماعات الأيرلندية المتمرّدة، ألغت مجلة العربي بنفسها في حقل الألغام، وقامت (في أواخر عام 1993)
برحلة إلى بلفاست، باعتبارها إحدى بؤر الإرهاب، فكانت بذلك أول مطبوعة عربية تجري استطلاعاً مصوراً من داخل أيرلندا، بهدف معرفة الحقيقة،
أو استكشاف هذه التجربة التي تشبه نظائر كثيرة لها في العالم العربي، وانعكاساتها السلبية الخطيرة، وكيف واجهت الإرادة السياسية هذا الأمر،
والدروس المستفادة، وكان هذا هو ما يُعني به المحرر، ويحدد له زاوية الرؤية لهذا الآخر الغربي، ويقدمها لنا فيما يشبه الوصفة الطبية، ربما نستفيد
منها في معالجة أمراضنا المزمنة والقضاء على بؤر الإرهاب في بلادنا. وعلى الرغم من أن جذور الانقسام العميق يعود إلى الماضي، فإن الشعب
الأيرلندي في السنوات القليلة الماضية شرع يتجاوزها بنجاح، كما يقول محافظ بلفاست أثناء استقباله لبعثة العربي، وذلك:
بفضل السياسات المتبعة من قبل الحكومة، حيث سعت إلى تكوين مناخ مناسب للحوار، شريطة أن يتحول هذا الحوار إلى تعزيز فرص المصالحة
والاحترام المتبادل للعادات والتقاليد المتباينة والوحدة داخل المجتمع الأيرلندي.. ولذا فقد قامت الحكومة بوضع سياسات للعلاقات الاجتماعية، تستهدف
تحقيق الأهداف الأساسية الآتية: (1) زيادة مستوى الاتصالات (التواصل) بين أفراد المجتمع. (2) الدعوة لمزيد من التفاهم المتبادل، ومزيد من
الاحترام للثقافات والتقاليد المختلفة. (3) تأمين فرص المساواة والمعاملة الحسنة لجميع المواطنين. كما عمدت الحكومة لإجراء إصلاحات تربوية
رئيسية شاسعة... وخصصت مبالغ طائلة لدعم التراث الثقافي... كما قامت بدعم واسع النطاق للأنشطة المتعلقة باللغة الأيرلندية... ووضعت خطة
مكثفة من أجل التفاهم الديني بين أفراد المجتمع.
ثم يضيف المحافظ:
بدأت الغالبية العظمى من الشعب الأيرلندي تعي أهمية السلام في المنطقة، وأن هذه الأغلبية ستتغلب في النهاية على العنف وعلى الفئات المعاكسة، وأننا
سنرى السلام قريباً وقد عمّ بلفاست... الشيء الجميل لدينا أن نعرف المشكلة التي نعاني فيها، ولهذا نسعى لإنهاء المشكلة... وتحقيق الاستقرار
الاجتماعي.
هذه هي قيم السلام الاجتماعي على حد قول المحافظ، وعندئذ تتراءى أمام عيني ماضي الخميس صورة العالم العربي بمتناقضاته الاجتماعية
والاقتصادية التي تشكل تربة صالحة للإرهاب يومئذ، وسرعان ما تقترن هذه الصورة بمشهد مضمر قوامه شتان بين أنظمة سياسية ترعى مصالح
شعوبها وأنظمة سياسية أخرى لا يعنيها إلا الحفاظ على الكرسي، وشتان بين شعوب حيّة وأخرى تحتضر.
هذه هي روشتة الإصلاح وتحقيق السلام الاجتماعي يقدمها المحرر لمن يهمه أمر هذه الأمة.
حصاد الرحلة: نداء لإيقاظ الوعي العربي والدعوة إلى التغيير الثقافي الإجتماعي
لا شك في أن أدب الرحلة - بما هو رافد من روافد التنوير - يعد شكلاً من أشكال الاحتكاك الثقافي الودّي، على حد المصطلح الأنثروبولوجي، الذي
يسعى إلى التواصل السلمي مع الآخر والتلاقح الثقافي معه، ولا شك أيضاً في أدب الرحلة - في نهاية الأمر - هو نمط من أنماط الحوار مع الآخر،
ظاهره اكتشاف الآخر المتقدم والتعرف عليه، وباطنه اكتشاف الأنا في مراياه، وحين يكون الآخر هو الغرب المتقدم فإن الأنا المتخلّف يحرص على
اكتشاف عيوبه في ضوء مزاياه، ويقف على أوجه النقص في إطار كماله، ويبحث عن مكامن ضعفه في مرايا قوته، وعندئذ يتجلّى وعي التخلف
بازاء وعي التقدم، وهو وعي من شأنه أن يحمل علامات المجتمع الذي أفرزه، وقد طبع مجتمعه بطابعه، لأنه وعي بنيوي يتخلّل كل البنى في
المجتمع: الفكرية والثقافية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية وغيرها.
ومن ثم لا غرو أن يكون السؤال المحوري لهذه الندوة هو لماذا كان التفوق والغلبة من نصيب الغرب الأوربي، وكان التخلف من نصيبنا؟ وعلى الرغم
من أن هذا السؤال لم يغب عن ذهن رحالة مجلة العربي لحظة، فقد أضافوا إليه - كما سبق أن ذكرنا -سؤالاً آخر أوسع أفقاً مع اتساع آفاق الرحلة
إلى الآخر غير الأوربي(6)، قوامه:
ما الذي فعلته أمم أخرى كانت في مثل موقفنا الحضاري، لكنها تجاوزت الأزمة وحققت مشروعها الحضاري، فكيف كان ذلك؟ وما سبيلهم إلى تنفيذه؟
وتكمن الإجابة - بفعل الوعي الذي لا يكف عن المساءلة والمقارنة والذي ينطوي عليه فعل الرحلة بين الأنا والآخر - في معرفة إيجابيات الآخر
وسلبيات الأنا كما كشف عنها وقائع الرحلات التسع التي وقفنا عندها، وفي سائر رحلات العربي إلى فضاء العالم المتقدم، وغاية الرحلة عندئذ محاكاة
ما هو إيجابي حيث تكمن أسرار التقدم، وأن معرفة قرّاء مجلة العربي بهذه الأسرار هو سبيلنا إلى تنمية الوعي الاجتماعي الخلاق الذي ينشد التغيير،
أو بالأحرى ثقافة التغيير التي تتبناها مجلة العربي، وهي الثقافة التي تشكل - على المستوى الثقافي - أو يمكن أن تشكل في مجموعها مشروعاً
حضارياً قوامه نشر الوعي الاجتماعي - بكل أبعاده المعرفية والسياسية والثقافية، وتمثل في الوقت نفسه حركة فكرية - على المستوى الاجتماعي -
لها ملامحها ومقوماتها وعناصرها التي تشير إلى واقع متعين منشود، أو رغبة في تحقيق ذلك الواقع، بهدف الإصلاح والنهوض والتقدم والارتقاء
بالعالم العربي والوصول به إلى المرتبة التي وصل إليها الآخر المتقدم في مختلف المجالات.
وهذا يعني أن رحّالة مجلة العربي اعتبروا أنفسهم، بما هم امتداد طبيعي لرحالة عصر التنوير، مسؤولين - مثلهم - عن التوجيه المعرفي والاجتماعي
والأخلاقي أمام قرّاء مجلة العربي، فكانوا حريصين على اكتشاف الذات ونقدها من أجل تحقيق مجتمع يتمتع أفراده بالقيم الديمقراطية، ويعمل فيه
الناس بتواضع ومحبة، ويهتم بقضايا التعليم وتربية النشء ويحترم الطبيعة ويحافظ على مواردها، وينمي الحس الفني والجمالي والثقافي إلى غير ذلك
من فضائل ومزايا وإيجابيات ارتآها ولمسها عند الآخر الغربي المتقدم، وعلى نحو يفضي إلى بث الوعي المعرفي والاجتماعي بين القراء العرب
بمفاهيم وقيم الآخر الغربي، ومنها: الإيمان بالديمقراطية وقيمها ومبادئها ونظمها وأنساقها التي تشكل جوهر الثقافة الديمقراطية، مثل الإيمان بالحريات
العامة، والإعلاء من قيمة الفرد في مقابل المجموع، والمجتمع في مقابل السلطة، وسيادة القانون، والحرية الفردية، والحقوق المدنية، وتفعيل مؤسسات
المجتمع المدني، والمساواة، والعدالة والشفافية، ومساواة المرأة مع الرجل، وشيوع ثقافة التسامح ونبذ ثقافة العنف، والعمل على ترسيخ الوحدة الوطنية
والقومية، والتأكيد على ثقافة الاختلاف والبعد الحضاري للأديان، وقبول الآخر، والاعتراف به واحترامه. الإيمان بالعلم والعقلانية، وأن المعرفة قوة
ما دامت تهدف إلى التجديد والتحديث والتغيير، الإيمان بالتعددية العرقية والتنوع الثقافي واللغوي، واحترام الثقافات الفرعية، وتراث الأقليات،
والاعتراف بخصوصياتهم الثقافية واللغوية (التنوع في إطار الوحدة)، واحترام إرادة الشعوب، وإيثار المصلحة العامة. الارتباط العقلاني بالتراث... إلى
غير ذلك من قيم السلام الاجتماعي التي جعلت من الغرب غرباً.
ويحمد لأدب الرحلة في مجلة العربي أنه يدعو إلى تغيير الفرد قبل الجماعة، والبدء من المجتمع قبل السلطة، وهذا هو الوعي الاجتماعي الشعبي القادر
على أن يحدّ من قوة السلطة، وأن يحفزها أو يجبرها على التغيير.
ومن إيجابيات الآخر المتقدم (الغربي وغير الغربي) أيضاً شيوع الثقافة العلمية، أو علمية الثقافة، وضرورة الأخذ بها إذا شئنا حقاً أن نعيش عصر العلم
وثورة المعلومات والانفجار المعرفي، وأن نأخذ بتكنولوجيا المعلومات التي تؤسس لمجتمع المعرفة، حيث غزت كل الميادين والمجالات على نحو
متعاظم ومتسارع، وغير مسبوق، وأصبح اعلم عندهم العامل الحاسم في تشكيل العقل والواقع معاً، كما أصبح الفاعل المؤثر - بلا منازع، في تشكيل
ثقافة المستقبل ؛ وهذا يعني أن الثقافة العلمية هي سبيلنا اليوم إلى تجاوز مركبات النقص وعقد الدونية، لأنها سبيلنا الأول إلى سدّ فجوات التخلّف،
والدخول في فضاءات العصر، واكتساب التكنولوجيا وتحقيق ثورة المعلومات وتأسيس مجتمع المعرفة، ومن شأن هذه الثقافة العلمية أيضاً أن تدعو إلى
نبذ وعي التخلّف وأن تؤسس للعقل العربي النقدي (الجمعي)، وأن تدفع إلى احترام التفكير العلمي واتخاذه منهاجاً في حياتنا العملية والعلمية، وأن تخلق
عندئذ - هذه الثقافة العلمية - وعيها الخاص بضرورة تغيير الواقع الاجتماعي عندنا.
ومن إيجابيات الآخر المتقدم (الغربي وغير الغربي) إيمانه بأن التقانة والثقافة معاً السبيل الأمثل إلى تشكيل عالم اليوم، الأمر الذي دفعهم إلى احترام
الموروث الثقافي، والاعتراف بالثقافات الشعبية - وفي القلب منها الفلولكلور - مع إيلائها ما تستحقه من اهتمام ورعاية، باعتبارها خط الدفاع الأول
في الحفاظ على الخصوصية الثقافية في عصر العولمة، باعتبارها كذلك عامل انتماء وحافز ولاء في سبيل تأكيد الهوية الوطنية أو القومية، وبهذا
تتكامل - ولا تتعارض - ثقافة التكنولوجيا مع الثقافة الاجتماعية السائدة بمعناها الأنثروبولوجي. ومن اللافت للنظر أن ثنائية الأصالة والمعاصرة -
بما هي هاجس عربي وعبء على حاضره، لا توجد لدى الآخر المتقدم، إذ لا تعارض بينهما، ولكنها لا توجد إلا في ذهن المتخلف حتى يتجاوز
عصور التخلف والهزيمة، لأنها ثنائية ثقافية مصدرها الشعور بالنقص إزاء ثقافة الغالب القاهرة.
على الضفة الأخرى من نهر الرحلة، بفعل المقارنة الواعية أو اللاواعية، بين الأنا والآخر تتجسد سلبيات الأنا عند قراء العربي وجمهور المواطنين،
بعضها معروف وبعضها مسكوت عنه... ولكن استمرار أو استمراء الإرادة السياسية لهذه السلبيات، أو عجزها عن تجاوزها من ناحية، وضعف
الإرادة الشعبية وهشاشة النخب الثقافية وانعزالها عن قواعدها الشعبية، وعدم تفعيل مؤسسات المجتمع المدني من ناحية أخرى قد ساهم في شيوع هذه
السلبيات وتفشي أدواء التخلّف في حياتنا الاجتماعية، ومنها:
هيمنة ثقافة التخلّف والجمود، خصوصاً التخلّف العلمي والتقني والجمود السياسي والاجتماعي، والخوف من بطش الحاكم في ظل ديمقراطية اسمية أو
شكلية أو هيمنة نظم الحكم الشمولي التي لا تأبه لإرادة الشعوب، إلى جانب إعلام مريض لا همّ له إلا تلميع السلطان وتغييب الشعوب، ومنها تفشي
روح القبيلة بالمعنى السياسي، ورفض ثقافة الاختلاف وفرص ثقافة القطيع، مما أدّى إلى افتقاد الحرية التي ترتبط بالمسؤولية وفعل الاختيار (وهي
بهذا المعنى أصل كل فعل اجتماعي)، وافتقاد ثقافة الديمقراطية التي تنهض على التعددية والتنوع والتنافس الحر) ومنها شيوع الثقافة الاستهلاكية دون
أن يواكبها ثقافة إنتاجية موازية (ثقافة الأداء والامتياز في العمل) حيث التهاون وهدر الوقت وضآلة الإبداع الجمالي والتكنولوجي، الفكري والمادي،
وازدراء العمل اليدوي، ومنها شيوع الأنانية وإيثار المصالح الذاتية على حساب الوطن، وتفشي الفساد الإداري والاقتصادي والأخلاقي وانتشار
المحسوبية وغياب الشفافية والنزاهة، والهيمنة والتسلط والاستبداد والتعصب الديني، وانتشار الفقر والجهل والأمية الثقافية والألفبائية، وافتقاد الحقوق
المدنية، وعدم احترام آدمية الإنسان العربي، وأزمة المجتمع المدني، والخوف الموهوم من ضياع الهوية وفقدان الذاتية. وعدم الثقة بالنفس، ومن ثم
الخوف من التغيير، وإيثار الانكماش على الذات والتردد في الانفتاح على الآخر على نحو يقود إلى العزلة والوجود الانفصامي في الحضارة العالمية.
ومنها الركون إلى جلد الذات أو تبخيس الذات، إدمان إلقاء مسؤولية تخلفنا وضعفنا وما نتعرض له من ظلم وإجحاف على الآخر الغربي تحديداً وشيوع
نظرته المؤامرة والركون إليها من غير أن نلوم أنفسنا أو نعترف بمسئوليتنا عن أوضاعنا الراهنة وعن مصائرنا، مما يشي بانعدام المسؤولية وفقدان
العقلانية، والعجز عن إنجاز الفعل اكتفاء بترديد الشعار البراق أو بلاغة القول، فضلاً عن تدني معدلات الأداء الاقتصادي، وتواضع معدلات النموّ،
وقبول الضيم والهوان على النفس والشعور بالاغتراب، وعدم إقرار حق المرأة في المساواة والعناية بالنشء، وشيوع الإحباط القومي والثقافة النكدية في
زمن الانكسار الحضاري، ناهيك عن ازدراء الثقافة الشعبية والفولكلور والاستعلاء عليهما (على النحو الذي توشك معه الذات العربية على الضياع أو
الذوبان في ثقافة الآخر، من غير أن نعي الأهمية القصوى للثقافة الشعبية شريطة التعامل مع هذه الثقافة من منظور عقلاني وفكر نقدي واع لمتطلبات
العصر). إلى جانب نظم تعليمية مهترئة لا هدف وطنياً أو قومياً لها، عاجز عن إنتاج الخطاب العلمي ومنجزاته الحضارية، نظم تعلّم الخنوع، ولا
تحرض على ثقافة التغيير أو التفكير، وعدم الشعور بالواجب الحضاري، تقديس التراث اللاعقلاني وعبادة الماضي على نحو أدّى إلى هيمنة العقل
الغيبي والفكر الخرافي ونفي الآخر الثقافي أو المغاير.
وعلى الرغم من أن الذات العربية تعي هذه السلبيات وعياً كاملاً، لكنه - فيما تقول مجلة العربي - وعي سلبي، لأنه لا يقدّم البديل الناجع، فنحن
نعرف ما نريد ولكن نعجز عن تحقيق ما نريد، ولأننا ببساطة نفتقد آليات التنفيذ والتطبيق على جميع الأصعدة السياسية والنخبوية والشعبية، وخير مثال
على ذلك الوعي، إدراكنا بأن الافتخار بتراث الماضي وحده لا يبني مجتمعاً ناهضاً ولا يشيد حضارة معاصرة قادرة على انتشال الذات العربية من
وهدة التخلف إلى ذرى التقدم ما لم تواكبها منجزات العصر التكنولوجية والعلمية، استيعاباً وتحقيقاً، ممارسة وتطبيقاً، مع ذلك ما زلنا عاجزين عن
الإنجاز، وكلنا يعلم أن العلوم والتكنولوجيا في عالم اليوم - وأساسهما العلم والفكر العلمي - هما مفتاح العصر لتحقيق التنمية الإنسانية العربية، على
حد قول مجلة العربي في رحلاتها إلى الآخر المتقدم، وبرهنت عليه من خلال رحلاتها إلى شعوب كبيرة كانت في مثل حالنا من التخلّف، ولكنها
تجاوزته اليوم.
ومما له مغزى في هذا المقام أيضاً - ويؤكده أدب الرحلات في مجلة العربي - أن تجنب هذه السلبيات التي تعوق الذات العامة وتجاوزها والقضاء
عليها هو سبيلنا إلى تحقيق الذات، خصوصاً الذات الحضارية، العلمية والتكنولوجية، فهي قادرة بالتأكيد على استيعاب أعقد المنجزات المادية للحداثة،
بدليل أن مئات الآلاف من العلماء العرب المهاجرين إلى الآخر الغربي قد حققوا ذواتهم وساهموا في تحقيق حضارة العصر العلمية والتكنولوجية على
نحو عالمي مشهود به في مختلف المجالات بغير استثناء، مستفيدين من (إيجابيات الآخر) ولو ظلوا في بلادنا لعاقتهم سلبيات الأنا ووأدت مواهبهم
الإبداعية، المادية والفكرية، والسؤال الجوهري المضمر هو: كيف نجحوا هناك وفشلوا هنا؟
وهنا تتبدّى الوظيفة التحريضية التي تقودها مجلة العربي لتحقيق ثقافة التغيير، وهي ثقافة من شأنها تغيير الواقع، في كل جوانب الحياة والمجتمع، عبر
دورها في تنمية الشعور أو الوعي بأهمية التغيير، ونبذ وعي التخلف (تخلّف الثقافة المهيمنة) سبيلاً على الارتقاء بالمجتمع العربي، وتجديد الفكر
الاجتماعي ومواكبة العصر. كما تتجلّى في الوقت نفسه الوظيفة المعرفية لأدب الرحلة، وما تفضي إليه من تنمية الوعي المعرفي بما هو السبيل إلى
تحريك سلوك الإنسان العربي سياسياً واجتماعياً، وبما هو العامل الحاسم والشرط الأساسي في تقدم المجتمع وازدهاره، وهو أمر من شأنه أن يرقى
بالأنا، ويدفعها إلى تحقيق الإصلاحات الضرورية في المجتمع، والقضاء على سلبيات الذات العامة، والنهوض بها نحو التقدم وآفاق العصر. ذلك أن
التغيير لا يحصل ما لم يحصل الوعي بالتغيير، وأن التغيير الموضوعي لا يحصل إلا بالتغيير الشعوري، وهذا هو الهدف الأسمى لأدب الرحلة في
مجلة العربي الذي تحاول أن تغرسه في نفوس قرائها تثقيفاً وتنويراً، في إطار سعيها (أداء رسالتها) لإرساء دعائم المجتمع العصري القائم على تعزيز
المشاركة المجتمعية، والعمل الدائم نحو التطوير والتحديث، شريطة توافر ثلاثة أركان رئيسة، تأكدت لدينا عبر نصوص الرحلة في مجلة العربي
(تجارب الشعوب) هي:
إرادة سياسية جادة لها رؤية واضحة وجادة نحو التنمية الإنسانية لمجتمعاتها، وخطط تنموية طموح في ضوء الواقع الراهن أو الجارح، وقيادات تنفيذية
على درجة عالية من الوعي والشجاعة تعمل بقوة وضمن آليات محددة على تطبيق الخطط الموضوعة وتطويرها وفق مقتضيات المجتمع المنشود.
وفيما عدا ذلك، فإن جوهر المسألة والسؤال الذي لا يمل رحّالة العربي من تكراره - في كل رحلة - سيبقى قائماً، وهو المتمثل في كيفية نجاح الحداثة
في بلدان وبنى مجتمعية تتقارب مع ظروفنا على نحو كبير، وكيفية فشلها أو تعثرها المتكرر في وطننا العربي... ذلك أن الله لا يغير ما بقوم حتى
يغيروا ما بأنفسهم.
الهوامش
(1) انظر: محمد رجب النجار، أدب الرحلة وتطوره، مجلة العربي نموذجا، ص40 وما بعدها (تحت الطبع).
(2) من المعروف أن معظم المفكرين ومثقفي النخبة بعامة يرون العالم وحياة كل أمة في ضوء الشارع الغربي، وبات الغرب يرى نفسه العالم وما عداه أطراف وهوامش، وتحاول الولايات المتحدة بفكرها الرسمي تأصيل المركزية الأوربية، على نحو ما هو ما يروّج له صمويل هنتنجتون حين يتحدث عن العالم فيقول الغرب.. والبقية: The West and The Rest.
(3) مثل اليابان ودول النمور الأسيوية، أو بعض دول أوربا الغريية نفسها كألمانيا وفرنسا وقد خرجت كلتاهما من الحرب مدمرتين تماماً بعد الحرب العالمية الثانية وغير ذلك من دول يشار إليها في المتن.
(4) يقف المحرر طويلاً عند الحيّ الصيني في نيويورك، ممنبهراً بقدرة الصينيين على المحافظة على استقلالهم الثقافي ونمط حياتهم الاجتماعية المحافظ على تقاليدهم وتراثهم وفولكلورهم، كما يتجلى في فنونهم وأطعمتهم وأزيائهم ومهرجاناتهم... إلخ. برغم كونهم مواطنين أمريكيين، وبرغم انتمائهم لثقافة التكنولوجيا التي تمثلها نيويورك.
(5) مثال ذلك: حديث المحرر مع الأستاذ الدكتور يوسف مروّة (اللبناني الأصل) عالم الفيزياء النووية الشهير، والباحث في الشؤون العربية والإسلامية، ومن جهوده العلمية المميّزة - في خدمة الحضارة العربية - أنه استطاع أن يثبت بالدليل العلمي القاطع، ومن خلال النقوش والكتابات والآثار الإسلامية، أن المسلمين قد وصلوا إلى أمريكا قبل الفايكنج وكولومبس بحوالي خمسمئة سنة، وأن الفينيقيين أيضاً كانوا قد وصلوا أيضاً إلى القارة الجديدة قبل كولومبس بألفي سنة قادمين من لبنان. (ص 59 عدد 487).
(6) من هنا كانت رحلات العربي إلى كثير من الدول غير الأوربية كانت في مثل موقفنا الحضاري ولكنها تجاوزته مثل الصين والهند وفيتنام، ومثلها دول النمور الأسيوية، وبعض دول أمريكا اللاتينية، جميعها حققت الوطنية وانطلقت تحقق بنجاح نهضتها وتقدمها (خاصة على مستوى التصنيع والتشغيل والإنتاج وارتفاع مستوى الدخل، بل إن بعضها دخل النادي الذري وصار يهدد الغرب، بعد أن وضعت أقدامها على عتبة الاقتصاد الصناعي الحرّ... حتى دول أوربا الشرقية استطاعت أن تطور نظمها السياسية إلى نظم ديمقراطية، كما نرى في الكثير من رحلات العربي إلى هذ الدول. ومن ثم فالسؤال التحريضي المضمر هنا: ما هو دورنا الفاعل ومنهجنا للخطو على طريق الصعود وبناء المجتمع العربي الحديث؟
الصفحة الرئيسية للجلسة