أبحاث الفترة الصباحية الثانية ليوم الأحد
رئيس الجلسة : أ.د. علي الطراح عميد كلية العلوم الاجتماعية
القسم الأول: نحن والغرب
(العرب وعلاقتهم بالغرب)
مصطفى نبيل
نحن والآخر: التأثير والتأثر
نحن والغرب والتأثيرات المتبادلة، ورؤية كل منهما للآخر، إحدى أهم القضايا الثقافية التي تواجهنا، وتدوين الرحيل إلى بلاد الغرب، نموذجًا حيًا على مدى تلك التأثيرات المتبادلة.
وهي علاقة ملتبسة، فتأتي من الغرب المعارف المختلفة، والتقدم العلمي، ويأتي منه أيضا محاولة التبعية والهيمنة!
نجد في الغرب تطور العلوم وتاريخها، والأفكار الحديثة، ونحتاج إلى عملية تحديث كبرى كي نلحق بركب التقدم، ونحن ننتمي إلى عالم واحد، ونوع واحد، والتقدم البشري العصري هو جماع التجارب الإنسانية، بدءًا بقدماء المصريين ومرورًا بالرومان واليونان والعرب.
ونحن العرب ندين بالكثير للغرب، كما دان الغرب بالكثير للحضارة الإسلامية في العصور الوسيطة.
وتأتي معرفة الأجيال المعاصرة بالعلوم الطبيعية والطب والهندسة في جميع فروعها من الغرب.
ويتميز التاريخ الحديث للغرب خلال القرون الأربعة الماضية، بالإنجازات المعرفية الكبيرة التي استطاعت أوربا بواسطتها الانتقال بالعالم إلى مرحلة جديدة، يحتل فيها مكانة عالية، واقترنت هذه الإنجازات العلمية بالاتجاه إلى تطبيقها فغيرت وجه العالم.
وظهرت ثنائية في حياة الغرب.
تقديس الحياة وصناعة الأسلحة التي تدمر البشرية، التقدم التقني العالي والسعي إلى الهيمنة على العالم، ومن ناحية أخرى الفنون والثقافة الإنسانية الجميلة وإشاعة الانحلال.
ويتساءل زائر أي بلد غربي هل ما يراه سماحة أم إباحة؟.. فالمجتمع الغربي المتحضر يحمل كل مزايا التحضر وآفاقه، ولكنه يحمل عناصر البقاء والفناء معا، تسير هذه الدول على حبل مشدود بين السماحة والإباحية التي كانت على الدوام سبب انهيار الأمم.
تفوق عقلي ومعرفي واستغلال هذا التفوق من أجل السيطرة، وظهر الارتباط الوثيق بين الثقافة والسياسة، وظهرت أيضا ازدواجية المعايير والنأي عن العدل.
فعند نهاية الحروب الصليبية، قامت النهضة الأوربية، وأخذت أوربا تخلع ثوب القرون الوسطى، وتوقف النمو أو كاد في الشرق، وساد التقليد والجمود مما أدى إلى اختلال توازن القوة بين الشرق والغرب،وانتهى بالسيطرة الكاملة للغرب على الشرق وبزوغ (الظاهرة الاستعمارية).
وحقا ما ذكره المؤرخ البريطاني السير ستيفن رونسيمان.. علاقة الشرق والغرب، سلسلة طويلة للتفاعل والاختلاط، وكانت الحروب الصليبية حلقة مأساوية هدامة، فقد كان فيها الكثير من الشجاعة والقليل من الشرف، وكثير من التقوى وقليل من التفهم، ولطخت المثل العليا بالقسوة والجشع، ولوث التفاني والجلد الإحساس الأناني الأعمى، واختلط أخيرا السمو الأخلاقي بضيق الأفق.
وجاءت موجة جديدة من اتصال العرب بالغرب مع صليل السيوف وقصف المدافع أي مع قدوم الحملة الفرنسية إلى مصر منذ قرنين من الزمان، وكانت هناك بوادرنهوض في الشرق كما يرى البعض، وأجهضته الحملة الاستعمارية محمود شاكر في الطريق إلى ثقافتنا (وبيتر جران) ما بعد المركزية الأوربية.
ويرى البعض الآخر أن الحملة الفرنسية جلبت معها المطبعة لأول مرة والتي كانت بداية يقظة الشرق.
وجاتء حصيلة قرن ونصف القرن من الحكم الاستعماري سلبية تماما، سواء بالنسبة للنهضة بجميع جوانبها الاجتماعية والاقتصادية، أو فيما يتعلق بالتعليم ومحو الأمية، وشكل الاستعمار حجر عثرة حقيقية في طريق النهوض والتقدم.
وواجهت حركة النهضة العربية إشكالية عظيمة، مازالت قائمة حتى اليوم، رغم التجارب والخبرات التاريخية، فتواجه الحضارة العربية طرقات عنيفة من حضارة أخرى أقوى وأكثر عنفوانا وتنجذب إليها في الوقت ذاته!
واختلط الأمران كالخيط الأبيض والخيط الأسود من الفجر، الذي يصعب على العين أن تفرق بينهما.
فكيف نفصل في الحضارة الغربية بين التحضر من جهة والقوة والهيمنة من جهة أخرى!
وما هي الحضارة؟ أليست مستوى عاليا من الرخاء المادي، ودرجة عالية من التقدم الفكري؟.. وفي الوقت ذاته القدرة على الارتفاع بقيم الإنسان، وحماية حصانة المواطن ضد القهر والعسف، والحفاظ على حرية الإنسان وكرامته، ورقي ذوقه في مجالات الفنون والآداب والثقافة.
وهذه هي معاني الحضارة التي خلبت لب المسافرين والمتعاملين الأوائل من البلدان العربية إلى أوربا، وحتى حين جاءهم الأوربيون غزاة مستعمرين.
نجد الجبرتي في عجائب الآثار في التراجم والأخبار يتعجب من أن سليمان الحلبي الذي قبض عليه متلبسا ومعترفا بعد قتله كليبر، ومع ذلك يقدم إلى المحاكمة!
وشهدت العلاقات بين الشرق والغرب خلال القرون الأربعة السابقة، حلقات متتابعة مع الصراع والتوتر والمعارك الدامية والخاسرة، مما دفع الشرق إلى إيثار السلامة، ونأى في كثير من الأوقات عن الاستفادة بالقدر الكافي من علوم العصر، مما أدى إلى عدم التفاعل الخلاق مع مستحدثات العصر، ومع قيام الظاهرة الاستعمارية تحولت بلدان عربية إلى مجرد مستهلك لمنتجات وأفكار الدول الاستثمارية، ترسم السياسات لصالح الدول الاستعمارية وليس لصالح الشعوب العربية، وتعثرت الخطى - مثلا - بين الذين يطالبون بأن تكون مصر قطعة من أوربا، أو أن يكون الشرق والغرب وحدة واحدة، وبين الذين يطالبون بإغلاق الأبواب حفاظا على التراث والهوية!
وأصبحت أعلى الأصوات أكثرها كسلا وهي أصوات المقلدين، سواء لمستحدثات العصر أو لما هو عتيق تخطاه الزمن، والبعد عن التفاعل الخلاق مع كليهما.
والمعضلة هي كيف نستفيد من تطور المعرفة البشرية، وتجنب الهيمنة السياسية، ونسعى للتحديث ونتجنب التغريب؟
ظهر تيار يرفض أن نتخذ من الغرب نموذجا.
على اعتبار أن الغرب أصبح توسعيا مسيطرا وفي الوقت نفسه صاحب منهج متميز غير مجرى المعرفة في العالم.
فمع أي الوجهين نتعامل، هل نتعامل مع إنتاج المعرفة في أشد صورها تقدما، أم مع دعوة التباعد عن السيطرة والهيمنة؟!
ورغم هذه التساؤلات ورغم اعتراض المعترضين، فإن التعامل قائم بيننا وبين الغرب، ولم يتوقف يوما استمرار التفاعل بينهما سواء في القوى المهيمنة أو التيار الرئيسي في المجتمع العربي.
وقد تلا رحيل الاستعمار في منتصف القرن العشرين، فترة لم تدم أكثر من عقدين، فترة قصيرة واستثنائية.
وكل شيء يدل على أن المحصلة النهائية لقرن ونصف القرن من الاستعمار الأوربي، لم يكن من الممكن أن تكون أفضل كثيرا مما كانت عليه، وأذكر عندما سألت بن بللا عن تقييمه للتجربة العربية، قال لم نعط تحدي القوى الاستعمارية من الاهتمام، واستخففنا بها، فكان ما كان.
والدول الاستعمارية كانت على استعداد لعمل أي شيء لكي تعطل التصنيع والنمو الديمقراطي وكذا التعليم والثقافة والتعاون بين البلدان العربية ولا أقول الوحدة العربية.
وهناك أكثر من محاولة ناجحة للنهوض مرة في عصر محمد علي التي انتهت بموقعة (نافارين) ومرة أيام ثورة عرابي وانتهت بدخول الإنجليز في يوليو 1882 والثالثة في عصر عبدالناصر التي ضربت في يونيو 1967.
وهناك كتاب (الاستشراق) للدكتور إدوارد سعيد، الذي يتناول العلاقة بين الشرق والغرب والذي صدر عام 1978، والذي يؤكد فيه أن الاستشراق الذي يفترض أن يساهم في الفهم المتبادل بين الشرق والغرب، هو إحدى أدوات الإمبريالية وارتباطها بالصهيونية.
لذا، فهي تحط من قدر الشعوب والثقافات الشرقية تبريرا لاستخدام العنف ضدها، مما أتيح معرفة مزيفة مشوهة للآخرين في صور وقوالب اختزالية، هدفها التحكم والسيطرة والتلاعب.
وحل محل (الشرق) مجموعة من الأفكار والاستعارات والأساطير لتاريخ العرب والمسلمين، وتجارب اللغة القومية، وتفرض ثقافات بديلة، وأبرز إدوارد سعيد أن الغرب ليس شيئا واحدا، فهناك الحركات والقوى والتيارات المعادية للاستعمار.
والمثل على هؤلاء الذين لا يعرفون النزاهة صمويل هنتنجتون وبرنارد لويس وفريدمان وهذه الأفكار الاختزالية، ومع تكرارها تتشكل الأفكار الشائعة والزائفة عن الإسلام، وركوده ومقاومته للحداثة وهوس العنف اللاعقلاني.
وعلى مدى القرن التاسع عشر، فإن المواجهة السياسية والعسكرية، قد شحذت همم المفكرين والقادة، يبحثون عن مكامن القوة في الغرب، ويحاولون نقلها، وعن مكامن الضعف لديهم ويعملون على تلافيها، وجرى كل ذلك، سواء في مجال الإنتاج أو الدفاع العسكري، أو في النظم والأساليب والأفكار والقيم، ومن الطبيعي أن تتشعب وجوه النظر وأن تتنوع التجارب.
وجاء الاقتحام العسكري والسياسي فاضطربت المعايير، وشلت القدرة على التمييز وتاهت الفروق بين التجديد والتقليد، وبين الإصلاح والاستبدال الأعمى.
ولم يتبينوا مدى الجبر أو الاختيار في تحديد ما يؤخذ عن الغرب، وما يترك من نظمهم وأفكارهم وأصول حضارتهم.
القسم الثاني
مفكرون عرب وماذا رأوا في بلاد الغرب؟
رحلة الطهطاوي والتواصل بين الشرق والغرب
سيرة أسامة بن منقذ والنظرة إلى الغرب
المكناسي ورحلة قديمة إلى إسبانيا
الغرب في عيون رفاعة
إن رفاعة منبهر أشد ما يكون بالفنون الصناعية والمعارف الجديدة، ويدرك الخطر الذي يعنيه سبق أوربا، قويت شوكة الإفرنج ببراعتهم وتدبيرهم، وهذا ما دعا محمد على الاستعانة بـ (الافرنج) وأسباب البعثة إلى الغرب، وكان هدف رفاعة من كتابه حث ديار الإسلام على البحث عن العلوم البدائية والفنون والصنايع، فالحق أحق أن يتبع.
ورفاعة لا يعمل من أجل التعريف ببلاد الفرنسيس فحسب، وإنما لحث ديار الإسلام على الأخذ بأسباب الرقي والحضارة.
تخليص الإبريز في تلخيص باريز.
أو - الديوان النفيس بإيوان باريس.
تخليص الإبريز - أي الذهب - في تلخيص باريس أحد الكتب الرائدة، ربما تفوق أهميتها حدود عصرها، وكاتبه الشيخ رفاعة رافع الطهطاوي، الذي لا يختلف أحد على ريادته في نقل الثقافة الحديثة إلى الشرق، ولا على أثره العميق في الثقافة العربية، بل ويرى البعض أن هذا الكتاب يعد أهم وثيقة أدبية في مصر، في النصف الأول من القرن التاسع عشر.
وقصة حياة الشيخ ذات دلالات وإشارات متعددة.. وهو يشترك في الكثير من جوانب حياته مع كل من د.طه حسين والإمام محمد عبده فخرج هؤلاء من رحم الشعب، يدركون معاناته وأوضاعه البائسة، وقدم كل من رفاعة وطه حسين لبلدهم أعمالا عظيمة، وجمعتهما الدراسة في الأزهر الشريف ثم التعرف على الثقافة الغربية ببعثة كل منهما إلى فرنسا، وهو ما حدث مع محمد عبده، الذي عاش في باريس وأصدر مع الأفغاني مجلة (العروة الوثقى) وهو صاحب القول الشهير (وجدت في الغرب إسلاما بلا مسلمين، وفي الشرق مسلمين بلا إسلام).
ولعبت الصدفة دورا مهما في حياة رفاعة، فلولا اختيار شيخه حسن العطار ما أخذ فرصة السفر إلى باريس مع البعثة المكونة من أربعين دارسا، حينما كان الفتى في مقتبل العمر في حوالي الخامسة والعشرين من عمره، وعمل بنصيحة شيخه في تدوين رحلته، وأخذ يسجل مشاهداته وانطباعاته.
وجاء هذا الكتاب (الرحلة) غنيا بالمعلومات والمعارف والأمثلة الحية والشواهد.
ويتضمن الكتاب في صلبه العلاقة بين الشرق والغرب، ووضع في رحلته خبرة خمس سنوات من العمل الدءوب، واستطاع أن يمزج الشرق والغرب في سبيكة واحدة، فاحتفى بإيجابيات الغرب بلا عقد وبلا أحكام مسبقة، كأي عمل علمي جاد، ومن خلال اكتشافه الغرب أعاد اكتشاف الشرق.
ولا يدهشنا أن نراه قد أفسح في كتابه مكانا لترجمة الدستور الفرنسي، وترجمة لنصيحة الطبيب للحفاظ على الصحة.
وإذا كان العالم الفرنسي شامبليون قد قدم الحضارة الفرعونية القديمة للعالم عندما فك شفرة حجر رشيد، فكذلك فعل الطهطاوي الذي فك شفرة النهضة الأوربية.. والتي قدم الكثير من جوانبها، وقدم للقارئ في الشرق صورة فرنسا باعتبارها عاصمة الحضارة الغربية في هذا الوقت.
ووصل رفاعة إلى النغمة الصحيحة، والمعادلة المتوازنة، ودعا إلى ضرورة الإمساك بحضارة العصر والتفاعل معها، ولم يكن حديثه عن الحضارة الأوربية مجرد ناقل لما يشاهده وإنما كان يناقش ويحلل ويعلل ويقارن، كل ذلك في يقظة ذهن وبصيرة نافذة، يتجول في شوارعها ويراقب أهلها، ولم يغب عن باله ما يجري في وطنه، ولم يكتف بالمقارنة ولكن رسم معالم النهضة في الشرق، ونادى بسرعة العمل في اللحاق بالدول الأوربية، ونقل خبرته ومشاهداته للقارئ، وأخذ يبحث عن أسباب النهضة في مكونات حضارة العصر المتطورة، وأخذ يبحث عن إجابة سؤال.. لماذا تأخر المسلمون.. وتقدم غيرهم؟
وأهم ملاحظاته في الإجابة عن هذا السؤال هي تفوق هذه البلاد وبراعة أهلها في العلوم البرانية والفنون والصنائع والرغبة في جلب ذلك إلى الديار الإسلامية لخلوها منها.. ومع الأسف إنه حتى اليوم يغلب على الثقافة العربية الإنسانيات على حساب العلوم الحديثة.
وكانت رحلته - بحق - عملية وصل بين الشرق والغرب، ولم يقتصر على مجرد التعريف ببلاد الفرنسيس، بل حث شعوب الشرق على الأخذ بأسباب التقدم، وأخذ يقارن ويلتقط الفروق ويحللها، وينادي للأخذ بأسباب النهضة الأوربية، ولا يرى في ذلك أي شبهة تعارض مع ميراثه الفكري.
ولم يمنعه شيء من البحث عن سر تقدم الغرب، يقول إذا كانت البلاد الإفرنجية قد بلغت أقصى مراتب البراعة في العلوم والرياضة والطبيعة، وإذا كانت البلاد الإسلامية قد برعت في العلوم الشرعية والعمل بها، فإنها في حاجة إلى كسب ما لا تعرفه، وجلب ما تجهل صنعه.
فكان لقاء الشرق والغرب عند الطهطاوي لقاء وفاق، قدم خلال رحلته العلوم والفنون والصناعات، ولم يجد في ذلك أي تعارض مع هويته.
المكناسي في إسبانيا
ومن الشخصيات التي زارت الغرب وإسبانيا بالذات في القرن الثامن عشر عام 1779م، ووصف الغرب بعيون شرقية هو السفير المغربي ابن عثمان المكناسي.. والذي اتخذ موقفا مختلفا عن رفاعة.
ولم يلفت انتباه المكناسي خلال إقامته سوى الطغيان والفجور والذي عبر عنه في كتابه (الإكسير في فكاك الأسير) ولعل قراءة هذه الرحلة وتأمل علاقات الشرق والغرب في ظروف متباينة يساهم في تجاوز حالة الإزدواجية، ويفسر سبب ضياع صوت الذين حصلوا على ثقافة الغرب، ولا يصل صوتهم إلى عقولنا وقلوبنا، ويصبح المتحدث في واد والمستمع في واد آخر.
وصف المكناسي في كتابه معالم الحياة في إسبانيا، وتناول الحجر والبشر، وتوقف عند الرقص وفن التمثيل ومصارعة الثيران، ومختلف مظاهر العلم والفن، ولم يفته وصف الطبيعة الساحرة؟
سماحة أم إباحة؟
وأول مايلفت نظر الزائر لإحدى الدول الغربية العلاقة بين الرجل والمرأة، هكذا كان الحال مع ابن عثمان ومع رفاعة، يقول المكناسي: اجتمع بالدار التي نزلنا بها أعيان البلد، وبعد العشاء اجتمع نساء أعيان البلد، فتلكأت في الخروج، فألح علينا الحاكم، فإذا بجمع كثير من النساء قد أظهرن زينتهن بما لا يناسب ويقول في موضع آخر.. وردت الضامات نساء الأكابر يقصد السيدات، وأحضرن الموسيقى التي لهن اعتناء كبير بها، ورقصن مع أكابر البلد نساء ورجالا.... ويصف ما شاهده في المتنزهات بقوله: وهووا من شفا جرف هار إلى بحبوبة الناس وبئس القرار.. ويضيف: اجتمعوا ذات ليلة نساءً ورجالاً ورقصت النساء كما هي عادتهن، وترى الرجل جالسًا مع امرأته وابنته ترقص مع أجنبي، ويناجي بعضهم بعضا، ولا حياء لديهم مع ما هو معلوم بينهم وشائع من الفسق والزنا، ولا يبالون بشيء فقد جبلوا على عدم الغيرة!
وهنا يتفق ابن عثمان مع رفاعة في الموقف من العلاقة بين الرجل والمرأة، ويسجل الطهطاوي خلال رحلته إلى باريس عام 1826 تحفظاته ويصف الفرنسيين بقوله: ومن خصالهم الرديئة قلة عفاف كثير من نسائهم وعدم غيرة رجالهم، فيما يكون عن الإسلام من الغيرة! ولكنه لا يقف عند ذلك!!
رؤية أسامة بن منقذأيام الحروب الصليبية
ويلاحظ أن هذا الموقف من العلاقة بين الرجل والمرأة موقف قديم، تستطيع أن تجمع أطرافه في العدد من الكتابات العربية، فمثلا في كتاب الاعتبار لكاتبه الفارسي العربي أسامة بن منقذ، الذي شارك في الحروب الصليبية، يبدي دهشته من هذه العلاقة، وعندما يتطرق الحديث إلى عادات وتقاليد الإفرنج، يجد الشرقي في هذه العلاقة نقطة تمايز لديه والعكس صحيح.
ويلفت نظر أسامة ما تتمتع به المرأة عندهم من حرية، فأفاض في نقد ذلك، وجاء على لسانه: ليس عندهم شيء.. من النخوة والغيرة، يمشي الرجل مع امرأته ويلقاه آخر، فيأخذ المرأة ويعتزل بها ويتحدث إليها، والزوج واقف بعيدا ينتظر فراغها من الحديث، فإذا طولت خلالها مع المتحدث تركها ومضى..!، ويبدي دهشته من أن بعض النسوة قد لبسن الشفوف المطرزة، وجلسن على الدواوين يستمعن إلى أنغام العود والرباب....
ويحكي مستنكرا كيف جاء افرنجي يوما ووجد رجلا في فراشه مع امرأته، فسأله: أي شيء أدخلك عند امرأتي؟ فأجاب: كنت تعبان ودخلت أستريح.
قال: وكيف دخلت إلى فراشي؟ أجابه: وجدت فراشا مفروشا فنمت فيه، قال: ولكن المرأة نائمة معك. أجاب: الفراش لها، فهل أمنعها من فراشها!
وقال الزوج غاضبا، وحق ديني إن عدت إلى ذلك مرة أخرى تخاصمنا!! وهذا كل تفكيره ومبلغ غيرته.
ثم يروي قصة مدهشة أخرى.. شهدها حمام المعرة، يرى أحد فرسان الإفرنج عربيا حليق العانة، ويطلب أن يعلمه حلقها، وبعد أن علمه طلب منه أن يعلم الداما أي امرأته، فأرسل في طلبها وجاءت إلى الحمام، واستلقت على ظهرها، حتى علمها، ورجلها قاعد ينظر!
ويتساءل مستغربا.. ليس فيهم غيرة ولا نخوة، ومنهج الشجاعة العظيمة، وما تكون الشجاعة إلا لمن لديه النخوة!
القسم الثالث
لمحات من تجربتي الذاتية
في بعض الدول الغربية
- فنلندا.
- إيطاليا.
- ألمانيا.
* كان ذلك عام 1985 أثناء عملي بمجلة (العربي) الكويتية.
عند استرجاع رحلتي إلى فنلندا آخر ركن في العالم، والتي نشرت في مجلة (العربي) عدد مايو 1985.. يلاحظ الاهتمام بعلاقة الشرق بالغرب، وتطور الصناعة رغم قسوة المناخ، وكيف استطاعت فنلندا أن تكون جزءا من الدول الإسكندنافية رغم اختلاف النظم والتباين في الارتباطات السياسية.
وهذه بعض النصوص التي وردت في تلك الرحلة.
ألحت على ذهني خلال جولتي بين ربوع فنلندا تلك العلاقة القديمة بين الشرق والغرب، والتي تبرز عند المقارنة بين حالنا وحالهم، بين أوضاع الشرق وأوضاع الغرب.. وهنا.. حيثما ذهبت تجد كل شيء منظما، وترى وجه الدولة، ليس في صورة الأوامر والنواهي أو التعليمات، بل تظهر في العناية التي تقدمها للمواطنين، وفي وضع القواعد التي تجعل حياة الناس أسهل وأجمل، ترى وجه السلطة في أقصى مكان من الغابة أو في جزيرة معزولة في صورة الخدمات التي تقدم للسكان، وفي تنظيم المباني، وفي إعداد مواقف السيارات، وفي وضع نظام (كود) للصيد والحفاظ على البيئة، وحتى ترى هذا الوجه في علامات الطريق من أجل تسهيل وتجميل الحياة.
وقديما كان الشرق ينظر إلى الغرب على أنه مصدر الهمجية، وتغير الحال اليوم، وتراوحت العلاقات بين الشرق والغرب في مواجهة أحيانا، وتعاون أحيانا أخرى، وفي كل الأحوال تميزت العلاقة بالأخذ والعطاء.
ورغم أن فنلندا بلد صغير في ركن العالم البعيد، فإن تبادل المعرفة، الأخذ والعطاء بينه وبين الشرق مستمر وثري، ففي الأدبيات العربية، أول من كتب عن (الفايكنج) السكان الأصليين في هذه البلاد، بل هم المصدر التاريخي الوحيد عن حياة أهل الشمال، وعلى الشاطئ الآخر فإن تراث وأعمال المستشرقين الفنلنديين لها مكان بارز في مكتبة الاستشراق.
كتب الرحالة العربي ابن فضلان رسالة منذ ما يزيد على ألف سنة، ولا تقتصر أهمية هذه الرسالة على قيمتها التاريخية بل كمصدر أول لدول شمال أوربا في زمن لم تكن تعرف فيه هذه الدول القراءة والكتابة، بل وارتفعت قيمة هذه الرسالة وأصبحت أحد مصادر الكثير من الأعمال الفنية والأدبية، وآخرها الرواية والفيلم السينمائي الذي كتبه (مايكل كلايتون) في روايته (أكلة الموتى).
ولكن كيف وصل ابن فضلان إلى آخر أركان الدنيا، والذي كان سنة 921م (11 صفر 309هـ)، وفي عهد الخليفة العباسي (المقتدر بالله) أرسل وفدًا إلى أرض الصقالبة على رأسه ابن فضلان، وعبر ابن فضلان نهرجيحون وصل بخارى ثم توغل حتى وصل نهر النوبى، واستغرقت هذه الرحلة أحد عشر شهرا.
ودون ابن فضلان رحلته بكل مغامراتها وتفاصيلها.
وفي الطريق اختطفه جماعة من (الفايكنج) أصل سكان (اسكندنافيا) فأخذوه معهم وأجبروه على أن يعيش حياتهم، ومنحته هذه المصادفة أعظم ما يتوق إليه الرحالة، وسجل كل ما رآه عن حياة (الفايكنج) وغدا صاحب الوثيقة الوحيدة في التاريخ التي تصف حياة السكان وتقاليدهم.
وصف دهشته من جمال مظاهر الطبيعة، ويحكي حيرته في تحديد موعد صلاة المغرب في أيام لا تغرب فيها الشمس، وعذابه في انتظار صلاة الفجر مع ليل لا ينتهي، ويحكي الصراع الدموي العنيف بين القبائل والممالك، وكيف تصل الوحشية إلى أكل لحوم الأعداء، وكيف تمزق الجثث ويؤكل لحمها الطري، وتعلق الرءوس كشواهد ودليل على الطريق.
ووسط هذه الطبيعة القاسية.. كان الناس يأكلون لحم الدواب ويحفرون الأرض وفي باطنها يحفظون طعامهم.
وأيضا فتش عن المرأة في رحلة ابن فضلان.
إن عقوبة الزنا كانت شديدة فهم يقطعون المجرم بالفأس من رقبته حتى فخذيه، وفي الوقت نفسه فإن حياتهم الزوجية عجيبة لا حياء فيها ولا عار.
ويصف كيف يحرقون المرأة إذا توفي زوجها.
ويعود اليوم اهتمام فنلندا بالشرق، ويتوالى المستشرقون فمنهم جورج أوجست فاين الذي درس اللغة العربية في جامعة بطرسبورج على يد الشيخ المصري محمد عياد الطنطاوي، والذي بقي في مصر عامين، وارتدى الزي العربي وأطلق على نفسه اسم الشيخ عبدالمولى، وترك فاين مذكراته وانطباعاته العامة وهو صاحب أول اتصال ثقافي بحضارة الشرق في العصر الحديث.
وتمت ترجمات للغة الفنلندية لأعمال أدبية عديدة منها كتاب (الأيام) لطه حسين والنبي لجبران خليل جبران، وأعمال للكاتب الفلسطيني غسان كنفاني والكاتب الجزائري محمد ديب.
ولم أكتف بالماضي، بل قدمت صورًا من الحاضر.. فرغم الظروف المناخية القاسية، وفي أرض صخرية وعصية، أقيم اقتصاد قوي، وأصبحت فنلندا دولة متقدمة صناعيا، قادرة على صنع البواخر وكاسحات الثلوج المعقدة والآلات الصناعية الدقيقة والمتقدمة، علاوة على الورث والأثاث.
وتحولت خلال عشرين عاما إلى أكثر الدول الإسكندنافية انتاجا.. ودخلت مصانعها مرحلة التحكم الآلي عن طريق الكمبيوتر، ووصلت فنلندا إلى المقدمة، بدون قوة عسكرية.
ولم أتجاهل الوضع السياسي، حيث تقدم فنلندا درسا في علاقتها بمنطقتها الدول الإسكندنافية، فرغم تباين المواقف السياسية فإنها جزء من دول (التورديك) أي اتحاد دول الشمال، والذي يضم فنلندا والسويد والدنمارك والنرويج، ويتعاون أعضاء الاتحاد في المصالح المشتركة بينهم، رغم ارتباط كل دولة على حدة، فنجد فيها من اختار الحياد، ومن اختار الانضمام إلى حلف الأطلنطي، وهو درس على الدول العربية أن تتعلمه.
إيطاليا
السؤال المهم الذي يلفت انتباه العربي الذي يزور إيطاليا هو: إذا كانت النهضة قد بدأت في إيطاليا وفاضت منها على الدول الأوربية، فلماذا كانت إيطاليا هي أقل الدول تمتعا بثمارها؟
ووجدت الإجابة لدى الكاتب الإيطالي بارزيني الذي قال: ملأ الإيطاليون وبهروا أوربا والعالم، وانتشرت فنونهم وأعمال كبار كتابهم وفنانيهم في كل أنحاء العالم، شاعرية دانتي، وخبرة وكياسة ميكافيللي، وموسيقى فردي، ومسرح براندللو، وفيض اللوحات التي رسمها المصورون والتي تتوزع على كل متاحف العالم.
وبدأوا ثورة قدر لها أن تغير أوربا، وشملت الحركة الإنسانية، التي قامت في مواجهة فكر وتقاليد القرون الوسطى، بالتسليم بقدرات الإنسان على الخير والشر معا.
أما عن تسرب وانكماش التقدم في إيطاليا..
فربما كان بسبب الصراع الحاد، بين الأفكار الجديدة التي دعا إليها المفكرون وبين قيم العصور الوسطى الراسخة، كما يعود إلى أن إيطاليا لم تكن موحدة، ولم تتحقق وحدتها سوى في القرن التاسع عشر، وكان وضع التجزئة وراء تخلف إيطاليا، وهو ذاته الذي يقف كأحد أسباب تخلف العرب، رغم أن إيطاليا أكثر حظا، عندما تنافس أكثر من عشرة حكام في البحث عن الموهوبين ليزينوا عواصمهم.
من أشعل المنافسة
واستنفد تحقيق الوحدة الإيطالية من القرن الرابع عشر حتى القرن التاسع عشر سنة 1861، واستبسلت الكنيسة في الحيلولة دون قيام سلطة موحدة تمتد من جبال الألب حتى صقلية، لما فيها من تهديد سلطات البابا الرئيس الروحي لأوربا، وبدأ انطلاقها بعد أن ظهر ثلاثة زعماء، أنجزوا وحدتها، وهم ماتزيني المفكر، وكافور السياسي، وغاريبالدي القائد العسكري.
وتلمست أطراف العلاقات بين إيطاليا والعالم العربي..
وهناك علاقات قديمة بين مصر الفاطمية والمملوكية والعديد من المدن الإيطالية، وخلال جولاتي كنت ألمح عناصر التشابه من ملامح الوجوه في جنوب إيطاليا إلى عادات أهلها، والتشابه الكبير مثلا بين مدينة نابولي والإسكندرية، خاصة عندما ترى غسيل الملابس معلقا بين بيوتها، وتسمع الحديث بالصوت العالي، يتكلم الجميع في وقت واحد، ويجعلون من أصابعهم شفاها يحركونها، ويهزون قبضاتهم في وجه محدثهم.
ويصل التشابه إلى أن تدلي النساء من نوافذ الطوابق العليا السلال، لكي يضع فيها البائع وساعي البريد احتياجاتهم، بل والكلمات التي تصلك شائعة، مثل الجيلاتي والكساتا والتلغراف.
وعندما جذبني شارع فبينيتو الشهير، بمقاهيه على الأرصفة، والذي يأتي إليه السياح ليتذوقوا طعم الحياة الإيطالية، التي تمثل لدى الكثيرين خدعة حاذقة، أو ارتجالا بارعا، تتسم كلها بالبهجة.
ويلفت اهتمام الشرقي في هذا الشارع النساء الجميلات، وطبيعة العلاقة بين الرجل والمرأة، وتكثر في هذا الشارع فتيات الليل، اللاتي يقطعن شارع فبينيتو ذهابا وعودة، وتزدحم الأرصفة بمجلات الجنس وأشرطة الفيديو، تخاطب كل النوازع، وتتحدث روما عن الغانية (ليوناستامر) التي نجحت في انتخابات البرلمان الإيطالي، والتي تمتهن مشاهد العري والتمثيل في أفلام الجنس، وحصلت على أغلبية الأصوات، وكان شعارها (اصنعوا الحب) و (العري ليس عيبا، وإنما العنف هو العيب )، ولعل الناخب أعطاها صوته احتجاجا على ما يدور على المسرح السياسي، فهي صريحة وعارية، أفضل من الذي يمارس كل الرذائل في الخفاء!
ألمانيا
ذهبت إلى ألمانيا أبحث عن سر التقدم، الذي حققته ألمانيا، وفي رحلة البحث نحمل معنا همومنا وقضايانا، نقرأ الأشخاص والأحداث بعيون عربية، نقارنها بالسطور المنقوشة على صفحات بلادنا.
وصور التقدم تراها في كل مكان.. لم أشاهد عاملا يرفع عينه عن الآلة التي أمامه، فهل سر التقدم يوجد في المتاحف والمعارض والمسارح المنتشرة في كل مكان، أم سر التقدم أن ألمانيا تقدم التعليم المجاني في كل مراحله بما في ذلك الجامعات. فالتعليم هو المدخل الصحيح للنهضة. لذلك، سبقت ألمانيا العالم في تضافر العلم والصناعة. فسر التقدم مرهون بإرادة الإنسان وقدرته على البناء، وتصميمه على الانتصار في كل الظروف.
لذا أصبح الاقتصاد الألماني يفوق الكثير من الدول التي انتصرت عليها عسكريا، فهل يكمن السر في أن الألماني يتفانى فيما يقوم به، ولديه قدرة على التنظيم والعمل الجماعي كفريق؟! ويخيل إلي أن الكلمات عندنا لا تحمل ذات الدلالات عندهم، فمثلا الأزمة الاقتصادية عندنا ليست كالأزمة لديهم، يتحدثون عن أزمة اقتصادية، وأزمة بطالة. وانهيار البورصة، وانخفاض معدل الإنتاج، وتجد الأسواق عامرة بالمنتجات، وتكاد الدول الغربية لا تعرف ارتفاعا في مستوى معيشتها مثل ما تتمتع به في زماننا.
***
ويخيل إليّ، أن هناك اتفاقا غير مكتوب بين أفراد الشعب، ينص على اختزان بعض الأهداف وعدم البوح بها، وتظل في العقل الجمعي للأمة، حتى لا يعيدوا إلى الأذهان مخاوف لا تزال تسيطر على البعض.
والوحدة الألمانية أحد أهداف الشعب الألماني، وتحتاج إلى اتفاق غير مكتوب لتحقيقها، رغم صعوبة الظروف الدولية القائمة - كتبت هذا الكلام عام 1988 قبل تحقيق وحدة الشطرين، وكأنه نبوءة، وقد تلقيت خطابا من وزارة الخارجية الألمانية، يشكرونني على ما قدمت من أفكار - وتعامل الألمان مع هذا الهدف، وبقي حيا، كما بقي مكتوما، ويعرف الألمان أن أي محاولة لوصل ما انقطع، ستصطدم بتوازنات دولية دقيقة، مما سيضع العالم أمام أخطار تهدد السلام الدولي، ومازال (الأمر الواقع) في ألمانيا محل رعاية واهتمام الشرق والغرب معا، وتدور المنافسة حول قدرة كل طرف على استخدام هذا (الأمر الواقع)ضد الطرف الآخر. (في ظل الحرب الباردة).
ويقوم التفكير الألماني على فكرة سهلة وبسيطة، تقول: ليس حل مسألة ما أن تلغيها أو تتناساها أو تفر منها، وإنما تواجهها وتبحث عن حل لها.
وإذا كانت الوحدة صعبة في المرحلة الحالية، فلا يضيرنا تأجيلها والعمل من أجلها، وعلينا أن نخلق أوضاعا عملية لا تمكن أي طرف من القيام بعمل يصادر إمكانات تحقيقها في المستقبل، وأن تتفق كل القوى السياسية على ضبط عملها وأساليب ممارسة العمل السياسي بحيث لا تؤثر على إمكانات تحقيق الوحدة.
وبالفعل تمكن الألمان من تحقيق الكثير في ظروف دولية متغيرة وبالغة الصعوبة، وتمكن المستشار إديناور من توحيد المناطق الألمانية الثلاث التي احتلها الحلفاء في ألمانيا الغربية في 5 مايو عام 1955.
واعتبرت الحكومة الاتحادية نفسها السلطة المعنية بأمر جميع الألمان، وأصدرت المحكمة الدستورية العليا حكما يؤكد أن الألمان جميعا يشكلون أمة واحدة كما ينص الحكم على أن الدولتين هماجزءان من دولة ألمانية باقية بشعبها الواحد، ولا يمكن النظر إلى ألمانيا الديمقراطية كأرض أجنبية، و... أن الرايخ الألماني لم يختف نتيجة انهياره عام 1945، وعليه تعامل ألمانيا الاتحادية مواطني ألمانيا الديمقراطية كمواطني ألمانيا الاتحادية.
وساهم حكم المحكمة في الاقتراب من المسكوت عنه، ومن ناحية أخرى اعتبر كل ألماني تطأ قدماه أرض ألمانيا الاتحادية، مواطنا يستطيع الإقامة والحصول على جواز السفر، والتمتع بكل حقوق المواطنة، وقامت منظمات لرعاية وضمان حل أي عقبات تعترضه، كما قامت جماعة أهلية تضم مئات الألوف من سكان ألمانيا الغربية الذين لهم أقارب في ألمانيا الشرقية.
وأخذت ألمانيا الغربية، تحتفي بأي إنتاج علمي أو فني صادر بالألمانية، بصرف النظر عن محل إقامته.
وقامت وكالة لأنباء ألمانيا الغربية في هامبورج كمقر مؤقت لها، فمازالوا يعتبرون برلين هي العاصمة، التي ينتظرون الانتقال إليها.
كما اعتبرت حكومة ألمانيا الغربية ممثلة للأمة الألمانية كلها، واعتبرت أن اتفاقية السوق الأوربية المشتركة، تتيح لألمانيا الديمقراطية تسويق منتجاتها في دول السوق.
وبذلك لم تصادر حكومة ألمانيا الغربية المستقبل، وتركت الأبواب مفتوحة أمام جيل جديد في ظروف دولية أفضل لكي يحقق وحدة ألمانيا (وهو ما حدث بالفعل).
ويمكن لنا أن نتأمل فكرة الوحدة العربية التي كانت أحد أهداف الدول والشعوب العربية، وعندما اصطدمت الفكرة بالعقبات، ارتدت هذه القوى وأخذت تتنكر لهدفها القديم!
وهذا هو الفارق بيننا وبينهم.
الصفحة الرئيسية للجلسة