أبحاث الفترة الصباحية الأولى ليوم الأحد
رئيس الجلسة : أ.د. رشا الصباح وكلية وزارة التعليم العالي
رفاعة الطهطاوي: ماذا يبقى منه؟!
د.جليل العطية
قبل نحو 17 عاما عاد إلى القاهرة رحّالة أزهري بعد أن أمضى خمس سنوات في باريس، وضع في ختام رحلته المثيرة كتابا ضمّنه وصفًا لتلك المغامرة المثيرة، ثم تتابعت بعد ذلك نتاجاته وأعماله الثقافية والأدبية.
اليوم وبعد أن قطع العالم شوطًا هائلاً في مضمار التقدم والحداثة، ينبثق سؤال هو: ماذا يبقى من ذلك المعمم المتنور؟
قبل الإجابة عن هذا التساؤل لابأس بالتذكير بلمحات من حياته ورحلته. رفاعة بن بدوي رفاعة بن علي الطهطاوي (1801-1873م) من مواليد طهطا (والنسبة إليها طهطي)، درس في الأزهر بالقاهرة، وتلميذ للشيخ حسن العطار (1766-1835) الذي كان يدرّس العربية لعدد من أعضاء بعثة (نابليون بونابرت). تعلم منهم الفرنسية واقتبس أفكار الثورة الفرنسية، وعندما قرر (محمد علي) إيفاد بعثة من الطلبة (أغلبهم من غير المصريين) ضمت 44 طالبا. اقترح العطار تلميذه الطهطاوي ليكون إمامًا ومرشدًا دينيًا للبعثة.
هكذا انطلقت البعثة سنة 1826س لتعود سنة 1831 بعد أن اجتاز رفاعة في 19 تشرين الأول (أكتوبر) 1830 امتحانه النهائي. وفيه قدم مخطوط رحلته إلى لجنة المستشرقين التي ناقشته، على أنه رسالة تكميلية إلى جانب اثني عشر موضوعًا مترجمًا، في سنة 1834 نشرت الرحلة أول مرة في القاهرة، كان انتقال (رفاعة) من طهطا إلى باريس رمزًا لانتقال مصر ثم الوطن العربي من عصور الظلام إلى العصر الحديث.
لهذا تستحق رحلته أن نتوقف عندها طويلاً، خاصة وأنها قليلة التداول، حتى بين مثقفينا!
غادر رفاعة مصر وهو بذهنية أزهرية مغلقة، لا تدرك من التاريخ إلا الماضي البعيد، فأفضل العهود وأكثرها إشراقًا وتألقًا هو عصر الدعوة ثم عصر النبوة وإشراق الإسلام ثم يقفز إلى العصر العباسي. وفي ذلك يقول:
(ومما قام مقام آلات السياحة قبل ابتداعها، وناب عن أدوات الملاحة قبل اختراعها، الأنوار المحمدية والغيرة الإسلامية. بل والمعارف الوافرة في العلوم الرياضية والفلكية والجغرافية في زمن الخلفاء العباسية)(1).
على أنه - رغم اعتزازه الشديد بماضي أمته المشرق ومنجزاتها الحضارية يتطلع بثقة إلى أمام فيقول:
(ومن المقرر في الأذهان وفي خارج الأعيان أن الفضل للمتقدّم، أوليس أن المتأخر يغترف من فضالته، ويهتدي بدلالته؟)(2)
ولا ينسى أنه إمام بعثة تطلب العلم، فيرصد بابًا كاملاً من كتابه للتعريف بتخصصات مجموعته، يمهد له بالعبارة الآتية:
(ولنذكر لك هنا الصنايع المطلوبة لتعرف أهميتها ولزومها في أي دولة من الدول، وهذه الفنون إما واهية في مصر أو مفقودة بالكلية)(3)
والقائمة مسهبة، اخترنا طائفة منها، محافظين على لغة المؤلف:
- علم تدبير الأمور الملكية أي الحقوق الثلاثة التي يعتبرها الافرنج وتسمّى بالنواميس وهي الحقوق الطبيعية والحقوق البشرية والحقوق الوضعية وعلم أحوال الأبدان ومصالحها وما يليق بها.
- وعلم الاقتصاد في المصاريف - وعلم تدبير المعاملات والمحاسبات والخانزندارية وحفظ بيت المال.
وعلم تدبير العسكرية والقبطانية والأمور البحرية
- فن المياه وهو صناعة القناطر والجسور والأرصف.
- علم الميكانيقا وهي آلات الهندسة وجرّ الأثقال.
- فن سبك المعادن.
- علم الكيميا وصناعة الورق... وليس المراد بالكيميا حجر الفلاسفة كما يظنه بعض الناس، فإن هذا لا تعرفه الافرنج ولا تعتقده أصلا.
- فن الطب وفروعه فن التشريح والجراحة وتدبير الصحة.
- علم الفلاحة.
- تاريخ الطبيعيات.
- صناعة النقاشة وفن الطباعة.
- فن الترجمة.
ويلاحظ أنه اهتم بتعريف فن الترجمة الذي سينصرف إليه فيما بعد - تقريبًا فيحدّده بأنه: من الفنون الصعبة.
ويختم القائمة التي قدمها مخاطبًا القارئ:
(فإذا نظرت رأيت سائر هذه العلوم المعروفة معرفة تامة لهؤلاء الإفرنج ناقصة أو مجهولة بالكلية عندنا. ومن جهل شيئًا فهو مفتقر لمن أتقن ذلك الشيء. وكلما تكبّر الإنسان عن تعلّمه شيئًا مات بحسرته).(4)
هكذا يعتبر أن الجهل هو الموت، وهو إنذار وصيحة في وجه التخلف الذي كان يعانيه العالم العربي في القرن التاسع عشر.
ثم يعود ليحاول أن يعرّف بموقع باريس في العالم، فيربط المكان بالزمان، وعلى خطى (المقدسي) وغيره من الجغرافيين يقوّم القارات الخمس، ويمجّدها بمقدار حجم وقوة الإسلام. فيقول:
(أقسام الدنيا الخمسة يصحّ تفضيل بعضها على بعض يعني تفضيل جزء بتمامه على الآخر بتمامه بحسب مزية الإسلام وتعلّقاته فحينئذ تكون آسيا أفضل الجميع، ثم تليها إفريقيا لعمارها بالإسلام والأولياء والصلحاء، خصوصًا باشتمالها على مصر القاهرة ثم تليها بلاد أوربا لقوة الإسلام ووجود الإمام الأعظم إمام الحرمين الشريفين سلطان الإسلام فيها، ثم بلاد الجزائر البحرية لعمارها بالإسلام أيضًا مع عدم تبحرها في العلوم، كما هو الظاهر، فأدنى الأقسام بلاد أمريكة حيث لا وجود للإسلام بها أبدًا. هذا ما يظهر لي والله أعلم بالصواب)(5)
غير أنه يتوقف ليعترف قائلاً:
(ولا ينكر منصف أن بلاد الافرنج الآن في غاية البراعة في العلوم الحكمية، وأعلاها في التبحر في ذلك بلاد الإنكليز والفرنسيين والنمسا، فإن حكماءها فاقوا الحكماء المتقدمين كارسطاطاليس وأفلاطون وبقراط وأمثالهم، وأتقنوا الرياضيات والطبيعيات والإلهيات وما وراء الطبيعيات أشدّ إتقان، وفلسفتهم أخلص من فلسفة المتقدمين لما أنهم يقيمون الأدلة على وجود الله تعالى وبقاء الأرواح والثواب والعقاب).
والسطور الأخيرة تنصف الافرنج، غير أن سؤالاً يخطر في الذهن هو: ماذا عن الشعوب والأمم الأخرى؟
يقول رفاعة (الأصل في الإنسان الساذجية والخلوص عن الزينة والوجود على أصل الفطرة لا يعرف إلاّ الأمور الوجدانية، ثم يطرأ على بعض الناس معارف عدة لم يسبق بها، وإنما كشفت له بالصدفة والاتفاق أو بالالهام والايحاء وحكم الشرع أو العقل بنفعها فاتبعت وأبقيت، كانت الناس في أول الأمر تجهل ركوب البحر ثم بإلهام إلهي أو باتفاق بشري عرفوا أن من خواص الخشب السبح على وجه الماء، فصنعوا السفينة، ثم تبحروا في السفن وعمّروها، ونوّعوها أنوعًا، فكانت أولا صغيرة للتجارات، ثم ترفّعوا فيها حتى صلحت للجهاد والحرب وقس على ذلك.
فكلما تقادم الزمن في الصعود رأيت تأخر الناس في الصنايع البشرية والعلوم المدنية. وكلما نزلت ونظرت إلى الزمن في الهبوط رأيت في الغالب ترقيهم وتقدمهم في ذلك، وبهذا الترقي وقياس درجاته وحساب البعد عن الحال الأصلية والقرب منها انقسم سائر الخلق إلى مراتب عدة:
المرتبة الأولى: الهمل المتوحشين.
المرتبة الثانية: مرتبة البرابرة الخشنين.
المرتبة الثالثة: مرتبة أهل الأدب والظرافة والتحضّر والتمدّن (6).
هكذا يتضح أن البشر جميعًا آثروا الجديد على القديم.
كان المتقدمون في لغة رفاعة - هم أهل الماضي، والمتأخرون هم أهل الحاضر والمستقبل، فانعكس محور الزمن.
على أن أول ما يلفت رفاعة في حاضر القوم: الجو عندهم، فيقول:
(وتغيّر مزاج الهواء والزمن في باريس أمر عجيب، فإنه قد يتغيّر في اليوم الواحد أو مع ما بعده حال الزمن، مثلا يكون في الصباح صحو عجيب لا يظن الإنسان تغيّره فلا يمضي نصف ساعة الاّ ويذهب بالكلية ويخلفه المطر الشديد. وقد يكون حرّ يوم من الأيام أربعاً وعشرين درجة ولا يصل اليوم الآتي إلى اثنتي عشرة وهكذا. فقل أن يأمن الإنسان تغيّر الوقت بهذه البلاد، فمزاجها كمزاج أهلها، ومعلوم أنه ينبغي أن يتحفظ الإنسان من ضرر هذا التغيّر، وإن كان هواء باريس في الجملة طيبًا مناسبًا للصحة، ومع أن حرّها لا يصل إلى حرّ القاهرة في الغالب فهو غير مألوف أبدًا، ولعل ذلك للانتقال من شدّة البرد إلى شدة الحر)(7)
يلاحظ أنه يستخدم كلمة الزمن وكلمة الوقت للإشارة إلى الجو، ولا ريب أن هذا جاء من تأثير اللغة الفرنسية عليه.
والمدهش أنه يحتفظ برابطة الزمن والوقت حتى عندما يستذكر جو مصر فيقول:
وأما مصر، فإنها سليمة من مكاره برد باريس، كما أنها خالية أيضًا عن الأمور المحتاج إليها في وقت الحرّ مثل الاستعانة على تطرية الزمن، فإن أهل باريس مثلا سهل عندهم رشّ ميدان متسع من الأرض وقت الحر، فإنهم يصنعون دنا عظيمًا ذا عجلات ويمشون العجلة بالخيل، ولهذا الدن عدة بزابيز مصنوعة بالهندسة، تدفع الماء بقوة عظيمة، وعزم سريع، فلاتزال العجلات ماشية، والبزابيز مفتوحة حتى ترش قطعة عظيمة في نحو ربع ساعة، لا يمكن رشّها بجملة رجال في أبلغ من ساعة، ولهم غير ذلك من الحيل فمصرنا أولى بهذا لغلبة حرها)(8)
نلاحظ هنا أن رفاعة اقترح تطرية الزمن في وقت الحر بمصر للوقت الذي يتسرب قيمة. الزمن هو ساعات الصحو أو الغيم أو المطر التي يتألف منها اليوم، لم تعد فكرة الزمن مفهومًا تجريديًا، فلسفيًا، بل هي إشارة إلى قياس حياة واقعية، لقد طلّق رفاعة معنى الدهر الذي كان يستخدم كثيرًا، ولم يعد مجرد رحالة ينتقل من مكان إلى آخر، لكنه ينتقل في الزمان من عصر إلى آخر، من بيئة إلى بيئة أكثر تقدمًا وتحضرًا.
يندمج رفاعة في الزمن الباريسي ويربط بينه وبين قفز الباريسيين إلى العمل والإبداع ويقارن بين هذا ورتابة وجمود العيش في مصر.
هنا - في باريس - تدور آلات المصانع باندفاع، ويحرص الناس على مواعيدهم بالدقة، وهنا تصدر صحف يومية تربط الناس بالعالم.
والعلوم في مدينة باريس تتقدم كل يوم، فهي دائمًا في الزيادة، فإنها لا تمضي سنة إلا ويكشفون شيئاً جديدًا، فإنهم قد يكشفون في السنة عدة فنون جديدة، أو صناعات جديدة، أو وسايط أو تكميلات.
وتضحى مسيرة الحياة في باريس مقياسا لأيامه، والأزهري، السائح، طالب العلم، حريص على تعويض ما فاته وما فات أمته منذ قرون، عرف شدة ذكاء الباريسيين، وتأصل الثقافة فيهم وتوقهم إلى الفهم والاستطلاع، عرف نشاطهم الجم وخفة حركاتهم، وتقلب مزاجهم وعواطفهم، وحبّهم لوطنهم، وإكثارهم من الرحلات واحترامهم للأجانب، وهم يحرصون إلى حدّ التقتير، إلاّ أنهم يبذرون المال في طلب اللهو، ويتفننون في اللهو، ولكنهم يعملون فيتقنون عملهم، وقد يدفعهم الاعتزاز بالنفس إلى هاوية الانتحار دون أن يذعنوا للقدر، وهم يحفظون الجميل ويؤدون الواجب، ومن الغريب أن الرجال عندهم عبيد النساء، يثقون بهن، ويدلّلوهن، ثم يلجأون في خيانة العِرض إلى ساحة القضاء بدلاً من أن يثأروا ثأرًا شخصيًا. ويعجب الطهطاوي بعدم وجود الغزل بالمذكر في أشعارهم، لكنه يأخذ على النساء قلّة العفاف وعلى الرجال قلّة الغيرة.
ويعتقد رفاعة أن اضطراب الأخلاق نتيجة اجتماعية طبيعية لبيئة المدن الكبيرة بوجه عام، أما عقائدهم فهي تقدمية تطورية - يؤمنون بالعقل ويرفضون مالا يقبله العقل من الخوارق، ويقولون إن الحضارة في المجتمع الراقي تؤدي دور الدين في المجتمع البدائي، ويستنكر رفاعة إنكار بعضهم القضاء القدروالقدر. ويعزو مظهرهم من بياض البشرة - لعدم اختلاطهم بالزنوج. ويعجب رفاعة باللغة الفرنسية وثرائها بالمعاني (لكثرة الكلمات غير المترادفة، لا بتلاعب العبارات والتصرف فيها ولا بالمحسنات البديعية اللفظية)، ويبدو له أن (اصطلاح اللغة الفرنسية تقليل التصريف ما أمكن وتصريف الفعل مع فعل آخر).*
ويشير هذا النقد، وهذه المقارنات إلى اتساع أفق رفاعة وإيمانه أن (العلم هو الملكة) لا مجموعة المتون الجامدة التي درسها.
يُلمح علي مبارك إلى فضل مسيوجومار عليه، وتعهده بالإرشاد والتعليم والمحبة الخصوصية.
كان آدم فرانسوا جومار المدير الفرنسي للبعثة أول من اكتشف مواهب وطاقات رفاعة فور وصوله سنة 1826م. كان جومار مهندسًا جغرافيًا من علماء الحملة الفرنسية الذين استعان بهم نابليون بونابرت إلى جانب ضباط جيشه وهو الذي أشرف فيما بعد على نشر موسوعة (وصف مصر) التي ضمت دراسات أولئك العلماء. تولى جومار رئاسة الجمعية الجغرافية وعضوية العديد من الهيئات الثقافية والتربوية. ودفعه اهتمامه الشديد بمصر الاتصال بمحمد علي وتشجيعه على إرسال البعثات إلى فرنسا عوض إيطاليا.
اعتنى جومار بدراسات رفاعة في باريس واكتشف فيه أمله المنشود في نقل المعارف الحديثة إلى اللغة العربية - وفي الوقت نفسه وجد رفاعة في جومار مواصفات العالِم الحديث، فتحدث عنه بإعجاب بالغ فقال:
وشهرة معارف مسيوجومار وحسن تدبيره يوقع في نفس الإنسان من أول وهلة تفضيل القلم على السيف، لأنه يدبر بقلمه مالا يدبّر غيره بسيفه ألف مرة، ولا عجب، فبالأقلام تساس الأقاليم، وهمته في مصالح العلوم سريعة، كثيرة التأليف والاشتغال، والغالب أن هذه الخصلة في سائر علماء الإفرنج، فإن مَثَل الكاتب كالدولاب إذا تعطّل تكسّر! وكالمفتاح الحديد إذا تُرك ارتكبه الصدأ! وجناب مسيوجومار يشتغل بالعلوم آناء الليل وأطراف النهار(9)
يحدّث رفاعة مواطنيه عن الحكومة الفرنسية ليكون تدبيرهم العجيب عبرة لمن اعتبر ويبهره النظام الديمقراطي، وبعد أن يستعرض أجهزة الدولة كافة يشيد بالدستور الفرنسي وإن كان غالب ما فيه ليس في كتاب الله تعالى ولا في سنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
ويحرص على ترجمة مواده، ولا يكتفي بذلك بل يعلّق على المواد الأساسية، إنه يشيد بالمساواة بين (سائر من يوجد في بلاد فرنسا من رفيع ووضيع... حتى إن الدعوى الشرعية تقام على الملك وينفذ عليه الحكم كغيره. فانظر إلى هذه المادة الأولى، فإنها لها تسلّط عظيم على إقامة العدل وإسعاف المظلوم وإرضاء خاطر الفقير بأنه كالعظيم نظرا إلى إجراء الأحكام)(10)
يعتقد رفاعة أن هذه المادة من الدلائل الواضحة على وصول المعدل عندهم إلى درجة عالية، رفيعة، فإن ما يسمونه الحرية ويرغبون فيه هو عين ما يطلق عليه عندنا العدل والإنصاف، وذلك لأن معنى الحكم بالحرية هو إقامة التساوي في الأحكام بحيث لا يجور الحاكم على إنسان. بل القوانين هي المحكمة والمعتبرة، فهذه البلاد حرية (11)
ثم يطنب في الحديث عن حرية الرأي والنشر فيقول (وإما المادة الثامنة فإنها تقوي كل إنسان على أن يظهر رأيه وعلمه وسائر ما يخطر بباله ممّا لا يضر غيره، فيعلم الإنسان سائر ما في صاحبه، خصوصا الورقات اليومية المسمّاة بالجرنالات والكازيكات، فإن الانسان يعرف منها سائر الأخبار المتجددة، سواء كانت داخلة أو خارجية، وإن كان قد يوجد فيها من الكذب ما لا يحصى، إلا أنها تتضمن أخبارًا تتشوف نفس الإنسان إلى العلم بها. على أنها ربما تضمنت مسائل علمية جديدة التحقيق أو تنبيهات مفيدة أو نصائح نافعة).
هذه خلاصة رحلة رفاعة، تعمّدنا الإسهاب في تقديم مقتطفات منها، لأهميتها من جهة، ولقلة تداولها بين أيدي مثقفينا من جهة أخرى كما ذكرنا، أسئلة كثيرة تنبثق بعد الاستمتاع بمطالعتها أهمها: ماذا تم بعدها؟
منذ عودته من باريس (سنة 1831) عاش الطهطاوي في كنف (محمد علي) معزّزًا مكرّمًا. ويلفت النظر أو أول وظيفة شغلها فور وصوله القاهرة هي (مترجم بمدرسة الطوبجية) أي الجيش.
وفي السنة نفسها تبوأ (الشيخ حسن العطار) منصب الإمام للجامع الأزهر خلفًا للشيخ الدمهوجي، وقد ظل في منصبه أربع سنوات، غير أنه لم يمارس السياسة وهو ما فعله تلميذه الرحّالة.
انصرف الطهطاوي إلى الترجمة وتعليم اللغات والتأليف، كان الخبير الذي أسس مدرسة الألسن وقلم الترجمة وكتب وترجم قانون التجارة الفرنسية وهندسة سياسية وجغرافيا ملطبرون ونبذة في تاريخ الاسكندر وألف كتبًا كثيرة بينها (مناهج الألباب المصرية في مباهج الآداب العصرية) و(التحفة المكتبية في النحو) و(قلائد المفاخر في غرائب الأوائل والأواخر) و(المرشد الأمين في تربية البنات والبنين) وغير ذلك.
في (المرشد الأمين) يعرّف الوطنية بأنها (في عرف السياسة كالجنس، جماعة من الناس الساكنة في بلدة واحدة تتكلم بلسان واحد وأخلاقها واحدة وعوائدها متحدة ومنقادة غالبًا لأحكام واحدة ودولة واحدة، تسمّى: الأهالي والرعية والجنس وأبناء الوطن)(12)
وفي ختام الفصل الثاني من (مناهج الألباب) يتناول حرية العقيدة الدينية فيقول (الملوك إذا تعصّبوا لدينهم وتداخلوا في قضايا الأديان، وأرادوا كسب عقائد رعاياهم المخالفين لهم، فإنما يحملون رعاياهم على النفاق، ويستعبدون من يكرهونهم ويجبرونه على تبديل عقيدته وينتزعون الحرية منه، فلا يوافق الباطن الظاهر، فمحض تعصب الإنسان لدينه لأضرار غيره، لا يعدّ إلا مجرد حميه) وهذه الفقرة تبيّن ميوله الجمهورية.
كانت أحلام الطهطاوي في الإصلاح والنهضة قد تلاشت بوفاة محمد علي (1849) وقبله بنحو سنة ابنه (إبراهيم). فلقد قام خلفه عباس الأول (1813-1854) بإغلاق مدرسة الألسن والوقائع المصرية وأغلب المدارس ونفى الطهطاوي إلى السودان (1849).
لكن مشروع (الطهطاوي) الطموح لم ينته، بل أضحى مشروعًا مؤجلاً.
يقول (فتحي رضوان) إن الطهطاوي أراد أن يقول في (مناهج الألباب) وما بعده:
لا أمل في ردع الحاكم ولا الأخذ على يديه بمجرد تقرير قاعدة أن العدل أساس المُلك، بل لابد من شعب يؤمن بذلك من ناحية ويجاهد في سبيله بماله ونفسه من جهة أخرى. ولا يمكن أن يوجد الشعب الذي يؤمن بهذه القاعدة إلا بخلق رأي عام مستنير يرفض العدوان على حقوقه وحرياته(13).
عاد (الطهطاوي) من منفاه بعد وفاة سعيد (يناير 1863)، لكن في ظل غياب مشروع النهضة، ورغم هذا ظل يؤلف ويترجم ويكتب بهدوء. لم نسمع باسمه إلا في (إبريل 1870) حين طلب منه (علي مبارك) - صاحب الخطط التوفيقية - بصفته المسئول عن التعليم - الإشراف على مجلة (روضة المدارس) فيتولى ذلك حتى وفاته (1873).
كانت السنوات الخمس التي أمضاها في باريس قد دفعته إلى الاطلاع على معالم الأدب الغربي بعد أن أتقن اللغة الفرنسية في فترة زمنية قصيرة، واستطاع أن يدخل إلى الأدب في العصر الحديث، كالمسرح والقصة والمقالة الصحفية فضلا عن تحرير النثر من التكلس وتفجير شعلة الترجمة(14).
ولم يكتب رفاعة للمسرح - لكنه وجّه أحد تلامذته - عثمان جلال - إلى ترجمة أشهر روائع المسرح الفرنسي في القرن السابع عشر، فترجم ثلاثًا من مآسي (راسين) ونشرها بعنوان (الروايات المفيد في علم التراجيدة)، كما ترجم أربعًا من كوميديات (موليير) ونشرها في مجموعة (الأربع روايات من نخب التياترات)
ويعود (للطهطاوي) الفضل في نشأة الصحافة العربية الحديثة.
المعروف أن (نابليون) أدخل المطبعة إلى مصر ضمن حملته الشهيرة، غير أن رجال حملته لم ينشروا سوى جريدتين صدرتا باللغة الفرنسية(15) ثم ظهرت (الوقائع المصرية) في القاهرة سنة 1828 - أي أثناء وجوده في باريس... غير أن رفاعة كشف في العاصمة الفرنسية الجرنالات وأصبح - على حد اعترافه (متولعاً بها غاية التولع).... قال:
(وقرأت كثيرًا في كازيكات العلوم اليومية والشهرية، وفي كازيكات السياسة اليومية التي تذكر كل يوم ما يصل خبره من الأخبار الداخلية والخارجية المسمّاة البوليتقة وكنت متولعاً بها غاية التولع، وبها استعنت على فهم اللغة الفرنسية، وربما كنت أترجم منها مسائل علمية وسياسية).
لا مفاجأة إذن عندما يتولى بعد عودته إلى الوطن رئاسة تحرير الوقائع المصرية سنة 1842 فيحوّلها إلى جريدة عربية عصرية، بعد أن كانت قبله: مجرد نشرة رسمية تركية.
كانت مواد الجريدة حتى ذلك الوقت تكتب باللغة التركية أولا ثم تترجم إلى عربية هزيلة، هزلية، وينشر النص التركي على يمين الصفحة والعربي على يسارها، فصحّح رفاعة الأمر هكذا:
جعل كتابة المواد باللغة العربية أولا، وخصص للتربية ناحية اليمين ونقل التركية ناحية اليسار.
أدى الاخراج الجديد إلى نقلة نوعية في الجريدة، خاصة أن رفاعة حرص على إلغاء الثناء المفرط بالوالي والأخبار المكتوبة بشكل بدائي، مضحك، وعوّضها بموضوعات جادة، وأخرى مقتبسة من التراث العربي كمقتطفات من (مقدمة ابن خلدون) وغيرها.
وعندما تولى الأشراف على مجلة (روضة المدارس)، فسح المجال لمجموعة من تلامذته اللامعين بتحريرها ومنهم:
صالح مجدي، عبدالله أبو السعود، عبدالله فكري، عثمان جلال وغيرهم، وهم الذين سيضحون نجوم الصحافة والأدب في أواخر القرن التاسع عشر.
و(للطهطاوي) فضل في نشأة القصة الحديثة ويتجلى هذا لكل من يطالع كتاب المويلحي الشهير (حديث عيسى بن هشام)، يبحث أبطال هذه القصة عن سر فساد المجتمع المصري فيكتشفونه في تغلغل الحضارة الغربية، لهذا يقومون برحلة إلى بارس للتثبت من أمر تلك الحضارة في موطنها ومقارنتها مع الحياة المصرية. (الرحلة الثانية) - عنوان الجزء الثاني من (حديث عيسى بن هشام) صورة متطورة من رحلة رفاعة س.
وينبغي التوقف عند جهود (الطهطاوي) في الترجمة.. ذلك الفن الذي منحه الكثير من وقته وطاقاته.
كانت ترجمته لقصة (مغامرات تليماك) لفنلون مثار دهشة الكثيرين، فلقد فطن إلى أهميتها وأهمية ما تشتمل عليه من دروس وعظات سياسية، فترجمها وهو منفي في السودان.
وقارئ (مواقع الأفلاك في وقائع تليماك) يستطيع أن يلمس كيف تدخل رفاعة في النص للتعبير عن آرائه وكيف اتخذ القصة سلاحًا أدبيًا نفاذًا.
وأثناء عمله الجاد في نقل التراث الغربي إلى اللغة العربية اصطدم (الطهطاوي) في نقل المعاني الدقيقة ومصطلحات العلم الحديث بجمود اللغة العربية وخلوّها من مقابل للكلمات الفرنسية، ولسد ذلك النقص قرر ترجمة كتاب موسوعي في التعريف بعوائد الأمم وتقاليد المجتمعات الإنسانية، منحه عنوانًا تقليديًا هو (قلائد المفاخر في غريب عوائد الأوائل والأواخر)، قدم له بشرح مسهب للكلمات الغريبة مرتبة على حروف المعجم.
ويمكن القول إنه ساهم في وأد عهد الجناس والسجع في النثر العربي، ورفع مستوى الأدب العربي وإنقاذه من جمود استغرق وقتًا طويلاً، على أنه لم يوفق في تجديد الشعر العربي.
ويحسب (للطهطاوي) أنه كان له الفضل في إنشاء أول متحف مصري بالقاهرة في فناء مدرسة الألسن، وكان قبل ذلك قد دفع (محمد علي) إلى حماية الآثار في قرار مهم نشر في (الوقائع المصرية) سنة 1835.
وفي (مدرسة الألسن) أصبح التاريخ مادة علمية، وقد لفت الدكتور جمال الدين الشيال (1911-1967) إلى فضله في ذلك فقال:
(ذلك أن التاريخ اعترف به كعلم لأول مرة في تاريخ التعليم في مصر الإسلامية، وجعل لأول مرة مادة من مواده الدراسية في مدرسة الألسن، وعيّن له مدرس خاص لتدريسه، ولسنا نعرف أن التاريخ كان علمًا يدرس في المساجد أو المدارس في مصر أو غيرها من أجزاء العالم الإسلامي).
حقيقة كان بعض المؤرخين يقرأ كتبه التاريخية لتلاميذه أو يجيزهم لرواية هذه الكتب عنه، ولكن هذه الجهود كلها كانت جهودًا شخصية تسير في نطاق الهواية الفردية الحرة، بعيدًا عن معاهد العلم ومدارسه، ولم نعثر على نص أو إشارة تفيد اعتراف تفرّغ في مدرسة من هذه المدارس أو عيّن لتدريس التاريخ (16)
لقد وضع الطهطاوي خطة لتأليف كتاب واسع يتناول تاريخ مصر منذ فجر التاريخ، سمّاه (أنوار توفيق الجليل في أخبار مصر وتوثيق بني إسماعيل) قدمه إلى الخديو إسماعيل، وقد طبع الجزء الأول منه في مطبعة بولاق سنة 5821-8681. ثم صدر منه جزء ثان ولم يتم.
وماذا أخيرًا؟
يقول لويس عوض (1914-1990)إن الطهطاوي قد بثّ في مصر أقوى لغم من ألغام الديمقراطية الليبرالية، ونجح في ذلك عندماقدم نظريتها في شرط قيام المجتمع المدني أو الدولة كما نسميها (17)
إيمان الطهطاوي بأن الدول تأسست لحفظ حقوق الرعايا بالتسوية في الأحكام وصيانة النفس والمال والعِرض بموجب أحكام شرعية، وأصول مرعية يجسد تأثره بأفكار الثورة الفرنسية، خاصة وفكرة حقوق الإنسان عامة.
وسبق أن أشرنا إلى أهمية الدور الذي لعبه رفاعة من خلال الترجمة في نشر الوعي الفكري والثقافي والأدبي.
كان (الطهطاوي) أول من طالب بفتح المدارس والمعاهد أمام أفراد الشعب، وأول من حدّد مفهوم الحرية بمعناها السياسي الحديث وكذلك مفهوم الدولة العصرية وأول من استعمل مصطلح الوطن والوطنية.
كذلك يمكن القول إنه أول من فتح باب الاجتهاد على مصراعيه أمام الاكتشافات العلمية الحديثة، وأول من دعا إلى الحوار مع الغرب.
لكن على الرغم من كل التقدم الذي حققته مصر والوطن العربي - منذ أيام الطهطاوي وحتى اليوم - فإن الفجوة لا تزال باقية، بل تزداد اتساعًا وكثافة بين واقع حضارة العصر وواقع بلادنا.. بين احتياجاتنا الحقيقية للتحديث والتقدم وبين ممارساتنا السياسية والاجتماعية والثقافية المتخلفة!
والدعوة إلى الحداثة لا تعني استنساخ التجربة الغربية وتقليد منجزاتها.. بل الإفادة من النافع الكثير منها.
وهي لا تعني إلغاء تراثنا وهويتنا العربية - الإسلامية، بل استيعابه استيعابًا واعيًا.
ولا حداثة بغير تحرير المرأة وفك أسرها من الأغلال وتمكينها من المشاركة في صنع القرار الاجتماعي والفكري والسياسي.
ولا حداثة بغير إقامة مجتمع مدني.
بعد هذا: هل أجبنا عن سؤال: ماذا يبقى من الرجل الذي علّم تلامذته أن (حب الوطن من الإيمان)؟
باختصار: نحن مدينون لرفاعة الطهطاوي!
الهوامش
1. الديوان النفيس (طبعة دار السويدي - المؤسسة العربية) ص36.
2. ص27.
3. ص32 - 33.
4. ص33 وما بعدها.
5. ص33 ومابعدها.
6. ص25.
7. ص81.
8. ص89.
9. ص45.
10. ص23.
11. ص125.
12. المرشد الأمين في تربية البنات والبنين (ضمن الأعمال الكاملة - بيروت) الفصل الثالث من الباب الرابع.
13. دور العمائم في تاريخ مصر الحديث (الزهراء - القاهرة 1986) ص37.
14. للتفاصيل أنظر: عودة رفاعة الطهطاوي لأنور لوقا (دار المعارف - تونس - سوسة - 1997) ص188 – 189س.
15. الجريدتان هما:
1- Le Revue encyclopédique.
2- Le Journal asiatique.
16. جمال الدين الشيال (رفاعة المؤرخ) ضمن كتاب (مهرجان رفاعة الطهطاوي - ديسمبر 1958 - مطبوعات المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب والعلوم الاجتماعية - القاهرة - 1960 – ص119 – 127.
17. جريدة الأهرام 17 مارس 19881 - القاهرة.
المراجع
أ - الكتب:
1- الإعلام لخير الدين الزركلي (1 - 8) - دار العلم للملايين - ص4 - بيروت - 1980م.
2- الأعمال الكاملة للطهطاوي - تحقيق د.محمد عمارة - المؤسسة العربية للدراسات والنشر - بيروت - 1973.
3- دور العمائم في تاريخ مصر الحديث - فتحي رضوان - دار الزهراء - القاهرة - 1986.
4- الديوان النفيس في إيوان باريس أو تخليص الإبريز في تلخيص باريز - لرفاعة الطهطاوي - تحرير علي أحمد كنعان - دار السويدي للنشر - أبوظبي - المؤسسة العربية للدراسات والنشر - بيروت - 2002.
5- رفاعة رافع الطهطاوي - لجمال الدين الشيال - نوابغ الفكر العربي - ط2 - القاهرة - 1970.
6- عودة رفاعة الطهطاوي - د.أنور لوقا - دار المعارف - تونس (سوسة).
7- مفاهيم وقضايا إشكالية - محمود أمين العالم - دار الثقافة الجديدة - القاهرة - 1989.
8- مهرجان رفاعة الطهطاوي - ديسمبر 1958س - مطبوعات المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب والعلوم الاجتماعية - القاهرة - 1960.
ب - الدوريات:
1- الأهرام (جريدة) – 17س مارس 1988 - القاهرة.
2- السفير (جريدة) – 14 يناير 1986 - بيروت.
3- قضايا وشهادات (كتاب ثقافي دوري) - العدد الثاني - صيف 1990دمشق.
4- النهج (مجلة) العدد 21 - شتاء 2000 - دمشق.
الصفحة الرئيسية للجلسة