المقدمة
كلمة معالي وزير الإعلام
كلمة رئيس تحرير العربي
كلمة الضيوف
اليوم الأول
الجلسة الصباحية الأولى
الجلسة المسائية الأولى
الجلسة المسائية الثانية
الجلسة المسائية الثالثة
اليوم الثاني
الجلسة الصباحية الأولى
الجلسة الصباحية الثانية
الجلسة المسائية الأولى
الجلسة المسائية الثانية
ندوة النشر الإلكتروني
الختام


تعريب مصطلحات الحاسب الآلي
من هنا نبدأ...
الباحث : أسامة حجي *

          هل ستتكرم وزارة الاتصالات والمعلومات بتعليم الشعب كله استعمال اللغة الإنجليزية قراءة وكتابة وتحدثاً؟

          صار من الأمور العادية أن أصحاب اللغات الأخرى هم الذين يبادرون بتعريب ما لا بد من تعريبه لحضارتنا التعريب عندنا يبدو أحياناً وكأنه حل يبحث عن مشكلة

          هناك فرق بين كلمة مصطلح وكلمة اسم

          يجب أن نعي الدرس الذي تعطيه لنا اللغة الإنجليزية والذي يقف البعض أمامه صاغراً... وهو أن التطور إنما يكون في المضمون والمعنى وليس في الشكل

          كل لغة تترجم لنفسها حسب المعنى الشائع وليس حسب المعنى الحرفي

          العقل الفرنسي يحتاج إلى الحاسب الآلي لينظم له أكثر مما يحسب

          الاسم المعرب يمكن أن يكتسح الاسم الإنجليزي إذا كان سهل الاستخدام

          لا يوجد للعلم لغة أصلاً... فالإنجليزية لغة تخاطب عالمية... لكنها بالقطع ليست لغة العلم الوحيدة لكل العالم.

الخطوة الأولى في طريق التنمية المعلوماتية

          تابعت بسعادة بالغة توجه بلادنا في السنوات الأخيرة إلى الاهتمام بالحاسبات الآلية والعمل على تكوين مجتمع المعلومات بهدف تطوير حياتنا من جميع نواحيها واللحاق بحضارة العصر. التي مازالت تسبقنا حتى بعد مرور قرنين من الزمان اذا اعتبرنا أن نهضة مصر تبدأ من عصر محمد علي. وبما أنني أحد المتخصصين في مجال الحاسبات الآلية، فقد شغلني دائماً سؤال مهم وهو. من أين نبدأ؟

          وقبل أن أجيب عن هذا السؤال كانت مصر قد وضعت نفسها بالفعل على الدرب الصحيح بانشاء وزارة للاتصالات والمعلومات إلى جانب العمل على تحويل مجتمعنا إلى مجتمع معلومات من خلال خطة تنمية طموح. ولقد بدأت وزارة الاتصالات والمعلومات عملها بالفعل وبدأنا نسمع عن دورات تدريبية، ووديان للتقنية، وقرى ذكية، إلخ. لكننا لم نسمع شيئاً عن ذلك الحاجز الذي يقف بين واقعنا وبين ما نصبو إليه. وهو لغة الحاسب الآلي نفسه. هل سيظل متحدثاً بالإنجليزية إلى شعب لا يجيدها من بينه سوى صفوة قليلة لا وزن لها أمام تعداد الشعب كله، فهل ستتكرم وزارة الاتصالات والمعلومات بتعليم هذا الشعب التحدث والقراءة والكتابة باللغة الانجليزية؟ وإذا كان هذا التوجه صحيحاً، فكم سنة يمكن أن تستغرقها هذه المهمة، خاصة ونحن في بلد فشل في محو أمية نصف سكانه حتى الآن!

          إن مجتمع المعلومات لا يتحقق إلا بانتماء أغلبيته إلى هذه النهضة العصرية، ومن المستحيل أن يحدث هذا إلا باستعمال اللغة الوطنية، وليس هناك طريق آخر فيما أعتقد، أي أننا لا يمكن عمليا أن نعمم استعمال الحاسب الآلي في كل مناحي حياتنا إلا بعد تعريبه تعريباً كاملاً ونقل كل مصطلحاته إلى اللغة العربية القابلة للاستعمال اليومي البسيط. أقول هذا وأنا أعلم أنه قد أصبح لدى الصفوة في بلادنا، خاصة الصفوة العلمية، عقدة من استعمال كلمة تعريب. وهذا أمر مؤسف للغاية، حتى أنه صار من الأمور العادية أن اصحاب اللغات الأخرى هم الآن الذين يبادرون بتعريب ما لا بد من تعريبه لحضارتنا، وطبعاً بلغة ركيكة تجعلك لا تستطيع الاستفادة منها مثل كتالوجات الشركات التي تصاحب الكثير من السلع التي نستوردها مثلاً.

          وفي مصر حيث يتم تدريس العلوم الحيوية وغيرها باللغة الإنجليزية نجد أن منظمة الصحة العالمية هي التي تطالب بتعريب الطب والصيدلة وترصد في سبيل ذلك الموازنات الضخمة في الوقت الذي يقاوم أطباؤنا الكرام هذا بشدة. لا أريد ان أخوض في خصوصيات مجالات لا أعرفها جيداً وأكتفي بما أسلفت للتدليل على انني سأتناول حديثاً لا ترتاح إليه الصفوة العلمية في هذه البلاد، ألا وهو حتمية تعريب مصطلحات الحاسب الآلي.

          افترض أنك يوماً ما قابلت صديقك الذي يعمل طبيبا ووجدته يؤكد عليك ضرورة تلقيح أطفالك ضد مرض الـ Poliomyelitis مثلاً وأضف إلى هذه الفرضية أنك لا تجيد الإنجليزية (أو حتى تجيدها!) فإنك بالطبع لن تفهم ما يقصده لأن هذا الاسم مصطلح علمي لاتيني. وطبعاً قد تتصور أنه مرض عضال، وقد تستخف به وتعتبره مرضاً بسيطاً مثل الحصبة، وفي كلتا الحالتين سوف تسقط ضحية لسوء تقديرك، مما قد يودي بحياة أطفالك. كان من الممكن أن تتجاوز كل هذا لو قال لك الطبيب لقح أطفالك ضد شلل الأطفال!

          واستهل حديثي عن قضية تعريب مصطلحات الحاسب الآلي بهذا النموذج لأننا في مجتمع لا يتحدث السواد الأعظم من أبنائه سوى اللغة العربية، وعلى الرغم من ذلك مطلوب منهم أن يتحولوا إلى مجتمع معلومات وهو أمر يستحيل الوصول إليه سوى بإجادة كل افراد مجتمعنا للغة الإنجليزية إذا فرضنا أن هذه اللغة هي اللغة الوحيدة لعلوم الحاسب الآلية.

          ومن المؤسف، أن هناك من لا يزال يجادل في ضرورة تعريب مصطلحات علوم الحاسب الآلي، ومدى جدواها، وسأكتفي بلفت نظر هؤلاء المعارضين لفكرة التعريب إلى أن جميع شركات البرمجيات المحترمة وعلى رأسها شركة مايكروسوفت لم توفر فقط الدعم داخل برمجيتها للغة العربية، ولكنها أيضاً أوجدت من جميع برامجها إصدارات بواجهات استخدام عربية، بما في ذلك نظم التشغيل ذاتها. نعم لقد اكتشف العالم أهمية التعريب بالنسبة لنا قبل أن نكتشفها نحن لأنفسنا. هل هناك ما هو أكثر حرجاً من ذلك؟ وفي ظل الخطوة العظيمة التي قررتها الحكومة حينما أنشأت وزارة الاتصالات والمعلومات وحتى تعمل على تنفيذ خطة طموح للتنمية في مجال الاتصالات والمعلومات وتمهيداً لإنشاء مجتمع المعلومات الذي تطمح إليه. ولا يمكن انكار أن التطور الذي حدث في مصر في مجال الاتصالات والمعلومات منذ إنشاء هذه الوزارة وحتى الآن، وهي مدة لا تزيد عن ثلاث سنوات، يعتبر تطوراً ضخماً إذا ما قيس على السنوات العشر التي سبقته، ولكن هذه الخطة الطموح تواجه ضرورة ملحة سيدركها القائمون على هذه الثورة، إن لم يكونوا قد أدركوها بالفعل، ألا وهي ضرورة مخاطبة الناس بلغتهم، وإلا ستتعطل الخطة لعدة سنوات تكفي هذه السنوات لإخراجنا من المنافسة العالمية، هذا فضلاً عن احتمالات الفشل في تحقيق المشروع بكامله، ونحن جالسون كالعادة ننتظر أن يأتينا الحل كالعادة من الخارج في صورة معدات وبرمجيات ونظم معربة.

          وقد يبدو التعريب عندنا أحياناً وكأنه حل يبحث عن مشكلة، وليس العكس. ذلك لأن هناك بالفعل عدة محاولات جادة في هذا المضمار، قامت به الصحافة المتخصصة في تقنية المعلومات والاتصالات، ولكن هذه المحاولات لم تصل بعد إلى مرحلة النضج الكافي، بل أن بعض هذه المحاولات أضر بقضية التعريب ككل وجعل البعض يعيد تقييم جدوى هذه الفكرة، في ظل الصعوبة البالغة التي وجدها المتخصصون في مجال المعلومات والاتصالات في التعامل مع المصطلحات المعربة، ولأن التعريب يراد به أساساً إتاحة المعرفة لكل الناس وذلك من خلال مخاطبة المجتمع باللغة التي يفهمها، ولكن ما حدث، هو العكس تماماً فقد جاءت الترجمة ركيكة لدرجة جعلت المتخصصين أنفسهم لا يفهمون، فما بالك بالناس العاديين! وهنا تتضح ملامح قضية التعريب، فحتى نتمكن من تحقيق غايتنا يجب أن نراعي ثلاث نقاط وهي:

          1) أن يكون هناك جهة رسمية مسؤولة عن هذه العملية.

          2) أن تراعى معايير الاستخدام وليس فقط معايير اللغة.

          3) أن نتخلى عن فكرة الإنكليزية لغة العلم الوحيدة.

          وبالنسبة للنقطة الأولى، هناك بالفعل منظمة عالمية هي:

          الـ ISO ( International Standard Organizatio)

          وكذلك الـ ITU (Tele - Communication Unio International) تقومان بوضع المصطلحات العلمية السليمة لكل ما يتعلق بمجال المعلومات والاتصالات، ولكن بالإنجليزية فقط، وعلى جميع اللغات الأخرى ترجمة هذه المصطلحات، ومن جانب آخر، هناك في عالمنا العربي مؤسسة تتبع جامعة الدول العربية هي المنظمة العربية للموازين والمقاييس والمفروض أن هذه المنظمة تلعب نفس دور الـ ِISO في العالم العربي. وفي تصوري أن هذه المنظمة يمكن أن تعمل على توحيد المصطلحات العلمية بالنسبة للعالم العربي كله، وقد يتعين على الحكومة المصرية من خلال وزارة الاتصالات والمعلومات أن تقوم مثلاً بتخصيص ميزانية لمشروع تشرف على تنفيذه المنظمة العربية للموازين والمقاييس يقوم بتعريب جميع المصطلحات العلمية المعتمدة من منظمة الـ ISO في مجال المعلومات والاتصالات. ومن الممكن أيضاً أن تقوم بهذا الدور الجهات المعنية بالدولة، ولكن في هذه الحالة سوف نفتتح باب المنافسة بين الدول العربية كما حدث مع مجمع اللغة العربية، إذ إن وجود أكثر من مجمع للغة العربية لم يحقق الثراء للغتنا العربية، ولكنه زاد فقط من خلافتنا، وعمق فكرة عدم اتحادنا على رأي واحد!.

          ويجب أن يفرض على كل الشركات التي تقوم حالياً بتدريب أعداد كبيرة من الراغبين في ركوب قطار المعلومات والاتصالات بأن تستخدم هذه المصطلحات في برامجها التعليمية، وأن يعطى للطلبة الراغبين في دراسة العلوم بالعربية حق اختيار لغة دراساتهم الجامعية، وليس هذا بجديد إذا عرفنا أن هناك مجالين بأكملهما يمثلان عصبان حيويان لأي دولة في العالم ألا وهما الإدارة والتجارة، وكلاهما يدرس بهذه الطريقة. ولا يخفى على أحد أن الإدارة والتجارة تدرسان في مصر أصلاً باللغة العربية ويمكن لمن يريدون تعلمها بالإنجليزية أن يلتحق بالقسم الإنجليزي بالكلية. ولا يقل هنا دور الجهات المعنية بالتربية والتعليم عن الجهات المعنية بالاتصالات والمعلومات، فمن المفروض أن يتم تدريس علوم الـ تشغيل الخاصة بالحاسبات منذ فترة مبكرة، أي في الفترة الإبتدائية، ومن يشك في قدرة الأطفال على ذلك فالينظر إلى ألعابهم اليوم التي يمارسونها على الحاسب الآلي، وخلاصة القول هنا أن هناك جهتين مسؤولتين عن عملية التعريب هما الجهة المختصة بالمعلومات والاتصالات والجهة المختصة بالتربية والتعليم، ومن المستحسن أن يرفع هذا التمثيل إلى المستوى القومي، أي أن يتم التعريب من خلال جامعة الدول العربية حيث أن هناك بالفعل منظمتين يمكنهما القيام بهذا الدور ألا وهما المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم التي يمكن أن تتحمل مسؤولية الجانب التربوي، والمنظمة العربية للموازين والمقاييس التي يمكن أن تكون مسؤولة عن الجانب التقني من عملية التعريب. على أن يتم العمل على التعريب من خلال برنامج تموله الحكومة المصرية مثلاً، أو الحكومات العربية مجتمعة، وتحت إشراف هاتين المنظمتين وباستخدام كوادرهما.

          وبالنسبة للنقطة الثانية، وهي مراعاة معايير الاستخدام، فيجب أولاً أن نلاحظ أن هناك فرقاً بين كلمة مصطلح وكلمة اسم فالمصطلح أو تحديداً المصطلح العلمي هو كلمة أو مجموعة كلمات تدل على الصفة العلمية لشيء معين، وهو عادة شائع الاستخدام بين الأكاديميين. بينما الاسم، هو الكلمة أو مجموعة الكلمات الشائع استخدامها للإشارة لشيء ما، ولا تصف بالضرورة معناه أو دوره أو نوعه، وقد تعنى إحدى صفاته. وحتى نوضح الفرق بينهما نسوق مثلاً كلمة السماعات، وتعرف بالإنجليزية باسم Speakers ولكن المصطلح العلمي الذي يشير إلى هذه الآلة هو Audio Output Device أي بالعربية جهاز الإخراج الصوتي. ويجب علينا أن نترجم جميع المصطلحات العلمية ترجمة حرفية إلى اللغة العربية، ولا يأخذ في الاعتبار أي عامل سوى التطابق في المعنى بين الكلمة الأجنبية والكلمة العربية، بينما لا يتحتم علينا أن نتبع هذا الأسلوب مع الأسماء، وهي تعتبر بمثابة ألفاظ دارجة أو شائعة، فعبارة Palm مثلاً ـ وهي حاسبات صغيرة الحجم للدرجة التي يمكن احتواؤها في راحة اليد ـ لا يتحتم علينا ترجمتها إلى راحة أو قبضة لمجرد أن هذا هو معنى كلمة Palm في الإنجليزية. وكمثال على الطريقة السليمة نسوق هنا نموذج كلمة صاروخ في اللغة العربية، وهي صيغة مبالغة من فعل صرخ، أي أصدر صوتاً عالياً، ولأن الصاروخ يصدر دوياً شديداً أو صراخاً شديداً، فقد تمت تسميته نسبة إلى هذه الصفة، ولم تستخدم الترجمة الحرفية لكلمة Missile الإنجليزية التي تعني مقذوف، كذلك لا تشير كلمة صاروخ إلى نوع هذه الآلة (المقذوفات) ولا دوره (النقل والمواصلات أو الحرب) ولا معناه (الانطلاق أو السرعة) ولكن بمجرد ذكر كلمة صاروخ سوف يفهم الجميع ما المقصود. وقد يبدو للوهلة الأولى أن ترجمة الأسماء الشائعة في الانجليزية تعني اختراع كلمات جديدة في اللغة العربية، وكما أنه ليس صحيحاً في العربية، فهو ليس صحيحاً أيضاً في الإنجليزية! ولمن لا يعلم، قليل جداً من الكلمات هي التي تم اختراعها بالفعل في الإنجليزية لتعبر عن أشياء لم تكن موجودة من قبل، ومنها كلمة Internet (وهي اختصار لعبارة International Nerwork) وكلمة Motherboard (وهي اللوحة الرئيسية) وهما الأكثر شيوعاً، ولكن حتى أعقد ما يوجد في مجال الحاسب الآلي من تقنية تم تسميتها بكلمات مستخدمة أصلاً في اللغة الإنجليزية تحمل أحياناً العشرات وأحياناً المئات من المعاني مثل كلمة Set التي لها 201 معنى!، وبعض هذه الأسماء ألفاظ من الأعماق السحيقة للغة الإنجليزية مثلاً كلمة Bug وهي تعني في الإنجليزية نفسها خنفساء والمقصود بها في مجال الحاسبات الخطأ الموجود ببرنامج وعلى القارئ أن يلاحظ الفرق الكبير في أناقة كلمة خطأ ولكمة Bug التي تشير إلى الخطأ على الرغم من أن الإنجليزية تحتوي على كلمة Error!!! وليس هذا المثال الوحيد، فكلمة Processor أي المعالج كلمة تحمل العديد من المعاني، بما في ذلك المعنى الشائع في مجال الحاسبات، وكذلك Printer (الطابعة) وScanner (الماسح الضوئي) وحتى كلمة Web التي قد تبدو للناس كلمة أنيقة تعني في الإنجليزية شبكة العنكبوت!!! وكل ما سبق من الكلمات هي عبارات موجودة في الإنجليزية أصلاً، لم يخترعها القائمون على مجال الحاسبات، وتحمل بالإضافة للمعاني الشائعة في مجال الحاسب الآلي. ومن هنا يجب أن نعي الدرس الذي تعطيه لنا الإنجليزية والذي يقف البعض أمامه صاغراً... هو أن التطور إنما يكون في المضمون والمعنى وليس في الشكل، ومن الممكن أن تكون كلمة حاسب التي يسخر منها الجميع هي كلمة Computer في الإنجليزية وكلاهما في لغتيهما كلمتان قديمتان، ولكنهما هذه المرة... يستخدمان بمعنى جديد. كذلك وقبل أن أدخل إلى وصفة اللغة للترجمة، أود أن أذكر نقطتين مهمتين، الأولى هي أن كل لغة تترجم لنفسها حسب المعنى الشائع، وليس حسب المعنى الحرفي، وإذا كنت من هؤلاء الذين يتحدثون الفرنسية فبالقطع تعرف أن الحاسب في هذه اللغة هو الـ Ordinateur وهي كلمة تعنى المنظم وليس الحاسب! ولكنها تمثل المعنى الشائع في أذهان الناس لأن العقل الفرنسي على ما يبدو يحتاج إلى الحاسب الآلي لينظم له أكثر مما يحسب (!) وهناك نماذج أخرى في لغات أخرى كثيرة مثل Datamaskin بالنرويجية أي Data Machine باللغة الإنجليزية أي آلة البيانات بالعربية! باختصار إننا لا نترجم المعنى الحقيقي، ولكن نترجم المعنى الشائع في ثقافتنا. النقطة الثانية، هي أن التسمية في اللغة العربية لها بالطبع قواعدها، وقد طالعت في مجلة PC - magazine الطبعة العربية (فبراير 1002) مقالاً بالكامل للسيد سامر الجودي يناقش الفرق بين كلمة حاسب وحاسوب. وأن التسمية الصحيحة هي حاسوب وليس حاسب لأن اسم الآلة يكون على وزن فعول مثل ساطور وصاروخ أيضاً بينما مشغل هذه الآلة، أي الشخص الذي يجعلها تعمل هو الذي يسمى حاسب أو ساطر. وما سبق هو كلام سليم تماماً من الناحية اللغوية، ولكن الاسم في اللغة العربية قد لا يتبع قواعد الاشتقاق، خصوصاً إذا ما كان بعيداً كل البعد عن المعنى، وأسوق هنا نموذج الصاروخ، ومشغله هو رائد الفضاء وليس الصارخ، لأن الكلمة الأخيرة بعيدة كل البعد عن المعنى المقصود، كذلك لا يسمي أحد الجزار ساطر لأن الكلمة وإن كانت فعلاً تعني الشخص الذي يستخدم الساطور إلا أنها لا تشير إطلاقاً للمعنى السائد في هذه المهنة! وأخيراً إذا كان الحاسب هو الجهاز الذي يقوم بالـ حساب فمن المفترض لغوياً أن الشخص الذي يقوم بالحاسب أو باستخدام آلة الحساب هو الـ حاسب وعلى الرغم من ذلك هذا الشخص اسمه السليم في العربية محاسب! كما أننا لم نسمع أبداً عن جهاز مثلاً اسمه الطابوع أو الماسوح، على الرغم من أن القاعدة التي تنطبق لغوياً على حسب، تنطبق أيضاً على طبع ومسح، ونعلم جميعاً أن اسم جهاز المسح هو الماسح الضوئي واسم جهاز الطباعة هو الطابعة، كما لا أعتقد أن جهاز الفأرة تنطبق عليه هذه القاعدة اللغوية أيضاً! وسر التركيبة هو عامل الاستخدام، فالاسم المعرب يمكن أن يكتسح الاسم الإنجليزي إذا كان يسهل استخدامه، ودون شك القاعدة هي الاستخدام، لذلك نجحت كلمة شاشة، وفشلت كلمة مرقاب، ولم تستطع حتى كلمة Screen الإنجليزية منافسة كلمة شاشة بين المستخدمين العرب، ولذلك أيضاً ترسخت كلمة إنجليزية مثل Format وفشلت ترجمة عربية مثل تهيئة مع أنها ترجمة سليمة 001%، فمن الثابت أن المتحدث العادي سيستخدم الكلمة الأسهل عليه نطقاً، والتي توصل المعنى المطلوب، فإذا كانت الكلمة الإنجليزية توصل المعنى بسهولة أكثر من الكلمة العربية، فلماذا يستخدم العربية، وعلى سبيل المثال لا يستخدم أحد الترجمة السليمة لكلمة Internet وهي الشبكة العالمية (وهي أصلاً اختصار لعبارة International Network) وبدلاً منها دخلت اللغة العربية كلمة جديدة هي إنترنت، وأكرر أن السبب في ذلك هو الاستخدام، فمن ذا الذي سيفضل كلمتان عن كلمة واحدة تفي بنفس الغرض، ولنفس السبب فشلت ترجمات كثيرة مثل لوحة المفاتيح والماسح الضوئي، واللوحة الرئيسية وحتى الحاسب الآلي!

          ومقياس النجاح هنا هو استخدام الناس بمن فيهم المتخصصون والمستخدمون العاديون لهذه الكلمات. ولا اعتقد أيضاً أن مجارات الإنجليزية في لصق الكلمات سيكون حلاً، كما يقترح البعض فلكل لغة خصائصها، والكثير من الكلمات المستخدمة في مجال الحاسب الآلي هي كلمتان ملتصقتان (مثل Keybord) أو كلمتان مختصرتان وملصوقتان (مثل Internet و Modem)، كما أن بعض الأسماء قد تبدو طفولية مثل حاسوب وفي بعض الأحيان سخيفة مثل اللوحة الأم. ولذلك أتصور أن الحل الصحيح هو اعتماد أسماء من كلمة واحدة دائماً، على أن تكون هذه الكلمات أصلاً كلمات شائعة، وسهلة النطق، وتحمل معنى أو صفة قريبة من المعنى أو الصفة المطلوبة، وهو ما حدث في الإنجليزية، وليس من العيب أن تدخل لغتنا كلمات من لغات أخرى، بشرط أن يكون دخولها هو آخر ما لدينا من حلول. ويجب ألا ننسى أن بعض الكلمات الإنجليزية في مجال الحاسب هي أصلاً كلمات عربية وتدور الدائرة وتعود إلينا هذه الكلمات دون أن نقدر على ترجمتها ونستخدمها في النهاية كما هي، وأشهر نموذجين هما كلمة Algorithm وكلمة Technology والأولى هي النسخة اللاتينية من كلمة خوارزميات وهي بالطبع كلمة صعبة الاستخدام (ولذلك ماتت!) نسبة للعالم العربي الخوارزمي الذي اخترع هذا المنهج في الرياضيات، وكلمة Technology هي عبارة عن Techno وهي أصلا كلمة عربية هي إتقان وكلمة Logy وهي كلمة لاتينية معناها المنطق وتستخدم غالباً بمعنى العلم أي ان Technology تعني علم الإتقان أو منطق الإتقان!. والكلمة العربية المرادفة لكلمة Technology هي كلمة تقانة والبعض حرف هذه الكلمة لكلمة أبسط هي تقنية، وعلى الرغم من أن الأخيرة كلمة سلسلة وسهلة الاستخدام، إلا أن شيوع كلمة تكنولوجيا أصابها في مقتل، أنا شخصياً خريج الاكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا! وأخيراً بالنسبة للنقطة الثالثة وهي تطبيق نظام التعريب، وهي النقطة التي أود أن أفند فيها أحد أخطر المزاعم السائدة وهي أن الإنجليزية هي فقط لغة العلم، وأن من يقول غير ذلك فهو إما رجعي، أو لا يمت لتدريس العلوم بصلة، كما لو كان من يتعلم بلغته يكفر بآلهة العلم الإنجليزية!. والحقيقة أن الرد على مثل هذه المزاعم أمر سهل، ولكن مقاومة القائمين على نشرها وترسيخها هو الأمر الصعب! ويكفي القول، بأن من يقف في وجه التعريب هم من العرب أنفسهم، من هؤلاء الذين تعلموا بالإنجليزية أو غيرها في أواسط القرن الماضي، حيث كانت البعثات إلى أوروبا على قدم وساق. هؤلاء هم الآن القيادات العلمية لمجتمعنا في شتى المجالات. وحتى الصف الثاني من العلميين، أي الأجيال التي أتت بعدهم، بما في ذلك الجيل الذي أنتمي إليه، أغلبهم درسوا العلوم بالإنجليزية، وكل هؤلاء لا يريدون التخلي عن تميزهم لصالح الأجيال القادمة ولصالح بناء وطن عصري، أو مجتمع المعلومات كما يحلو لهم أن يسمونه. يمكنك عزيزي القارئ أن تعرف الآن من الذين يحاربون التعريب!

          ومن المؤكد أنه لا يوجد للعلم لغة أصلاً! وحسب منطق التعليم عندنا فهناك فرعان لتربية الأجيال، الفرع الأدبي والفرع العلمي. ويدرس الفرع الأدبي تقريباً بكامله بالعربية (على الرغم من أن الإنجليزية هي لغة العلم كما يعتقدون!..). أما الفرع العلمي فيدرس كله بالإنجليزية. ولست ممن درسوا الرياضيات مع الأسف بالعربية، فقد درستها بالفرنسية في المرحلة الثانوية، وبالإنجليزية في المرحلة الجامعية، وهي من أعقد العلوم على الإطلاق، وعلى الرغم من ذلك يمكن دراستها بالكامل بالعربية، حيث أن هذا العلم بالكامل ليس فقط مترجماً إلى العربية ولكن أصله الإنجليزي المزعوم مترجم عن العربية. ولم تضف الإنجليزية إلى علم الرياضيات اية مصطلحات بل على العكس وجدت نفسها مطالبة بترجمة المصطلحات العربية الموجودة في الجبر ومن يسخرون من عبارة جتا وضل الزاوية إلخ... قد لا يعرفون أن مسطلحات Sine وCo - Sine هي ترجمات حرفية لمصطلحات عربية وليس العكس! ولكن الإنجليزية نجحوا بجدارة في ترجمة علوم العرب، ولم يبكوا مثلما فعلنا على اللبن المسكوب، ولم يقولوا أن العربية هي لغة العلم، وكانوا على حق فالأرقام لا لغة لها، وهذا ينطبق على جميع العلوم التجريدية مثل الرياضيات، فهذه العلوم لها لغتها الخاصة التي تعبر بها عن نفسها. وعلى سبيل التوحيد قرر الأوروبيون أن تستخدم أوروبا كلها اللغة اللاتينية (ولا يوجد في أوروبا كلها دولة واحدة تتحدث هذه اللغة!) في المصطلحات العلمية على أساس أن هذه اللغة هي الجذر الذي تفرعت منه كل اللغات الأوروبية الحالية، ونجحت إرادة أوروبا في فرض لغة ميتة وفقيرة مثل اللاتينية على العلم، وفشلنا نحن في فرض لغتنا الحية على العلم، لمجرد أننا لا نرغب في المحاولة. ويجب ألا ننسى أن المصطلحات العلمية ليست جزءاً من اللغة، وكمثال على ذلك فعلى الرغم من وجود كلمة تعني شاشة باللغة الإنجليزية ألا وهي Screen إلا أن هذه الأخيرة تعرف لدى علماء الحاسب الآلي الأكاديميين. بـ Video Output Device أو جهاز اخراج المرئيات بالعربية وهو نفس المعنى ونفس المصطلح ولكن بلغتنا، ولن تجد هذا المصطلح لا في قواميس العربية ولا الإنجليزية لأنه ليس جزءاً من كلتا اللغتين بينما ستجد في القاموسين كلاً من كلمتا شاشة وScreen. وإذا نظرت حولك ستجد كل دول العالم تدرس بلغاتها فيما عدا نحن، ففرنسا مثلاً لا تدرس أي شيء سوى بالفرنسية، كذلك ألمانيا وإيطاليا، وأسبانيا وروسيا تدرس بلغاتها المحلية، بل حتى دول جنوب شرق آسيا مثل الصين واليابان وكوريا تستخدم لغاتها المحلية، وهي لغات على عكس العربية لا تربطها أي صلات باللغات الأوروبية عموماً مما جعل عملية الترجمة شاقة للغاية بالنسبة لدول تلك المنطقة... ولكنهم نجحوا بالفعل. وهناك تجارب عربية رائدة في هذا المجال في سوريا وليبيا على الأقل، وحتى إسرائيل تدرس العلوم كلها بالعبرية ويبدو أننا الشعب الوحيد الذي لا يؤمن بلغته في العالم كله! ولا يعني التعريب على الرغم من ذلك تجاهل لغة عالمية مثل الإنجليزية، فعلى الرغم من اعتزازي بلغتي إلا أنني أعترف أنني لا أستطيع أن أذهب للصين وأتحدث العربية فلن يفهمني أحد، بينما لو تحدثت الإنجليزية قد أجد من يفهمني... نعم الإنجليزية هي لغة التخاطب العالمية، ولكنها بالقطع ليست لغة العلم الوحيدة لكل العالم كما يتصور البعض، وقد يكون من الأسلم أن نعلمها لأبنائنا في جميع المراحل التعليمية بشكليها العام والخاص. بل وأؤيد أيضاً أن تكون كل أبحاث الدراسات العليا والدكتوراه بالإنجليزية لكي يتمكن العالم كله من الإستفادة من هذه الخبرات ولكن يجب ويتحتم أن يكون الأساس هو لغتنا ليس لمجرد الحفاظ عليها فقط ولكن في المقام الأول لإتاحة الفرصة العادلة للجميع ليعرفوا ما يحتاجون لمعرفته. ومن ثم استخدام هذه المعرفة في تطوير الوطن.

          وفي النهاية أود أن أشيد بنموذجين مشرفين للتعريب أثبتا على مدار سنين طويلة نجاحهما. الأول هو أكبر مؤسسة في الدولة في مصر، وهي المؤسسة التي شرفت بوصف السيد رئيس الجمهورية لها بأنها أكثر مؤسسات الدولة انضباطاً... وهي القوات المسلحة، واللغة العربية هي اللغة الأساسية والوحيدة المستخدمة في التعليم والعمل وعلى كل المستويات من الجندي إلى المشير، وقد أدركت هذه المؤسسة منذ زمن بعيد أنها إذا أرادت أن تصنع جيشاً حقيقياً فلا بد أن تخاطب جميع أفراده بلغة يفهمونها، أياً كانت ثقافة أو مستوى تعليم هؤلاء الأفراد، ويمكنني القطع بأن القوات المسلحة هي أكبر، وأكثر مؤسسات الدولة تطورا وتنظيماً، ومستواها عموماً يرقى إلى مستوى أفضل نظيراتها على مستوى العالم (على الرغم من أنها تستخدم العربية وليس الإنجليزية!). والنموذج الثاني إحدى شركات القطاع الخاص الكويتية وهي شركة صخر. وصخر هي الشركة التي جعلت الحاسب الآلي في متناول كل طفل عربي، ليس فقط من الناحية الاقتصادية، ولكنها أيضاً حطمت حاجز اللغة الذي كان يقف عائقاً بيننا وبين الحاسب الآلي، من نظام التشغيل إلى لغة البرمجة، مروراً بالتطبيقات والمطبوعات، لم تترك شيئاً إلا وعربته، وبناء على أسس سليمة، ولا يسعني الآن إلا أن أدعو الله لكل من عملوا ومازالوا يعملون في هذه الشركة بأن يمنحهم الله مزيداً من القوة ونور البصيرة والبصر جزاء لهم على الخدمة الجليلة التي أسدوها لجيل أطفال الثمانينات كله، وحتى يواصلوا هذه الرسالة النبيلة والواضحة لكل الأجيال القادمة.


السابق

بداية الصفحة

التالي