في انتظار الكتاب الالكتروني:
قراءة ثقافية نفسية
الباحث الدكتور: محمد المخزنجي *
 
على امتداد أكثر من ثلاث سنوات أقمت بشقة صغيرة في بيت الدارسين بمعهد الأطباء المتخصصين بمدينة كييف، عاصمة جمهورية أوكرانيا التي كانت سوفيتية. كان البيت في ضاحية غارقة في البساتين ومتماوجة بالتلال. بناء أبيض ضخم من اثني عشر طابقاً، وبكل طابق عشرين شقة مثل شقتي، تتكون كل منها من حمام ملحق بردهة صغيرة تفضي إلى غرفة وحيدة تطل على الشارع بنافذة فسيحة من الزجاج المزدوج مقسمة الى ثلاثة مصاريع وتشغل واجهة الحجرة من الجدار إلى الجدار.
 
في فصل الشتاء الطويل المكسو بالبياض الناصع للثلوج الكثيفة، وحيث كانت البرودة تقف كثيراً عند درجة 20 تحت الصفر، كانت العودة الى البيت تشبه الارتماء في حضن دافئ حنون بعد معاناة الصقيع في الشوارع. وخلال أكثر من ألف عودة إلى البيت، لم أفلح في تحديد نافذة شقتي من الخارج إلا مرات قليلة، فهي واحدة وسط مائتين وأربعين تشبهها. وفي الداخل المتعطِّف بحرارة التدفئة المركزية كنا نسرع، خالعين أغطية الرؤوس من الفراء الثقيل (الشوبكا) ونحن في البهو، وننضو عنّا معاطفنا الصوفية الثقيلة ونحن على أبواب المصاعد أو في الردهات. نسرع باتجاه شققنا الصغيرة لنتناول بعضاً من حساء (البورش) الساخن سريع التجهيز، او نحتسي قدحاً من الشاي الذي يمنحه (الساموفار) الكهربائي بسرعة. ولقد أخطأت سكني عشرات المرات، فردهات الطوابق كلها متشابهة، ومداخل الشقق متشابهة، وأثاث الغرف متشابه، وكثيراً ما كنا نترك أبوابنا (مردودة) حتى تنصاع منفتحة بدفعة عند عودتنا المسرعة. ولعشرات المرات دفعت أبواباً وفوجئت بأنني أخطأت مكاني، كل الأشياء متشابهة، ولم يكن يخرجني من تيه هذا التشابه إلا كتبي في الغرفة. نظرة واحدة تقول لي إن كان هذا سكني أم لا.
 
ومع مرور الوقت رحت أكتشف أن لا سكن لي ولا سكينة في أي مكان لا تنتظرني فيه كتبي. حتى بيت أهلي في المنصورة، والذي نشأت وعشت فيه حتى السابعة والثلاثين، كان بيتي عندما كان فيه أبي وأمي رحمهما الله، وظل كذلك بعد رحيلهما إذ كانت داخلة هذه الغرفة التي تخصني والتي أخفت جدرانها من الأرض إلى السقف آلاف الكتب. وعندما غادرت البيت إلى القاهرة، فالكويت، وطالت غيبتي، كان طبيعياً أن أخلي المكان لساكنيه. لم يسع بيتي الصغير في القاهرة إلا بضع مئات من الكتب التي انتقيتها، وتطوعت شقيقتي وزوجها بتغليف بقية الكتب ونقلها إلى قبو بيتهما في المنصورة حتى أجد لها مكاناً.
 
الآن أعود الى بيت الأهل فتتناز عني كل ألوان الحنين، لكنني ـ أمانة ـ لا أشعر لحظة أنه سكني، وعندما أقيم زائراً في بيت أختي بالمنصورة يشدني القبو المظلم حيث خُزِّنت الكتب، ولولا الخجل لطلبت منهم أن يمدوا لي فراشاً فيه، ويزودني بمصباح، وأدوات إعداد الشاي، ويتركوني هناك لأنعم بالسكون، وبالسكينة.
 
أقسم أنّي لا أبالغ.
 
ولا أبالغ إن قلت: إن هناك ملايين من البشر مثلي، أسميهم بشر الكتب، والكتب التي أعنيها تحديداً هي الكتب المطبوعة.
 
نحن بشر الكتب، لماذا ارتبطنا نفسياً وذهنياً بالكتب على هذا النحو؟ وماذا لو اختفت الكتب من عالمنا لتحل بمكانها أخرى رقمية أو إلكترونية؟
 
ما الذي سنخسره؟ أو نكسبه؟ وما الذي سيخسره أو يكسبه غيرنا من أجيال تالية، موعودة أو مهددة بزوال أو أفول الكتاب المطبوع.
 
جاك رومانوس أحد ناشري الكتب الغربيين الكبار، وفي تقرير صحفي يبشر بقرب اقتحام الكتاب الإلكتروني لعالمنا، نُشر في الشتاء الماضي، يقول:
 
إن الجيل الراهن من القْراء سيترك المكان خلال 20 عاماً لجيل الكتاب الإلكتروني.
 
وعلى شبكة الإنترنت يقول مسئول مكتبة بارنيس أند نوبل. كوم الأمريكية:
 
خلال عشرين عاماً، ستدخل مكتبة ما على الشبكة، وتلقم المؤلفات التي تريدها لكتابك الإلكتروني.
إذن الحكاية جد!
 
فأين يكون السكن، ومن أين تأتي السكينة؟
إعمار الفراغ
 
أقف أمام حزانة للكتب في نهاية ردهة بيتي الصغير بالقاهرة. على أرفف هذه الخزانة مجموعة من الكتب التي أعشقها، ولا تزيد على مائة وخمسين كتاباً موزعة على فروع شتى، أقف وأطيل الوقوف، مغموراً بشعور من يرى أحباباً قدامى بعد غيبة. تثور ذكريات طيبة وأشواق، ليست ثقافية فقط، وإن كانت ثقافية أساساً. أعرف هذه الكتب من ألوان وهيئات كعوبها بلا أدنى خطأ، وتجذبني جذباً لإخراجها وتقليب صفحاتها، وربما قراءة سطور أو فصول منها، أتأمل بعض الملاحظات التي دونتها في الهوامش بكلمات قليلة. وأكتفي بلمس بعض هذه الكتب وهي في أماكنها. وفي كل الحالات، تطفو على سطح الذاكرة أفكار وأحلام أوحت بها هذه الكتب أو عاصرت مولدها، وتتجدد الأشواق، تماماً كما تفعل زيارة لمكان حميم قديم. لكن المكان في هذه الحالة لا يشغل حيزاً أو فضاءً يتجاوز سنتيمترات قليلة هي حجم كل كتاب.
 
فهل هو المثول، أو الحضور في المكان والزمان، ما يجعل للكتاب (المطبوع) كل هذا التأثير النفسي والعقلي فينا؟ وماذا عن الكتاب الإلكتروني في هذا الشأن؟
 
دعونا لا نتوقف كثيراً عند تحديد البداية زمنياً بمنتصف القرن 15 الميلادي عندما قام النجار الألماني جوتنبرج بتقديم مطبعته للعالم الغربي، فالتقصيات تومئ إلى إرهاصات في دنيا الشرق تتراوح بين كوريا والصين، وثمة إسهام عربي ناقل، لكنه مرموق، وافر في القرن 14 صناعة الورق التي شيدت عليها مملكة الكتاب المطبوع فيما بعد.
 
ودعونا لا نتوقف ايضاً عند تاريخ بدء الكتابة، التي لا تبتعد لدى كل الفرقاء عن هذا الركن أو ذاك من بلادنا العربية، فما يعنينا هنا هو تنضيد الكتابة طباعياً، والتي بإنجازها للكتاب المطبوع دشنت الانتقال الحقيقي من دنيا الثقافة الشفاهية إلى عالم الثقافة الكتابية، وأنجزت في مجال الوجود البشري ثورة ثقافية حقيقية كانت لها انعكاساتها النفسية والعقلية على البشرية أفراداً وجماعات.
 
يقول والترج. أونج في كتابه الأهم الشفاهية والكتابية : إن الطباعة أحلت الكلمات في الفراغ بصورة أكثر صرامة مما فعلته الكتابة في تاريخها كله. فعلى حين تحرك الكتابة الكلمات من عالم الصوت إلى عالم الفراغ المرئي، تحبس الطباعة الكلمات في موضعها داخل هذا الفراغ. ومن مظهر النص المطبوع يلتقط القراء إحساساً بالكلمة في الفراغ يختلف تمام الاختلاف عن الإحساس الذي توصله الكتابة بخط اليد كما في المخطوطات. فالتحكم بخط اليد في الفراغ الكتابي يميل إلى أن يكون زخرفياً، أما التحكم الطباعي فإنه مرتب وحتمي، سطوره تامة الانتظام، وكل شيء يبدو متساوياً من الناحية المرئية.
 
هذه الآلية التقنية في النصوص المطبوعة جعلت القراءة أسهل ومن ثم أسرع وتميل إلى الصمت، وأنشأ هذا علاقة مختلفة بين القارئ وصوت المؤلف في النص، مما دعا إلى ابتكار أساليب جديدة في الكتابة تبتعد عن الإطناب والخطابية، وفيما كانت الكتابة بخط اليد في المخطوطات توحي بأن مواضع الكتابة على الصفحة هي إشارات إلى مواضع في عقل الكاتب حيث تختزن الأفكار، فإن الكتاب المطبوع جعل هذه المواضع أو الأماكن النفسية المبهمة تحتل مكاناً مادياً ومرئياً.
 
على هذا النحو بزغ عالم عقلي جديد يتشكل وينتظم في الفراغ، مؤثراً على طرفي معادلة الكاتب والقارئ، فالكاتب صار مطالباً بالدقة اللفظية والعبارة المتراسلة مع إيقاع الحياة مادياً ونفسياً. أما القارئ فقد أحدثت فيه الكتب المطبوعة جملة من التطورات العقلية والنفسية تعد انقلاباً حقيقياً في التاريخ الثقافي للإنسان، رصدها أونج، ولا نجد أمامنا إلا أن نعيد تذكرها، ممزوجة بتنبهنا للبعد النفسي وراء أو داخل كل منها، بينما تظل في خلفية أذهاننا ماثلة، تلك المقارنة المتوخاة بين الكتاب المطبوع والكتاب الإلكتروني، ما الذي سيورثه القديم للجديد، وما الذي سيضيع من هذا الإرث.
 
1- التقانة الكتابية-عبر الطباعة- كانت عاملاً رئيسياً في تطور الإحساس بالخصوصية الشخصية التي تعد من علامات المجتمع الحديث، فقد أنتجت الطباعة كتباً أصغر وأخف حملاً مقارنة بسابقتها في ثقافة المخطوطات، فأحدثت تهيئة نفسية للقراءة المنفردة والصامتة، مما عزز من إحساس الإنسان بالحيّز الشخصي للآخر في المقابل.
 
2- الكلمات المطبوعة لكونها معيارية ومحايدة الخط، خلقت إحساساً بالملكية الخاصة للكلمات، إذ تحولت الكلمات المطبوعة إلى سلعة، وخدم هذا حركة الوعي الإنساني تجاه الفردية المتعاظمة في المجتمعات المدنية الحديثة، بكل إيجابيات ذلك وسلبياته.
 
3- الكلمات المطبوعة بثباتها التشكيلي في مئات أو آلاف أو ملايين النسخ، وكونها بذلك أشبه بالأشياء غير الشخصية والمحايدة، شجعت البشر على التفكير في قدراتهم الداخلية الخاصة الواعية وغير الواعية، فقد تحول القول والفكر ليستقر على سطح محايد يوحي بالاستقلال الذاتي للكاتب، ويقترح تعزيز الاستقلال الذاتي لدى القارئ، ومن ثم الالتفاف إلى دواخل هذه الذوات القارئة.
 
4- النصوص المطبوعة بتطابقها اللفظي في النسخ العديدة من كل طبعة، صارت تمثيلاً للشكل الأخير أو النهائي لكلمات المؤلف، حيث لا يقبل النص -حال طباعته- تغييراً بالكشط أو الإضافة كما كانت المخطوطات تحتمل خاصة في الحواشي والهوامش حول المتن، مما كان يحمل سمة الحوار المستمر مع العالم خارج حدود النص تحقيقاًَ لتقليد خذ وهات في التعبير الشفهي. أنهت الطباعة على الورق هذا التقليد، وصار لها توجه عقلي مختلف يميل إلى الإحساس بأن النص مغلق ويشكل وحدة بذاته. وهنا نشأ جدل ثقافي يوشك أن يكون عصاباً أسماه هارولد بلوم : قلق التأثير. وهو قلق ينتاب القارئ الناقد، ويؤرق الكاتب، حتى وإن كان متعمداً ويرتدي لباساً عصرياً مهذباً عنوانه التناص. ففيما اعتبرت ثقافة المخطوطات هذا التناص أمراً مسلماً به نظراً لتواصل تقاليد العالم الشفاهي خلالها، وعمدت إلى إيداع نصوص من خلال نصوص أخرى بعد التحوير والتعديل، فإن هذا (التسلل) النصي بات نوعاً من الكرب لدى مؤلفي الكتب المطبوعة وحقلاً مثيراً لعمل النقاد.
 
وعند هذه النقطة يبرز مشروع الكتاب الإلكتروني مع سؤال كبير عن مدى صمود الشكل النهائي أو الأخير لكلمات المؤلف أمام إمكانات التقانة الحاسوبية في (فتح) البرامج، وتغيير النصوص، وهو تغيير لن يكون في الهامش أو الحاشية كما في المخطوطات، بل يمكن أن يجري في متن النص نفسه. هل يمثل ذلك عودة إلى تقليد الثقافة الشفاهية خذ وهات، بين المؤلف والقارئ، وهل يخلو من عبث (القرصنة) ذات الأبعاد المرضية السيكوباتية آنذاك؟
 
لقد ظلت سمة الثبات أو الاكتمال ملتصقة بعمارة الطباعة في فضاء الصفحات الورقية، عبر أكثر من خمسة قرون، حتى أن التقنية الحديثة أنجزت لها جهازاً يسمى جهاز هِنمن لمقارنة النصوص، وقد ابتكره تشارلن هنمن لتحقيق الطبعات المبكرة من أعمال شكسبير، وبإمكانه أن يطابق أي صفحتين متماثلتين من النص نفسه وعند عثوره على اختلافات ينبّه الفاحص بواسطة ضوء غماز.
إلى أي مدى سيغمز جهاز هنمن مع نصوص الكتاب الإلكتروني؟
 
سؤال يعيدني من الغائم إلى الواضح، فأهفو إلى الانتقال إلى بعض المعلوم في الشأن النفسي للمتحقق، أي الكتاب المطبوع، ووسيلتي إلى ذلك هي المقاربة العضوية عبر علم النفس الفسيولوجي- الأقرب إلى نفسي.
حشد الحواس
 
مع الكتاب المطبوع أكرر ما فعله ويفعله بلايين البشر منذ خمسة أو ستة قرون : أتناول الكتاب بيدي، وقد أتحسس غلافه وأنا أقرأ ما طبع عليه في صمت، أو بهمس لا يتجاوز سمعي. أفتح دفتيه بين راحتي، ويتمهل بصري أو يسرع فوق السطور. يحدث أن أضع خطاً بالقلم تحت سطر أو كلمة، وقد أرسم إشارة في مكان ما من الصفحة، أو أدون ملاحظة في الهامش. وعندما انتهي من قراءة صفحة يسرى في كتاب عربي، أو يمنى في كتاب باللغة أو اللغتين الأوربيتين اللتين أقرأ بهما، أمد يمناي وأقلب الصفحة بحركة صغيرة من طرفي السبابة والإبهام. وأواصل فعل القراءة...
 
ما الذي يحدث فسيولوجياً أثناء ذلك، وما انعكاسات ذلك نفسياً؟ وما موقع الكتاب الإلكتروني في هذا التساؤل، وفي مسعى الإجابة؟
 
أمامي استخدام واضح لحاستين كبيرتين يوظفهما البشر في التعامل مع الكتاب المطبوع، هما حاستا الإبصار واللمس.
 
أعود إلى العام 1861 ميلادية حيث اكتشف الطبيب الفرنسي بول بروكا عدم تماثل نصفي المخ. كان يشرح مخ مريض متوف عانى فقدان القدرة على التحدث، ووجد بروكا أن العطب كان في نصف كرة المخ اليسرى في منطقة محددة حملت اسم بروكا ولا تزال حتى اليوم. وتأكد أن هذه المنطقة هي المسئولة عن إنتاج الكلام بدليل أن عطب المنطقة المناظرة لها في نصف كرة المخ اليمنى في حالات أخرى لم يؤثر على التكلم. وبعد بروكا تبين أن المناطق المسئولة عن فهم الكلام، والقدرة على الكتابة، وفهم الكلمات المكتوبة، تقع جميعها في نصف المخ الأيسر أيضاً (والحديث هنا ينصب على الغالبية ممن يستخدمون اليد اليمنى استخداماً سائداً، لأن الأمر لدى سائدي اليد اليسرى معكوس أيضاً في المخ). صحيح أن نصفي كرة المخ تتبادلان المعلومات عبر جسر من النسيج العصبي بينهما يسمى الجسم الجاسىء، لكن هذا لا يخل بتخصيص كل منهما، كما اكتشف بروكا في القرن التاسع عشر وفي اكتشافات الحائز جائزة نوبل في علم الأعصاب روجر سبري عند نهاية القرن العشرين.
 
ومن الثابت الآن أن المخ الأيسر - في حدود بحثنا - معني بالمهارات اللغوية والحسابية، بينما المخ الأيمن معني بحس التركيب الفراغي أو الحيزي (SPATIAL) وحس النماذج أو الأنماط.
 
ولو تذاكرنا الحديث السابق عن إعمار الفراغ الذي تشكله الصفحة المطبوعة، ويشكله الحيز المكون لحجم الكتاب إجمالاً وتفصيلاً، لتبين لنا أن الكتاب المطبوع يوظف في لحظة القراءة كلاً من نصفي كرة المخ في وقت واحد. وثمة قاعدة في متن علم النفس الفسيولوجي تقول بأن تفعيل المزيد من المنبهات الحسية يكثف ويغني التفاعلات النفسية.
 
ولأن الإبصار حاسة مشتركة بداهة في قراءة النصوص سواء على سطح الورقة المطبوعة أو على شاشة كمبيوتر أو كتاب إلكتروني، وبرغم التباين النسبي في الجهد البصري في كل حالة وما له من انعكاسات نفسية على القارئ، فإن الحاسة الفارقة في استخدام الكتاب المطبوع هي حاسة اللمس وما يستتبعها.
 
تقليدياً كانت حاسة اللمس لدى أهل الطب وعلم النفس الفسيولوجي الأقدم عهداً تعتبر حاسة واحدة، لكننا نراها اليوم مع المزيد من الاكتشافات الحديثة تنقسم إلى ثلاث شعب تنخرط فيما يسمى بحواس الجلد Skin Senses، أولاها حس الضغط، والثانية حس الحرارة، والثالثة حس الألم، تبعاً لأنواع المنبهات التي تتجاوب معها مستقبلات حسية متخصصة، مما يولد خبرات مختلفة ومن ثم نتائج مختلفة في الاستقبال والإدراك الحسي Perception ، وهذا بدوره يحدث تأثيرات مختلفة في عمليات الذاكرة الثلاث : التشفير Encoding ، والاختزان Storage ، والاستعادة Retrival .
 
ولو أخذنا برأي هيرنج -أحد أكثر المعاصرين المهتمين بدراسة الذاكرة والتكوين النفسي للإنسان- الذي يقول بأن الذاكرة هي بوتقة الربط والتوليف بل التوحيد للوعي الإنساني Consciousness برمته، لرأينا أهمية إضافة حاسة كاللمس لخبرة القراءة. ولدواعي التقريب لن نجزئ هنا حاسة اللمس بل سنتعامل معها كوحدة تضم شعبتي الإحساس بالضغط والإحساس بالحرارة فيما يشكل تحديداً عملية اللمس Touch.
 
في التعامل مع الكتاب المطبوع سنجد نوعاً من اللمس يسمّى اللمس النشط Active Touching لأن الكتاب لا يأتي ليلمسنا، بل نحن الذين نتناوله ونلمسه، وهذه الحالة الإيجابية للمس -كما بيّن كلاتيسكي، وليدر مان، وميتنجر، عام 1985- تنتج عنها خبرة مغايرة للمس السلبي، إذ توقظ -حالة اللمس الإيجابي- الحواس الحركية Motor Senses ، وبهذا اللمس الإيجابي وحده نستطيع التعرف على تركيب الكتاب في الفراغ، أي تكوينه الحيّزي Spatial Construction ، وهذا يوضح أكثر آلية تشغيل الكتاب المطبوع -عند القراءة- لنصفي كرة المخ معاً، والتي سبقت الإشارة إليها.
 
الشعبة الثانية ضمن حاسة اللمس هي الإحساس بدرجات الحرارة، والتي تثبت أننا ندركها -تبعاً لمعطيات كتشالو، ونافي، وبروكس، 1991- مع حد أدنى من التغير باتجاه السخونة قدره 0.4 درجة مئوية، وباتجاه البرودة قدره 0.15 درجة مئوية. ولسنا في حاجة كبيرة لإثبات أن هذه الفروق الحرارية الطفيفة محتملة ضمن إحساسنا بالكتاب الذي لابد أن درجة حرارته المتغيرة صعوداً وهبوطاً مع حرارة الجو المحيط به تختلف مع درجات حرارة أجسامنا ذات الثبات النسبي.
 
إذن، نحن لا نستقبل الكتاب المطبوع بالبصر وحده، بل بحس اللمس الذي ينبئنا بجرم الكتاب ككل، وملمس غلافه وصفحاته ودفء أو برودة هذا الغلاف وهذه الصفحات. وعلى هذا النحو يحشد التعامل مع الكتاب حزمة من التنبيهات الحسية تجعل تفاعلات الاستقبال أعمق، ومن ثم تغتنى العمليات العقلية والوجدانية المشكلة لوعينا الثقافي Cultural Conciousness (إن جاز تركيب التعبير)، ولم تعد مسائل الاغتناء النفسي بالإغناء الحسي استقبالاً وإدراكاً من الافتراضات النظرية في علم النفس، فقد أثبتت أبحاث هاكسبي -1990، التي استخدم فيها المسح الإلكتروني للمخ البشري الحي، أن البشر عندما يدفعون للتعرف على أشياء متعينة أو ملموسة يزيد تدفق الدماء في مناطق التعرّف Recognition بلحاء المخ لديهم.
 
وكملاحظة جديرة بالانتباه، فإن عملية الإدراك الحسّي Perceptio التي تعالج وظيفتين أساسيتين هما :
 
1) تحديد موقع الشيء
 
2) إدراك ماهية الشيء، تصبح ناقصة إذا غاب عنصر الحس بالعمق Depth Perception والذي هو شرط لعملية تحديد الموقع. والحس بالعمق الفراغي سيكون علامة استفهام مهمة مع الكتاب الإلكتروني لو ظل على معطيات نماذجه التجريبية المعروضة حتى الآن، والتي سنعرض لها فيما بعد. ولنتذكر أن أي انتقاص من مكونات الإدراك الحسي، ينتقل ليشكل طرحاً من العمليات النفسية والعقلية الأعلى التي تدخل في تكوين الوعي، وتتوزع على عمليات التعلم، والتذكر، والتفكير، وتكوين المفاهيم، والأداء اللغوي، والتخيل، والدافعية، وحتى العاطفة.
 
ولقد لاحظ إيريك فروم في معرض حديثه عن الفارق بين مفهومي الكينون والامتلاك أن الأشخاص الذين لا يميلون إلى مجرد اختزان المعلومات، لكي تنشط ذاكرتهم لا بد من وجود ما يثير اهتمامهم بقوة في اللحظة المطلوبة. ولو شئنا تفسيراً لذلك لقلنا إن عملية الاستعادة التي تشكل ثالث مفاصل الذاكرة -بعد التشفير والاختزان- تتعلق بمثير أو بمنبه ماثل، ولا شك أن مثول الكتاب المطبوع يرجع الى وجوده المتعين في الفراغ ووجوده المدرك بحاسة اللمس.
 
ً هذا المثول والتنبيه الحسي للكتاب سنجده متجلياً في بعد نفسي رفيع الشأن تماماً هو الوجدان أو العاطفة Emotion ، ليس فقط لوجود بُعد إدراكي في العملية الوجدانية. ولكن أيضاً لأن التنبيه الحسي شديد الأهمية في التكوين العاطفي. فقوة العواطف غالباً ما تتضمن يقظة فسيولوجية تتأتّى عبر تنشيط القسم الودي Sympathetic N.S. من الجهاز العصبي اللاإرادي. ولقد لوحظ أن الأشخاص الذين يعانون من إصابات جسيمة بالحبل الشوكي تتقلص لديهم آلية التغذية المرتجعة لهذا الجهاز مما يترتب عليه هبوط ملحوظ في الانفعال العاطفي.
 
والعاطفة عنصر نفسي شديد الأهمية وعامل مشترك أعظم في كل العمليات العقلية لدى الإنسان كالتعلم، والتفكير، والتخيل. وفي هبوط مؤشر الوجدان نتيجة لتناقص التنبهات الحسية مع الأشكال المقترحة من الكتاب الإلكتروني مقارنة مع الكتاب المطبوع، تثور أسئلة عن انعكاسات ذلك على قُراء المستقبل، وكُتابه أيضاً. لكن الإجابات تظل معلقة إلى حين.
الكتاب المنتظر
 
عندما طالعت ما نشرته المجلة العلمية Popular Mechanics -عدد أغسطس 1999- عن الكتاب الإلكتروني، لم أكن أعرف أنه ستتاح لي الفرصة بعد عدة أشهر لمعاينة ما تحدثت عنه المجلة على الواقع، وفي مركز من مراكز الغرب الصناعية المهمة، والأكثر عناية -عالمياً- بشأن الكتاب.
 
أفردت المجلة موضوعاً عن الكتاب الألكتروني تحت عنوان إقرأ شاشتي، وأعادت نشره اضافياً على موقعها في شبكة الإنترنت. وابتدأ الموضوع في الحالتين، بالحديث عن أزمة ناشري الكتب المطبوعة والخسائر المادية الهائلة التي يتكبدونها في حالات انكماش التوزيع. وبشّر بأن ذلك كله سيتلاشى مع بزوغ العصر الجديد للكتاب الإلكتروني الواقف فعلياً على الأبواب. فلن تنفد طبعة من كتاب، ولن يتراكم في المخازن، ولن يعسر على القارئ العثور على أي كتاب يريده خلال بضع دقائق ليحمّله على جهازه خلال دقائق أقل، ويقرؤه في النور أو في الظلمة، أو حتى وهو مغمض العينين باللجوء إلى برنامج صغير للقراءة الصوتية متضمن في بعض هذه الكتب -الأجهزة- الإلكترونية.
 
قدمت المجلة -موقعها على الإنترنت- عدة نماذج من الكتاب الإلكتروني المنتظر، مع صور للمنتج فعلياً من هذه النماذج.
 
النموذج الأول، واسمه الكتاب الإلكتروني الصاروخي (Rockete Book) من إنتاج نوفوميديا بكاليفورنيا. وهو جهاز بحجم قاموس متوسط يعرض مخزونة من الكتب على شاشة كمبيوتر من البلورات السائلة LCD بمساحة صفحة كتاب صغير، وجوانبه الملفوفة تتيح لليد أن تمسكه بـإرتياح، وهذه الجوانب ذاتها هي غرف للبطاريات القابلة لإعادة الشحن التي تشغل الجهاز، والتي تكفي لعمله 33 ساعة في كل مرة شحن. ثمن الجهاز 499 دولاراً، وذاكرته تتسع لتخزين أربعة آلاف صفحة، أي ما يعادل عشر روايات دفعة واحدة، ولملء ذاكرة الجهاز يكفي الاتصال عبر شبكة الإنترنت بمواقع Barnes and Nobler or Levenger أو خلال America on line، وبواسطة برنامج القارئ بالكمبيوتر الشخصي يتم نقل نصوص الكتب المطلوبة مع صورها المبسطة إلى ذاكرة الكتاب الإلكتروني الصاروخي. عندئذ يكون ممكناً عرض صفحات النصوص المخزونة، بالحجم المعتاد لأحرف الكتاب المطبوع أو مكبرة تبعاً لرغبة القارئ. وكما في الكتاب المطبوع تأتي النصوص بحروف سوداء على خلفية بيضاء. والجهاز مزود بأزرار يتيح الضغط عليها قلب الصفحات والبحث عن فقرات بعينها، مع إمكانية فتح قاموس خاص يشرح التعبيرات الصعبة في النص. وعلى هذا النموذج علقت المجلة باستدراك سلبي واحد هو أن عرض الصفحات على شاشته يفتقر إلى ذلك البياض الثابت الذي تمثله صفحات الكتاب المطبوع الورقية خلف كلمات النص السوداء أو الملونة، وأن أقصى ما تم تجريبه لم يزد على شاشة تقارب مواصفات شاشات لعب الأولاد.
 
النموذج الثاني من الكتاب الإلكتروني كان جهازاً يسمى Soft Book ويشبه في شكله العام النموذج السابق، لكن شاشته مضيئة تمكن الإنسان من القراءة ليلاً. وهو جهاز يعمل لخمس ساعات متواصلة مقابل كل ساعة شحن، وقدرته التخزينية 10 آلاف صفحة مما يعتبره مسوقوه مناسباً للقراءة الاحترافية! واسم الكتاب نابع من ملمسه الناعم لأنه مكسو بغطاء جلدي داكن ووثير. وهو مزود بجهاز مساعد يسهل تحميله بمعدل 100 صفحة في الدقيقة من موقع على شبكة المعلومات يمثل متجراً افتراضياً للكتب. وسعر هذا الجهاز 299 دولاراً، أما تكاليف تزويده بنصوص الكتب فهي 19.59 دولاراً كل شهر لمدة سنتين- كتشجيع من الشركة المسوقة!
 
النموذج الثالث واسمه EVERY BOOK، ميزته عن سابقيه أنه يعرض على شاشته العريضة صفحتين متقابلتين بكل ما فيهما من رسوم وألوان، كأنه كتاب مفتوح، ويكفي لتخزين 200 كتاب من الكتب الجامعية لا كنصوص فقط، ولكن بكل ما تحتويه هذه الكتب من صور ورسوم. وسعر النموذج الأول من هذا الجهاز 1500 دولار.
 
النموذج الرابع Millennium E. Book، يجري أيضاً على نمط سابقيه، ولكنه أصغر حجماً وتخزيناً، وأرخص سعراً إذ يبلغ سعر الجهاز الواحد منه 199 دولاراً.
 
وتتكرر النماذج بلا جديد يذكر، لكن هناك نموذجاً شديد الاختلاف يسمّى Audio Mobile Player، وهو كما يتضح من اسمه لا ينتظر العين لتقرأ صفحات ما تختزنه ذاكرته من كتب، بل يذيع النص صوتياً على أذن القارئ، وهو يخزن 7 ساعات للقراءة الصوتية بسعر 299 دولاراً.
 
لقد احتفظت بصفحات الموضوع بين أوراقي، وراجعت بعض التفاصيل على موقع المجلة في شبكة المعلومات. وأصابتني أخبار الكتاب الإلكتروني بهواجس بين ارتياب غامض ورجاء غائم. رجاء في جهاز يتسع لتخزين عشرات أو مئات الكتب في حيز بحجم كتاب واحد، ويسمح بمتعة القراءة تحت الغطاء في برد الشتاء، أو في ظلام البلاد التي يكثر فيها انقطاع النور، بل يسمح للإنسان أن يسترخي مغمضاَ عينيه بينما تنساب على أسماعه قراءة صوتية لأحدث الروايات أو آخر الكتب الأكثر مبيعاً في العالم.
 
أما الارتياب فيتعلق بهاجس أن يكون كل ما قدّم من نماذج للكتاب الإلكتروني لا يزيد عما يقدمه الكمبيوتر الشخصي، الذي لا أطيق قراءة نص من عشر صفحات على شاشته، ومثلي مثل كثيرين -حتى بين مدمني الكمبيوتر- أبادر بطباعة ما أريد قراءته لأمسكه بين يديّ وتحت عيني ورقاً محسوساً مبيناً.
وعلى غير انتظار، وبينما قرننا الحادي والعشرون يتأهب لفتح أبوابه، فوجئت بالفرصة التي تتيح لي التحقق مما وصل إليه الكتاب الإلكتروني على أرض الواقع.
 
كان ذلك في معرض فرانكفورت الدولي للكتاب، في الجناح رقم 4 -جناح النشر الإلكتروني- ضمن أجنحة المعرض الهائل الخمسة عشر.
 
مكثت أتردد على جناح النشر الإلكتروني يومياً، لأتابع الجديد، وأتحقق مما وصل إليه الكتاب الإلكتروني تحديداً، عاينت النماذج التي كنت قد قرأت عنها، وكنت أمسك بهذه الكتب في يدي وأفتح صفحاتها الرقمية المعروضة على شاشاتها الصغيرة، فأحس بالغرابة، وكأنني طفل يلهو بألعاب إلكترونية.. ثمة حواجز من زجاج محسوس كانت تنهض بيني وبين هذه النصوص المعروضة على شاشات بلورات الكريستال السائلة. وقدرت أنني لا أستطيع القراءة بهذه الاجهزة لأكثر من نصف ساعة، رغم أنها كانت محملة بنصوص روايات أحبها. كانت هذه الكتب الإلكترونية مجرد أجهزة كمبيوتر متخصصة، تعرض نصوصاً منسقة على نمط صفحات الكتب المعتادة، لكنه كان عرضاً مرهقاً للعين والنفس، على شاشات كمبيوتر لا تتسم حتى بالرحابة التي توافرها شاشات الـ 15 و 17 بوصة، لأنها شاشات ضيقة تقف عند حدود 8 بوصات.
 
أهملت هذه الكتب اللُّعب بعد يومين، وتشبثت بجناح مايكروسوفت الهائل الباذخ التصميم، فقد أعلن عن قرب تفجير حدث مدوّ في مجال الكتاب الإلكتروني، وتردد أن بيل جيتس نفسه سيحضر لإطلاق المفاجأة. وكان الموعد هو ظهيرة يوم 14 أكتوبر.
 
ذهبت مبكراً، وعدت متأخراً، وها هو حصاد ذلك اليوم الطويل :
 
لم يحضر بيل جيتس، بل حضر من ينوب عنه، وقدم عرضاً لما يسمّى قارئ مايكروسوفت ذو الحرف الواضح (Microsoft Reader with clear type)، وهو برنامج لأجهزة الكمبيوتر الشخصي. مصمم (تبعاً لتصريحات مبعوث بيل جيتس) لجعل القراءة على شاشات الكمبيوتر، ولأول مرة، تقترب من مواصفات القراءة في الصفحات المطبوعة، بتوظيف تقنية جديدة هي تقنية عرض الحرف الواضح clear type display، وهي ابتكار جديد تحسن بشكل هائل وضوح الحروف على شاشات البلورات السائلة LCD للكمبيوتر. وضمن عرض مبعوث بيل جيتس قُدّمت أقراص مدمجة تحتوي على كتب منشورات بنجوين التي أعلن عن تعاقدها مع مايكروسوفت لاستخدام تقنية الحرف الواضح.. تلك، لنشر ألف عنوان من روايات وكتب سلسلة بنجوين. وقد تصفحت أحد هذه الأقراص المدمجة، وكانت رواية هيرمان ميلفل الشهيرة موبى ديك.
 
نعم كانت الكتابة أوضح من المعتاد على شاشات الكمبيوتر، فالخلفية أكثر نصوعاً وأقل وميضاً، والأحرف محددة الحواف وثابتة أكثر.
 
لكن هيهات!!
 
في اليوم التالي بمعرض فرانكفورت الدولي للكتاب، وفي ظلال البرج العملاق لإدارة المعرض والذي يسميه الفرانكفورتيون القلم لشدة شبهه بقلم عملاق مدبب الرأس، وقف برود واتر المتحدث باسم مجموعة شركات فيرونيس وشوهلر Veronis, Suhler & Associates، وهي مجموعة بنكية أمريكية تعد من أكبر المستثمرين في مجال النشر، وبميزانية تقترب من 20 بليون دولار، قال : إن الكتب الإلكترونية لن يكون لها تأثير ملحوظ على صناعة الكتب قبل العام 2003. وأضاف : لا شك أن هناك احتمالات لبروز تقنيات نشر جديدة، لكن سيظل أمام أية تقنية جديدة حتى تستولي على خيال الجمهور، أن تقفز قفزات كوانتمية أبعد مما تحقق إنجازه. فالمصنّعون يحاولون جعل الكتاب الإلكتروني أقرب شبهاً بالكتاب المطبوع، إلا أن الأخير لا يزال يؤدي وظيفته بكفاءة خارج المنافسة.
 
لكن أطياف المنافسة تعاود الظهور، وها هي مايكروسوفت نفسها تطل برأسها من جديد، فمنذ أشهر قليلة طيرت وكالات الأنباء من نيويورك تقريراً عنوانه الكتاب الإلكتروني على الأبواب، وفي التقرير تكلم أحد نواب بيل جيتس، وهو ديك براس المختص ببرامج النشر الإلكتروني، قال :إن هذا الأمر -الكتاب الإلكتروني- شبيه باختراع السيارة. فمحطات البنزين لم تفتح أبوابها بعد، والطرق الممهدة لم تُشق، لكن لدينا سيارة تمشي، والرحلة يمكن أن تبدأ. فمنذ الربيع تزداد التجارب، ما يعني أن الكتاب الرقمي الذي ظل فترة طويلة مصنفاً ضمن خانة العلوم الخيالية، في طريقه للانطلاق وبأقصى سرعة.
وقال التقرير : لقد أُنجزت الخطوة الأولى الكبرى بنشر قصة للروائي ستيفن كينج في مارس الماضي على شبكة الإنترنت فقط، وبيع منها أكثر من نصف مليون نسخة؟
 
أما الذي لم يقله التقرير فهو : هل حوّل المشترون لهذه النسخ الرقمية ما اشتروه من رواية كينج إلى طابعات أجهزتهم، ومن ثم قرأوها مطبوعة على الورق، أم لا؟
 
أرجح أن الكثيرين منهم طبعوها، وقرأوها على الورق، لأنني وملايين غيري من أهل الكتب، بل من مدمني الكمبيوتر أنفسهم، يمكن أن نفعل ذلك.
 
هل ننزعج - نحن بشر الكتب - من الرقمية، انزعاج معظم القدامى من الجديد؟ أفلاطون الفيلسوف الاغريقي المعروف المنتمي واقعياً وفكرياً إلى الثقافة الشفهية أبدى انزعاجه من الكتابة، مجرد الكتابة، في رسالته السابعة في فيدروس، قائلاً على لسان سقراط : إن الكتابة غير إنسانية، تدّعي أنها تؤسس خارج العقل ما لا يمكن في الواقع أن يكون إلا داخله. ذلك أن الكتابة شيء، نتاج مصنوع. والكتابة تدمر الذاكرة، فأولئك الذين يستخدمونها سوف يصبحون كثيري النسيان، يعتمدون على مصدر خارجي لما يفتقدونه في المصادر الداخلية.
 
أليس ذلك ما تكرره هواجسنا الآن، ليس في مواجهة الكتابة، بل في مواجهة أحدث تجليات الكتابة، أي الكتاب الإلكتروني؟!
 
هل هو رهاب قديم جديد؟
 
أم هي نوستالجيا، حنين مرضي يريد أن يثبتنا في أرحام نشآتنا الثقافية والنفسية، ويلصقنا بأنماط ما اعتدنا عليه؟
 
علينا أن نطرح كل الأسئلة، من هنا وحتى العام 2003 الذي وٌعدنا به، ولا نزعم امتلاك كامل الإجابات، حتى تأتي الممارسة الواقعية للكتاب الإلكتروني بالخبر اليقين.
المراجع
 
بالانجليزية
 
- Introduction to Psychology -Rita L. & Richard G. Atkinson, 11th Ed, Harcourt Brace College, Orlando, U.S.A 1999..
 
- Biological Psychology - Groues and Robec, 4th Ed, 1992..
 
- Popular Mechanics magazine, August, 1999..
 
- Microsoft News Release, Oct. 14,1999- Frankfurt.
 
- WWW.e book connection.com 03,02,2001..
بالعربية
 
-الانسان بين الجوهر والمظهر -إريك فروم-عالم المعرفة-140- الكويت 1989.
 
- الشفاهية والكتابية -والترج. أونج-281-عالم المعرفة- الكويت 1994.
 
بالروسية
 
Tbou Bogurosuieoct , ruclobek
 
طاقاتك الكامنة أيها الانسان -فيكتور بيكيس-مطبوعات زنانيا- موسكو 1989.