المقدمة
كلمة معالي وزير الإعلام
كلمة رئيس تحرير العربي
كلمة الضيوف
اليوم الأول
الجلسة الصباحية الأولى
الجلسة المسائية الأولى
الجلسة المسائية الثانية
الجلسة المسائية الثالثة
اليوم الثاني
الجلسة الصباحية الأولى
الجلسة الصباحية الثانية
الجلسة المسائية الأولى
الجلسة المسائية الثانية
ندوة النشر الإلكتروني
الختام


النشر الإلكتروني ومجتمع المعرفة:
استكشاف أولي ونظرة نقدية
الباحث: سامي خشبة *

          النشر الإلكتروني ظاهرة جديدة ـ لا يزيد عمرها على أقل من عشرين سنة ـ ارتبط ظهورها بالتطوير الهائل ـ في بداية ثمانينيات القرن الماضي ـ لثلاثة تكنولوجيات إلكترونية من ناحية، وتوسع الحاجة الاقتصادية السياسية ـ في المجتمعات الصناعية المتطورة ـ إلى تحقيق قفزة تعليمية ـ ثقافية نوعية تؤهل المجتمع (من خلال تأهيل أوسع قطاع ممكن من السكان) للتعامل مع نوع جديد كيفياً من الفعالية الاجتماعية من ناحية أخرى. أما التكنولوجيات الثلاثة التي تطورت او استحدثت فهي: الحواسب الشخصية، والأقراص الممغنطة (C.D ROM أو: read only memory compact dick) وشبكة المعلومات:

          في تلك السنوات الأولى من ثمانينيات القرن العشرين بلغ التنافس/ التفاعل وتبادل الاعتماد أشده بين مراكز الثورة التكنولوجية / العلمية المعاصرة ذروة حادة (في أمريكا الشمالية وأوروبا الغربية واليابان ـ ومع الأخيرة منطقة جنوب شرق آسيا)، وأكتشف الفكر المعاصر أيامها (بمدارسة: النقدية وما بعد الحداثة والحداثة الجديدة) أن التعليم المتطور القائم على كل من التعلم الذاتي والتفكير المنطقي/ الابداعي في وقت واحد هو المصدر الأول والأساسي الذي تحققت من خلاله القفزة النوعية الكبرى في الأداء ـ والإنتاج ـ الاقتصاديين لمجموعة: سرب الأوز الآسيوي بقيادة اليابان ـ والذين عرفوا بسرعة بعد ذلك باسم: النمور الآسيوية (كما يذكرنا بذلك المؤرخ البريطاني الأمريكي بول كينيدي في كتابيه المشهورين: ظهور وسقوط القوى العظمى عام 1987، ثم: الإعداد للقرن الواحد والعشرين عام 1993). واكتشفت المدارس الفكرية الثلاث ايضاً ان المجتمع الذي ينشأ ـ أو ينمو ـ من خلال: الموجة الثالثة للثورة التكنولوجية ـ وما يتلوها ـ يحتاج الى بناء ـ أو الى: إعادة بناء ـ شاملة لقدرته على التعامل بالمعرفة ومع المعرفة (بتعبير إلفين توفلر في كتابه: زيارة جديدة للموجة الثالثة. وما بعدها ـ عام 1994). ويقول ان مصطلح: الثورة الثقافية اكتسب في الولايات المتحدة وكندا وفي أوروبا الغربية مفهوماً جديداً ومناقضاً للمفهوم الصيني الايديولوجي ـ منذ عام 1982 بعد نشر التقرير الأمريكي المشهور: أمة في خطر عن أوضاع التعليم الأمريكي ـ ومنتجاته: البشرية المتواضعة الامكانات المحدودة القدرة على التعامل مع الأوضاع التي خلقتها تكنولوجيات الثورة المعلوماتية ومكتشفاتها المعرفية في العقدين السابقين (أي في السبعينيات والستينيات). وكان التوجيه: الرسمي للحكومة الاتحادية الأمريكية ـ أشبه بتوجيهها أيام الرئيس كينيدي عقب إطلاق السوفييت لسبوتنيك (القمر الصناعي الأول) جاء ذلك التوجيه الاستراتيجي بضرورة: استحداث أداة فعالة، تستخدمها الأمة ووفقاً لتقاليدها (يقصد: التقاليد الليبرالية ومن خلال القرارات الفردية وعلى أساس القدرات المالية ـ وغيرها ـ الشخصية) ـ تمكن المجتمع من كسب: قدرات معرفية وسلوكية تتوافق مع الأوضاع والمتطلبات الجديدة.

          (يقول توفلر إنه من أوائل المؤسسات الخاصة التي تم التعاقد معها عام 1983 لتطوير الأداة المطلوبة ـ كانت مؤسسات: آبل، ومايكروسوفت، وآي. بي. إم، و:إنتل من شركات تطوير تكنولوجيا الحاسبات وبرامجها، ومؤسسات: شركة الموسوعة البريطانية، وتابعتها كومبتون وشركة جروليير وكولليجييت وبستر (لإنتاج الموسوعات والمعاجم) والجامعات العشر الكبرى ـ لم يحددها).

          وكانت الأداة هي التجميع الذكري لتطورات: الحواسب والقرص الممغنط وشبكات المعلومات، الذي انتج: النشر الالكتروني، لتزويد المجتمع ـ بالسرعة والكفاءة المناسبتين. بالمعرفة (الثقافة العالمة) المطلوبة لمواجهة الأوضاع: التنافسية/ التفاعلية الجديدة وفقاً لما وفرته التكنولوجيا المتطورة نفسها للاقتصاد وللقوة الأمنية في وقت واحد. وبعد نحو عامين بدأت تظهر الثمار الكبيرة الأولى.

          الموسوعات، انجليزية اللغة (الأمريكية/ البريطانية) ـ نظرة استكشافية:

          تقول الموسوعة البريطانية (في طبعتها الإلكترونية 1998 C.D on line) إن شركة جروليير الأمريكية ـ المتعاقدة مع كل من وزارتي الصناعة والتعليم الأمريكيتين الاتحاديتين ـ كانت أول من أنتج: موسوعة إلكترونية عام 1985 على سي. دي. روم واحد، ولم تكن أكثر من تفريغ الكتروني للنص اللغوي الورقي (18/ مجلداً). وفي عام 1990 اصدرت جروليير طبعتها الثانية مزودة بالصور والخرائط والرسوم ـ ملونة (خمس سنوات لتطوير طاقة استيعاب السي. دي. روم) وبعد عامين صدرت طبعة ثالثة في قرصين، ولكنها أصبحت موسوعة متعددة الوسائط (نص لغوي وصور وخرائط ورسوم متحركة وصوت ناطق): أصبحت الموسوعة أشبه بمكتبة وقاعة دراسة ومتحف متحرك حي ومعمل).

          غير ان تعدد الوسائط كانت موسوعة كومبتون (المملوكة لشركة الموسوعة البريطانية) قد سبقت إلية بعام واحد وذلك عام 1994.

          وفي عام 1993 اصدرت شركة مايكروسوفت موسوعة: انكارتا ولكن في اربعة أضعاف حجم النص اللغوي الأصلي لموسوعة: ناتك/ رداجنال الورقية ـ ومزودة بالخرائط والرسوم الساكنة.

          وفي عام 1995 اصدرت الموسوعة البريطانية طبعتها الإلكترونية (الأولى) وكانت متعددة الوسائط، تضم المجموعتين الصغرى micro والكبرى macro ويصحبها النص اللغوي (الناطق) الكامل لواحدة من اكبر معاجم اللغة الإنجليزية Colloglate Webster.

          وفي عام 1997 أصدرت الموسوعة البريطانية طبعتها الإلكترونية الأولى من نوع: on line التي أتاحت لمستخدم القرص الممغنط الاتصال ـ بخط التليفون العادي الموصول بالحاسب الشخصي الخاص به ـ أن يتصل بالمصادر الإلكترونية لبيانات ومعلومات الموصول بالحاسب الشخصي الخاص به ـ ان يتصل بالمصادر الإلكترونية لبيانات ومعلومات الموسوعة، أي بنوك المعلومات الإلكترونية لدى المكتبات العامة الكبرى، والمتاحف والمعاهد والجامعات ومراكز البحوث والشركات والبنوك والحكومات... الخ عن طريق الشركة العالمية w.w.w. وهي التي استخدمها محدثكم لتجميع البيانات السالفة من طبعة عام 1998 الموسعة. وقد لا أذيع سراً إذا قلت أن محدثكم حصل عليها بسعر زهيد للغاية من أحد الأكشاك في سوق من أسواق مدينة إسلام آباد عام 1999 وهي الطبعة المعروفة بالحروف: R.L.C/ W.E.B. ED

تجربة شخصية:

          نحدثكم الآن عن مستقبل الثقافة مع التحول التدريجي إلى ما يسمى: النشر الإلكتروني للكتاب وللدوريات وما في حكمها، قارئ مدمن للقراءة، وكاتب مهنته هي الكتابة، من الورق، وعلى الورق، وبالورق والقلم (أو بأنواع مختلفة من الأقلام!). بالقلم الاردواز شبيه الطباشير الناعم، تعلم محدثكم الكتابة على اللوح الاردوازي الأسود، ولم تنفع دروس الخط العربي في كراسات الخط ـ المصروفة مجاناً لكل تلاميذ مصر ـ في تحسين خط محدثكم رغم جهود ـ وعصا ـ شعبان أفندي الخطاط لمدة أربع سنوات دراسية كاملة. كان ذلك قبل نصف قرن كامل ـ ويزيد عاماً واحداً وبضعة أشهر. وطوال هذه السنين ـ إلا قليلاً ـ كان: النشر يعني لدى محدثكم ـ مثلما أظن أنه كان يعني ـ أو لا يزال ـ لدى الكثيرين من مواطنينا ـ الذين يضطرون إلى قراءة ما نكتبه في الجريدة أو في كتاب. كان النشر يعني ـ وربما لا يزال: طباعة الكلام على ورق يجمع ويحزم ثم يرسل الى السوق لكي يشتريه من يشاء كما يشتري أي سلعة، ثم يذهب الى مكان ما لكي يقرأه على مهل وفي بعض الحالات التي تزايدت خلال القرنين الاخيرين، يذهب البعض إلى مكتبة عامة لكي يقرأوا ما يطلبونه من مطبوعات دون أن يشتروها. حيث تأتيهم المطبوعة المطلوبة، لكي يقرأوها في أماكنهم على مهل. ولا يهم في حالة هذا النوع من النشر أو الورق المطبوع هذا ما إذا كان النشر قد تم قبل قرون او عدة أعوام أو أيام أو قبيل فجر اليوم في حالة الجريدة الورقية اليومية.

          كان الورق المطبوع المحزوم، الذي وزع بما عليه من كلام في زمن ماض ـ بعيد أو قريب بنسبة ما ـ هو ما يمثل معنى النشر بالنسبة لي ـ كما هو بالنسبة لغالبية البشر ـ حتى ما يقرب من عامين، وحين سمعت عنه، ثم تمكنت من اقتناء: الموسوعة البريطانية ـ برسومها وخرائطها وصورها الكبرى والصغرى معاً مطبوعة على قرصين ممغنطين ـ يتسع جيب قميصي لنحو عشرة مثلهما وعلى نسخة أخرى تفتح لي بالحاسب الشخصي، جميع مصادر المعرفة المتطورة في العالم خلال نحو ثلاث دقائق من تحريك المؤشر والضغط على جانبه، فأصبحت قادراً على الاستغناء عن عدة قواميس ضخمة للغة الانجليزية واستبدالها بأقراص مشابهة، ثم عن دائرة المعارف الإسلامية (وهي بريطانية الأصل كما تعرفون) عندما عثرت عليها منشورة بفهارسها وخرائطها ورسومها وأسماء اعلامها وأزمة حوادثها وأنساب اعلامها ومواطنهم وعناوين اعمالهم... الخ. على قرصين آخرين. حين حدث ذلك كله ـ وغيرها مما يتعلق بمكتبتي الموسيقية والتشكيلية والفيلمية، لم أشعر بأن: مفهوم أو معنى كلمة: النشر قد تغير سوى على المستوى الكمي ـ رغم الضخامة الهائلة لنسبة التغير: من رفوف كاملة تحمل ما تبلغ زنته عدة عشرات (أو ربما بضع مئات) من الكيلوجرامات من الورق والتراب، إلى خمسة أو ستة ادراج متوسطة الحجم في صوان صغير، وإلى الدرجة التي ساعدتني على الاستغناء نهائياً عن مجموعات كاملة من الكتب تبينت قدرتي على استدعاء نصوصها متى شئت من عدة مكتبات تتناثر مبانيها بين القاهرة وواشنطن، وبتكلفة زهيدة أو دون كلفة مطلقاً إذا كنت أقوم بالعمل من قاعة الحواسب في مكتبة نادي الكتاب بالجريدة التي أنتمي اليها.

          وحتى هذا الاختزال الهائل للمسافات ـ وللزمن، مع التوفير الهائل في المساحة وفي التكلفة لم يفرض ـ في وعيي الخاص أية بادرة لضرورة تغيير مفهوم: النشر: فلا تزال الكتب هي الكتب قام بطبعها ملاكها او ناشروها على مادة من نوع مختلف، وإن كانت تصلني عن طريق ـ خط تليفوني أو من خلال فتحة القرص الممغنط اذا كان الكتاب الالكتروني بحوزتي لاستقبلها على شاشة الحاسب الآلي فأقرأها على الشاشة مباشرة ـ وأقلب الصفحات بالفأرة التي أنقرها باصبعي ـ بدلاً من أن أقلبها كما تفعل في الكتب الورقية ـ بالاصبع وحده، وكثيراً ما ألجأ الى طباعة ما أريده من الكتاب أو الموسوعة ـ على الورق إذا كنت سأستخدمه أو سأعود اليه ـ بعد ذلك ـ على مهل، تماماً مثلما أفعل مع الكتب ـ أو المطبوعات الورقية.

          ومع ذلك فقد بدأت اتبين ـ بالتدريج ـ بعض الفروق الكيفية وكان أولها تسهيل مهمة البحث في المداخل المتعددة للموضوع الواحد. فأنت مع استخدامك لاحدى الموسوعات المطبوعة على القرص الممغنط لن تضطر الى تكديس المجلدات حولك وأمامك إذا اضطررت الى التعامل مع أكثر من زاوية ـ او مدخل للموضوع الذي تبحث فيه، فإذا كنت تتعامل مع المراجع الاساسية ورتبت مسبقاً جدول المداخل التي يجب تناولها فلن تضطر الى الانتظار حتى يصلك عامل المكتبة بالمزيد من المراجع ـ المتنوعة التخصصات ولكنها تبحث في موضوع واحد من زوايا تخصصاتها المتعددة (هذا إذا كانت المراجع المطلوبة موجودة أو متاحة الآن). في مثل هذه الحالة لن تبذل مجهوداً أكثر من النقر على الفأرة بعد أن تضع المؤشر على عبارة: مراجع متقاطعة Cross Refernce لكي تجد أمامك سلسلة العناوين المرتبة ابجدياً حسب موضوعاتها أو حسب الشخصيات من المؤلفين. التي تشير الى المداخل المطلوبة لكي تختار أنت منها ما يدخل في دائرة اهتمامك (وفضلاً عن ذلك فإن جدول العناوين ذاته قد ينبهك إلى مداخل لم تفكر فيها او تشير إلى زوايا لم تكن ـ أصلاً ـ في دائرة اهتمامك). لكي تقدم لك نقرة أخرى على الفأرة المادة التي تطلبها، والتي تتراوح ـ حسب طلبك وامكاناتك ـ بين موجز وبين ملخص مسهب وبين مقال أو مقالات في الموضوع وبين فقرات بنصها وبين نص كتاب كامل إذا شئت أنت ذلك.

          ينبع الفارق الثاني ـ الكيفي ـ من هذه الامكانية ـ اللامتناهية تقريباً ـ لاستدعاء: المراجع المتقاطعة Cross Reference.

          فالتعامل البحثي مع: المراجع الورقية بمجلداتها، يحدد أفق البحث الى درجة بعيدة (حتى ولو جرى البحث جماعياً ـ عن طريق مجموعة بحث، وحتى لو جرى البحث الجماعي تحت اشراف استاذ موسوعي المعرفة او تحت اشراف عدد من الاساتذة). البحث المعتمد على المراجع الورقية ينتمي الى نوع عتيق ـ الى درجة ملموسة من: المعرفة يرجع الى عصر: التخصص الضيق (وهو غير: التخصص الدقيق) الذي تطور خلال القرون الثلاثة الماضية (من أوائل القرن الـ 81 الى اواخر القرن العشرين). اما البحث اعتماداً على: المراجع الالكترونية، فإنه وبسبب البناء المنظومي المتسلسل للبرامج الخاصة بـ: تأليف تلك المراجع وهو البناء الذي يربط بين التحديد المعرفي للموضوعات وبين التعريف اللغوي للأجزاء ـ او للجوانب المتداخلة، والمترابطة لموضوعات التخصص. لهذا السببين فإن هذا النوع المعاصر من البحث (اعتماداً على المراجع الالكترونية يضاعف بمتوالية هندسية تقريباً، من اتساع أفق البحث أو من اتساع أفق معرفة الباحث وأفق نظرته المعرفية والمنهجية في وقت واحد.

          يتجاوز هذا الفارق الكيفي بين البحث اعتماداً على المراجع الورقية وبين الاعتماد على المراجع الالكترونية، بتجاوز مسألة التأكيد على وحدة المعرفة لكي يصل بالبحث العلمي الى آفاق تكامل المناهج ـ بعد تكامل علوم التخصص ـ من ناحية، وإلى امكان تحرير الباحث ـ خاصة في الموضوعات المتعلقة بمجالات العلوم الإنسانية ـ من الاهواء الايديولوجية ومن الاحكام ـ او حتى التقديرات المسبقة، وإلى امكان تحرير الباحث من وهم الثبات المطلق للمعرفة الإنسانية الا من حقيقة: (الثبات النسبي والمؤقت) ومن وهم تأييد كل من اللحظة الراهنة ـ أو أية لحظة سابقة تنتمي اليها معرفة المصادر الماضية، والموقع ـ أو زاوية النظر ـ اللذين ينتمي اليهما ـ أو يحتلهما ـ الباحث: هنا و: الآن: إن تكامل المناهج والتحرر الايديولوجي يمنح الباحث في هذه الحالة القدرة على استبصار حقيقة التنامي اللانهائي للمعرفة ـ منهجاً ومعلومات وزوايا نظر، هذا التنامي الذي يتجلى ماضيه وتطوره في السابق، بما يجعل ضرورته واستمراره في المستقبل مرجعين على الأقل، أو حتى مؤكدين.

          فقد تكمن عند هذه النقطة علامة التميز الكيفي الذي يدخله النشر الالكتروني الآن (ويتزايد بمتوالية هائلة السرعة) على كل من مفهوم الثقافة وانتاجها، وتوظيفها، غير اننا قد نحتاج الى نظرة اعتراضية في سياق هذه الورقة تحملنا الى المتطلبات الرئيسية المفروضة على المستخدم ـ user ـ من امثالي ـ الذي يعتزم في وقت واحد ان يتعلم المعرفة عبر الوسيط الالكتروني وان ينقلها الى الآخرين عبر الوسيط الورقي ـ لا يزال!!

          لقد اصبح تعلم منهج وخطوات البحث ـ من المطبوعات الالكترونية، خاصة المتوافرة في الشبكة الدولية ـ مسألة ضرورية أشبه بالضرورة الأولية لتعلمنا في الصبا وفي مطلع الشباب ـ لطرق البحث في المعاجم والمراجع الورقية، خاصة وأنه يبدو ان المراجع الالكترونية لم تتوصل بعد الى برنامج قياسي موحد لبناء ـ ولطريقة عرض ما توفره من معرفة ـ بحكم سيادة المناهج النظرية التابعة من عصر ثورة المعلومات والمعرفة وعلى رأسها مناهج نسبية المعرفة والتداخل بين الانظمة العلمية او بين العلوم.

          إن باحثاً ـ او متعلماً ـ مزوداً بعقلية تقليدية ـ مهما كان من اتساع ثقافته ورقي تدريبه، لن يستطيع ان يتوصل إلى المعرفة التي يريدها ما لم يتعلم اولاً منطق البناء المنظومي الذي يحكم جميع البرامج الحاكمة الآن ـ وفي المستقبل المنظور ـ لعرض وتقديم المعرفة الكترونياً، على اختلاف الاساليب الحرفية لتطبيق ـ او لتوظيف هذا المنطق المنظومي لأي الخطوتين ـ أو المنظورين: الموضوعي واللغوي (اشتكى كاتب مصري مشهور من أنه لم يتوصل الى تعريف فلسفي لكلمة على الإنترنت ـ رغم أنه أجاب عن كل الاسئلة التمهيدية بنعم ـ فأعطته الشبكة تعريفات للكلمة في إطارات الاقتصاد والصناعة والزراعة. ولم يشك الرجل في المنهج الذي أتبعه المنهج القطعي والخطي Linear للتعامل مع المنطق المنظومي /التعريفي/ التجميعي البنائي ـ في آن واحد. لتقديم ما يريده هو والملايين غيره): إن الثقافة المتاحة في النشر الإلكتروني لن تكون ثقافة شخصية ـ لا لفرد واحد ولا لنوع واحد من الافراد (المستخدمين) ولكنها ستكون لكافة الانواع المحتملة من المستخدمين: إن المنطق المنظومي لا ينطبق فقط على المعرفة وإنما ينطبق أيضاً على كل من الوسيلة (الجهاز أو الشبكة) وعلى الملتقين للمعرفة ومستخدميها لكل أغراضها!.

          غير أن هؤلاء ـ إذا حولنا انظارنا عن انفسنا ـ باعتبارنا من الاقلية المحظوظة بالتعليم والتدريب والحد الادنى ـ المتوسط ـ من القدرة المالية في مجتمعاتنا ـ لا يمثلون سوى نسبة تتراوح بين 3 إلى 10% على الأكثر من أبناء ثقافتنا العربية المعاصرة. ولذلك فإننا نعتقد أننا إذا حولنا انظارنا تجاه النسبة الغالبة الباقية من أبناء هذه الثقافة لتبدت لنا القضية من منظور مختلف كل الاختلاف.

نظرة نقدية ـ الثقافة العربية والتعليم الجديد

          لم يكن تطوير تكنولوجيا النشر الالكتروني مجرد إنبثاق تلقائي لابتكار تكنولوجي جديد ينبع من تطورات او منجزات سابقة، وإنما كان إنبثاقاً مدبراً تم التخطيط له، تلبية واعية من جانب حكومات ومؤسسات تقدر مسألة العلاقة بين النمو العلمي /التكنولوجي/ الثقافي وبين احتمالات الابقاء على قدرة تنافسية اقتصادية / امنية (بالمفهوم الواسع للأمن وللوجود القومي) في سوق /حلبة صراع العالم الآن، العالم الذي يتكون من: مجتمعات معرفة قومية، أو عابرة للقوميات، متنافسة، متصارعة تتبادل الاعتماد ـ في وقت واحد ـ مع وعلى بعضها البعض.

          لقد تم التخطيط لهذا الانبثاق التكنولوجي/ المعرفي الجديد بناء على توافر القاعدة التكنولوجية/ المعرفية السابقة بالطبع، ولكن القرار بالتنفيذ ـ لوضع الخطة وتطوير اداة مناسبة كان قراراً سياسياً / اجتماعياً بالدرجة الأولى، وكان هدفه الادنى هو: تغيير طبيعة وأدوات التعليم لتيسير ـ وتوسيع ـ نطاق نوع التعليم المعروف باسم: التعليم المتفرع والمتداخل brunches Interactive edu: الذي كان يعتمد على تحرك التلاميذ ومدرسيهم بين المكتبات والمتاحف والمعامل والمواقع الطبيعية. الخ. لتجميع ذلك كله وما هو أسرع منه كثيراً وأكثر غزارة في قرص ممغنط وشاشة جهاز (حاسب) شخصي ـ يمكن ان يستخدمه ما بين خمسة إلى عشرة طلاب على الأقل ـ وتيار كهربائي جيد.

          إن الميديا التعليمية ـ في بداية الموجة الثالثة ـ كما يقول توفلر، كانت توفر معاوناً مساعداً للمدرس ولم تكن بديلاً له ـ فتوفر له الوقت والطاقة التي كانت تبدد في جمع المواد والمراجع والشرح والتصحيح... الخ.

          أما الميديا التعليمية التي يوفرها النشر الإلكتروني فإنما توفر امكانية أخرى ـ مختلفة كيفياً: إنها ليست امتداداً مساعداً للمدرس، وإنما هي قدرة على تخزين واسترجاع (تقديم) مكتبات كاملة ـ وما في حكمها ـ بسرعة وبشكل منظم ومرتب ومتفاعل، بحيث يتحول نظام التعليم من الشكل الخطي Lincar الى الشكل التفرعي المتداخل، ومن الشكل التدريبي/ التلقيني (الذي كان يتكفل بتخريج منفذين ومصممين متعلمين عاديين فقط) الى شكل مواجهة القضايا الاشكالية وحل مشاكل تضارب أوتناثر المعلومات، وتبين العلاقة بين المقدمات (الأسباب) والخواتيم (النتائج) أو بين احتمالات لانهاية لها لنتائج تنبع من مقدمات ثابتة أو تبدو كأنها كذلك، الشكل الذي يتكفل بتخريج متخصصين مثقفين قادرين على التعامل العلمي وعلى ابداع الحلول الخاصة في وقت واحد.

          هذا النوع من التعليم (التعلم) كان هو الهدف الاجتماعي السياسي (او: التنمية البشرية) من التخطيط لتوفير هذه الاداة التكنولوجية فائقة القدرات. وغني عن البيان أن تحقيق هذا الهدف كان يتضن ـ وقد تضمن بالفعل ـ تحقيق الاهداف التقليدية: من قبيل الحفاظ على تفوق وقوة الثقافة القومية (ألمانيا الآن ـ بعد فرنسا واليابان ـ تبذل جهودها المضاعفة لتوفير الأداة ذاتها بلغتها القومية ـ بعد شعورها بوطأة تهديد اللغة/ الثقافة الانجليزية/ الامريكية ـ والتهديد النابع ـ بالتالي من اقتصاد هذه الثقافة/ اللغة).

          كان التعليم هو الهدف الأساسي ـ سواء بمعناه الاحتراف: أي: تعليم الطلاب في المراحل الدراسية المتلاحقة المألوفة، قبل الجامعية والجامعية، أو بمعناه العام أو التثقيفي، أي مواصلة وإعادة التعليم لاكتساب المهارات والمعارف الجديدة المتوائمة مع قفزة الثورات: المعلوماتية والعلمية/ المعرفية والتكنولوجية، ومع الاقتصاديات ـ والاحتياجات العملية التي يفرضها مجتمع المعرفة الجديد وتكنولوجيا الخبرات المطلوبة فيه.

          وهذه ـ دون شك ـ مشكلة تمثل ـ بالنسبة للثقافة العربية ـ واحداً من أكبر ما واجهته في تاريخها من تحديات. ذلك أنها تواجهنا بضرورة انجاز مجموعة متراكبة من المهام ـ في عملية واحدة أنجزتها ثقافات حية أخرى في مواعيد تاريخية مناسبة في إطار سلسلة متطورة من عمليات التنمية المتواصلة.

          نحن ـ وفي أكثر مجتمعاتنا تطوراً ـ لم ننجز مثلاً مهمة محو أمية القراءة والكتابة، ولم ننجز مهمة إذابة الرواسب الصلبة التي تركتها ثقافات الخرافة والاستبداد والقهر ـ الوطني أو الاجتماعي ـ والامية المعرفية، تلك المهمة الكبرى التي انجزتها عمليات التحديث modernization (على حد توصيف مارشال بيرمان في كتابة المشهور: تجربة الحداثة: كل ما هو صلب يذوب في الهواء عام 1982)، ولم ننجز مهمة بناء ونشر المرافق والخدمات الضرورية على المستوى القومي الشامل (هي هنا: الكهرباء التليفونات، مراكز البحث العلمي المناسبة، ترجمة ـ دع عنك تأليف ـ المصادر الاساسية المطلوبة ـ لنقل ـ وتوطين ـ العلوم الحديثة وما ينتج عنها من التكنولوجيات اللازمة: من تكنولوجيات تصنيع اللدائن المناسبة الى التكنولوجيات اللغوية والمنطقية الى تصنيع أدوات ووسائل التخزين والاسترجاع والنقل المعلوماتي... الخ).

          ومع ذلك ـ مع كل ذلك ـ فإن ثمة رأياً قوياً ـ تدعمه شواهد ـ أو تجارب عملية واسعة النطاق في الهند والصين والبرازيل على الأقل ـ يؤكد أن تكنولوجيا النشر الإلكتروني ذاتها يمكن أن تساعد ـ هي نفسها على توفير الاداة المناسبة لانجاز هذه المهام مجتمعة ـ في ضفيرة واحدة ـ مع اختزال زمن الانجاز إلى مدة معقولة قد لا تتجاوز الجيلين أو الثلاثة أجيال.

          ولكن هذه الحقيقة العملية لا بد ان تصحبها قفزة نوعية في نوع ومستوى التعليم ـ من حيث خصائص العقلية التي يقوم عليها التعليم العربي والقدرات الذهنية التي ينتجها في حالته الراهنة ـ وبعيداً عن كثير من الافكار الصائبة المعروفة والانتقادات الصادقة التي وجهت إلى خصائص هذه العقلية (التلقينية، القياس إلى الماضي، اسباغ تصور مثالي غير واقعي وغير نقدي على هذا الماضي، دمغ الاختلاف والابتكار بالابتداع وبالتالي تقييد المبادرة الشخصية لنقل المعرفة ـ بالنقد والابداع، الى مستوى أعلى أو الى أفق أكثر واقعية أو اكثر عملية... الخ... الخ) بعيداً عن مثل تلك الافكار والانتقادات ـ ولكن دون تجاهلها ولا التقليل من أهمية ما تشير إليه، نود في ختام هذه الورقة أن نطرح مجموعة من الملاحظات ـ تتضمن عدة مهام نتصور أولويتها المطلقة ـ لفتح الطريق أمام تطور وازدهار الثقافة العربية في عالم أصبح النشر والاتصال الالكتروني أكثر أساسيات تطوره وبقائه ـ الانساني العام: الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والامني ـ أهمية، وهو عالم وجد بالفعل وقد لا يسمح لمن يختارون أن يظلوا مستهلكين فقط لابداعاته الآلية بأي نوع من المشاركة.

          ونجمل هذه الملاحظات ـ وبعض المهام ذات الأولوية ـ فيما يلي:

          (1) إن التعامل مع الحاسب الإلكتروني (الذي هو جهاز الاستقبال والتعلم وانتاج المعرفة في مجتمع المعرفة الجديد) يفترض في المتعامل أن يكون ذا مستوى جيد من التعليم اللغوي ـ فالخطأ البسيط في الاملاء سيؤدي إلى استحالة التوصل إلى المعلومة المطلوبة ـ وقد لا يقتصر هذا على اللغة الأم (العربية)، بل يمتد إلى بعض اللغات الاجنبية التي تحتوي على ما نحتاجه عملياً من معرفة.

          (1 ـ أ) التعامل مع هذا الحاسب ومع برامجه ومخازن المعرفة التي يفتحها أو يستدعيها (أقراص مدمجة أو شبكات أو بنوك معلومات... الخ) يتطلب عقلية تركيبية/ تحليلية معاً أو ـ اختصاراً ـ ذهنية مبنية على معرفة معلوماتية متعددة المجالات من ناحية، وعلى المبادئ الأولية (في الأقل) لنوعي المنطق المعاصرين الدافعين ـ في القرن الماضي ـ العشرين ـ لثورتي المعرفة والتكنولوجيا أي: المنطق الرياضي والمنطق الاحتمالي Modal - logic (منطق الجهة الشرطية في مصطلحات أهل الاختصاص ـ الفلسفة والمنطق من الاكاديميين العرب).

          (1 ـ ب) فهذا المتعامل user لابد أن يكون قادراً على الاختيار (اختيار المعلومة التي يريدها تحديداً) ـ بعد القدرة على طلبها يفتح الملف الصحيح، وأن تشمل قدرته على الاختيار إطاراً ـ أو: مجالاً واحداً، أو أكثر من إطار في أكثر من مجال، أو في عدة مجالات متداخلة ولكل منها أكثر من إطار متداخل مع نظائره الفرعية في المجال الواحد أو في المجالات الأخرى المتداخلة.

          وعلى ذلك فإن مستقبل ثقافتنا في عصر المكتبة الرقمية Digital library التي يواصل فيها المتعلم تعليمه، ويدعم معرفته، ويجري بحوثه وتجاربه... الخ. وينتج معرفة جديدة تتيح للثقافة التي ينتمي اليها أن تبقى حية وفاعلة. هذا المستقبل مرتهن أولاً ـ كما قيل منذ قليل ـ بنوعية العقلية التي ينتجها تعليمنا ـ قبل الجامعي بكل مراحله والجامعي وما فوقه.

          (2) إذا كانت: الوسيلة هي الرسالة على حد قول أحد كبار رواد ثورة الاتصالات ـ التي قام النشر الإلكتروني كحلقة أخيرة ـ حتى الآن ـ من حلقاتها، وإذا كان مضمون الرسالة متعددة الاطارات والمجالات بالضرورة في عصر تكامل المعرفة وقائماً دائماً على الترجيح والاحتمالات ومشروطية اليقين، فإن امتلاك وسائط النشر ـ واستقبال النشر ـ الإلكتروني (معلومات، أخبار، تحليلات، أفكار، نظريات... الخ) سيؤدي ـ مهما تعددت وسائط الحظر والمراقبة والتقييد والمنع... الخ بالضرورة إلى:

          (2 ـ أ) تفاعل غير محكوم بين الثقافات: غير محكوم بمعنى أنه تفاعل لا يمكن التحكم العلوي أو القسري فيه، لا تحكمه سوى القدرات الشخصية المتقابلة بمدى قدرة المرسل والمتلقي على التعامل الشخصي ـ أو: الفردي ـ مع المعلومات والافكار المتبادلة: أي مع مضمون الرسالة.

          (2 ـ ب) قيام مرجعية شخصية(فردية؟) للدلالة المستخلصة من الرسالة، فالمتلقي، يتلقى الرسالة عابرة الحدود ليستخلص دلالتها بمفرده: فهل تتحلل أو تتآكل مرجعية الجماعة أو الأمة أياً كان تعريفها: المجتمع، الاسرة، الدولة، الثقافة القومية؟. لقد شرعت هذه المرجعية تتآكل بالفعل بسبب انهمار المعرفة ـ والترفيه ـ الإعلاميين (بالفضائيات، ونسبياً بالكاسيت والفيديو) غير أن النشر الإلكتروني ـ وتوصيل رسائله من خلال شبكات عالمية ـ وكثير من رسائله مجانية والاتصال التليفوني بها يكاد يكون مجانياً أيضاً ـ بتجاوز حدود التأثير الإعلامي السطحي واللحظي أو الانفعالي إلى التأثير البنيوي العميق... وعلى ذلك:

          (2 ـ 2) قيام مرجعية شخصية (فردية؟) للدلالة المستخلصة من الرسالة: فالشخص يتلقى الرسالة ـ عابرة الحدود ـ وحده، ويستخلص الدلالة وحده، هل تنتهي مرجعية الجماعة (الأمة، المجتمع، الأسرة، الثقافة القومية؟).

          (2 ـ 3) قيام حرية غير مقيدة فيما يتعلق بتداول المعلومات والبيانات والابداعات العلمية والفنية والافكار وكل ما تتكون منه المعرفة أو: الثقافة: فالنشر الإلكتروني (وما يقتضيه من: تخزين الكتروني للمواد المعلوماتية والمعرفية. الخ، ومن إتاحة هذا المخزون للتداول عبر شبكات الاتصال التليفوني ـ مع اعتبار امكانية الحماية الالكترونية ووسائل التشفير المختلفة (وهي قابلة للاختراق أو للافساد كما نعرف). ليس مسألة ملاحقة مظهر من مظاهر التطور، ولا هو مسألة متعلقة برغبة السلطات الرسمية في خلق رأي عام ـ داخلي أو خارجي مؤيد لها، وإنما هي مسألة تتعلق أساساً بكفاءة أداء المنظومة الاجتماعية / الاقتصادية/ السياسية/ الثقافية/ الامنية للمجتمع، ومواجهة ـ والتعامل مع ـ المنظومات الاخرى: إنها مسألة مصيرية يتقرر من خلالها دور الثقافات المتناظرة المتعارضة في تشكيل الثقافة الانسانية القادمة.

          (3) ارتباط النشر الالكتروني بنشوء وتطور: مجتمع المعرفة: حيث المعرفة (الثقافة) هي الثورة الرئيسية ورأس المال المادي الرئيسي لضمان دوام تطور ـ وبناء ـ المجتمع بالحد الاقصى الممكن من الاصالة في عصر العولمة ـ الاقتصادية/ الثقافىة القادم.

         

السابق

بداية الصفحة

التالي