موقع العربي على الانترنت
والارتقاء بحوار الثقافات
الباحث: محمد سيف *
يعد إنشاء موقع لمجلة العربي على شبكة الإنترنت بمنزلة تعبير عن دخول هذه المجلة العربية المخضرمة لمرحلة جديدة من تطورها، كما أنه يأتي لتلبية حاجة ملحة، ربما لا يكون في وسع أي موقع صحفي آخر، على الشبكة الدولية، أن يلبيها.
غني عن التعريف ذلك الدور الذي تضطلع بالقيام به مجلة العربي في حقل الثقافة العربية على نحو منتظم، منذ ثلاثة وأربعين عاما. فهي تعد نسيجاً وحدها في مجال المطبوعات الثقافية العربية، نظراً لكونها أوسع المجلات العربية انتشاراً، وأكثرها عبورا للمحلية، إضافة لما تقدمه للقارئ العربي، في مختاراتها، بانتظام، من مادة متنوعة على صعيد الفكر والثقافة والأمور التي تحظى بالاهتمام العام، ومن تحقيقات مصوّرة تنقل صورة الحضور العربي على اتساع العالم، وتقدم من خلاله بعض جوانب المعرفة العامة الضرورية بالبلدان والشعوب، من الزوايا التاريخية والثقافية والسياسية والجغرافية.
ومن المعروف أن الكثيرين من المهتمين بالدراسات العربية، في الشرق والغرب، يحرصون على متابعة المجلة، بوصفها مرآة للشواغل الثقافية العربية، كما أن أعداداً كبيرة من دارسي اللغة العربية، من غير العرب، يعتبرون المجلة بمنزلة أداة مهمة لاستمرار تطوير علاقتهم ومعرفتهم باللغة العربية الحديثة، وذلك لتفرّدها ضمن المطبوعات الصحفية العربية، بعمقها وشمولها وحسن متابعتها، إضافة إلى سلامة نصوصها ودقتها.
ويمكن القول، إن مجلة العربي اكتسبت جانباً كبيراً من نجاحها لتمكنها من اجتياز الحواجز الكثيرة التي تعيق حرية حركة مرور الصحف وتداول المعلومات، فيما قبل إنشاء شبكة الإنترنت، ومن ثم الوصول إلى أعداد هائلة من المتلقين، على مساحة مترامية الأطراف، سواء في المنطقة العربية أو خارجها. والدارس لتاريخ هذه المجلة يستطيع أن يضع يده بسهولة على طبيعة المفاهيم المنطلقة من منظور اتصالي حديث للعمل الصحفي، وهي المفاهيم التي وجهت عمل المجلة منذ بدايتها وإلى الآن، وأن يلمس بالتالي الإمكانات التي توفرها لها دولة الكويت لتساعدها على تحقيق هذا الانجاز.
لكن التطورات التي حدثت عل صعيد الاتصال، صارت تتيح اليوم فرصة كبيرة لانتشار الانتاج الثقافي من كل اللغات، عبر العالم أجمع، بل وفي زمن قياسي، وذلك من خلال وسائل النشر الإلكتروني، وقد شهدنا أخيراً تدافع الكثير من الصحف العربية بأنواعها المختلفة إلى احتلال مواقع لها على الشبكة، في محاولة للحاق في هذا المجال، بركب نظيراتها من الصحف العالمية في زمن العولمة الثقافية، ومن ثم كانت هناك ضرورة أمام القائمين على مجلة العربي لمتابعة الركب، حرصاً على استمرار الريادة، وعلى استغلال هذا المجال الجديد المتاح: Cyberespace في ارتياد عوالم أخرى، والوصول إلى نوعيات جديدة من القرّاء.
ولد هذا المجال من ثورة تقنية ثالثة جاءت مع الربع الأخير من القرن العشرين، وهي ثورة إلكترونية، معلوماتية، واتصالية، وصار يمثل قارة بذاتها تتألف من ملايين الاتصالات الرقمية تربط، في كل ثانية تمر، مئات الملايين من شرائح العمليات الدقيقة التي تعمل بها الأقمار الصناعية، والحواسب، ومع الاتحاد الكوكبي لشبكات الحواسب الذي هو الإنترنت، أصبح هذا المجال بمنزلة شبكة مزدهرة قابضة بالفعل وبشكل دائم على الكوكب.
ويمثل هذا الحيز الجديد Cyberespace بعدا متكاملا لممارسة الأنشطة الانسانية مساوياً لأبعاد الأرض، والبحر، والفضاء. بل إن هذا البعد صار يغلف الأبعاد الأخرى، فهو يعمل أكثر فأكثر على تكييف إعادة بناء جميع الأنشطة، ومنها بطبيعة الحال، بل وفي القلب منها: الأنشطة الثقافية.
وغني عن الذكر، إن الثقافة الإنسانية كانت على نحو دائم بمنزلة الهدف الأول للتطوير والتغيير في كل مرحلة تغيرت فيها وسائط التعبير والنقل، فقد شهد الانتقال من عصر النسخ والتدوين إلى عصر الطباعة الآلية ثورة فعلية في المتخيل الإنساني، أسفرت عن بروز أشكال جديدة للتعبير وظهور مدارس فكرية وفنية يدين لها العالم الحديث بفعل ما قدمته له من آفاق لم تكن في متناوله، كما شهدت الثقافة الإنسانية في العالم أجمع ثورات أخرى لا تقل تأثيراً عن ذلك مع ابتداع الوسائط الجديدة التالية: كالمذياع، والشريط السينمائي المصوّر، ثم التلفزيون، عبر مراحله المختلفة وصولاً إلى عصر الأطباق والفضائيات، وأخيراً مع انتشار ذيوع الحاسب الإلكتروني الشخصي، الذي انتقل استخدامه بسرعة شديدة ليحدث أكبر ثورة عرفها العالم في مجال الاتصال والمعلومات عبر تاريخه على الإطلاق.
وهذه الثورة الجديدة في مجال الاتصال نستطيع أن نستشف من آثارها التي أصبحت مدوية، رغم كونها في بداياتها، إننا بصدد ظهور متخيل جديد بدأت ملامحه في التشكّل من حولنا. وهو متخيل يستمد عناصر تكوينه من سهولة التواصل بين الأفراد على اختلاف ثقافاتهم وأعرافهم ومواقعهم في العالم أجمع،ومن إتاحة توافر المعلومات في كل مجال للجميع، ومن تنامي الحساسية الجديدة التي جاءت بها ثقافة الصورة والدلالة الرمزية، وليس بإمكان أحد الزعم بالقدرة على الإحاطة بكل عناصر هذا المتخيل الجديد، ولا بالمعرفة الدقيقة لطبيعة الحساسية الجديدة التي تتشكل الآن لدى البشر في تفاعلها مع هذا المتخيل الجديد. لكن المؤكد أن ما يجري حولنا من تطورات متلاحقة السرعة في هذا الخصوص، يحمل معه بذور تغيرات كبرى، تتفجر الآن، على صعيد أشكال التعبير، بالكلمة والصورة، ومن المؤكد أيضاً أن من شأن من لا يعد عدته للتعامل مع هذه الأدوات الجديدة أن يحكم على نفسه بالعودة للوراء، مهما كان الزعم الذي يغلف ذلك النكوص.
لقد أصبح العالم بالفعل قرية صغيرة، وهي قرية تتفاعل فيها الثقافات، كل حسب قدرتها على امتلاك الأدوات التي تخاطب منها العالم الحديث، وامتلاك هذه الأدوات أمر لا يقتصر فحسب على استخدام التقنيات الجديدة سواء بتعريب البرمجيات الجديدة، بل هو يتطلب أيضاً حشد كل الجهود من أجل توجيه استخدام هذه التقنيات للمشاركة في صناعة الجديد المقبل ولاكتساب قدرة التعامل مع هذا المتخيل الجديد.
والفائدة التي تتحقق من إنشاء موقع لصحيفة عربية على الشبكة الدولية، تحددها النظرة التي ينظر بها القائمون على هذه الصحيفة لذلك الموقع وما يريدونه منه بالتحديد. هل يقصدون من وراء ذلك توثيق صحيفتهم باستخدام هذه الإمكانية الاتصالية الجديدة لتصبح مرجعاً لمن يريد العودة إليه فحسب؟ أم يسعون من وراء ذلك للتوجه إلى متلقين جدد؟ وما نوع هؤلاء المتلقين الجدد؟ هل هم ينتمون للثقافة الصادرة نفسها عن الصحيفة؟ أم أنهم ينتمون لثقافات مختلفة ويتعاملون بالتالي بلغات مختلفة؟ وهل تسعى الصحيفة من وراء وجودها على الشبكة لتحقيق غايات تنافسية مع صحف أخرى محلية وعالمية لها نفس الاهتمامات؟ إضافة لأسئلة كبيرة أخرى تتعلق بطبيعة الأداة نفسها، وهي شبكة الإنترنت، فهي تتيح بشكل عام إمكان الوصول إلى فيض غزير من المعلومات في سرعة قياسية، الأمر الذي من شأنه التأثير في تطور أساليب الكتابة والعرض على نحو يلائم هذه السرعة. فهل يمثل السعي لملاحقة هذا التطور هدفاً من أهداف الصحيفة؟ وهل سيكون لهذه الأساليب بالتالي أن تلعب دوراً في مجال تقييم واختيار النصوص التي تنشرها على صفحاتها المطبوعة؟
وإنشاء موقع لمجلة ثقافية واسعة الانتشار مثل العربي يعد حدثا يجب النظر إليه من نواح عدة. أولها أن هذا الموقع يجب أن يتفاعل مع هدف كبير هو الوصول أساساً إلى قارئ العربية في كل مكان. وثانيها أن يعمل على تنمية التبادل بين الثقافات، بإبداع الإمكانات التي تؤهله لأن يكون موقعاً مطروقاً من جانب المهتمين بالثقافة الإنسانية بوجه عام، وبالثقافة العربية بوجه خاص من بين أبناء الثقافات الأخرى، وثالثها هو استمرار الحرص على المزايا التنافسية التي تحققت لمجلة العربي المطبوعة من خلال المشاركة الفعّالة بالرأي، والبحث في الموضوعات الحيّة المثارة في عالم اليوم، وخصوصاً تلك الموضوعات التي تحظى بالاهتمام الإنساني بصفة عامة، لا الاهتمام المحلي فحسب.
وبالنسبة للمحور الأول: من الطبيعي أن يكون على رأس أهداف هذا الموقع التوجه إلى المتلقين من العرب الذين لا تصلهم المجلة، وخصوصاً العرب المهاجرين في قارات العالم أجمع، ويتطلب تحقيق هذا الهدف خلق علاقة إيجابية متبادلة بين المجلة وبين هؤلاء المهاجرين، وذلك من خلال البحث عن اهتماماتهم وإبداعاتهم في كل المجالات وإتاحة الفرصة لنشرها والتعريف بها على صفحات المجلة وصفحات الموقع.
أما بالنسبة للمحور الثاني وهو تنمية التبادل بين الثقافات، فإن من الضروري العمل على إضافة لغتين أخريين، على الأقل، إلى جانب اللغة العربية للتداول على هذا الموقع، وهما الإنجليزية والفرنسية. وليس المطلوب هنا، مع بداية عمل الموقع، ترجمة كل مواد المجلة إلى هاتين اللغتين، وإنما المطلوب ترجمة محتويات أعدادها مع ملخص لكل مادة منشورة في بضعة أسطر، إضافة إلى موضوع أو موضوعين مهمين من كل عدد (افتتاحية المجلة، على سبيل المثال، مع موضوع خاص يتميز بأصالة فكرته وجدتها) على أن يراعي في اختيار الموضوعات المترجمة أن تكون أقل إسهابا وإطناباً من ناحية الأسلوب، وأغزر معرفة من وجهة المضمون.
كما أن وجود هاتين اللغتين على هذا الموقع سيتيح إمكانية كبيرة للاتصال والتبادل مع المهتمين بالدراسات العربية والشرقية من أبناء الثقافات الأخرى على تنوعها، ومن شأن ذلك أن يعد مصدراً مهماً ثرياً من مصادر المعرفة بالذات وبالآخر، يفتح آفاقاً جديدة أمام المجلة من خلال التفاعل مع هذه الدراسات والإبداعات سواء بالترجمة أو بالدراسة أو بالنقاش والحوار المفتوح.
أما بخصوص المحور الثالث، وهو استمرار تحقيق المزايا التنافسية التي تحظى بها مجلة العربي المطبوعة، فهو أمر يتطلب بذل جهد كبير في تطوير العلاقة بين المجلة المطبوعة وبين موقعها على شبكة الإنترنت، على نحو يوجد نوعاً من العلاقة المرنة تتفاعل فيها المجلة المطبوعة مع نوعية المتلقي الجديد الذي يتعامل مع الموقع، ومع الأساليب الجديدة التي تلاقي نجاحاً في العرض والجذب من خلال الشبكة، ويتفاعل فيها الموقع مع الثقافة المطبوعة بتقديمه للخدمة الثقافية الأعمق التي يمثل الطلب عليها إلحاحاً لسد فراغ تشكو منه نوعية الثقافة التي تقدم على شبكة الإنترنت بوجه عام.
إن الضرورة التي يفرضها التعامل مع هذه الأدوات الجديدة لا تتمثل فحسب في الوصول إلى أعداد جديدة من المتلقين، وإنما تتمثل أيضاً في مواكبة ما يجري الآن في العالم أجمع على صعيد ثقافة العولمة، ليس سعياً وراء الانتشار فحسب، بل أيضاً للتعامل مع الحساسيات الجديدة التي تتخلق لتتفاعل مع نوعية المتخيل الذي أتت به الثورة التقنية الثالثة. وذلك من أجل خلق علاقة تبادل إيجابي بين ثقافة الكلمة المطبوعة، وثقافة الصورة والدلالة الرمزية التي تمخر عباب الأجواء الآن بسرعة فلكية لتعمل على تشكيل وجدان بشر القرن الواحد والعشرين.
وحينما ننظر إلى أحوال المنشورات الثقافية التي تتوجه للقارئ العام وتصدر الآن في العالم العربي، نجد أن مجلة العربي المطبوعة تأتي في مقام الصدارة، بل ويفصلها عن الصحف الثقافية العربية الأخرى بون شاسع كبير، من وجهة نظر التوحيد والانتشار، فهل لهذه المجلة أن تواصل ريادتها الحالية في زمن النشر الإلكتروني، عبر اقتحامها لهذا المجال الجديد؟
والإجابة عن ذلك هي بالقطع: نعم، لأن ما لهذه المجلة وطاقمها من خبرات تراكمت، عبر ثلاثة وأربعين عاماً، يمثل رصيداً غنياً يساعدها على تحقيق النجاح المنشود.