من عصر الرفاه الى عصر الانترنت
الباحث: عثمان العمير *
عثمان العمير:
ـ شكراً، كنت أنوي عمل ورقة مليئة بالأرقام والمعلومات كما يحلو للصحافيين الإنترنتيين أن يتفاخروا بها، لكني اكتشفت أنني نصف أمي البارحة لأن الجهاز ثار علي، فاعتذرت لنفسي أنني عشت في عصر الرفاه، عصر الانترتايب وكل الأشياء التي لم يتعود عليها الانترنتيون.
يضاف إلى ذلك أنني سأكون آخر المتكلمين، وآخر المتكلمين يكون عادة مثل آخر المطربين أثقلهم ظلا ودماً.. فعذراً.
بعد ثلاثة أيام من الآن تكون قد مرت ثلاثون سنة على حلم راودني في الهجرة من السعودية صوب الكويت، ولم يكن ذلك الحلم بسبب أنني انحدر من قلب الجزيرة العربية، وبين أحضان كثبان الرمال في نجد، في مدينة ـ وبعضنا يسميها اقليما ـ وهي "الزلفي" اعتاد اهلها على الإبحار إلى الكويت يمينا والى الزبير يساراً، ونصب عيونهم دائما أحلام في طلب الرزق. بل لأن سنوات العمل الصحفي الكويتي كانت فترات ماسية، وشكلت زخماً في تاريخ الصحافة العربية، كانت "الرأي العام" بجاذبيتها الشعبية ذات الصدى الخليجي، "السياسة" بحيوية رئيس تحريرها وطاقمها العربي المنوع، و"الوطن" بيساريتها الفاقعة وبعدهم زمنيا "القبس" بتعربها وليبراليتها إذا صح أن لدينا ليبرالية عربية بمعناها المتعارف و"الأنباء" بتدفقها وبعدها الكويتي.
على أي حال لم يتحقق ذلك الحلم والسبب هو زميلنا الكبير وصاحب جريدة السياسة الأستاذ أحمد الجار الله فلا استطيع الآن أن أعلن لماذا لم اتجه إلى الكويت.
وكانت الخطوة الأبعد هي أن من طلب الذهاب إلى الكويت، ذهب الى "فليت ستريت" سنوات عدة ليعيش اهم ثورة صحفية مرت على المنتصف الاخير من القرن العشرين، حيث تناظمت الاسماء التي لم تعد مجهولة في مساءات الصحافة العالمية بل في سماءات السياسة، "مردوخ"، "تاتشر"، نقابات العمال، نقلة التكنولوجيا حقوق العمال، سقوط الاشتراكية مضرجة بدمائها أمام الرأسمالية الثانية او ما سمي فيما بعد بالطريق الثالث.
وبين الحلم والواقع هبت أمام نوافذنا المشرعة أبدا ودائما لنوبات الزمن، بل وحبال ذاكرتنا أطياف لا تعد، ولا عد لها ولا حصر من الاحداث والمتغيرات.
دعوني أيها الاصدقاء أن أعود الى ديدن الصحافي والقلم والواقع ذلك الصحافي الذي بدأ ينقرض وأنا واحد منهم، واذا لم تتداركني رحمة الله، فلن اتحدث عن الارقام والوقائع لسبب شخصي اولاً، ولأن هناك زملاء قبلي حقيقة امدونا بكثير من المعلومات لا استطيع امانة ان انافسهم عليها.
سأحصر هذه المداخلة فقط بتأملات وخواطر اكثرها مرقماً، دعوني كذلك أسأل نفسي معكم: لماذا يهاجر صحفيا ارضا بنفسه للوصول الى ما يبتغي عبر مواقع ومسالك صحفية مفتوحة ومكتوبة، لماذا يهاجر الصحفي الصحافة المكتوبة وهو الذي امضى زمنا عتيا فيها، هل هو السأم أم الاغراء أم امور أخرى، ام شعور بأن هناك زمنا ساد ثم باد، وان إشراقة جديدة انبثقت على ارض الواقع لابد من مصاحبتها والانغماس فيها.
وفي البداية علي الاعتراف ان حلم جيلي من الصحافيين العرب وما قبله وربما ما بعده لم يتحقق في أن تكون هناك صحافة عربية ذات إشعاع جغرافي عربي يخرج من امده المحلي الى آفاق عربية رحبة.
حتى المحاولات التي تمت اقتصرت على نخب معينة من صناع القرار والمثقفين ورجال الاعمال تتخاطب مع نفسها وبنفسها، لاسباب معينة استطيع ان اجملها في بعض النقاط:
اولا: ان المواصلات بين اجزاء العالم العربي لاتزال ادنى من المأمول بكثير وهي ضعيفة عند التخلي عن البلاغات اللغوية والاحاديث المملولة عن التضامن وشعارات التكافل العربي المسموعة فقط في المؤتمرات وعبارات المجاملات والخطابات الفارغة من المحتوى والمعنى معاً.
فنحن عندما نتواصل مع المغرب العربي نتجه اولا الى لندن او باريس لننفذ منها ما يسمى بالجناح الغربي للعالم العربي، ومن بين اكثر من عشرين شركة طيران عربية، توجد فقط شركتان عربيتان تسيران رحلات الى كل من الدار البيضاء مثلا والرياض وجدة والقاهرة وابوظبي فقط، اما الخطوط البريطانية والفرنسية فإن رحلاتهما اليومية الى تلك العواصم ومنها الدار البيضاء فانها تصل ما بين رحلتين الى ست رحلات يوميا بالنسبة للبريطانية اما الفرنسية فلها اكثر من ذلك.
وعلى ذلك نتأمل العلاقة بين دول الخليج وكل من الهند والباكستان وإيران ونقارنها بدول عربية أخرى، أرجو أن لا يفهم من كلامي هذا انني انادي برفع عدد الرحلات الجوية بين الدول العربية فهذا الأمر تحكمه المصالح لا لهجات الأخوة والتعارف.
أما الرقابة فحدث ولا حرج، والرقيب العربي مخترع لامع تتوفر لديه أعداد لا تحصى من الأفكار والابداعات في هذا المجال.
واسمحوا لي أن اعدد بعض الطرق دون الدخول في الاسماء باعتبار ان التجربة مرت عليها سنوات عدة، ومازالت ذاكرتي تحتفظ بتلك التجربة التي تعاملت فيها مع الرقيب منذ ما يزيد عن خمسة عشر عاما عندما كنت رئيس تحرير مطبوعتين عربيتين تصدران من الخارج، فالرقيب "زيد" مثلا يقرر منعك تماما من الدخول، فضلا عن منع الصحافي حتى يتم تشغيل القنوات الحية وغير الحية مع عدد كبير من التنازلات.
أما الرقيب "عمرو" فيحدد المطبوع بألف نسخة أو أقل، وأذكر أن جريدة الشرق الاوسط مثلا ظلت تطبع عددا لا يتجاوز ألفي نسخة لمدة عشر سنوات لا يزيد ولا ينقص صيفا وشتاء، جمعة وسبت. أما الرقيب "سعد" مثلا فإنه يماطل ولا يكبح حتى لا تصاب بالملل وتوقف الارسال لكن "سعيدا" لديه الاسلوب الأمثل وهو عصر الكمية المرسلة حتى تصل إلى ما فوق التكلفة، ولسعد وسعيد وزيد وعمرو عشرات الاشقاء الذين توحدوا في محاربة كيفية الانتقال السريع بين الصحافة العربية، والغريب ان هذا الوضع لم يتغير كثيرا مع ان الصحيفة تصل إلى الجميع عبر الواصل الالكتروني.
أمر ثالث يتعلق بطريقة التوزيع في العالم العربي، إذ ان هناك اكثر من شركة توزيع تنتمي الى اتحاد موحد، في مناطق ومجتمعات ولكنها لا تزال ضعيفة في مناطق وقوية في مناطق أخرى، إذا اخذنا بعين الاعتبار دولاً مثل مصر والمغرب والسعودية فنجد أنها تمتلك شبكات توزيعية جيدة لكنها تختلف حسب القوانين والظروف.
والحقيقة أن الأمر الأخطر من هذا كله هو انه ليس هناك مرجعية اعلامية عربية، تعامل كما لو كانت صحيفة لثقافة معينة مثل ما هو موجود في اللغات الأخرى، فقارىء الإنجليزية مثلا يعتبر التايمز مرجعيته اللغوية، أو الثقافية، بصرف النظر عن هويته وكذلك هو الحال في اللغة الفرنسية فيما يتعلق بـ "لوموند" كمرجعية، أو فيما يتعلق في الـ "بايس".
هناك فعلا محاولات عربية في السابق وفي اللاحق لإيجاد نوع من تلك المرجعية ولكنها لم تكتمل بما فيه الكفاية.
وقد حاولت ما تسمى بصحافة المهجر، وأنا لا أسميها كذلك لأنها لم تهاجر أساسا، حاولت ان تحقق المرجعية أو الاشعاع القومي ولكنها استمرت كما قلت مميزة لدى طبقة "الانتلجنسيا" ولكنها لم تصل إلى الرواج الشعبي الكبير كما هو حاصل في المطبوعات الأخرى.
عامل أخير مهم يتعلق بطبيعة المجتمع العربي في تضاعيفه السياسية والوجدانية، وفي ثقافته وجذوره، وهو أنه رغم التقدم الكبير الذي يجتاح العالم تفكيرا وسلوكا وثقافة تجاه الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان وحرية التعبير، فإن هذه القيم التي أصبحت حقا مشاعا لانسان القرن العشرين تتعرض لظلم بين من قبل الحاكم بل ومن قبل قطاعات المجتمع بمختلف مكوناته، فهناك الكثير من المحظورات التي ما إن تفلت من يد رجل السلطة حتى تتلقفها قوى المجتمع لمحاربتها ومعاداتها لأنها تمثل رأيا آخرا لا يرضي هذه المجموعة أو تلك، وبقدر ما تتسع مساحة الحرية في المجتمعات الغربية ويتسع العالم، لأن هذه الحرية هي ضمانة الاستقرار والنمو والتقدم وحصانة ضد التخلف، نجد ان هناك حالات عكسية داخل عالمنا العربي والإسلامي، بل أصبحت هذه القوى تستخدم التكنولوجيا وتقنيات الإعلام في وأد الرأي الآخر والتضييق على الحريات، لسنا ضد الرأي الآخر أو المخالف ولكننا ضد دينامية استمرار هذا الفكر في التضييق والتطهير البدني وما سمعناه في آخر الأمر من محاولة فرض عقوبة الاعدام بحق فنانين ومثقفين.
لا أريد هنا القول إن الإنترنت هي الحل أو الإنترنت أولاايلاف هي أحد أعمدة هذا الحل، فالالغاء ممنوع في عالم المتحضرين، والإعلام أثبت أنه اكثر المجالات مقاومة لما يسمى بالالغاء أو البدائل، ومنذ بزوغ فجر القرن ما قبل الماضي، فإن كل وسيلة تأتي تتعايش مع ما قبلها، فالراديو مازال يتجدد ويتألق بجانب التلفزيون، والإنترنت سوف يتعايش ويأخذ ويعطي للصحيفة، لكن حظ الإنترنت انه لن يقف مكتوف الأيدي مع عوائق النشر والرقيب والحدود الجغرافية.
ومن هنا كانت فكرة "ايلاف" التي نريد ان نقدمها للعالم باللغة العربية أولاً ثم باللغة الإنجليزية واللغات الأخرى.
تسكنني هواجس عديدة، من أهمها بل أخطرها هواجس الاستقلالية والانفتاح والمهنية، لا أدعي إنني أملك هذه المفاتيح أو انها متوفرة لدي، ولكنني جازم انه بدون تلك الهواجس سيكون الامر غير يسير يجسم الأمر نفسه مستخدما الإنترنت في تحقيق هذا التواصل.
ان كثيرا من النخب العربية لا ينظرون بعين الاكتراث الكافي لخطورة اختطاف الإنترنت من امامهم وتحويله وسيلة ذات جاذبية خارج نطاق التنوير والحداثة دون الاخلال بقيم الرأي الآخر أيا كانت وإنما المطلوب الآن هو ادخال هذه النخب العربية وتأخيرها ومحاولة تشجيعها على النمو مع الإنترنت.
اشكركم على هذا الإنصات، وأرجو أن أكون قد وفيت وإن كنت لم أشعر.. والسلام عليكم.