مدخل لفهم عالم النشر الإلكتروني
الباحث حسام السكري *
عندما قررت الموسوعة البريطانية في منتصف التسعينيات أن تضع محتواها الورقي الموجود في عشرات المجلدات، على قرص ليزر ضوئي، كانت هذه ضربة لسرب من العصافير بحجر واحد. وفضلا عن توفير مساحات هائلة على رفوف المكتبات، انخفض سعر الموسوعة من آلاف الدولارات، إلى عشراتها، وأصبحت متاحة بسعر زهيد للباحثين والقراء والطلبة. ووفرت المؤسسة كميات هائلة من الورق، ومبالغ طائلة كانت تنفق على إنتاج الموسوعة بشكلها التقليدي.
ولم يمض وقت طويل على ذلك حتى قررت إدارة الموسوعة أن تتيحها مجانا لمستخدمي شبكة المعلومات. وبمجرد افتتاح الموقع الجديد إصيب بالشلل بسبب الإقبال الهائل لمستخدمي الكمبيوتر. إذ فشلت وحدات الخدمة التي تدعم الموقع، في إتاحة محتواه لكل هذه الأعداد من الزوار. أغلق الموقع أياما لزيادة دعمه التقني. ثم عاد لجماهير الإنترنت. ولكن في العام الماضي أعادت إدارة الموسوعة النظر في مجانية الموقع، بعد أن فشلت في تغطية عائداته من الإعلانات، وفرضت رسوما على الراغبين في دخوله عبر شبكة الإنترنت.
ومن الواضح أن طموحات الراغبين في النشر الإلكتروني على الشبكة، في إطار عملية ربحية تجارية، بدأت تتحطم على أرض الواقع الافتراضي. وربما كانت تجربة مؤسسة ديزنى في هذا المجال أكثر قسوة من تجربة الموسوعة البريطانية التي نجحت في مجال الأقراص وفشلت على الإنترنت. إذ أعلنت ديزني في يناير/ تشرين الثاني الماضي عن إغلاق موقعها، وحل عمليات الإنترنت في المؤسسة العريقة، بعد أن ثبت لها أن المعلنين هجروا شبكة الإنترنت. راح على المؤسسة أكثر من ألف مليون دولار، وفقد أكثر من أربعمائة شخص وظائفهم، واستوعبت ديزني درسا صعبا، وهو أن الإنترنت لا تمطر ذهبا ولا فضة. والحالمون بالحصول على ثروات من النشر الإلكتروني والإعلانات على الشبكة قد ينتظرون طويلا قبل أن تتحقق أحلامهم.
الموسوعة البريطانية تأرجحت بين الفشل والنجاح، وديزني قررت الهرب قبل أن تعاني من مزيد من الخسائر. وبين التجربتين مئات التجارب التي لا تخلو من نماذج النجاح بعد أن أدرك القائمون عليها أن النـشر الإلكتروني عالم قائم بذاته، يحــــــتاج فهـــمه إلى إدراك يختلف عما جرى عليه العرف في الــــــسابق.
النشر الإلكتروني: نظام الإنتاج أم أدوات القراءة
وتعبير النشر الإلكتروني تعبير فضفاض، يستخدم أحيانا لوصف عملية إنتاج المطبوعات الورقية التقليدية باستخدام الوسائل الإلكترونية، ويقصد بها في الأغلب أجهزة الكمبيوتر. ولكنه سيستخدم في هذا المقال للإشارة إلى عرض المعلومات بواسطة أية أجهزة إلكترونية. أي أن المعيار هنا في تعريف النشر الإلكتروني، هو الأداة المستخدمة في عرض المنتج النهائي، وليس بالضرورة الأدوات المستخدمة في الإنتاج.
ولا يفيدنا هذا التعريف في حصر نطاق النشر الإلكتروني في إطار أكثر ارتباطا بالمفاهيم العملية فحسب، ولكنه يفتح الباب أيضا أمام مزيد من المرونة في التعامل مع المستجدات في هذا المجال، ويسمح بضم أنواع متباينة من وسائل نقل المعلومات وعرضها، لفهمها وتعريفها ضمن مجال النشر الإلكتروني. فمن الملاحظ أن كثيرا من المتحدثين في الموضوع، يفيضون في الإشارة، بل ويقصرون حديثهم في أغلب الأحيان، على الكتاب الإلكتروني، أو تقنيات مطالعة النصوص، وقليلا ما يوسعونه للإشارة إلى النشر على شبكة الإنترنت، أو النشر باستخدام أجهزة كمبيوتر الكف، أو التليفون المحمول، أو غيرها من الأدوات الإلكترونية التي يجري تطويرها لاستغلال الإمكانات المتنامية لتكنولوجيا المعلومات.
ومن المجالات التي بدأ يقل الحديث عنها في معرض النشر الإلكتروني، ما اصطلح على تسميته باسم الوسائط المتعددة، أو الملتيميديا، التي ارتبط إنتاجها في الأذهان بأقراص الليزر الضوئية CD ROM، وبألعاب الكمبيوتر وبوضع مواد التسلية والترفيه، من صور ونصوص، وموسيقى، وأفلام على هذه الأقراص، أو على أية وسائط أخرى تتمتع بالقدرة على استيعاب سعات عالية من المعلومات مثل أقراص دي في دي DVD.
وقد عرف مستخدمو الكمبيوتر النشر الإلكتروني على أقراص الليزر، بشكل أكثر تطورا من النشر على شبكة الإنترنت، بسبب قدرتها على عرض معلومات تتطلب سعة أعلى نسبيا في التدفق، مثل الصور أو الملفات الصوتية، أو أفلام الفيديو.
النشر والبث: عملية واحدة أم عمليتان
ومما لا شك فيه أن الارتباك في فهم المقصود بالنشر الإلكتروني، يعود بالدرجة الأولى إلى استخدام مفاهيم سادت في عالم المعلومات القديم، لوصف مستحدثات تنتمي إلى عالم آخر أكثر تطورا. فعالم الماضي كان أكثر وضوحا وتحديدا بسبب ارتباط أنواع المنتجات المعلوماتية بالتقنية المستخدمة في إنتاجها وتوزيعها.
فالنشر كاصطلاح، ارتبط في الأذهان بعالم الورق والطباعة وبحدوده كمجال ثنائي الأبعاد يصلح بالدرجة الأولى لعرض النصوص، وإلى حد ما الرسوم والصور، وهو عالم مقيد بالمساحة المخصصة للنشر سواء في الصحيفة أو في الكتاب.
في ذلك العالم القديم، انفصل "النشر" كعملية لنقل المعلومات وتوزيعها على الورق، عن "البث" كعملية أخرى لتوصيل المعلومات من خلال موجات الأثير، بالصوت وربما الصورة. وارتبط البث بعنصر الزمن، كمحدد أساسي لما يوزع عبر الأثير من معلومات. وفي مقابل رئيس تحرير الصحيفة الذي يعمل جاهدا لتقديم مادته وسط قيود المساحة على الورق، نجد محرر نشرة الأخبار في الإذاعة أو محطة التليفزيون يعمل جاهدا لعرض معلوماته وسط قيود زمنية صارمة.
العالم الجديد اختلف نوعيا، بشكل يجعل من المستحيل التعامل بين النشر والبث كعمليتين متباينتين، ويحتم تحرير الذهن من ربط النشر الإلكتروني بعملية القراءة، وتوسيع إطار التعامل مع النشر الإلكتروني ليصبح التعامل مع منتجاته خبرة معرفية يستقبل فيها "مستهلك المعلومة" أنواعا متباينة من المعلومات، تستوعب كنصوص، وصور، ومواد فيلمية، وأشكال متحركة ورسوم توضيحية تفاعلية. تقدم كلها عبر وسيط واحد يستطيع التعامل مع هذه الأشكال المتباينة من المعلومات بكفاءة عالية.
المادة الخام: أصفار وواحدات
وربما تكون هذه القدرة الفريدة على عرض ونقل المعلومات بكافة صورها وأشكالها من خلال أدوات العرض الإلكترونية، أهم ما يميز عالم المعلومات الجديد عن نظيره القديم. ففي حين ارتبطت عمليات إنتاج المعلومات وعرضها بتقنيات شديدة الاختلاف والتباين ولا علاقة لها ببعضها البتة، مثل تقنيات النشر والطباعة، في مقابل تقنيات البث الإذاعي والتليفزيوني، اختلف الحال مع تقنيات إنتاج وتوصيل المعلومات في العالم الجديد.
والسبب الرئيسي في ذلك يكمن في أن الأدوات والتقنيات الحديثة تعتمد على المنطق ذاته في تكسير واستيعاب المعلومات والتعامل معها، بصرف النظر عن نوع هذه المعلومات. بعبارة أخرى يمكن القول إن التقنيات الحديثة لا تفرق كثيرا بين النصوص، والأصوات، والرسوم، والصور والأفلام. ومن أجل استيعابها والتعامل معها لنقلها أو عرضها، يتم استيعابها جميعا في صورتها الحسابية الخام، التي تتلخص في سلاسل تتكون من رقمي الصفر والواحد.
فالكمبيوتر، الذي خرجت من عباءته الأدوات والوسائل المستخدمة في عرض وإنتاج المعلومات إلكترونيا، هو في الأساس آلة حسابية صممت للتعامل مع الأرقام.
والثورة الحقيقية في مجال تكنولوجيا المعلومات، بدأت عندما تمكن الإنسان من تطوير عمل هذه الآلة الحسابية لتتعامل مع أنماط غير رقمية من المعلومات.
"رقمنة" المعلومات من نصوص، وصور ونغمات، كانت بداية الخيط لسلسلة من الإنجازات على طريق النشر الإلكتروني. فالكمبيوتر يستطيع استيعاب النصوص مثلا كسلاسل من الأصفار والواحدات. كل حرف في الأبجدية يرمز له بسلسلة فريدة من هذين الرقمين. وكذلك الحال مع كل درجة لون، وكل نغمة موسيقى. كلها لا تعدو أن تكون بالنسبة لجهاز الكمبيوتر، أكثر من سلسلة رقمية من الأصفار والواحدات. لهذا السبب لم يعد هناك معنى لاستبعاد بث الأصوات أو الأفلام عند الحديث عن النشر الإلكتروني. بل ويصبح الأمر أكثر طرافة، عندما نلاحظ أن قدرة أجهزة الكمبيوتر على التعامل مع المعلومات أدت إلى تحول في وظائف بعض الأدوات والأجهزة المنزلية التي تحتوي على مكونات كمبيوترية، لتصبح، إضافة إلى كونها أجهزة طهي أو حفظ أطعمة، من أدوات النشر الإلكتروني! والسبب هو أن ما بها من مكونات كمبيوتر يسهل لها أداء وظيفتها، ويمكنها أيضا من التعامل مع المعلومات. وهكذا ظهرت في معارض كمبيوتر أقيمت أخيراً، أجهزة تبريد أطعمة، وأفران ميكروويف مزودة بشاشات كمبيوتر، يفترض أن تساعد ربة البيت في تصفح مواقع معلوماتية معينة، ومتابعة الأخبار التي تعنى بشؤونها وشؤون البيت!
عرض المعلومات: بين التقنية والتحرير
أدى الدور المتعاظم الذي تلعبه التكنولوجيا في مجال النشر الإلكتروني، سواء على شبكة الإنترنت، أو بأية وسائل أخرى، إلى شيوع اعتقاد بأن المسألة تقنية (وليست تحريرية) في المقام الأول. وفي عدد من التجارب تركت المسألة برمتها لأطقم من الفنيين المتخصصين في شبكات الكمبيوتر وأنظمة التحرير الإلكتروني.
ويختلف هذا المفهوم عن المفاهيم التي اعتمدتها مواقع مستقرة وناجحة، أدرك القائمون عليها أننا إزاء عملية تواصل معلوماتي قد تختلف في شكلها ووسائلها عن عمليات النشر التقليدي، ولكنها لا تختلف في جوهرها. ومن هذا المنطلق كان المنطق الذي خطط لهذه المواقع منطقا تحريريا بالدرجة الأولى، يضع في اعتباره حاجة المستخدم للمعلومة، وأفضل الطرق وأسهلها لتوصيل هذه المعلومة.
وما يندرج تحت ذلك من مهارات تحريرية تقتضي الكتابة بأسلوب سلس. وقد تباين هذا المفهوم مع مفهوم المواقع التي تولى مسؤوليتها تقنيون، اهتموا بوضع المعلومات في إطار جذاب وباهر، وسط غابة من الرسوم المتحركة، وأشكال وصور لا تكف عن القفز والحركة. وهي خصائص إن جذبت الزائر للموقع مرة، فلن تفلح في ضمان عودته مرة أخرى.
مساحة الشاشة وعادات الاستهلاك
ومن المهم الإشارة أيضا إلى بعض العوامل التقنية المهمة التي يكون لها تأثير على القرارات التحريرية، بل وحتى على أسلوب الكتابة وطريقة عرض الأفكار. ومن ذلك مساحة الشاشة المستخدمة في تلقي المعلومة، وهي تعد من أهم العوامل التي ينبغي الانتباه إليها.
ولو أخذنا مثالا من مواقع شبكة الإنترنت، سنجد أن "أول شاشة" تعتبر أهم قسم في الموقع، أو في كل صفحة بعينها. وهذه الشاشة تعتبر في مقام النصف العلوي من صفحة الجريدة الأولى. ومن المهم أن تحتوي كل العناصر المهمة التي يبحث عنها المتلقي. وإذا كانت تقدم خبرا، علي سبيل المثال، ينبغي أن تكون أهم العناصر موجودة في هذه المساحة، بما يجذب المطالع للصفحة لتحريكها إلى أعلى ومطالعة المزيد. أما إذا لم تراع اعتبارات المساحة في هذه الشاشة الأولى، وكان ما يعرض عليها من معلومات مقدما بشكل مشوش أو غير واضح، فمن المتوقع أن تفقد اهتمام المستخدم، فيتحول إلى صفحات أخري أو مواقع أخري، لا تفرض عليه أن يبذل مجهودا كبيرا في استقبالها واستيعابها.
وربما يجرنا هذا للحديث عن "العادات الاستهلاكية" لمستخدمي الكمبيوتر، أو غيره من أدوات استقبال المعلومات إلكترونيا. وهي بشكل عام تختلف اختلافا كبيرا عنها في حالة استهلاك المعلومات المقدمة عبر وسائل وأدوات أخرى.
فدراسة عادات المستخدمين، توضح أنهم يبحثون عن معلومات بعينها، عندما يلجأون الى جهاز الكمبيوتر. وأنهم يفعلون ذلك بعد أن يكونوا قد سمعوا خبرا ما عبر احدى الوسائل التقليدية كالتليفزيون أو الراديو.
مشاهد التليفزيون أو مستمع الراديو يستهلك المعلومة بشكل سلبي، فهو يجلس للتلقي دون أن تكون لديه القدرة على الاختيار أو تحديد نوع المعلومة التي يستمع إليها. نفي المستهلك للمعلومة لن يجلس أمام جهاز الكمبيوتر ليستقبل المعلومات بنفس الطريقة، ولن يتعامل مع شاشته كما يتعامل مع شاشة التليفزيون. الجلسة أمام التليفزيون جلسة استرخاء، وتسليم، واستقبال. أما أمام الكمبيوتر فالمستخدم متحفز، وباحث، ويتمتع بقدرة عالية على الاختيار. وإذا لم يجد ما يستهويه أو ما يبحث عنه، فليس هناك ما هو أسهل من الخروج إلى موقع آخر بنقرة صغيرة على الشاشة.
الباحثون عن ذهب المعلنين على شبكة الإنترنت ربما يعلمون الآن أن النجاح والفشل في عالم النشر الإلكتروني محصلة عوامل عديدة. ربما يكون أهمها إدراك طبيعة السوق المتغيرة، ومتابعة التطورات المتسارعة في عالم التكنولوجيا، وفهم سلوك وعادات مستهلكي المعلومات من خلال الوسائل التقنية المتطورة.
والأساس بالدرجة الأولى هو اجتذاب مزيد من الزوار للمواقع أو المستهلكين لوسائل عرض المعلومات الحديثة. وكلما زاد الإقبال زادت إمكانات الحصول على تمويل لعمليات النشر الإلكتروني سواء بالبيع المباشر، أو الاشتراكات، أو الإعلانات، أو حتى بدعم الدول والهيئات التي يهمها في المقام الأول أن يزداد عدد مستخدمي المنتجات التي تقدم لها الدعم. وفي مجال متغير مع تغير التكنولوجيا ينبغي لنا دائما الاستفادة من النماذج الناجحة فيه، أو حتى تلك التي كانت في مرارة تجربة دايزني مع شبكة الإنترنت.