اتصل بنا عن المجلة الأرشيف الرئيسية
 

إبحث:



 

كتاب ربع سنوي يصدر كملحق لمجلة العربي تصدره وزارة الإعلام بدولة الكويت لمحبي الآداب والفنون

 
 
 
العدد 69 - 2007/7 - المحور الرابع.. المجلات الثقافية في مصر - صلاح عيسى الدوريات الثقافية ومشروع النهضة العربية
 الدوريات الثقافية ومشروع النهضة العربية        

1- عن الدوريات الثقافية

          يأخذ التعريف القانونى للصحيفة بوحدة العنوان ودورية الصدور، ويعتبر كل مطبوع يصدر بعنوان ثابت وبشكل دورى صحيفة، حتى لو كان لمؤلف واحد.

          وفى هذا السياق فإن المجلة الثقافية، هى المطبوع الذى يجمع بين هذين الشرطين، فيصدر بشكل دورى ـ اسبوعى أو شهرى أو فصلى ـ وباسم واحد، ويتخصص ـ فضلا عن هذا ـ فى المسائل الثقافية.

          وتنقسم الدوريات الثقافية من حيث التخصص ـ إلى نوعين، الأول: هو المجلة الثقافية العامة، التى تهتم بكل الأنواع الثقافية، فتجمع بين الاهتمام بالعلوم والفنون والآداب والعلوم الاجتماعية.. والثانى هو المجلة الثقافية المتخصصة، كالدوريات الأدبية التى تركز اهتمامها على الأدب وحده، أو على فرع منه، كالشعر أو القصة أو النقد الأدبى، والدوريات الفنية التى تهتم بالفنون أو بفرع أو أكثر منها، كالسينما والمسرح والتليفزيون والفنون التشكيلية والدوريات العلمية، التى تتخصص  فى العلوم أو فى احدها كالطب والزراعة وعلوم الفضاء..الخ.

          وفى إطار هذا التعريف يمكن القول إن «روضة المدارس المصرية» التى أصدرها «رفاعة الطهطاوى» بين عامى 1870 و 1878 هى أول دورية ثقافية عربية وأن أقدم هذه الدوريات التى لا تزال تواصل الصدور حتى الآن، هى «الهلال» التى وصل عمرها هذا عام 2006 إلى 114 سنة.

          كما يمكن فى الإطار ذاته أن نرصد بعض الملاحظات العامة التالية ذات الصلة بموضوع هذه الورقة:

          الأولى: أن الدوريات الثقافية كانت فى الأغلب الأعم صحافة نخبة .. تتوجه إلى عدد محدود من القراء مع استثناءات قليلة، لعل من أبرز ما درس منها، مجلة «الرسالة» التى أصدرها أحمد حسن الزيات بين عامى 1932 و 1952 والتى شهدت رواجا وصل بتوزيعها فى سنوات صدورها الأولى إلى عشرين ألف نسخة أسبوعيا، وهو رقم كبير جدا بمقاييس توزيع الصحف فى تلك السنوات، ولعل من أبرز الدوريات التى حققت رواجا ملحوظا ولا تزال تواصل الصدور مجلة «العربى» التى ارتفع عدد المطبوع منها فى بعض مراحل حياتها إلى ما يجاوز المائة ألف نسخة .

          الثانية: إن متوسط أعمار الدوريات الثقافية كان ينحو تدريجيا نحو الانخفاض، مما يدل على انكماش سوق قرائها، ومع أن بعضها قد واصل الصدور بانتظام لعدة عقود كان من أبرزها «المقتطف»- التى استمرت تصدر لمدة 67 سنة - بين 1885 و 1952 - إلا أن بعضها الآخر لم يعش سوى سنوات قليلة، ومنها «السفور» (1915 - 1925) و«الفجر» (1925 - 1927) والسياسة الأسبوعية التى لم تعش كمجلة ثقافية سوى أربع سنوات تحولت بعدها إلى مجلة سياسية عامة، بل إن بعضها مثل «الغد» لم تنتظم فى إصدارها الأول (953 - 954) إلا لثلاثة أعداد وهو ما حدث فى إصدارها الثانى (1959)

          الثالثة: أن الدورية الثقافية ظلت حتى النصف الأول من القرن العشرين من حيث الملكية مشروعا اقتصاديا فرديا يعتمد على حماس أصحابه للقيام بدور ثقافى أو إبلاغ رسالة مما يدفعهم لتحمل مخاطرة تمويله على الرغم من أنه لم يكن يحقق إلا هامشاً محدوداً من الربح، ويعتمدون فى ذلك على جهود تطوعية أو شبه تطوعية من الأدباء والكتاب والمثقفين الذىن كانوا يساهمون فى تحريرها بلا أجر أو مقابل مكافأت رمزية، وعلى موارد أخرى محدودة منها بعض الاعلانات التجارية ودعم حكومى يتمثل فى اشتراك بعض الهيئات الحكومية بعدد من النسخ توزعها على العاملين فيها أو تودعها فى مكتباتها وعلى حصة من الإعلانات القضائية التى يفرض القانون على أصحابها نشرها على نفقتهم مثل «البيوع الجبرية» و«التفليسات»، وكان القسم الأعظم منها هو إعلانات «فقد الأختام» التى كانت الدوريات الثقافية تنشرها عادة فى صفحتها الأخيرة فى إشارة غير مقصودة، إلى أن الأمية هى أحد أسباب عجز أصحاب هذه الدوريات عن العثور على قارىء يضمن لها مواصلة الصدور.

          وبسبب مصارع الدوريات الثقافية تحت وطأة العجز المالى وانكماش سوق قرائها الذى وصل إلى ذروته بتوقف مجلتى «الرسالة» و«الثقافة» عن الصدور عامى 1952 و 1953 دخلت الحكومات العربية إلى مجال إصدارها الدوريات الثقافية باعتبارها الأقدر على تحمل نفقات وخسائر هذا النوع من المطبوعات، فصدرت مجلة «الرسالة الجديدة» -1954- لتحل محل «الرسالة» عن «دار التحرير للطبع والنشر» وهى دار الصحافة المملوكة - آنذاك- للدولة لتحل محلها بعد خمس سنوات مجلة «المجلة» التى صدرت عن وزارة الثقافة المصرية عند انشائها فى عام 1958 وتتالت منذ ذلك الحين الدوريات الثقافية التى تصدر بتمويل مباشر أوغير مباشر من الحكومات العربية حتى كادت الدورية الثقافية المملوكة ملكية خاصة تختفى وإذا صدرت لا تعيش طويلا. وكان لذلك - بالطبع- جوانبه الإيجابية القليلة وجوانبه السلبية الكثيرة.

          الرابعة : أن الطابع الغالب على الدوريات الثقافية التى صدرت فى الأقطار العربية هو طابع المطبوعة الثقافية العامة التى تهتم بكل فروع الثقافة، وتجمع بين الاهتمام بالعلوم والفنون والآداب والعلوم الاجتماعية. ومع أن الدوريات الثقافية المتخصصة فى أحد هذه الفروع كانت من بواكير المطبوعات الثقافية فإن الغلبة فى عدد العناوين ظل للدوريات العامة وهو ما اضطر «المقتطف» التى صدرت فى البداية كمجلة ثقافية تهتم بالعلوم وحدها إلى توسيع نطاق اهتماماتها لتشمل الآداب والعلوم الاجتماعية وغيرها من الأنواع الثقافية.. بحكم أن الدورية الثقافية العامة أكثر قراء.

          ومع تطور المعارف والتوسع فى التعليم الجامعى واتساع نطاق التخصص فى العلوم والفنون وبروز الاتجاه فى صناعة الصحافة نحو الاهتمام بالمطبوعات المتخصصة لسد الاحتياجات الثقافية المتزايدة، توسع نطاق تخصص المطبوعة الثقافية العربية فلم تعد تقصر اهتمامها على مجال ثقافى كالآداب أو العلوم والفنون، بل أصبحت تتخصص فى فروع هذا المجال، ففى الآداب مثلا أصبح لدينا مجلات متخصصة فى الشعر وفى القصة وفى النقد الأدبى، وفى العلوم أصبح لدينا مطبوعات تتخصص فى الطب وأحيانا فى فرع منه مثل «الطب النبوى» أو علوم الفضاء أو الالكترونيات، وفى العلوم الاجتماعية أصبح لدينا مجلات فى التاريخ وعلم النفس والاقتصاد.

          وتعددت مستويات تخصص المطبوعة من حيث القارىء الذى تستهدفه، فالمجلة «الطبية» مثلا قد تكون عامة تتوجه إلى المرضى، وقد تكون مجلة أكاديمية متوجهة إلى الأطباء وتنشر أبحاثا فى الطب أو فى أحد فروعه لا يستطيع أن يفهمها غير المتخصصين، وتنوعت مجلات الأطفال من حيث الفئة العمرية التى تتوجه إليها فأصبحت هناك مجلات للطفل قبل سن المدرسة وأخرى له قبل سن المراهقة فضلاً عن مجلات تتوجه للفتيات أو المراهقين الصغار ومع تطور الاهتمام بالفنون صدرت مجلات للفنون الشعبية وللموسيقى .

          خامسا: ومع أن المواد المترجمة عن آداب اللغات الأخرى كانت - ولا تزال- بعض ما تهتم المطبوعة الثقافية، سواء كانت عامة أو متخصصة، بنشره، فقد برز الاتجاه لإصدار دوريات ثقافية تتخصص فى نشر المواد المترجمة من لغة أو أكثر من لغة، كان من أبرزها مجلة «المختار من ريدرز دايجست» وهى الطبعة العربية من المجلة الأمريكية المعروفة، وقد صدرت من القاهرة بين 1944 و 1947 ورأس تحريرها «فؤاد صروف» ثم صدرت مرة أخرى بين 1956 و 1967 برئاسة تحرير «محمد زكى عبدالقادر» ومجلة «الشرق» التى صدرت من القاهرة بين عامى 1956 و 1960 وتخصصت فى نشر مختارات من الثقافة السوفييتية، فضلاً عن مجلات مثل «الآداب الأجنبية» التى صدرت فى سوريا و«الثقافة العالمية» التى تصدر عن المجلس الوطنى للثقافة فى الكويت.

2- عن المشروع النهضوى العربى

          وربما لا يكون العثور على تعريف لـ «مشروع النهضة العربية» ميسرا بالقدر نفسه الذى عثرنا به على تعريف تقريبى للمجلة، أو الدورية، الثقافية، ومع ذلك يمكن القول ـ بشكل تقريبى كذلك ـ بأن هذا المشروع، هو مجموع الأفكار والممارسات والنظم والسياسات التى استهدفت ـ منذ بداية القرن التاسع عشر ـ النهوض بالأقطار العربية من أوضاع التخلف الاقتصادى والاجتماعى والسياسى والفكرى، التى كانت تسودها منذ العصور الوسطى، إلى أوضاع قريبة مما حققته الدول الأوروبية، التى عرفت ثورتين ساهمتا فى تقدمها، هما ثورة البخار والثورة الصناعية، حالت ظروف الأقطار العربية ـ التى كانت معظمها آنذاك، إيالات عثمانية - دون اللحاق بهما، فتدهورت أوضاعها، إلى أن نبهتها صدمة الاحتلال الفرنسى لمصر، إلى مدى ما وصلت إليه من تخلف، واكتشفت ـ عبر مقاومتها له ـ أنها تشكل جماعة وطنية متميزة، عن الكيان العثمانى الذى كانت تابعة له، وعن بقايا المماليك الذين كانوا يتوارثون حكمها، فشرعت، منذ بدايات القرن التاسع عشر، وبشكل متدرج، فى بناء دول وطنية عصرية، مستقلة وديموقراطية.

          ولأن مؤسس المشروع كان قائدا عسكريا هو «محمد على الكبير»، فقد شكل بناء جيش وطنى موحد يتكون من ابناء البلاد، ويخضع لقيادة الدولة، بذرته الأولى التى تفرعت عنها بعد ذلك كل ملامح النهضة من إنشاء المدارس المدنية، إلى بناء المصانع ومن شق الطرق، إلى بناء السفن، ومن تنظيم الرى وإقامة القناطر إلى إرسال البعثات إلى أوروبا، ومن إلغاء نظام الالتزام إلى استصلاح الأراضى البور وتوزيعها على قادة الجيش وأعيان البلاد، ومن تنظيم الادارة الحكومية، إلى اتباع سياسة اغلاق السوق، ومن إنشاء الترسانة البحرية، إلى إنشاء المطبعة الأميرية وإصدار الصحف بما فى ذلك المجلات الثقافية إذ كان الهدف من انشاء كل هذه  المؤسسات وتنفيذ كل هذه المشروعات، هو خدمة الجيش، وتوفير ما يحتاج إليه من إمكانات مادية وبشرية ولوجستية للقيام بمهمته الأساسية.

          ومع أن فائدة هذه المؤسسات لم تقتصر فى عهد «محمد على» على الجيش وحده، إذ استفادت الحياة المدنية بجانب منها، إلا أن هذه الفائدة تعاظمت بعد هزيمته فى آخر حروبه وتوقيعه معاهدة عام 1840 التى قلصت حجم وتسليح الجيش، مما وسع من نطاق نشاط مؤسسات النهضة، وخاصة فى عهد إسماعيل، الذى استأنف العمل فى مشروعها، بالسعى لتأكيد استقلال مصر الذاتى، والعمل على تحديث أوضاعها الاقتصادية والفكرية والسياسية، لتكون ـ كما قال ـ قطعة من أوروبا: من التوسع فى زراعة القطن وقصب السكر، إلى إقامة المحالج والمعاصر، وغيرها من الصناعات ومن التوسع فى التعليم وإرسال البعثات، إلى مد خطوط السكك الحديدية وشق قناة السويس وتوسيع الطرق وتخطيط المدن.. ومن إنشاء دار الأوبرا، إلى إصدار أول مجلة ثقافية عربية هى «روضة المدارس المصرية».

          ولم تكن النكسة التى لحقت بمشروع النهضة فى آواخر عهد محمد على، هى آخر النكسات التى تلقاها، إذ تعددت العقبات فى طريقه فعرقلت مسيرته، واضطرته فى بعض الأحيان للتراجع لأسباب، بعضها محلى يتمثل فى تجذر التخلف وما يرتبط به من تقاليد وعادات ومنظومات بدوية وريفية للقيم، فضلا عن التطور البطىء لقوى الانتاج، وانتشار الأمية، وغيرها من العوامل التى منحت قوة إضافية للتيارات المحافظة المعادية لمشروع النهضة.

          ومن بين الأسباب الدولية التى ساهمت فى إلزام مشروع النهضة موقف الدفاع، أن الأقطار العربية، ما كادت تشرع فى التخلص من التبعية العثمانية، حتى وقعت أسيرة للاحتلال الأوروبى، وأصبحت ساحة للصراع بين المعسكرات الدولية المتحاربة، خلال الحربين الكونيتين اللتين شهدهما القرن العشرون، ثم خلال الحرب الباردة التى تبعتهما.

          وكان أول الذين استفادوا من ذلك، هم المحافظون العرب، الذين ربطوا ربطا متعسفا بين النموذج النهضوى الأوروبى، الذى سعى رواد الحداثة الأوائل للتبشير به، وبين جيوش الاحتلال الأوروبى التى اجتاحت البلاد العربية والإسلامية، لينتقل «مشروع النهضة على النمط الأوروبى» ـ فى وجدان العوام وأقسام من النخبة ـ بفضل دعاية المحافظين النشطة، إلى خانة الأعداء، ويشيع الاعتقاد بأنه «مشروع تغريبى» يسعى لاحتلال الأمة وغزوها ثقافيا.

          وكان من الآثار السلبية لذلك اتساع الهوة بين رؤية المحافظين والمجددين العرب لمشروع النهضة ، لنفاجأ فى نهاية القرن العشرين بأننا أمام مشروعين يكادان يكونان متناقضين.

          وكان من بين مظاهر الارباك الذى أحدثه الاحتلال الأوروبى للاقطار العربية، لمسيرة مشروع النهضة، نشوب الخلاف بين النخب العربية، حول ترتيب أولويات النهضة، والخلل فى تحالفاتها الذى قادها أحيانا للتحالف مع أعدائها وهو ما نجد نموذجا له، فى الخلاف الذى نشب بين التيار الذى يمثله الزعيم الوطنى «مصطفى كامل»  ـ فى بداية القرن الماضى والتيار الذى كان يمثله ـ فى الفترة ذاتها ـ «أحمد لطفى السيد».

          فقد كان مصطفى كامل يرى أن الأولوية فى مشروع النهضة، ينبغى أن تكون لهدف التحرر من الاحتلال حتى لو أدى ذلك للتمسك بالسيادة التركية الشكلية على مصر، أو للتحالف مع حاكم مستبد هو «الخديو عباس حلمى الثانى» - الذى كان ينقم على المعتمد البريطانى أنه جرده من سلطته الديكتاتورية  وتصدى لفساده -  ومع أن «مصطفى كامل» كان ،كما يقول الأستاذ «غربال»، أول زعيم مصرى يتلقى تعليما مدنيا خالصا ،فقد اضطره حرصه على شعبيته لافساح صفحات «اللواء» للهجوم على دعوة «قاسم أمين» لتحرير المرأة، كما اضطره تحالفه مع «الخديو عباس» لمساندة الشيخ «عبدالخالق السادات» فى الدعوى التى اقامها ضد «الشيخ على يوسف» لأنه تزوج من ابنته وهو غير كفء لها، حرصا منه على الاحتفاظ بـ تأييد العوام والمحافظين لدعوته لجلاء بريطانيا عن مصر، أولا، وقبل أى شىء.

          وعلى الجانب الآخر، كان «لطفى السيد» يرى أن الاحتلال جاءت به ظروف دولية مرتبه، وسوف تذهب به ظروف دولية مرتبة كذلك، وأن الأولوية ينبغى أن تكون لمشروع النهضة، بنشر التعليم واصلاح الاقتصاد وتوسيع اختصاصات وحدات الحكم المحلى، ونشر الفكر العقلانى وتحرير المرأة.

          ومن بين مظاهر هذا الارتباك - كذلك- ما لاحظه الأستاذ «أحمد بهاء الدين» الذى تنبه إلى التناقض فى مواقف أعلام النخبة المصرية فى بداية القرن الماضى من مسألتى الاستقلال الوطنى والتقدم الاجتماعى، إذ رصد أن الثوريين المتشددين فى العداء للاحتلال كانوا يقفون فى معسكر المحافظين اجتماعيا، وأن المعتدلين فى المسألة الوطنية كانوا - على الصعيد الاجتماعى - كانوا من الثوريين الذين يدعون إلى الاستنارة.

          ومن بينها أيضا أن المشروع النهضوى العربى بدأ فى ظل القبضة المركزية القوية للدولة القومية التى أسسها «محمد على الكبير» وأدارها بشكل فردى على النحو الذى دفع الإمام «محمد عبده» إلى وصفه بأنه «كان مزارعا ماهرا وصانعا مقتدرا ومحاربا شديد البأس ولكنه كان لروح مصر قاتلا» مدللا على ذلك بأنه «لم يترك رأسا يستتر فيها ضمير: أنا .. إلا ونقاها عن رأس صاحبها».

          ومع أن المشروع شهد - فى مراحل تالية- ارتاء قبضة الدولة المركزية عن عنق النخبة الثقافية إلا أن ذلك لم يترك لهذه النخبة فرصة واسعة للتنفس بحرية، إذ كان إيقاع النهضة الاجتماعية والفكرية بطيئا، مما أبقى ظل المحافظين قائما كفزاعة اجتماعية، تعوض ارتخاء قبضة الدولة، لتظل النخبة محاضرة بين مطرقتهم وسندان الحكم المركزى خلال  سنوات طويلة عادت فى نهايتها قبضة السلطة المركزية لتشتد فى الجولة الثانية من محاولات إحياء مشروع النهضة على عهد  تصاعد المد القومى التحررى فى خمسينيات وستينيات القرن الماضى.

3- عن دور المجلات الثقافية فى مشروع النهضة

          وعند أى تناول للعلاقة بين المجلات الثقافية والنهضة العربية فى مصر، أو رصد للدور الذى لعبته هذه المجلات فى إذكاء الروح الوطنية وبلورة الشخصية القومية خلال القرن العشرين، لابد من التوقف عند عدد من الملاحظات الأساسية.

          الأولى: أن الصحافة المصرية والعربية بشكل عام لعبت دورا مهما ومؤثرا فى تخليق مشروع النهضة العربية خلال القرنين التاسع عشر والعشرين، وكانت المنبر الذى أذاع من فوقه أعلام هذا المشروع دعوتهم إليه، وتحاوروا مع بعضهم بعضا حول تفاصيله، وحشدوا حوله الانصار، كما كان ـ كذلك ـ أهم المنابر التى اعتلاها المحافظون ليقاوموا مشروع النهضة ويحولوا دون زحفه وليوجهوا من فوقه سهام الاتهام بالخروج عن التقاليد والمروق من الملة، للنهضويين العرب، ويحشدوا الرأى العام فى مواجهتهم.

          ويعود السبب فى هذا إلى عوامل من أهمها أن العرب، عرفوا الطباعة والصحافة فى الوقت الذى القيت فيه البذور الأولى لمشروع النهضة فى الأرض العربية، عبر المقاومة الشعبية المصرية للاحتلال الفرنسى، لمصر بين عامى (1799 ـ 1801) التى انتهت بتأسيس دولة «محمد على»، لتكون الصحافة ـ التى عرفها المصريون عبر ما أصدرته الحملة الفرنسية من صحف ومنشورات  أثناء الغزو ـ إحدى أدوات الدعوة لهذا المشروع، فتتالى  إصدار الصحف فى عهد محمد على وخلفائه، ليتسع تدريجيا هامش الحرية أمامها، ويتسع ـ بالتالى ـ تأثيرها، حتى إن العقد الأول من القرن العشرين، شهد تحول ثلاث شركات تأسست لاصدار الصحف، إلى ثلاثة أحزاب سياسية، ليضاف بذلك إلى مشروع النهضة أحد أهم العناصر التى كانت تنقصه.

          ويصعب ـ فى هذا السياق ـ وضع حد فاصل بين الدور الذى لعبته فى هذا المجال الصحف العامة، والدور الذى لعبته المجلات الثقافية، إذ ظلت المادة الثقافية تحتل قسما ملحوظا من صفحات الصحف العامة لسنوات طويلة، لأسباب من بينها أن مجتمع قراء الصحف ظل مقصورًا خلال تلك السنوات على النخبة المثقفة فى بلاد عربية كانت تسودها الأمية الألفبائية والثقافية، فضلا عن أن الركود السياسى  فى مجتمعات مغلقة، لم يوفر للصحف العامة، مادة إخبارية فى الشئون السياسية والاقتصادية تشغل صفحاتها.. فخصصت قسما منها للمواد الأدبية والثقافية.

          ولا يخلو من دلالة، أن أول صحيفة عربية، وهى «الوقائع المصرية» ـ التى أصدرها محمد على عام 1828 ـ كانت تنقسم إلى قسمين رئيسيين، أحدهما لنشر قرارات الوالى وأخبار الدولة، والثانى «القسم الأدبى» الذى كان ينشر فصولا من كتب التراث، ثم تطور بعد ذلك لينشر مقالات فى الفكر السياسى والاجتماعى، خاصة بعد أن أسندت رئاسة تحريرها إلى عدد من أعلام النهضة العربية، كان من بينهم «رفاعة الطهطاوى» و«أحمد فارس الشدياق» و«حسن العطار» و«صالح مجدى»  والشيخ «محمد عبده»..

          ومن مظاهر تداخل تاريخ ودور كل من الصحف العامة والمجلات الثقافية أن عددا من مشروعات إصدار صحف عامة بدأت كمشروع ثقافى، فقد صدرت «المقتطف» فى بيروت عام 1876 كمطبوعة شهرية ثقافية، قبل أن ينتقل بها أصحابها إلى القاهرة عام 1885، ليصدر أحد أصحابها الثلاثة، وهو «شاهين مكاريوس» عام 1886 مجلة ثقافية شهرية أخرى هى «اللطائف». وفى عام 1889 أصدر الفرسان الثلاثة «المقطم» ـ كجريدة «يومية سياسية تجارية أدبية»، وبرر ـ فارس نمر ـ الذى أدار تحريرها، إصدار هذه الصحيفة العامة، بأنه كان «ثمرة البحث عن إيجاد الوسائل الكفيلة بإدارة حركة مطبعة «المقتطف» لنستعين به على سد نفقاته ونفقاتنا لأن اصدار «اللطائف» ـ الأدبية ـ لم يحقق هذا الغرض».

          وكانت «المؤيد» ـ أحد أهم وأكبر الصحف اليومية السياسية أواخر القرن التاسع عشر وأوائل العشرين ـ هى الخطوة الثانية فى مشروع صحفى بدأه صاحبها «على يوسف» عام 1887 باصدار اسبوعية ثقافية هى مجلة «الآداب»، ظلت تصدر لمدة عامين قبل أن تترك الساحة لمشروع الصحيفة اليومية.

          ومن الشواهد على هذا التداخل بين تاريخ ودور الصحف السياسية العامة، والمجلات الثقافية، فى التبشير بمشروع النهضة، أن بعضها حرص على أن يصدر أسبوعيات يخصصها للشئون الثقافية، وكانت «المؤيد» من أوائل الصحف التى لجأت إلى ذلك، إذ أصدرت عام 1907 ـ وبعد 18 سنة من صدورها ـ مجلة ثقافية هى «المؤيد الاسبوعى» التى استمرت تصدر لمدة ثلاث سنوات.

          ومن أبرز الأسبوعيات الثقافية التى صدرت عن صحف يومية «السياسية الاسبوعية» ـ التى أصدرها «د.محمد حسين هيكل» ـ عام 1926 ـ عن جريدة «السياسة» ـ و«البلاغ الاسبوعى» التى صدرت فى العام نفسه عن جريدة «البلاغ» هذا فضلا عن ملاحق ثقافية كانت توزع مع بعض الصحف اليومية، فى أحد أيام الاسبوع، من أشهرها «ملحق الجمعة» الذى أصدرته جريدة «الأهرام» فى ستينيات القرن الماضى، وتبعتها صحف عربية أخرى كثيرة.

          والحقيقة أن الصحف العامة ظلت خلال النصف الأول من القرن العشرين، تكاد تكون ـ من حيث التخصص ـ صحفا نصف إخبارية/ نصف ثقافية، إذ كانت تفرد قسما مهما من صفحاتها للمواد الثقافية، ربما يصل إلى النصف، تشمل صفحات للأدب والفكر والصناعة والزراعة والفكر السياسى والاجتماعى والتاريخ وشئون الاجتماع وقضايا المرأة، كما كانت كل منها تحرص على استكتاب كبار الكتاب والمفكرين من أعلام النهضة فى كل هذه المجالات، وتتنافس فى دعوتهم للكتابة على صفحاتها، بل إن ضيق صفحات «السياسة اليومية» عن استيعاب كتابات الحشد الكبير من كبار الكتاب الذين اتخذوها منبرا للتعبير عن آرائهم، مع حرصها على نشر كتاباتهم، كان وراء تفكير  «د.محمد حسين هيكل» فى إصدار «السياسة الأسبوعية» كمجلة ثقافية مستقلة.

          فضلا عن ذلك فإن الصحف العامة لم تكن تبخل على المواد الثقافية بصدر صفحتها الأولى، بل كانت تخصصها فى كثير من الأيام، لدراسات جادة، ومتسلسلة فى الأدب، واللغة والعلوم والقانون والطب والاجتماع والآثار، أو لعرض الكتب والأفكار الحديثة، فضلا عن القصائد الجديدة لأعلام الشعراء العرب المعاصرين، مثل «شوقى» و«حافظ» و«مطران».

          والحقيقة أن الفصل الحاد بين الدور الذى لعبته الصحف العامة، والمجلات الثقافية فى التبشير بمشروع النهضة قد ينتهى بنا، إلى إهمال تأثير بعض أعلام النهضة، إذ يصعب معه أن نجد أثرا لرجل مثل «أحمد لطفى السيد» فى مشروع النهضة، لأن جهوده فى هذا الصدد، اقتصرت على ما كان يكتبه، أو ينشره لغيره من تلاميذه على صفحات صحيفة يومية عامة، هى «الجريدة» بينما لا نجد له أثارا كافية على صفحات الدوريات الثقافية التى عاصرته.

          ومع التطور فى أوضاع المجتمعات العربية سياسيا واجتماعيا خرجت من حالة الركود التى كانت تسودها، فتدفقت المادة الاخبارية على الصحف العامة، ومع دخول شرائح جديدة ممن تلقوا تعليما متوسطا إلى سوق قراء الصحف، بدأت هذه الصحف تركز على النواحى الاخبارية، باعتبارها  الوظيفة الأساسية لها، وتسعى لتوسيع نطاق قرائها، باستقطاب اشباه المتعلمين عبر تبسيط لغتها واهتماماتها، لتتراجع المادة الثقافية وتنحسر تدريجيا عن صفحاتها، وعبر رائد هذه الاتجاه «محمد التابعى» عن موقف أصحابه فى افتتاحية العدد الأول من صحيفة «المصرى» عام 1936، التى أعلن فيها أن مهمة الصحف هى تزويد القارئ بالأخبار، ومتابعة ما يهمه من شئون، وأن عهد نشر قصائد «شوقى» و«حافظ» و«مطران» و«الزهاوى» فى الصفحة الأولى للصحيفة قد انتهى إلى غير رجعة، وأنه لن ينشر فى الصفحة الأولى من «المصرى» أية قصيدة، حتى لو كانت لـ «ابو تمام» أو «البحترى».

          ومن البديهى أن المجلات الثقافية لم تكف خلال تلك السنوات ـ وما بعدها ـ عن التبشير بمشروع النهضة.

          ومن الصحيح أن قراء الصحف العامة ـ خلال المرحلة التى كانت فيها «نصف إخبارية/ نصف ثقافية» كانوا ـ أساسا ـ من النخبة..

          لكن من الصحيح ـ كذلك ـ أن تحول الصحف العامة إلى صحف شعبية، وتراجع تأثير المجلات الثقافية، قد حرم مشروع النهضة من دعم غير منكور، كانت الصحف العامة تساهم به، على العهد الذى كانت تفتح فيه صفحاتها لمناقشات جادة ـ وحادة ـ من نوع المعارك الفكرية التى دارت حول كتب  مثل «تحرير المرأة» لقاسم أمين، و«الاسلام وأصول الحكم» لعلى عبدالرازق، و«الشعر الجاهلى» لطه حسين.

 


 

صلاح عيسى   
7-2007 (69)
أبواب العدد
مقدمة
المحور الأول.. الإصلاح الثقافي
المحور الثاني.. مجلات ثقافية رائدة
المحور الرابع.. المجلات الثقافية في مصر
المحور الثالث.. المجلات النسائية
 

 
بريد كتاب العربي

نبذة عن العربي

فهرس الكتـّاب

ابواب كتاب العربي

 
 
 

Powered by:

 

جميع حقوق النشر والاقتباس محفوظة "لمجلة العربي" وزارة الإعلام - دولة الكويت  - 2013